منوعات

علي متن طائرة حكايات اسما السيد 2

الفصل الثالث

هبة قالت:

— بس قبل ما تكرهيه… لازم تعرفي إن ليان مش بنت أحمد بالطريقة اللي إنتِ فاهمها.

بصيت لها وأنا مش فاهمة.

— يعني إيه؟

أحمد اتحرك ناحيتها بسرعة.

— هبة… مش هنا.

لكنها بصتله وقالت:

— لأ يا أحمد. كفاية.

وبعدين بصتلي.

— ليان مش بنت أحمد.

قلبي دق بعنف.

بصيت للطفلة.

وبعدين لأحمد.

ثم قلت:

— إنتِ لسه سامعة اللي قاله في السماعات؟ قال “بابا”.

هبة نزلت عينيها.

وقالت:

— لأنها بتقوله بابا.

سكتت لحظة.

ثم أكملت:

— بس هو مش أبوها الحقيقي.

أنا ما ارتحتش.

بالعكس.

حسيت إن الموضوع بقى أغرب.

قلت:

— طب مين أبوها؟

هبة بصت لأحمد.

وأحمد فضل ساكت.

سألته:

— أحمد؟

ماردش.

صوتي علي رغم إني كنت بحاول أتماسك.

— مين أبو البنت؟

آدم كان واقف جنبي، ومش فاهم حاجة.

لكن باصص لأبوه بخوف.

هبة قالت:

— أخو أحمد.

الجملة نزلت عليا كالصاعقة.

— إيه؟

أحمد أخيرًا اتكلم.

— ليان بنت أخويا سامح.

رمشت كام مرة.

— سامح؟

أنا عارفة سامح.

أو بالأصح…

كنت عارفاه.

أخو أحمد الكبير.

اللي مات من ست سنين.

قبل ولادة ليان بحوالي كام شهر.

افتكرت الجنازة.

افتكرت أحمد يومها وهو منهار.

افتكرت إن سامح كان متجوزش.

أو ده اللي أنا كنت أعرفه.

قلت:

— سامح كان متجوز؟

هبة هزت راسها.

— لأ.

بصيت لها.

— يبقى إنتِ كنتِ…

سكتت.

لكنها فهمت.

وقالت:

— كنت مرتبطة بيه.

أحمد قال:

— هما كانوا ناويين يتجوزوا.

هبة ابتسمت ابتسامة موجوعة.

— كنا خلاص بنجهز لكل حاجة.

وبعدين بصت لليان.

— وبعدها سامح مات.

حسيت إن الصورة بدأت تتكوّن.

لكن فيه حاجات كتير ناقصة.

قلت:

— طب ليه أنا ماعرفتش؟

أحمد رد:

— لأن هبة ماكنتش عايزة حد يعرف بالحمل.

— ليه؟

هبة قالت:

— لأن عيلته ماكانوش يعرفوا بيا أصلًا.

بصيت لأحمد.

— وإنت كنت تعرف؟

سكت.

وده كان كفاية.

قلت:

— من إمتى؟

رد بصوت واطي:

— من قبل ما سامح يموت.

حسيت بوجع في صدري.

— يعني طول السنين دي وإنت عارف؟

— أيوه.

— وعارف إن عنده بنت؟

— أيوه.

مسكت ضهر الكرسي بإيدي.

كان لازم أمسك في حاجة.

سألته:

— وبتقولك بابا؟

قال:

— من وهي صغيرة.

— ليه؟

أحمد بص لهبة.

هي اللي ردت:

— لأنه هو اللي وقف جنبنا.

رجعت بصيت له.

هبة كملت:

— بعد موت سامح، أنا كنت لوحدي. كنت حامل في الشهر التالت. أهلي لما عرفوا رفضوني. ماكانش عندي شغل ثابت ولا مكان أروحله.

أحمد قاطعها:

— وأنا حسيت إني مسؤول.

صرخت فيه بصوت منخفض:

— مسؤول لدرجة إن طفلة تعتبرك أبوها وأنا ماعرفش؟!

الركاب القريبين بدأوا يبصوا علينا.

المضيفة قربت وقالت:

— لو سمحتوا، لازم الكل يرجع مقعده. الطيارة هتبدأ الهبوط قريب.

أحمد قال:

— هنكمل الكلام بعد ما ننزل.

قلت بسرعة:

— لأ.

بصلي.

— إيه؟

— أنا مش هقعد جنبي وأمثل إن مفيش حاجة حصلت لحد ما نوصل.

آدم مسك إيدي.

فبصيتله.

وشه كان شاحب.

قلت لأحمد:

— ابنك سامع كل كلمة.

أحمد بص لآدم.

حاول يقرب منه.

— آدم…

آدم رجع خطوة ورا.

أنا أول مرة أشوف ابني يبعد عن أبوه.

قال:

— هي أختي؟

أحمد سكت لحظة.

ثم قعد على ركبته قدامه.

— لأ يا حبيبي. ليان بنت عمك.

آدم بص للطفلة.

ثم قال:

— بس هي بتقولك بابا.

أحمد اتلخبط.

— الموضوع صعب شوية.

آدم قال:

— يعني إنت بابا ليها كمان؟

صمت.

أحمد حط إيده على كتفه.

لكن آدم شالها.

وقال:

— أنا مش فاهم.

قلبي اتكسر.

قلت:

— ولا أنا.

المضيفة أكدت إننا لازم نقعد.

أحمد رجع ناحية الكابينة.

وقبل ما يمشي قلتله:

— بعد الهبوط، مش هتختفي.

بصلي.

— مش هختفي.

— وهتقول كل حاجة.

قال:

— هقولك كل حاجة.

وبعدين رجع.

هبة رجعت مكانها.

ولأول مرة بقت أنا وليان في نفس مجال الرؤية.

الطفلة ماكانتش فاهمة أي حاجة.

كانت ماسكة لعبة أرنب صغيرة.

وتبص لأمها.

ثم لآدم.

آدم قعد جنبي.

سألني:

— ماما؟

— نعم.

— ليه بابا ماقالناش؟

ماكانش عندي جواب.

قلت:

— هو اللي هيجاوب.

الطيارة بدأت تنزل.

كل دقيقة كانت بتعدي ببطء قاتل.

ولما العجل لمس الأرض…

الناس صفقوا.

آدم ما صفقش.

وأنا ما صقفتش.

بعد ما الطيارة وقفت، الناس بدأت تقوم.

لكن مضيفة جات وقالتلي:

— الكابتن بيطلب من حضرتك تستني بعد نزول الركاب.

هزيت راسي.

الركاب خرجوا واحد ورا التاني.

وفي النهاية…

مافضلش غيري أنا وآدم، وهبة وليان.

وبعد دقائق خرج أحمد من الكابينة.

ماكانش لابس الكاب بتاعه.

وشه كان مرهق.

بصلي وقال:

— نروح مكان هادي.

قلت:

— هنا كويس.

هبة قالت:

— ليان تعبت. أنا ممكن آخدها ونمشي.

قلت بسرعة:

— لأ.

بصتلي.

قلت:

— إنتِ جزء من الحكاية دي. هتفضلي.

أحمد سكت.

وبعدين قعد في أقرب كرسي.

أنا فضلت واقفة.

قلت:

— ابدأ.

أخد نفس طويل.

— سامح قابل هبة قبل ما إحنا نتجوز بسنة.

بصيت لهبة.

أحمد كمل:

— كانوا بيحبوا بعض. بس سامح كان خايف يقول لأبويا.

— ليه؟

هبة ردت:

— لأن باباهم كان رافض أي جواز من خارج معارف العيلة.

أحمد قال:

— سامح كان ناوي يواجهه. لكن قبل ما يعمل كده حصلت الحادثة.

سكت لحظة.

— مات سامح.

هبة مسحت دمعة نزلت.

أحمد كمل:

— وبعد حوالي أسبوعين، هبة عرفت إنها حامل.

قلت:

— وإنت قررت تخبي كل ده؟

— في الأول كنت بحاول أساعدها لحد ما نعرف نتصرف.

— وإنت ما فكرتش تقولي لمراتك؟

— كنت خايف.

ضحكت ضحكة قصيرة من القهر.

— خايف من إيه؟ إني أعرف إن أخوك كان له بنت؟

أحمد نزل عينه.

— مش بس كده.

سكت.

أنا حسيت إن فيه حاجة لسه مستخبية.

قلت:

— كمل.

ماردش.

فقلت بصوت أعلى:

— أحمد، كمل.

هبة بصتله بقلق.

هو قال:

— أبويا لو كان عرف وقتها كان ممكن يحاول ياخد البنت من هبة.

— ليه؟

— كان هيعتبرها حفيدته الوحيدة من سامح.

هبة قالت:

— وأنا كنت مرعوبة.

قلت:

— فقررتم تخبوا عنها وعن العيلة كلها.

أحمد هز راسه.

— أيوه.

— وأنا كمان من “العيلة كلها”؟

ما ردش.

قلت:

— طب ليه ليان بتقولك بابا؟

هبة أخدت نفس.

— لأن أحمد كان بيزورها طول الوقت.

بصيت لها.

— طول الوقت؟

— من وهي اتولدت.

رجعت بصيت له.

— كام مرة؟

أحمد قال:

— حسب الظروف.

— كام مرة؟

سكت.

هبة قالت:

— تقريبًا كل أسبوع.

الهواء خرج من صدري.

كل أسبوع.

خمس سنين.

كل أسبوع تقريبًا.

يعني مش مساعدة بعيدة.

مش مجرد فلوس.

مش زيارة في عيد ميلاد.

ده كان عايش حياة تانية.

حتى لو مافيهاش خيانة.

حياة أنا وابنه مانعرفش عنها حاجة.

قلت:

— ولما كنت بتقول إن عندك تدريب؟

أحمد سكت.

— كنت عندهم؟

— أوقات.

— ولما كنت تقول إن الرحلة اتأخرت؟

— ساعات.

— ولما كنت تقول إنك عند سامح في المقابر؟

اتصدم.

واضح إنه فاكر المرات دي.

قلت:

— كنت عندها هي؟

قال بصوت واطي:

— آه.

غمضت عيني.

هبة قالت:

— هو عمره ما خانك معايا.

فتحت عيني وبصيت لها.

— أنا ما سألتش.

سكتت.

قلت:

— بس فيه حاجة اسمها إنك تعيش سنين في كذبة.

أحمد وقف.

— أنا عارف.

— لأ، إنت مش عارف.

صوتي بدأ يترعش.

— ابني كان داخل الطيارة النهارده علشان يفاجئك.

شاورِت على شنطته.

— عامل لك رسمة وبيقول “أحسن طيار في الدنيا”.

آدم نزل عينه.

قلت:

— وبعدين سمع أبوه بيقول لطفلة عمره ما شافها “بابا بيحبك”.

أحمد بص لآدم.

وشه اتكسر.

— أنا آسف.

آدم ما ردش.

ليان فجأة قالت:

— بابا أحمد؟

كلنا سكتنا.

هي قامت من مكانها.

وجريت على أحمد.

وحضنته.

أنا شفت آدم وهو بيبص للمشهد.

شفت وشه يتغير.

أحمد حاول يبعد ليان بلطف.

لكن الطفلة قالت:

— إنت زعلان؟

قال:

— لأ يا حبيبتي.

آدم رجع خطوة لورا.

وقال:

— أنا عايز أمشي.

مسكت إيده.

— حاضر.

أحمد قال:

— استني.

بصيتله.

— لأ.

— لازم نكمل.

قلت:

— عندك حق.

اتجهت ناحية الباب.

ثم وقفت.

لفيتله.

— بس مش هنا.

أحمد قرب مني وقال:

— فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تمشي.

بصيت له.

ملامحه كانت مرعوبة.

قلت:

— إيه تاني؟

هبة قالت بسرعة:

— أحمد، بلاش.

فأنا بصيت لها.

— لأ. دلوقتي أنا عايزة أعرف.

أحمد وقف قدامي.

وقال:

— أنا ماخبيتش ليان عنك بس عشان أحميها من أبويا.

قلبي انقبض.

— أمال ليه؟

بص لآدم.

وبعدين ليا.

وقال:

— لأن سامح قبل ما يموت بساعات كلمني.

سكت.

ثم قال:

— وقال لي حاجة عن ليان… وعن عيلتنا… لو كنت قلتها وقتها، كانت حياتنا كلها هتتدمر.

قلت بصوت ضعيف:

— حاجة إيه؟

أحمد بص لهبة.

هي كانت بتعيط.

ثم قال:

— سامح كان عارف إنه مش أبو ليان.

ماحدش اتحرك.

أنا حتى ما فهمتش الجملة أول مرة.

قلت:

— إيه؟

هبة غطت وشها بإيديها.

وأحمد كمل:

— هو عرف قبل الحادثة إن هبة حامل.

— طب وإنت لسه قايل إن ليان بنته!

قال:

— لأن ده اللي كل الناس المفروض تفضّل مصدقاه.

قربت منه.

— أحمد… مين أبو ليان الحقيقي؟

رفع عينه ناحيتي.

ولما اتكلم…

قال اسم شخص ماكانش ممكن يخطر في بالي.

اسم راجل…

كنت بشوفه كل أسبوع تقريبًا.

اسم شخص كان قاعد معانا على سفرة واحدة من سنين.

اسم راجل لو الحقيقة دي اتقالت…

مش بيت هبة بس اللي هيتدمر.

بيتنا إحنا كمان كان ممكن ينهار.

أحمد قال بصوت خافت:

— أبو ليان الحقيقي…

هو أبويا.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى