روايات وقصص

الخلاصه حكايات اسما السيد

رجل أعمال مليونير ركب طيارة ليلة رأس السنة وهو متعصب ومستعجل… لحد ما بص ناحية آخر الطيارة وشاف حبيبته القديمة ومعاها توأم شبهه بشكل يخض! المطار ليلة رأس السنة كان عامل زي خلية نحل. عائلات بتجري ورا مواعيد الطيارات، أطفال ماسكين لعبهم، شنط في كل حتة، وإعلانات عن تأخير بعض الرحلات بتتكرر كل شوية.

 

وسط الزحمة دي، كانت مريم بتحاول توصل لبوابة الطيارة وهي شايلة شنطة على ضهرها، وبتسحب شنطة سفر صغيرة بإيد، وبالإيد التانية ماسكة طفلين توأم عندهم سنتين ونص.

— ماما… الطيارة ممكن تلمس السحاب؟

بصت مريم لابنها وضحكت.

— ممكن.

فكر شوية وسألها:

— طب السحاب بيتدغدغ لما الطيارة تلمسه؟

ضحكت رغم تعبها.

— السؤال ده تسأله للسحاب نفسه لما نطلع فوق.

الولد ما كانش بيسكت.

أي إجابة بالنسبة له كانت بداية لسؤال جديد.

أما أخته التوأم، فكانت العكس تمامًا.

هادية، حاضنة فيل لعبة صغير على صدرها، وبتبص للناس حواليها بحذر كأنها بتقرر مين فيهم يستاهل تطمن له.

مريم كانت بتربي الاتنين لوحدها.

بتشتغل ممرضة، وقضت شهور بتاخد ورديات زيادة علشان تقدر توفر مصاريف الرحلة دي.

لأول مرة هتاخد ولادها يقضوا رأس السنة مع جدهم وجدتهم.

المفروض تكون مبسوطة.

لكن المناسبات بالنسبة لمريم كان ليها طعم تاني.

لأنها كل مرة كانت بترجعها لذكرى شخص حاولت تلات سنين تنساه.

آدم.

الراجل اللي حبته.

واللي في يوم من الأيام كانت متأكدة إنها هتكمل باقي عمرها معاه.

ونفس الراجل اللي خرج من حياتها من تلات سنين بعد أسوأ خناقة حصلت بينهم.

—

دخلت مريم الطيارة أخيرًا.

وصلت للمقاعد اللي في آخر الطيارة تقريبًا، وقعدت التوأم جنبها.

بدأت تربط لهم الأحزمة وتحط شنطتهم الصغيرة تحت الكرسي.

لسه الطيارة ما اتحركتش…

لما سمعت صوت راجل جاي من ناحية درجة رجال الأعمال.

— أنا فاهم إن فيه ضغط على الرحلات… بس عندي عشا مهم جدًا، وكان المفروض نتحرك من بدري.

إيد مريم ثبتت مكانها.

قلبها دق بعنف.

لأ.

مستحيل.

رفعت راسها ببطء.

تلات سنين ممكن يغيروا شكل الإنسان.

ممكن يغيروا لبسه.

مكانته.

حتى الطريقة اللي بيعيش بيها.

لكن صعب يغيروا صوت كان في يوم من الأيام أقرب صوت لقلبك.

صوت شخص كان بينادي اسمك وإنتِ نايمة جنبه.

بصت ناحية أول الطيارة.

كان فيه راجل طويل واقف بيتكلم مع المضيفة.

بدلة غالية.

ساعة واضحة إنها مش عادية.

شعره متظبط بعناية.

وشخصيته كلها بتقول إنه راجل متعود الناس تسمع كلامه.

مفيش أي شبه تقريبًا بالشاب البسيط اللي كان عايش معاها زمان في شقة صغيرة، وأغلب عفشهم كان مستعمل.

وفجأة…

لف.

مريم حست إن نفسها اتقطع.

آدم.

هو.

لكن مش آدم اللي سابته من تلات سنين.

هي كانت عرفت بالصدفة إنه نجح.

مرة ظهر قدامها خبر عنه على الإنترنت.

الشركة الصغيرة اللي بدأها بكام موظف تحولت لمجموعة ضخمة قيمتها بالملايين.

قرأت الخبر مرة واحدة.

وبعدها بطلت تدور وراه.

كان وجع كفاية إنها تعرف إنه كمل حياته من غيرها.

— ماما… العصير وقع.

صوت ابنها رجعها للواقع.

بصت لقت العصير واقع قدامه.

— يا حبيبي، استنى…

نزلت بسرعة تنظف المكان.

وفي سرها كانت بتدعي:

يا رب ما يبصش وراه.

ساعتين بس.

كل اللي محتاجاه ساعتين.

الطيارة توصل.

تنزل هي وولادها وسط الزحمة.

وتختفي.

زي ما اختفت من حياته من تلات سنين.

—

الطيارة أقلعت.

عدت أول أربعين دقيقة بسلام.

مريم بدأت تصدق إنها ممكن فعلًا تعدي الرحلة من غير ما يشوفها.

لحد ما الطيارة دخلت في مطبات هوائية.

البنت خافت ومسكت في هدوم أمها.

— ماما…

حضنتها مريم.

— مفيش حاجة يا حبيبتي… ده السحاب بيرقص حوالينا بس.

أخوها ضحك.

بالنسبة له، كل مرة الطيارة تهتز كانت لعبة جديدة.

لكن فجأة حصلت هزة أقوى.

كام حاجة وقعوا في الممر.

واحدة من الراكبات احتاجت مساعدة.

آدم قام من مكانه وساعدها.

ولما خلص…

وقف للحظة.

وبص ناحية آخر الطيارة.

مريم شافته.

وقلبها وقع.

عينيه اتحركوا على الصفوف واحد ورا التاني.

لحد ما وصلوا عندها.

وساعتها…

كل حاجة وقفت.

مريم ما قدرتش تتحرك.

وآدم فضل واقف مكانه.

تلات سنين اختفوا في ثانية.

عرفها فورًا.

وشه اتغير.

الأول صدمة.

وبعدين عدم تصديق.

وبعدها حاجة شبه الوجع القديم اللي حاول يخبيه.

لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش مريم.

كانت الطفل اللي قاعد جنبها.

الولد رفع راسه وبص لآدم.

آدم اتجمد.

عيون خضرا.

نفس لون عينيه بالظبط.

الطفل فضل باصص له بفضول.

آدم نقل عينه ناحية أخته التوأم.

البنت كانت حاضنة لعبتها وساكتة.

لكن لما لفت وشها ناحيته…

لون آدم اتغير.

نفس العينين.

ونفس الغمازة الصغيرة اللي بتظهر ناحية خدها الشمال.

الغمازة اللي موجودة في وشه هو.

بص للولد.

وبعدين للبنت.

وبعدين لمريم.

مريم فهمت فورًا إيه اللي بيدور في دماغه.

سنتين ونص.

هما انفصلوا من حوالي تلات سنين.

وآخر ليلة بينهم…

مريم نفسها عمرها ما نسيتها.

الأرقام كانت بتتكلم لوحدها.

وش آدم اتحول من الصدمة لشيء تاني.

حسابات.

شك.

وبعدين استيعاب مرعب.

رجع لمقعده في أول الطيارة ببطء.

مريم طلعت النفس اللي كانت حابساه.

يمكن يستنى لما يوصلوا.

يمكن مش متأكد.

يمكن يعمل نفسه ما شافش حاجة.

يمكن…

لكنها كانت عارفة آدم كويس.

وكان المفروض تعرف إنه عمره ما كان من النوع اللي يقدر يعيش مع سؤال من غير إجابة.

عدت عشر دقايق.

وبعدين خمستاشر.

وفجأة سمعت خطوات وقفت جنب مقعدها.

ما رفعتش راسها.

كانت عارفة مين.

جسمها كله اتشد.

وجالها صوته من فوقها:

— مريم.

رفعت عينيها ببطء.

كان واقف قدامها.

نظراته مش عليها هي.

كانت على الطفلين.

الولد بص له وقال بمنتهى البراءة:

— إنت مين؟

آدم ما ردش.

فضل باصص في عينيه.

وبعدين سأل مريم بصوت واطي:

— عندهم كام سنة؟

مريم بلعت ريقها.

— آدم… مش هنا.

قرب شوية.

— سألتك عندهم كام سنة؟

البنت الصغيرة خافت من نبرة صوته، فقربتها مريم منها بسرعة.

— وطي صوتك… إنت بتخوفهم.

الجملة وقفته.

“بتخوفهم.”

بص للطفلين مرة تانية.

نزل صوته فعلًا.

وقال:

— سنتين ونص… صح؟

مريم ما ردتش.

لكنه ما كانش محتاج رد.

بص لها مباشرة.

— إحنا سيبنا بعض من تلات سنين.

سكت لحظة.

وبعدين قال الجملة اللي مريم كانت خايفة تسمعها من اللحظة اللي شافته فيها:

— مريم…

وصوته اتهز لأول مرة.

— الطفلين دول ولادي؟

مريم حسّت إن عينيها اتمَلوا دموع.

وقبل ما تقدر ترد…

الولد مد إيده الصغيرة ناحية آدم، ولمس الساعة اللي في إيده وقال ببراءة:

— عمو… عينيك زي عيني!

آدم اتجمد.

أما مريم…

فعرفت إن السر اللي قدرت تخبيه تلات سنين…

انتهى عمره في اللحظة دي.

لكن آدم لسه ما كانش يعرف السبب الحقيقي اللي خلاها تخبي عنه حملها…

ولما هيعرفه، هيكتشف إن اللي حصل بينهم من تلات سنين ما كانش مجرد خناقة وانفصال زي ما كان فاكر.

الفصل الأول: إيد من فوق… وإيد من تحت

آخر حاجة شوفتها قبل ما رجلي تسيب حافة السلم…

كانت عيني حماتي.

ماكانش فيهم خوف.

ولا حتى صدمة.

كان فيهم انتظار.

كأنها واقفة مستنية تسمع صوت جسمي وهو بيخبط في الأرض.

أنا كنت حامل في الشهر التامن، وبطني كانت تقيلة لدرجة إني بقيت بنزل السلم درجة درجة، وإيدي دايمًا ماسكة في الدرابزين.

لكن المرة دي…

ماكانش عندي فرصة أمسك في حاجة.

حسيت بإيديها في ضهري.

زقة واحدة.

قوية.

متعمدة.

صرخت:

— يااااااااااه!

الدنيا لفت بيا.

وفي اللحظة دي، ما فكرتش في نفسي.

حطيت إيديا الاتنين حوالين بطني وصرخت:

— ابني!

كنت متأكدة إني هقع على الأرض.

لكن فجأة سمعت صوت راجل بيصرخ من تحت:

— يا ساتر يا رب!

وبدل ما جسمي يخبط في الرخام…

خبطت في حد.

عم حسين.

مسؤول البيت.

الراجل اللي بقاله أكتر من عشرين سنة شغال عند عيلة جوزي.

كان شايل صندوق أدوات، رماه من إيده وجرى ناحيتي.

لحقني قبل ما رأسي تخبط في الأرض بثواني.

وقعنا إحنا الاتنين.

هو على ضهره…

وأنا بين دراعاته.

الألم ضرب بطني.

صرخت وأنا ماسكاها:

— ابني… ابني يا عم حسين!

رفع راسه بالعافية وصرخ:

— حد يطلب الإسعاف بسرعة!

في ثواني، البيت كله اتقلب.

أمينة خرجت من المطبخ.

سعاد جريت من ناحية الغسيل.

والسواق دخل من الباب الخارجي على صوت الصريخ.

كلهم شافوني.

وكلهم رفعوا عينيهم لفوق.

حماتي كانت واقفة عند أول السلم.

وشها أبيض.

إيديها بترتعش.

لكنها تماسكت بسرعة وقالت:

— هي وقعت! أنا كنت بجري ألحقها!

عم حسين بص لها.

نظرة عمري ما هنساها.

وقال:

— لأ يا هانم.

سكت البيت كله.

— أنا شوفتك وإنتِ بتزقيها.

حماتي شهقت:

— إنت اتجننت؟!

عم حسين طلع موبايله واتصل بالطوارئ.

وأنا بدأت أحس بحاجة دافية تحت هدومي.

بصيت…

ولقيت دم.

صرخت.

ومن اللحظة دي…

كل حاجة اتحولت لكابوس.

الفصل الثاني: “اختاروا الأم ولا الطفل”

وصلت المستشفى وأنا شبه غايبة عن الوعي.

كل شوية أفتح عيني ألاقي سقف العربية فوقي.

وأسمع المسعف بيقول:

— خليكي معايا يا مدام… ما تناميش.

وأنا أرد:

— ابني كويس؟

ولا حد يجاوبني.

لحد ما وصلنا.

دخلوني الطوارئ، وبعد الكشف الدكتور قال إن المشيمة اتأثرت بالسقوط، وإن نبض الطفل مش مستقر.

الدكتور سأل:

— الزوج فين؟

قلت وأنا بعيط:

— مسافر إسكندرية في شغل… كلموه.

الممرضة أخدت رقمه.

وبعد أقل من دقيقة رجعت.

— موبايله مقفول.

حسيت إني لوحدي في الدنيا.

لكن عم حسين كان واقف بره الباب.

إيده متجبسة مؤقتًا بسبب الوقعة.

ومع ذلك رفض يمشي.

بعد حوالي نص ساعة، الدكتور دخل وقال:

— إحنا محتاجين نعمل ولادة قيصرية طارئة.

قلبي وقف.

— دلوقتي؟ أنا لسه في الشهر التامن.

— استمرار الحمل أخطر.

بصيت له وسألته السؤال الوحيد اللي كان فارق معايا:

— ابني هيعيش؟

سكت لحظة.

وقال:

— هنحاول بكل اللي نقدر عليه.

وقبل ما يدخلوني العمليات…

سمعت صوت حماتي في الممر.

— أنا أمه! لازم أدخل لها!

عم حسين رد عليها:

— تقربي منها خطوة وأنا هطلب الأمن.

— إنت ناسي نفسك يا حسين؟!

— لأ يا هانم… لأول مرة من سنين أنا فاكر نفسي كويس.

دخلت العمليات وأنا مش فاهمة قصده.

لكن بعد ساعات…

هفهم.

وهعرف إن عم حسين كان ساكت على أسرار كتير في البيت ده.

الفصل الثالث: مكالمة جوزي

لما فتحت عيني…

أول حاجة عملتها حطيت إيدي على بطني.

فاضية.

صرخت:

— ابني فين؟!

الممرضة جريت عليا.

— اهدي… ابنك اتولد.

— عايش؟

ابتسمت.

— عايش، الحمد لله. موجود في الحضانة وبيحتاج متابعة لأنه اتولد بدري.

انهرت في العياط.

مش عياط حزن.

كان جسمي كله بيطلع الخوف اللي اتحبس جواه.

بعدها بدقايق دخل جوزي، خالد.

كان وشه مخضوض.

قرب مني:

— ندى!

مد إيده يمسكني.

بعدتها.

قال:

— مالك؟

بصيت له.

— أمك زقتني من السلم.

وشه اتجمد.

— إيه؟

— أمك حاولت تقتلني أنا وابنك.

سكت ثواني.

وبعدين قال الجملة اللي كسرت حاجة جوايا:

— ندى… أكيد إنتِ فهمتي غلط.

بصيت له مش مصدقة.

— فهمت غلط وأنا بطير من الدور التاني؟

— أمي مستحيل تعمل كده.

— عم حسين شافها.

سكت.

قلت:

— وأمينة وسعاد والسواق كانوا موجودين بعدها.

خالد مسح وشه بإيده.

— طيب… نستنى لما نفهم.

ضحكت.

وأنا دموعي بتنزل.

— نستنى نفهم إيه يا خالد؟ نستنى لما ابنك يموت؟

رفع صوته:

— ما تقوليش كده!

وفي اللحظة دي…

الباب اتفتح.

دخل عم حسين.

وفي إيده حاجة صغيرة سودا.

حطها على الترابيزة.

وقال:

— عشان ماحدش يقول إن الست ندى فهمت غلط.

خالد بص للجهاز.

— إيه ده؟

قال عم حسين:

— تسجيل.

الفصل الرابع: التسجيل

خالد مسك الجهاز.

كان جهاز تسجيل صوت صغير.

عم حسين قال:

— والدك الله يرحمه كان مركب نظام تسجيل عند مدخل المكتب والسلم بعد ما حصلت سرقات من كام سنة. الكاميرات القديمة اتشالت، لكن جهاز الصوت فضل شغال لأنه متوصل بالنظام.

خالد بص له:

— وإنت متأكد إنه سجل؟

— سمعته.

حماتي كانت وصلت المستشفى ومعاها محامي العيلة.

وأول ما عرفت إن فيه تسجيل، طلبت تشوفه.

عم حسين رفض.

وقال:

— التسجيل هيتسلم للجهات المختصة.

صرخت فيه:

— إنت خدام عندنا!

عم حسين رد بهدوء:

— أنا موظف… مش شاهد زور.

خالد ضغط تشغيل.

سمعنا صوت خطواتي.

وبعدين صوت حماتي:

— استني يا ندى.

صوتي:

— نعم يا طنط؟

ثم صوتها، واضح جدًا:

— قولتلك تبعدي خالد عن موضوع الشركة.

قلت:

— وأنا قولت لحضرتك ماليش دعوة بشغله.

سكتة.

ثم صوتي:

— حضرتك بتقربي مني كده ليه؟

وبعدها…

صوت احتكاك.

صرختي.

ثم صوت حماتي، منخفض لكنه واضح:

— يا رب تخلص.

خالد وقع الجهاز من إيده.

بص لأمه.

— إنتِ قلتي إيه؟

هي اتلخبطت.

— التسجيل متفبرك.

عم حسين قال:

— فيه أكتر.

رفع خالد الجهاز.

وكمل.

بعد سقوطي بثواني، قبل ما العاملين يوصلوا، كان صوت حماتي مسجل وهي بتقول لنفسها:

— قولي إنها زحلقت… قولي إنها زحلقت.

خالد قعد على الكرسي.

وأمه لأول مرة…

ماعرفتش تقول كلمة.

لكن المفاجأة الحقيقية ماكانتش محاولة قتلي.

كانت كلمة واحدة قالتها قبل ما تزقني:

الشركة.

وأنا ماكنتش أعرف أصلًا إيه علاقة حملي بشركة جوزي.

الفصل الخامس: السر اللي خالد خباه عني

بعد ما حماتي خرجت مع المحامي، سألت خالد:

— إيه حكاية الشركة؟

ما ردش.

قلت:

— لو فضلت ساكت، اعتبر إن جوازنا انتهى من اللحظة دي.

قعد قدامي.

وقال:

— أبويا قبل ما يموت عدّل وصيته.

— وبعدين؟

— كتب جزء كبير من حصته لأول حفيد يتولد لي.

اتصدمت.

— يعني إيه؟

— يعني ابني… لما يتولد حي، يبقى له نصيب في أسهم العيلة تحت وصايتي لحد ما يكبر.

بدأت أفهم.

— وأمك؟

خالد نزل عينه.

— كانت بتدير الأسهم دي مؤقتًا.

شهقت.

— يعني ولادة ابني بتسحب منها السيطرة؟

ما ردش.

وده كان كفاية.

قلت:

— وإنت كنت عارف إنها متضايقة من حملي؟

— كانت بتتكلم… لكن عمري ما تخيلت—

قاطعته:

— كانت بتتكلم إزاي؟

سكت.

— خالد!

قال:

— قالت مرة إن الحمل ده جه في أسوأ توقيت.

قلبي برد.

— وإنت ماقولتليش؟

— افتكرتها كلمة غضب.

بصيت ناحية الحضانة من ورا الزجاج.

ابني الصغير كان نايم وسط الأجهزة.

أنابيب أصغر من صوابعي حوالين جسمه.

وقتها فهمت.

حماتي ماكانتش بس بتكرهني.

هي كانت شايفة الطفل اللي جوايا تهديد.

لكن كان فيه سؤال أهم:

إزاي عرفت تفاصيل وصية المفروض إنها سرية؟

الإجابة ظهرت تاني يوم.

لما المحامي القديم بتاع والد خالد وصل المستشفى.

الفصل السادس: الورقة الناقصة

المحامي اسمه الأستاذ فؤاد.

راجل كبير، أول ما دخل قال لخالد:

— أنا جيت أول ما عرفت اللي حصل.

وبعدين بصلي.

— سلامتك يا بنتي.

طلع ملف.

وقال:

— فيه حاجة لازم تعرفوها.

فتح الوصية.

وقال إن والد خالد ماكتبش الأسهم للحفيد وبس.

كان فيه شرط إضافي.

لو تعرض الطفل أو والدته لأي محاولة متعمدة تمنع تنفيذ الوصية…

يتم تجميد سلطة أي فرد من العائلة يثبت تورطه لحين الفصل القانوني.

خالد قال:

— أبويا كتب الكلام ده ليه؟

الأستاذ فؤاد سكت.

ثم قال:

— لأنه كان خايف.

— من مين؟

بص ناحية الباب.

— من والدتك.

خالد وقف.

— إيه الكلام ده؟

المحامي فتح ظرف قديم.

طلع منه جواب بخط والد خالد.

كان كاتب فيه إنه اكتشف قبل وفاته إن مراته كانت بتحاول تنقل أصول من الشركة لحسابات تخصها.

ولما واجهها…

هددته إنها “مش هتسيب حد ياخد اللي بنته طول عمرها”.

خالد قعد.

أنا قلت:

— يعني هي كانت عارفة الوصية؟

الأستاذ فؤاد قال:

— كانت تعرف جزء منها.

— مين قال لها؟

سكت.

ثم قال:

— الشخص اللي سرب لها التفاصيل هو اللي لازم نقلق منه دلوقتي.

وفي اللحظة دي…

موبايل خالد رن.

بص للشاشة.

وشه اتغير.

قال:

— ده أخويا.

رد.

جاله صوت أخوه مذعور:

— خالد… إلحق.

— فيه إيه؟

— أمي رجعت البيت.

— وبعدين؟

— دخلت مكتب أبويا القديم وقفلت على نفسها…

والملفات اختفت.

الفصل السابع: الشاهد اللي كانوا ناسيينه

الشرطة وصلت البيت قبل ما حماتي تقدر تمشي.

لكنها أنكرت كل حاجة.

قالت إنها دخلت المكتب تدور على أوراقها الشخصية.

أما الملفات…

فقالت إنها ماتعرفش عنها حاجة.

لكن عم حسين طلب يتكلم.

قال:

— فيه حاجة ماقولتهاش.

خالد سأله:

— إيه؟

عم حسين قال:

— قبل الحادث بيومين، سمعت الهانم بتتكلم في التليفون.

— بتقول إيه؟

— كانت بتقول: “بعد يومين الموضوع كله هينتهي… بس الورق لازم يختفي.”

سألته:

— عرفت كانت بتكلم مين؟

قال:

— لأ.

وبعدين سكت لحظة.

— بس فيه حد ممكن يعرف.

طلع موبايله.

ورانا صورة.

كانت حماتي واقفة قدام باب البيت ليلة قبل الحادث.

قدامها عربية.

وجنب العربية…

راجل.

خالد قرب الصورة.

وشه اتجمد.

— مستحيل.

قلت:

— مين ده؟

رد:

— المستشار المالي بتاع أبويا.

نفس الشخص اللي كان عنده نسخة من تفاصيل الوصية.

الفصل الثامن: الصفقة

التحقيقات بدأت تكشف حاجات أكبر بكتير من اللي توقعناها.

المستشار المالي كان بيساعد حماتي من سنين في تحويل مبالغ من بعض الشركات الفرعية.

مش سرقة مباشرة بالشكل الساذج.

عقود.

شركات وسيطة.

فواتير استشارات.

فلوس بتتحرك من مكان لمكان لحد ما يصعب تتبعها.

وولادة ابني كانت هتعمل مشكلة.

لأن انتقال الأسهم كان هيستلزم مراجعة حسابات وتقييم أصول.

يعني الدفاتر هتتفتح.

وكل حاجة ممكن تتكشف.

فأنا ماكنتش الهدف الحقيقي.

ابني كان المفتاح اللي هيفتح الخزنة المقفولة.

وحينها فهمت ليه حماتي كانت طول فترة حملي بتضغط عليا أسافر أولد بره.

وليه كانت بتقنع خالد إننا نأجل تسجيل بعض إجراءات الميراث.

وليه غضبت لما رفضت أسيب البيت قبل الولادة.

لكنها عملت غلطة واحدة.

افتكرت إن العاملين في البيت مجرد ناس مالهمش قيمة.

ماعرفتش إن كل واحد فيهم شاف جزء.

عم حسين شاف الزقة.

أمينة سمعتها قبلها بساعة وهي بتتخانق معايا.

السواق شاف المستشار المالي داخل البيت بالليل.

وسعاد كانت عندها المفاجأة الأكبر.

قالت للشرطة:

— أنا عندي حاجة.

طلعت موبايل قديم.

وقالت:

— الهانم طلبت مني أرميه من أسبوع.

الجهاز كان بتاع والد خالد.

وكان لسه عليه نسخة احتياطية من رسائل قديمة.

الفصل التاسع: رسالة من الميت

من بين الرسائل كانت فيه رسالة والد خالد باعتها للأستاذ فؤاد قبل وفاته بأسابيع:

“لو حصل لي شيء قبل ما أتمم مراجعة الحسابات، راجع تحويلات شركة النور للاستشارات.”

شركة النور.

الاسم نفسه ظهر في الأوراق اللي المستشار المالي حاول يخفيها.

لكن الرسالة الأهم كانت لخالد نفسه.

ماوصلتلوش وقتها بسبب مشكلة في المزامنة.

كان أبوه كاتب:

“يا خالد، أنا عارف إن أمك أمك، ومهما حصل هتفضل تحبها. لكن الحب ماينفعش يخلينا عميان. لو جه اليوم اللي تضطر تختار فيه بين السكوت عن الغلط وحماية بيتك، اختار الحق.”

خالد قرأ الرسالة مرة.

واتنين.

وبعدين انهار.

أول مرة أشوفه بيعيط بالشكل ده.

قال لي:

— أنا خذلتك.

ما رديتش.

قال:

— لما قولتي إن أمي زقتك… أول حاجة عملتها إني دافعت عنها.

قلت:

— أيوه.

— وأنا آسف.

بصيت له.

— الاعتذار مش هيمسح اللحظة دي يا خالد.

هز راسه.

— عارف.

— ومش معنى إنك أخيرًا صدقتني إن كل حاجة رجعت زي الأول.

— عارف.

لأول مرة…

ما حاولش يبرر.

الفصل العاشر: المواجهة

بعد أيام، سمحوا لي أشوف ابني عن قرب.

دخلت الحضانة.

إيدي كانت بتترعش وأنا بحط صباعي جنب كفه الصغير.

فجأة…

مسك صباعي.

عيطت.

قلت له:

— إنت ماتعرفش عملت إيه يا حبيبي.

الطفل اللي لسه مايعرفش اسمي…

كشف عيلة كاملة.

خالد كان واقف ورايا.

قال:

— نسميه إيه؟

كنت فكرت في أسماء كتير طول الحمل.

لكن بعد اللي حصل…

قلت:

— يوسف.

ابتسم.

— يوسف.

بعدها بأيام، التحقيقات وصلت لمرحلة قلبت موقف حماتي تمامًا.

التسجيل الصوتي اتفحص.

شهادات العاملين اتاخدت.

والملفات المالية اتجمعت.

والمستشار المالي…

قرر يتكلم.

لما عرف إن الأدلة بتقرب منه، حاول ينقذ نفسه.

قدم رسائل ومحادثات بينه وبين حماتي.

من ضمنها رسالة قبل الحادث بيوم:

“بكرة ندى هتكون لوحدها فترة الظهر. بعدها كل شيء يرجع زي ما كان.”

حماتي قالت إن المقصود إني كنت همشي من البيت.

لكن رسالة بعدها كانت أوضح:

“المهم مايبقاش فيه طفل يفعّل البند.”

انتهى الكلام.

الفصل الحادي عشر: “سامحيني عشان أنا أمه”

قبل إحدى جلسات التحقيق، طلبت حماتي تشوفني.

رفضت في الأول.

لكن بعدها وافقت.

دخلت الأوضة.

ماكانتش نفس الست.

لا دهب.

لا هدوم غالية.

لا صوت عالي.

قعدت قدامي.

قالت:

— أنا غلطت.

سكت.

— الشيطان لعب في دماغي.

فضلت ساكتة.

— كنت خايفة كل حاجة تضيع.

قلت:

— فقررتي تضيعي ابني؟

نزلت عينيها.

— ماكنتش في وعيي.

ضحكت.

— لأ.

رفعت عينها.

قلت:

— إنتِ كنتِ واعية جدًا. لدرجة إنك جهزتي الكذبة قبل ما الإسعاف يوصل.

بدأت تعيط.

— سامحيني.

— مش من حقي أسامحك في حق ابني.

— عشان خالد.

— خالد مش هيكون جسر ترجعي منه لحياتنا.

قامت.

وقبل ما تخرج قالت:

— أنا أمه.

رديت:

— وأنا أم يوسف.

وبين أمومتك وأمومتي فرق…

أنا مستعدة أخسر كل حاجة عشان ابني يعيش.

إنتِ كنتِ مستعدة تقتليه عشان ما تخسريش حاجة.

ما ردتش.

خرجت.

وكانت دي آخر مرة دخلت فيها حياتي كحماتي.

بعد كده…

بقت مجرد متهمة في قضية.

الفصل الثاني عشر: الحكم الحقيقي

القضية أخدت شهور.

والتحقيق المالي أخد أطول.

مش كل حاجة اتحسمت في يوم وليلة.

لكن اللي اتحسم بسرعة…

إن حماتي ماعادش ليها مكان قريب مني أو من ابني.

صدر قرار قانوني يمنعها من الاقتراب مننا خلال سير القضية، واتجمدت صلاحياتها المتعلقة بالأصول محل النزاع.

أما المستشار المالي…

فواجه هو كمان التحقيق في التحويلات والتلاعب بالمستندات.

وخالد؟

خالد طلب مني نرجع البيت.

رفضت.

قلت له:

— البيت اللي كنت هموت فيه مش هرجعله.

باع نصيبه في الفيلا بعد فترة.

واستأجر شقة قريبة من المستشفى لحد ما يوسف خرج من الحضانة.

ماطلبتش منه يعمل كده.

وما اعتبرتش ده بطولة.

كان بيحاول يصلح اللي يقدر عليه.

أما جوازنا…

فما رجعش طبيعي بالسحر.

دخلنا شهور من المواجهات.

أنا كنت غضبانة منه.

مش لأنه زقني.

لكن لأنه لما قلت له مين زقني…

شك فيا.

وفي يوم قلت له:

— يمكن في يوم أسامحك. بس الثقة مش كلمة بتتقال.

رد:

— وأنا مش هطلبها. هحاول أستحقها.

ودي كانت أول إجابة صح يقولها من يوم الحادث.

الفصل الأخير: عم حسين

بعد سنة تقريبًا…

عملنا عيد ميلاد يوسف الأول.

حفلة صغيرة جدًا.

أنا.

خالد.

أهلي.

وأربع أشخاص أصريت إنهم يكونوا موجودين:

أمينة.

سعاد.

السواق.

وعم حسين.

لما عم حسين دخل، يوسف كان بيحاول يمشي.

مد إيده الصغيرة ناحيته.

عم حسين شاله.

وقال وهو بيضحك:

— ده تقيل أهو… أمال يومها كنت خفيف ليه؟

ضحكنا كلنا.

وبعدين عينه دمعت.

بصيت له وقلت:

— عم حسين…

— نعم يا بنتي؟

— أنا عمري ما هعرف أردلك اللي عملته.

هز راسه.

— أنا ماعملتش حاجة.

قلت:

— إنت أنقذت ابني.

بص ليوسف.

وقال:

— ربنا هو اللي نجاه. أنا كنت واقف في المكان الصح بس.

خالد قرب منه.

ومد له ظرف.

عم حسين رفض.

— لو فلوس مش هاخد.

خالد ابتسم.

— مش فلوس.

فتح الظرف.

كانت أوراق شقة صغيرة اتسجلت باسمه.

عم حسين اتصدم.

— يا خالد بيه…

خالد قال:

— أبويا كان دايمًا يقول إن البيت مش حيطان… البيت ناس أمينة عليه. وإنت كنت أمين على بيته أكتر من ناس شايلة اسمه.

عم حسين عيط.

وأنا بصيت ليوسف.

الطفل اللي حماتي كانت فاكرة إن سقوط واحد ممكن يمحي وجوده…

كان واقف قدامي.

بيضحك.

بيتنفس.

وبيحاول يمشي.

بعد شوية خرجت للبلكونة.

خالد جه وقف جنبي.

سألني:

— بتفكري في إيه؟

بصيت ناحية السلم الداخلي.

نفس شكل السلم اللي كنت بخاف أبص له شهور.

قلت:

— بفكر إن ثانية واحدة غيرت حياتنا.

قال:

— لو عم حسين ماكانش موجود…

قاطعته:

— ماتكملش.

سكت.

بعدين قلت:

— زمان كنت فاكرة إن أخطر شخص هو اللي بيكرهك في وشك.

بصيت له.

— طلعت غلطانة.

— أمال مين؟

قلت:

— أخطر شخص هو اللي مقتنع إن من حقه يدمرك… عشان يحافظ على اللي شايف إنه ملكه.

من جوه، سمعنا يوسف بيضحك.

رجعت بسرعة.

كان واقف لوحده.

من غير ما حد يسنده.

خطا خطوة.

وبعدين خطوة تانية.

وقبل ما يقع…

مديت إيدي ولحقته.

حضنته.

وبوسته.

وضحكت وأنا بعيط.

يمكن دي كانت عدالة الحياة بطريقتها.

من سنة…

حد مد إيده عشان يوقعني وأنا شايلة يوسف جوايا.

والنهارده…

أنا اللي بمد إيدي عشان ألحق يوسف وهو بيتعلم يقف على رجليه.

والفرق بين الإيدين…

كان هو الفرق بين عيلة حاولت تدفن الحقيقة…

وناس بسيطة قررت تشهد بيها.

تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى