على متن طائرة حكايات اسما السيد 3 والاخير

الفصل الرابع — أبو ليان الحقيقي
قلت:
— أبو ليان الحقيقي… مين؟
أحمد رد بصوت خافت:
— أبويا.
فضلت باصة له.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وكأني مستنية يضحك ويقول إنه غلط في الكلام.
لكن وشه ماكانش فيه أي حاجة تقول إنه بيهزر.
بصيت لهبة.
كانت بتعيط.
قلت:
— يعني إيه أبوك؟
أحمد قفل عينه لحظة.
ثم قال:
— هبة كانت تعرف سامح من قبل ما إحنا نتجوز. كانوا بيحبوا بعض فعلًا، وكانوا ناويين يتجوزوا.
هبة قالت وسط دموعها:
— سامح كان كل حياتي.
أحمد كمل:
— لكن في فترة حصلت مشاكل بينهم. سامح سافر شغل حوالي شهرين، وهبة كانت بتروح البيت عندنا أوقات عشان تساعد أمي اللي كانت عاملة عملية.
بصيت لهبة.
قالت:
— والد أحمد كان بيعاملني كويس جدًا قدام الكل.
وبعدين صوتها اتغير.
— وبعد فترة بدأ يقرب مني بالكلام.
أحمد بص ناحية الأرض.
هبة قالت:
— كنت صغيرة، ومتوترة، وسامح كان بعيد ومشاكلنا زادت. والدهم استغل الفترة دي.
أنا ماعلقتش.
هبة كملت:
— غلطت.
سكتت.
— مرة واحدة.
أحمد قال:
— لما سامح رجع، هما اتصالحوا. وبعدها بفترة قصيرة هبة اكتشفت إنها حامل.
قلت:
— وماعرفتش الطفل ابن مين؟
هبة هزت راسها.
— لأ.
أحمد كمل:
— سامح عرف كل حاجة.
بصيت له.
— وعمل إيه؟
— اتخانق مع هبة.
هبة نزلت راسها.
أحمد قال:
— وبعدها واجه أبويا.
قلت:
— ووالدك اعترف؟
— أيوه.
بلعت ريقي.
— وسامح كان لسه ناوي يتجوزها؟
هبة رفعت عينها.
— قال لي إن الطفل مالوش ذنب.
دموعها نزلت.
— وقال لو ربنا كتبله يعيش، هيعتبره ابنه مهما كانت النتيجة.
سكتنا.
أحمد قال:
— لكن سامح مات بعدها بأيام في حادثة.
قلت:
— حادثة؟
أحمد اتردد.
لاحظت.
قلت:
— ليه اترددت؟
— لأن سامح ليلة ما مات كلمني.
— وقالك إيه؟
أحمد قال:
— قال إن أبويا هدده.
قلبي انقبض.
— هدده بإيه؟
— إنه لو فضح الموضوع أو حاول يتجوز هبة، هيحرمه من كل حاجة، وهيشوه سمعة هبة قدام العيلة.
هبة قالت:
— سامح ماخافش.
أحمد كمل:
— وقال لي إنه كان رايح يقابل أبويا الليلة دي.
سألته:
— وبعدين مات في حادثة؟
— أيوه.
الصمت اللي حصل بعد الجملة دي كان تقيل.
قلت:
— إنت شاكك إن أبوك له علاقة بالحادثة؟
أحمد رفع عينه بسرعة.
— ماعنديش دليل.
— لكنك شاكك.
ما ردش.
وده كان الرد.
قلت:
— وليه ما قلتليش كل ده؟
أحمد قال:
— بعد موت سامح، هبة كانت حامل. وأبويا بدأ يدور عليها.
هبة قالت:
— كان عايزني أختفي.
— ليه؟
أحمد رد:
— عشان لو الطفل طلع ابنه، مافيش حاجة تفضحه.
قلت:
— وإنت ساعدتها تختفي.
— أيوه.
— خمس سنين.
— أيوه.
ضحكت بوجع.
— وكل ده وأنا عايشة معاك.
أحمد قال:
— أنا كنت بحاول أحميهم.
بصيتله.
— وإحنا؟ كنت بتحمينا إحنا من إيه؟
سكت.
قلت:
— كنت بتكذب عليا كل أسبوع.
— عارف.
— ابنك كان بيستناك.
— عارف.
— وأنا كنت بصدق كل رحلة وكل تدريب وكل تأخير.
أحمد قرب خطوة.
— أنا آسف.
قلت:
— الاعتذار مش هيرجع الثقة.
آدم كان واقف جنبي.
ساكت.
لكن فجأة قال:
— ماما، نمشي؟
بصيتله.
— أيوه.
أحمد قال:
— لازم نقرر هنعمل إيه.
لفيتله.
— إنت قررت لوحدك خمس سنين.
مسكت آدم.
وقبل ما أمشي، هبة قالت:
— أنا آسفة.
وقفت.
بصيت لها.
قالت:
— أنا عمري ما كان بيني وبين أحمد أي حاجة.
قلت:
— أنا مصدقاكي.
أحمد رفع عينه.
واضح إنه ماكانش متوقع الجملة.
قلت:
— المشكلة مش خيانة بين راجل وست.
بصيتله.
— المشكلة إن جوزي عاش نص حياته في السر.
ومشيت.
الفصل الخامس — الرسالة اللي سامح سابها
رجعنا البيت أنا وآدم.
أول ما دخلنا، آدم حط شنطته على الأرض.
وطلع الرسمة.
فضل باصص لها شوية.
وبعدين مزقها نصين.
قلت بسرعة:
— آدم!
قال:
— مش عايزها.
— حبيبي…
— هو عنده ليان.
الجملة وجعتني.
قعدت قدامه.
— ليان مش واخدة مكانك.
قال:
— بس هو كان معاها وأنا لأ.
ماعرفتش أجادله.
لأن الطفل مش شايف أسرار وحماية وخوف.
شايف أبوه اللي كان بيغيب عنه عشان يشوف طفلة تانية.
حضنته.
وبعد ساعة تقريبًا، أحمد رجع.
آدم دخل أوضته أول ما سمع المفتاح.
أحمد شاف الرسمة المقطوعة.
وقف قدامها.
وشه اتكسر.
قلت:
— ماتدخلش عليه دلوقتي.
هز راسه.
وقعد.
فضلنا ساكتين.
ثم طلع ظرف من شنطته.
وحطه قدامي.
قلت:
— إيه ده؟
— سامح سابهولي.
فتحت الظرف.
كان فيه فلاشة صغيرة.
وورقة.
قال أحمد:
— سامح اداهالي قبل ما يموت بيوم.
— ومافتحتهوش؟
— فتحته بعد موته.
— وإيه عليه؟
أحمد شغل اللابتوب.
فتح ملف صوت.
صوت سامح خرج.
قديم.
متعب.
“أحمد… لو إنت بتسمع ده، يبقى غالبًا أنا ماقدرتش أحل الموضوع بنفسي.”
بصيت لأحمد.
صوت سامح كمل:
“أنا عارف إن هبة غلطت. وعارف إن أبويا غلط أكتر منها لأنه كان أكبر وعارف هو بيعمل إيه.”
هبة ماكانتش موجودة، لكن صوتها كان حاضر في كل كلمة.
سامح قال:
“الطفل اللي في بطن هبة ممكن يكون ابني… وممكن يكون ابن أبويا. وأنا ناوي أربيه في الحالتين.”
سكت التسجيل لحظة.
ثم:
“المشكلة مش الطفل. المشكلة إن أبويا عايز يمحي كل حاجة.”
حسيت جسمي يقشعر.
سامح كمل:
“النهارده هدّدني. قال لي لو فتحت بقي، هبة هتدفع الثمن.”
أحمد وقف التسجيل.
قلت:
— كمله.
ضغط تشغيل.
“لو حصل لي حاجة… أحمد، ماتثقش في رواية أبويا لوحده.”
الصوت انقطع.
بصيت لأحمد.
— الشرطة سمعت التسجيل ده؟
— لأ.
صرخت:
— إيه؟!
— كنت خايف.
— خايف من إيه؟
— أبويا كان وقتها ليه نفوذ كبير.
قلت:
— وأنت خبيت تسجيل أخوك ست سنين؟
— أيوه.
وقفت.
— إنت فاهم إنت عملت إيه؟
قال:
— كل يوم.
قلت:
— لأ، مش فاهم.
أشرت للابتوب.
— لو موت أخوك مش حادثة، إنت خبيت أهم حاجة ممكن تثبت ده!
أحمد قال:
— التسجيل مافيهوش اتهام مباشر.
— بس فيه تهديد!
— عارف.
قعدت.
كنت حاسة إن دماغي هتنفجر.
سألته:
— تحليل DNA اتعمل لليان؟
قال:
— من سنة.
قلبي وقف.
— والنتيجة؟
— أبويا هو الأب.
غمضت عيني.
يعني كل شيء بقى مؤكد.
قلت:
— أبوك يعرف؟
— لأ.
— وهبة؟
— تعرف.
قلت:
— وإنت؟
— أنا اللي عملت التحليل.
ضحكت بمرارة.
— ممتاز.
بصلي.
قلت:
— يعني أنت عندك تسجيل، وعندك تحليل DNA، وعندك ست عاشت سنين خايفة… ولسه والدك عايش حياته طبيعي؟
أحمد قال:
— أنا كنت بحاول أحمي أمي.
— من الحقيقة؟
— من الانهيار.
قلت:
— يمكن كل كذبة قلتها لنفسك كان اسمها “حماية”.
سكت.
وبعدين قلت:
— لكن كفاية.
بصلي.
— يعني؟
— بكرة هنروح بمحامي.
— إحنا؟
— أيوه.
قلت بوضوح:
— لو عايز أي فرصة إنك تصلح اللي بينا، السر ده يخلص.
الفصل السادس — مواجهة الأب
تاني يوم…
روحنا بيت والد أحمد.
هبة كانت معانا.
ولأول مرة شفتها مش خايفة.
كانت ماسكة إيد ليان.
والدة أحمد فتحت الباب.
أول ما شافتنا كلنا مع بعض، وشها اتغير.
قالت:
— خير؟
أحمد قال:
— عايزين نتكلم مع بابا.
والده خرج من الصالون.
راجل في أواخر الستينات.
كنت طول السنين دي بشوفه كرجل محترم.
جد آدم.
والد جوزي.
لكن المرة دي شفته بشكل مختلف.
أول ما شاف هبة…
وقف.
قال:
— إنتِ؟
هبة ما ردتش.
عينه راحت ناحية ليان.
قال أحمد:
— اقعد يا بابا.
رد بعصبية:
— إيه المهزلة دي؟
أحمد قال:
— عندنا تحليل DNA.
وشه اتغير.
أحمد حط الورقة على الترابيزة.
والده ما لمسهاش.
قال:
— تحليل إيه؟
أحمد:
— ليان بنتك.
والدة أحمد شهقت.
بصت لجوزها.
— إيه؟
قال فورًا:
— كذب.
هبة قالت:
— التحليل موجود.
صرخ:
— اخرسي!
أحمد وقف بينه وبينها.
— ماتعليش صوتك عليها.
والده بصله.
— إنت بتقف ضدي؟
قال أحمد:
— أنا واقف ضد اللي عملته.
الأم بدأت تبكي.
— حد يفهمني!
أنا قربت منها.
قلت:
— من حقك تعرفي.
وهبة حكيت.
كل حاجة.
من أول علاقتها بسامح.
لحد اللي حصل بينها وبين والد أحمد.
لحد الحمل.
لحد التهديد.
لحد موت سامح.
والد أحمد فضل ينكر.
قال:
— دي بتألف.
أحمد طلع الفلاشة.
— وصوت سامح؟
وشه اتجمد.
شغل التسجيل.
لما صوت سامح ملأ الصالون…
والدة أحمد حطت إيدها على بقها.
بعد ما التسجيل خلص، قالت لجوزها:
— أنت هددت ابني؟
قال:
— كلام فارغ.
قال أحمد:
— أنا هسلم التسجيل للمحامي.
والده قرب منه.
— إوعى تعملها.
— ليه؟
سكت.
أحمد سأله:
— خايف من إيه؟
الراجل انفجر.
— عشان أخوك كان متهور!
أحمد قال:
— إيه علاقة ده بالحادثة؟
وهنا…
والده قال جملة خلت الكل يسكت.
— أنا ماكنتش أقصد إنه يموت.
هبة شهقت.
أحمد اتجمد.
قال:
— إيه؟
والده استوعب اللي قاله.
حاول يرجع.
— قصدي…
أحمد قرب.
— أنت عملت إيه؟
قال:
— ماعملتش حاجة!
— لسه قايل إنك ماكنتش تقصد إنه يموت.
الأم بدأت تصرخ.
— رد!
الراجل قعد.
لأول مرة بان عليه السن.
والضعف.
والخوف.
قال:
— أنا بعثت له واحد.
قال أحمد:
— واحد يعمل إيه؟
— يخوفه.
— إزاي؟
— يوقفه في الطريق.
هبة بدأت تبكي.
أحمد:
— ويعمل إيه بعد ما يوقفه؟
والده قال:
— ياخد منه التليفون، والتسجيلات، وأي حاجة عنده.
أحمد صاح:
— وبعدين؟!
— سامح حاول يهرب.
الصمت.
— العربية جريت وراه.
الأم قالت:
— يا نهار أسود…
الراجل كمل:
— حصلت الحادثة.
أحمد رجع خطوة.
وشه فقد لونه.
قال:
— يعني أنت السبب.
— أنا ما أمرتش حد يقتله.
— لكنك بعثت حد يطارده!
— أنا كنت عايز الموضوع يخلص.
أحمد قال:
— وخلص فعلًا.
دموعه نزلت.
— سامح مات.
والده سكت.
أنا بصيت لأحمد.
كل الغضب اللي كنت شايله منه للحظة اتحول لحاجة تانية.
مش مسامحة.
لكن فهمت ليه كان عايش في خوف.
المشكلة إنه خلّى الخوف يحكم حياته.
أحمد طلع تليفونه.
والده قال:
— بتعمل إيه؟
قال:
— بتصل بالمحامي.
صرخ:
— أحمد!
أحمد بصله.
— المرة دي مش هخبّي.
الفصل السابع — بعد ست شهور
القضية اتفتحت من جديد.
والد أحمد اعترف رسميًا إنه كلّف شخص يوقف سامح ويستولي على حاجاته، وإن المطاردة انتهت بالحادثة اللي مات فيها.
الموضوع ماكانش قتل متعمد حسب اعترافه…
لكن كان فيه تهديد.
ومطاردة.
وتستر.
وتفاصيل كتير رجعت النيابة تحقق فيها من الأول.
أنا ماكنتش مهتمة وقتها أعرف النهاية القانونية قد ما كنت مهتمة بحاجة واحدة:
بيتي.
أو اللي فاضل منه.
أحمد طلب مني أسامحه.
أنا قلت له:
— مش دلوقتي.
ساب البيت فترة.
مش عشان عاقبته.
لكن عشان آدم كان محتاج مساحة.
وأنا كمان.
أحمد بدأ يشوف آدم بانتظام.
لكن المرة دي…
مافيش أسرار.
كان يقول له رايح فين.
ويرجع إمتى.
ولو هيشوف ليان، آدم يعرف.
في الأول آدم رفض يقابلها.
وقال:
— هي خدت بابا مني.
أنا قلتله:
— ليان ماخدتش حاجة. هي طفلة زيك.
بعد حوالي شهرين…
وافق يشوفها.
المقابلة كانت في حديقة.
ليان جت ماسكة نفس الأرنب اللعبة.
وقفت قدام آدم.
وقالت:
— إنت آدم؟
قال:
— أيوه.
قالت:
— بابا أحمد بيحكيلي عنك.
وش آدم اتغير.
أحمد تدخل بسرعة.
قال:
— ليان، قولي عمو أحمد.
الطفلة استغربت.
— ليه؟
أحمد قعد قدامها.
وقال:
— عشان أنا عمك، مش باباكي.
هبة كانت بتعيط.
ليان سألت:
— طب بابايا فين؟
السؤال كان أصعب من أي حاجة.
هبة قالت:
— هنحكيلك لما تكبري شوية.
ليان بصت لآدم.
وبعدين مدت له لعبة الأرنب.
— تمسكه؟
آدم أخده.
وبعد دقيقة…
كانوا بيلعبوا.
الأطفال أحيانًا بيعرفوا يعملوا اللي الكبار بيعجزوا عنه.
يبدأوا من جديد.
الفصل الثامن — الرسمة الجديدة
عدت ست شهور.
أنا وأحمد لسه ما رجعناش زي الأول.
لكننا بدأنا.
مش حب كبير.
ولا وعود.
بدأنا بكلام صريح.
وأول قاعدة حطيتها كانت:
— مافيش سر تحت اسم الحماية.
قال:
— موافق.
بدأنا جلسات استشارة أسرية.
وأحمد اعتذر لآدم أكتر من مرة.
مش الاعتذار السهل بتاع:
“بابا آسف.”
لكن اعتذار حقيقي.
قال له:
— أنا غلطت لما خبيت عنك حاجة كبيرة. وإنت من حقك تزعل مني.
آدم سأله:
— كنت بتحب ليان أكتر؟
أحمد قال:
— لأ.
— أمال كنت بتروح لها كتير ليه؟
أحمد رد:
— عشان كنت حاسس إنها مسئولية سابها لي عمو سامح.
آدم:
— وكنت مسئول عني أنا كمان.
أحمد عينه اتمليت دموع.
— عندك حق.
الجملة دي فرقت.
لأن لأول مرة أحمد ما حاولش يبرر.
اعترف.
وبعد كام أسبوع…
كان أحمد عنده رحلة.
دخل أوضة آدم.
وقال:
— تحب تيجي معايا الرحلة الجاية؟
آدم بصلي.
أنا قلت:
— القرار قرارك.
فكر شوية.
ثم قال:
— بس مش مفاجأة.
أحمد ضحك.
— مش مفاجأة.
— وهقعد قدام؟
— على قد ما القوانين تسمح.
آدم قال:
— وليان تيجي؟
أحمد اتفاجئ.
— إنت عايزها تيجي؟
قال:
— آه.
ثم فكر.
— بس ماتقولش في السماعات “بابا بيحبك”.
أحمد ضحك وهو بيمسح دموعه.
— مش هقول.
يوم الرحلة الجديدة…
أنا ركبت معاهم.
وهبة وليان كانوا موجودين كمان.
المرة دي مافيش حد مستخبي.
مافيش محل هدايا نهرب جواه.
مافيش خوف من إن حد يشوف حد.
قبل الإقلاع…
صوت أحمد اشتغل في السماعات.
قلبي اتقبض تلقائيًا.
ذكرى الرحلة الأولى لسه جوايا.
قال:
— صباح الخير يا جماعة، معاكم الكابتن أحمد.
آدم بصلي.
ابتسمتله.
أحمد كمل:
— النهارده عندي ركاب مميزين جدًا على الطيارة.
آدم فتح عينه.
قلتله:
— استنى.
أحمد قال:
— ابني آدم، وبنت أخويا ليان، قاعدين بينكم النهارده.
آدم ابتسم.
ليان صقفت.
وهبة ضحكت وهي بتعيط.
أحمد كمل:
— ومن غير ما أحرج حد…
فيه شخص كمان موجود.
بصيت ناحية السماعات.
قال:
— مراتي.
سكت لحظة.
— اللي علمتني إن الحب من غير صدق… مايكفيش.
عيوني دمعت.
وقال:
— وأنا مدين لها باعتذار عمره أكبر من أي رحلة.
ناس قليلة صقفت.
أنا ماكنتِش محتاجة تصفيق.
آدم طلع ورقة من شنطته.
ناولها لي.
قلت:
— إيه دي؟
قال:
— كنت عاملها لبابا.
فتحتها.
كانت رسمة.
أحمد في كابينة القيادة.
أنا وآدم في كراسي الطيارة.
وهبة وليان ورا.
وفوقهم مكتوب بخط متعرج:
“العيلة مش لازم تبقى من غير مشاكل… بس لازم تبقى من غير أسرار.”
ضحكت.
قلت:
— مين علمك الكلام ده؟
قال:
— أنا اللي فكرت فيه.
وبعدين أضاف:
— بس ماتقوليش لبابا دلوقتي.
بصيتله وضحكت.
— ليه؟
قرب مني وهمس:
— عشان دي مفاجأة.
بصيت ناحية مقدمة الطيارة.
ولأول مرة من يوم الرحلة الأولى…
كلمة “مفاجأة” ماخوفتنيش.
لأن المرة دي…
ماكنش فيه سر مستني يدمر حياتنا.
كان فيه بس ولد صغير…
ورسمة جديدة…
وأب اتعلم بالطريقة الأصعب إن الحقيقة المؤلمة أرحم ألف مرة من كذبة بتكبر سنة ورا سنة.
أما هبة…
فبدأت حياة جديدة.
خرجت من خوفها القديم.
وبدأت إجراءات تثبيت نسب ليان الحقيقي قانونيًا، من غير ما تخلي الطفلة تدفع ثمن أخطاء الكبار.
ووالدة أحمد…
اختارت تبعد عن زوجها بعد ما عرفت الحقيقة.
قالت لي مرة:
— كنت فاكرة إن الحفاظ على البيت أهم حاجة.
وسكتت.
ثم قالت:
— اكتشفت إن البيت اللي مبني على السر بيقع حتى لو فضل واقف.
أما أنا وأحمد…
ما رجعناش لبعض في يوم وليلة.
الثقة ما بترجعش بكلمتين.
لكن بعد سنة تقريبًا…
كنت واقفة في المطبخ.
أحمد دخل.
حط تليفونه على الترابيزة قدامي.
قال:
— رحلتي بكرة اتغيرت.
قلت:
— ماشي.
ثم ابتسم:
— وبقولك قبل ما تسألي.
ابتسمت غصب عني.
آدم دخل يجري وقال:
— بابا!
أحمد فتح دراعه.
آدم حضنه.
وبعدين قال:
— ليان جاية يوم الجمعة؟
— أيوه.
— حلو.
وقتها فهمت إننا فعلًا عدينا أصعب جزء.
مش لأننا نسينا.
ولا لأن كل حاجة رجعت زي زمان.
لكن لأننا قررنا ما نرجعش زي زمان أصلًا.
قررنا نبني حاجة أحسن.
حاجة مافيهاش رحلات سرية.
ولا أطفال مستخبيين.
ولا تسجيلات مدفونة.
ولا جملة:
“كنت بحميك.”
لأن أحيانًا…
أقسى حاجة ممكن تعملها في شخص بتحبه…
إنك تحرمه من الحقيقة بحجة إنك بتحميه منها.
تمت.
حكايات أسما السيد — 𝐀𝐬𝐦𝐚 𝐄𝐥𝐒𝐚𝐲𝐞𝐝




