علي متن طائره حكايات اسما السيد 1

أنا وابني ركبنا طيارة جوزي الطيار في السر عشان نفاجئه…
لكن اللي قاله في سماعات الطيارة خلانا إحنا الاتنين نبطل ابتسام في لحظة.
بقالي تقريبًا 9 سنين متجوزة أحمد، وجوزي شغال طيار طيران مدني.
لكن ابننا آدم، اللي عنده 7 سنين، عمره ما سافر على طيارة أبوه وهو واحد من الركاب.
آدم كان بيتكلم عن الموضوع طول الوقت.
كل مرة أحمد يلبس ويستعد يروح شغله، آدم كان يسأله:
— يا بابا، إنت هتسوق طيارة كبيرة النهارده؟
وبعدين يسأله:
— والناس اللي في الطيارة عارفين إنك بابايا؟
من أسبوعين، أحمد قال إنه عنده رحلة يوم السبت من القاهرة للإسكندرية، وإنه هيرجع البيت قبل العشا.
وساعتها…
جتلي فكرة.
أنا بصراحة مش بعرف أخبي المفاجآت.
أي حاجة بحاول أخبيها بتبان على وشي.
لكن المرة دي…
قدرت.
من غير ما أحمد يعرف، حجزت ليا ولآدم تذكرتين على نفس الرحلة.
كانت خطتي بسيطة.
نركب الطيارة.
ونتجنب أحمد تمامًا.
وبعدين نفاجئه لما نوصل.
آدم أخد الموضوع بمنتهى الجدية.
حط في شنطته السماعات بتاعته، وحلوى الدببة اللي بيحبها، ورسمة كان عاملها لأبوه وهو قاعد في كابينة القيادة.
وفوق الرسمة كان كاتب بخط كبير ومتعرج:
“أحسن طيار في الدنيا!”
لكن بصراحة…
كان أصعب مما توقعت إننا نتجنب أبوه في المطار.
فجأة آدم مسك دراعي وهمس بصوت عالي:
— ماما… مامااا!
بصيت قدامنا.
ولقيت أحمد على بعد كام متر بس.
اتحركنا بسرعة ودخلنا محل هدايا تذكارية، وفضلنا نتفرج على المغناطيسات والهدايا لحد ما مشي.
آدم كان بيحاول بكل قوته ما يضحكش.
وكان مبسوط جدًا بالمغامرة دي.
بعد شوية ركبنا الطيارة.
وقعدنا في الكراسي اللي ورا.
آدم قرب مني وقال بصوت واطي:
— هو ممكن بابا يعرف إننا هنا؟
ابتسمت وقلتله:
— مستحيل.
قال:
— طب أقول للمضيفة؟
— لأ.
— طب أقول لشخص واحد بس؟
بصيتله.
— آدم…
قفل بقه بإيده، وضحك.
وبعد دقائق…
باب الطيارة اتقفل.
وبدأت الرحلة تستعد للإقلاع.
وفجأة…
اشتغلت سماعات الطيارة.
وصوت أحمد ملأ المكان كله.
ابتسامة آدم كبرت جدًا.
ومسك إيدي وقال بحماس:
— ده بابا!
طلعت تليفوني بسرعة عشان أصور رد فعل آدم وأوريه لأحمد بعدين.
أحمد بدأ كلامه المعتاد.
رحب بالركاب.
قال تفاصيل الجو.
ووقت الرحلة.
وبعدين قال نكتة بايخة من النوع اللي بيحب يقوله.
آدم كان مبسوط جدًا.
لكن فجأة…
صوت أحمد وقف.
عدت كام ثانية من الصمت.
وبعدين اتكلم تاني.
— في الحقيقة يا جماعة… قبل ما نتحرك، محتاج أقول حاجة مختلفة شوية النهارده.
بدأت أنزل تليفوني ببطء.
لأن نبرة صوته كانت غريبة.
أحمد كان جاد جدًا.
مش خايف.
ولا متوتر.
لكن صوته كان مختلف.
— قبل ما نقلع، حابب أعمل حاجة عمري ما عملتها في أي رحلة قبل كده.
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— فيه شخص مميز جدًا موجود على الطيارة دي النهارده.
آدم بصلي وعيونه وسعت.
وقال بحماس:
— عرف يا ماما!
للحظة…
أنا كمان افتكرت نفس الحاجة.
حسيت إن أحمد عرف إننا على الطيارة.
وقمت من مكاني شوية، وأنا متخيلة إنه هيقول اسمي.
أو هيقول إن مراته وابنه موجودين بين الركاب.
لكن…
لما كمل كلامه…
رجعت قعدت ببطء.
وحسيت إن الدم انسحب من وشي كله.
لأن الشخص اللي أحمد كان بيتكلم عنه…
ماكانش أنا.
وماكانش آدم.
وكان اللي جاي بعد كده…
هو السبب اللي خلاني أتمنى إننا ما ركبناش الطيارة دي من الأساس…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسما السيد – 𝐀𝐬𝐦𝐚 𝐄𝐥𝐒𝐚𝐲𝐞𝐝
الفصل الثاني
صوت أحمد رجع يملأ سماعات الطيارة.
وقال بهدوء:
— الشخص المميز اللي معانا النهارده… طفلة غالية جدًا على قلبي.
ابتسامة آدم اختفت بالتدريج.
وأنا فضلت باصة قدامي، مستنية أفهم.
يمكن بنت واحد صاحبه.
يمكن طفلة مريضة.
يمكن فيه حاجة أنا مش فاهمها.
لكن أحمد كمل:
— والنهارده بالذات يوم مهم بالنسبة لي… لأنها بتكمل خمس سنين.
بدأ بعض الركاب يبصوا حواليهم.
واحدة من المضيفات اللي كانت واقفة قدام ابتسمت.
وأحمد ضحك ضحكة صغيرة من السماعات وقال:
— كل سنة وإنتِ طيبة يا ليان.
الركاب صفقوا.
وأنا ما قدرتش حتى أحرك إيدي.
أما آدم…
فلف ناحيتي بسرعة.
— مين ليان يا ماما؟
بصيتله.
لكن ماعرفتش أرد.
أحمد كمل:
— يمكن هي لسه صغيرة ومش فاهمة قد إيه وجودها غير حاجات كتير في حياتي… لكن أتمنى لما تكبر وتسمع التسجيل ده تعرف إن بابا بيحبها جدًا.
بابا.
الكلمة دخلت ودني كأن حد ضربني بحاجة تقيلة.
آدم سمعها هو كمان.
وشه اتغير.
وبصلي بنظرة عمري ما هنساها.
— قال بابا؟
سكت.
هو كرر السؤال بصوت أوطى:
— ماما… بابا قال لها “بابا”؟
حاولت أتكلم.
لكن صوتي ماطلعش.
كل اللي قدرت أعمله إني مسكت إيده.
وكانت إيده باردة.
مع إن إيدي أنا كانت بتترعش.
أحمد قال من السماعات:
— وعارف إن ماماها أكيد هتزعل مني إني كسفتهم قدام الطيارة كلها…
ضحك بعض الركاب.
وأنا حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
ماماها.
يعني مش مجرد طفلة بيناديه “بابا” من باب المحبة.
فيه أم.
وفيه طفلة.
وفيه حكاية كاملة.
حكاية عمرها خمس سنين…
وأنا متجوزاه من تسعة.
بصيت قدامي ناحية الممر.
كنت بحاول أعرف مين فيهم.
أي واحدة من الستات الموجودة على الطيارة ممكن تكون أم البنت؟
وبعدين أحمد قال:
— فكل سنة وإنتِ طيبة يا ليان… وإنتِ كمان يا هبة، شكرًا على كل حاجة.
اسمها.
هبة.
لأول مرة بقى عندي اسم.
وكنت أتمنى مايبقاش عندي.
انتهى الإعلان.
ورجعت السماعات للموسيقى الهادية العادية.
كأن مفيش حاجة حصلت.
كأن جوزي ماقالش من ثواني قدام طيارة كاملة إن عنده بنت عندها خمس سنين.
آدم كان لسه باصصلي.
— ماما؟
— نعم يا حبيبي؟
— هو بابا عنده بنت؟
بلعت ريقي.
— مش عارفة.
— إزاي مش عارفة؟ هو مش جوزك؟
السؤال طلع منه بعفوية طفل.
لكنه وجعني أكتر من أي حاجة تانية.
قلت بسرعة:
— آدم، ممكن نستنى لما نفهم؟
هز راسه.
وسكت.
لكن بعد ثواني قال:
— يعني هي أختي؟
غمضت عيني لحظة.
ماكانش عندي إجابة.
كل اللي كان عندي ألف سؤال.
من خمس سنين…
فين كان أحمد؟
بدأت أرجع بالذاكرة.
ليان عندها خمس سنين.
يعني لما اتولدت، آدم كان عنده سنتين تقريبًا.
الفترة دي كنت فاكرها كويس جدًا.
أحمد كان بيطير كتير.
رحلات طويلة.
مبيت بره البيت.
مرات يقول القاهرة.
مرات شرم.
مرات دبي.
ومرات يقول إن جدول الرحلات اتغير في آخر لحظة.
كنت بصدقه.
ليه ماصدقوش؟
ده جوزي.
وأبو ابني.
الراجل اللي كنت بصحى كل يوم وأنا مطمنة إنه اختارني أنا علشان يكمل حياته معايا.
فجأة…
حسيت إن حد بيبصلي.
رفعت عيني.
واحدة من المضيفات كانت واقفة آخر الممر.
بنت في أوائل التلاتينات تقريبًا.
شعرها مربوط بعناية.
ووشها كان شاحب.
كانت باصة ناحيتي مباشرة.
ولما عيني جات في عينها…
غيرت اتجاه نظرها بسرعة.
فضلت أراقبها.
هي مشيت لقدام.
وبعد حوالي دقيقة رجعت ومعاها عربية المشروبات.
لما وصلت عند صفنا، ابتسمت ابتسامة مهنية.
— تحبوا تشربوا حاجة؟
آدم قال:
— عصير تفاح.
أنا ما رديتش.
المضيفة بصتلي.
— حضرتك كويسة؟
قلت:
— أيوه.
لكن واضح إني ماكنتش كويسة.
حطت العصير قدام آدم.
ولما مدت إيديها ناحية الترابيزة الصغيرة…
وقعت عينها على الرسمة اللي آدم كان طالعها من شنطته.
رسمة أحمد وهو سايق الطيارة.
وفوقها:
“أحسن طيار في الدنيا!”
إيد المضيفة وقفت.
بصت للرسمة.
وبعدين بصت لآدم.
وبعدين ليا.
— مين رسم دي؟
آدم رد بفخر:
— أنا. دي لبابا.
وش المضيفة اتغير.
سألت بهدوء:
— بابا مين؟
آدم أشار ناحية مقدمة الطيارة.
— الكابتن أحمد.
الكوباية اللي في إيدها اهتزت.
أنا شفتها.
بوضوح.
قالت:
— الكابتن أحمد… والدك؟
— أيوه.
وبعدين آدم قال بحماس طفولي لسه بيحاول يتمسك بيه:
— وإحنا عاملين له مفاجأة. هو مايعرفش إننا هنا.
المضيفة بصتلي.
المرة دي ماكانش في وشها استغراب.
كان فيه حاجة أسوأ.
شفقة.
سألتها:
— حضرتك تعرفيني؟
هزت راسها بسرعة.
— لأ.
— لكن حضرتك تعرفي أحمد.
— أكيد… إحنا بنشتغل مع بعض.
قربت منها شوية.
— طب تعرفي هبة؟
وشها اتجمد.
وقالت فورًا:
— أنا لازم أكمل الخدمة.
ومسكت عربية المشروبات.
لكن قبل ما تتحرك…
مسكت طرف العربية بإيدي.
مش بعنف.
بس بما يكفي إنها تقف.
— مين هبة؟
بصت حواليها.
— مدام، لو سمحتي…
— مين هبة؟
صوتي كان واطي.
لكن المرة دي كان ثابت.
المضيفة قربت مني وقالت بصوت مايسمعوش غيري:
— مش هنا.
قلبي دق بقوة.
— يعني إنتِ تعرفيها.
سكتت.
وده كان كفاية.
قلت:
— هي على الطيارة؟
المضيفة ما ردتش.
بصيت لقدام.
ركاب كتير.
ستات كتير.
وأطفال.
وفجأة لاحظت حاجة ماخدتش بالي منها قبل كده.
في الصف السادس تقريبًا…
كانت قاعدة ست بشعر أسود طويل.
جنبها طفلة صغيرة.
وقدام الطفلة بالونة وردية مربوطة في الكرسي.
والطفلة لابسة تاج عيد ميلاد صغير.
جسمي كله تنمل.
كأنها حست إني ببصلها.
لفت راسها ناحيتي.
كانت طفلة جميلة.
عندها فعلًا حوالي خمس سنين.
وأول ما بصيت في وشها…
اتسمرّت مكاني.
لأن فيه حاجة في ملامحها كانت مألوفة جدًا.
الأنف.
شكل العين.
وحتى الطريقة اللي كانت بتعض بيها شفايفها وهي مستغربة.
نفس أحمد.
آدم بص في نفس الاتجاه.
وسألني:
— دي ليان؟
ما رديتش.
المضيفة سحبت عربية المشروبات وقالت:
— لو سمحتي… استني لما نوصل.
وبعدين مشيت.
فضلت باصة للطفلة.
وبعد ثواني، الست اللي جنبها لفت هي كمان.
وعيني جات في عينها.
عرفت فورًا إنها هبة.
مش عشان كنت شوفتها قبل كده.
لكن عشان أول ما شافتني…
وشها فقد لونه.
بصتلي كأنها شافت شبح.
وبعدين قامت بسرعة من كرسيها.
قالت حاجة للبنت.
ومشيت ناحية الحمام.
في اللحظة دي…
أنا عرفت حاجة واحدة بس.
هبة تعرف أنا مين.
وده معناه إن السر مش جديد.
وإن فيه حد كان عارف بوجودي طول الوقت…
بينما أنا ماكنتش أعرف حتى إنها موجودة.
آدم شد إيدي.
— ماما… أنا عايز أنزل.
بصيتله.
— هننزل لما الطيارة توصل يا حبيبي.
هز راسه.
وعينيه اتمليت دموع.
— أنا مش عايز أفاجئ بابا خلاص.
الجملة دي كسرتني.
بصيت للرسمة اللي كان عاملها.
من أقل من نص ساعة كان بيحضنها كأنها أغلى هدية في الدنيا.
دلوقتي…
قلبها على وشها.
وحطها جوه الشنطة.
قلتله:
— آدم…
لكنه سألني:
— هو بابا بيحبها أكتر مني؟
قربته مني وحضنته بسرعة.
— لأ. ماتقولش كده.
— بس قال لها قدام الناس كلها إنه بيحبها.
سكت لحظة.
ثم قال:
— عمره ما عمل كده عشاني.
ماعرفتش أرد.
لأن عنده حق.
مر حوالي عشر دقايق.
وكنت كل ثانية فيهم بحاول أقرر هعمل إيه لما نوصل.
أواجه أحمد؟
أواجه هبة؟
آخد آدم وأمشي؟
لكن قبل ما أقرر…
المضيفة نفسها رجعت.
المرة دي من غير عربية المشروبات.
وقفت جنبي وقالت:
— مدام؟
رفعت عيني.
قالت:
— ممكن حضرتك تيجي معايا دقيقة؟
بصيت لآدم.
— ليه؟
ترددت.
ثم قالت:
— الكابتن طلب يشوف حضرتك.
قلبي وقف تقريبًا.
— أحمد عرف إني هنا؟
قالت:
— أيوه.
آدم قام من مكانه بحماس مرتبك.
— بابا عرف؟
لكن المضيفة رفعت إيدها بسرعة.
— لأ… الطفل يفضل مكانه لو سمحتي.
بصيت لها.
— مش هسيب ابني لوحده.
— أنا هخلي واحدة من زميلاتي تقعد جنبه.
— ليه أحمد عايزني لوحدي؟
المضيفة بصت ناحية مقدمة الطيارة.
ثم قالت الجملة اللي خلتني أحس إن اللي سمعته في السماعات…
كان مجرد بداية.
— لأن هبة قالت له إن حضرتك شوفتيها.
سكتت لحظة.
وقربت مني أكتر.
— والكابتن قال إن لازم تعرفي الحقيقة قبل ما الطيارة تنزل.
بصيت ناحيتها.
وسألتها:
— حقيقة إيه؟
لكنها ما ردتش.
وفي اللحظة دي…
باب كابينة القيادة اتفتح.
وظهر أحمد.
أول ما شافني…
وقف مكانه.
وشه اتغير.
بص لآدم.
وبعدين ليا.
وبعدين للصف اللي قاعدة فيه ليان.
ولأول مرة من يوم ما عرفته…
شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
مش خوف راجل اتقفش بيخون مراته.
لأ.
كان خوف راجل عارف إن فيه سر أكبر بكتير…
وإن السر ده أخيرًا جه اليوم اللي لازم ينكشف فيه.
أحمد قرب مني خطوتين.
وقال بصوت منخفض:
— إنتِ ماكانش المفروض تركبي الرحلة دي.
بصيتله وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع.
— واضح.
رفع عينه ناحيتي.
وقبل ما يقول أي كلمة تانية…
خرجت هبة من مكانها.
وقفت في الممر.
وكانت ماسكة إيد ليان.
ثم قالت لأحمد بصوت مرتعش:
— خلاص يا أحمد.
بص لها.
فكملت:
— مافيش فايدة نخبي أكتر من كده.
آدم وقف جنبي.
وهبة بصت له لأول مرة.
ثم بصتلي أنا.
وقالت:
— بس قبل ما تكرهيه…
لازم تعرفي إن ليان مش بنت أحمد بالطريقة اللي إنتِ فاهمها.
يتبع…



