حماة بنتي حكايات اسما السيد

حمات بنتي سخرت من وزنها قدام كل المعازيم في حفل معرفة مولودها، وجرحتها لدرجه انها وصلتها لمرحله بس مش دا كان كان من رد فعل جوزها.. كانت بنتي في الشهر الثامن من الحمل لما قررنا نعمل لها حفلة بسيطة احتفالًا بقرب وصول مولودها. كانت يومها جميلة جدًا، وفرحتها باينة في عينيها. لحد ما وصلت حماتها. حماتها من زمان وهي بترمي تعليقات سخيفة على وزن بنتي، لكن اليوم ده ما حاولتش حتى تخبي سخريتها. ولما جه وقت الحلويات، مدت بنتي إيدها علشان تاخد قطعة كيك. ضحكت حماتها بصوت عالي وقالت:— إنتِ متأكدة إن دي فكرة كويسة؟
فجأة…
السفرة كلها سكتت.
بنتي بصت لها، وبعدها نزلت الشوكة من إيدها ببطء.
لكن حماتها كملت بابتسامة مستفزة:
— أنا بس بقول علشان لازم حد يقولك الحقيقة… مش كل الوزن ده بسبب الحمل.حسيت كنت خلاص هفتح بوقي وأرد عليها، لكن قبل ما أنطق…جوز بنتي حط الشوكة من إيده بهدوء.وبص لأمه .وبعدين سألها سؤال واحد: — تحبي أقول لها إنتِ ليه فعلًا كنتِ بتدفعي تكاليف متابعتها أثناء ؟في ثانية واحدة…وش حماتها بقى أبيض.بصت له بصدمة وقالت:
— إنت بتتكلم عن إيه؟
رد عليها من غير ما يبعد عينه عنها:
— إنتِ عارفة كويس جدًا أنا بتكلم عن إيه.
بنتي بصت لجوزها باستغراب.
— متابعتي؟ هي مالها أصلًا بمواعيد الدكتور بتاعتي؟
حماتها قامت من مكانها فجأة وقالت بتوتر:
— الكلام ده مش مكانه هنا. لكن جوز بنتي مد إيده لجوا الجاكيت وطلع ظرف. وقال:
وحط الظرف على السفرة. حماتها مدت إيدها بسرعة علشان …
لكن بنتي كانت أسرع منها.
مسكت الظرف.
فتحته.
وبمجرد ما شافت الورق اللي جواه، عقدت حواجبها وقالت:
— ليه اسمي مكتوب هنا؟
محدش رد.
ولا حد اتحرك.
قلبت بنتي الصفحة…
وفجأة، إيدها راحت على بطنها بشكل تلقائي.
رفعت عينيها لجوزها، والخوف بدأ يظهر على وشها.
— إيه ده؟… إيه الورق ده؟
وقبل ما جوزها يقدر يرد عليها…
موبايل بنتي رن.
بصت للشاشة.
كان الدكتور المتابع لحملها.
ردت بسرعة:
— ألو؟
فضلنا كلنا نبصلها في صمت.
وبعد ثواني قليلة…
شوفت لون وش بنتي بيتغير، والفرحة اللي كانت في عينيها اختفت تمامًا.
وبصت لجوزها وهي بتقول في التليفون بصوت : الساعة كانت ستة الصبح. شعره منكوش، هدومه مبهدلة، وتحت عينيه هالات كأنه مانمش من امبارح. وفي إيده كيس كبير مليان حفاضات ومناديل وببرونات. قال بهدوء: — أنا مش جاي أرجعك… أنا جاي أتعلم أبقى أبوهم، حتى لو عمرك ما رجعتي مراتي. فضلت ساكتة ثواني. وبعدين قلت:— الساعة ستة الصبح؟بص في ساعته وكأنه لسه واخد باله.
— صحوا؟
ضحكت بسخرية.
— لأ طبعًا. التلات توائم عندهم اجتماع مجلس إدارة الساعة عشرة، وإنت جيت بدري. غمض عينه لحظة.
— أستاهل. الجملة .كان هيقولي إني مستفزة. لكن المرة دي… سكت.
وقبل ما أقرر أدخله ولا لأ، سمعنا من جوه.
وبعدها الثانية.
ثم الثالثة.
بص ناحية الصوت.
— بدأوا؟
— أيوه.
— أدخل؟
فتحت الباب على الآخر.
— اتفضل يا بابا.
دخل.
وأنا قفلت الباب وراه.
ماكنتش عارفة إن اليوم ده هيكون أطول يوم في حياته.
أول اختبار بدأ بعد أقل من خمس دقايق.
واحد محتاج يتغير له.
التاني جعان.
والتالت قرر إن النوم ولازم .
جوزي وقف وسط يبص للتلاتة. نبدأ بمين؟ قلت:— اختار.
— يعني مفيش ترتيب؟ — أه فيه.— إيه هو؟
— اللي — كلهم
رفعت كتفي.
— أهلًا بيك في حياتي.
مسك واحد منهم.
بدأ يغير له الحفاضة. وبعد ثواني سمعت: يا نهار أبيض!لفيت له.— إيه؟بصلي
— عملها عليا!
ماكنتش قادرة أمنع نفسي.
ضحكت.
ضحكت لأول مرة من قلبي من أيام.
بص لقميصه.
وبعدين للطفل.
وقال:
— إنت عملتها متعمد، صح؟
البيبي بصله بمنتهى البراءة.
ضحكت أكتر. وللحظة…كان طبيعي.أب.أم.طفل.ضحكة.بيت.
العيلة اللي كنت بحلم بيها.
لكن قلبي فكرني بسرعة.
العيلة مش لحظة حلوة.
العيلة مسؤولية وقت اللحظات الوحشة كمان.
—
مرت ساعتين.
ولأول مرة، سيبته يتصرف.
ماكنتش أنقذه كل ما يتوتر.
كنت بس.
— سند رقبته.
— المية مش سخنة كده.
— استنى قبل ما تزود اللبن.
— الببرونة دي بتاعة أخوه.
وفي كل مرة كان يهز راسه ويحاول تاني.
بعد حوالي ثلاث ساعات، قعد على الكنبة .
واحد نايم على صدره.
والتاني في
والتالت أنا برضعه.
بصلي وقال:
— إنتِ كنتِ بتعملي ده كله لوحدك؟
— تقريبًا.
— وأختك؟
— كانت بتيجي بعد شغلها لما تقدر.
سكت.
— وأنا كنت على البحر.
ما رديتش.
هو اللي كمل:
— وإنتِ كنتِ بتبعتيلي تقوليلّي إنك.
بصيت له.
— وإنت كنت بترد عليا تقول إيه؟
وطى عينه.
— “حاولي تنامي لما الأطفال .”
ضحكت بمرارة.
— أهو اكتشفت إنهم مش بيوقعوا عقد بينهم يناموا في نفس المعاد؟
لأول مرة ابتسم ابتسامة حزينة.
— اكتشفت.
وسكت شوية.
وبعدين قال:
— أنا كنت
رفعت عيني له.
دي كانت أول مرة يعترف بالكلمة.
مش “متوتر”.
مش “مضغوط”.
مش “محتاج مساحة”.
أناني.
قلت:
— كنت.
هز راسه.
— وعارف إن مش كفاية.
— كويس.
— وعارف إنك مش مطالبة تسامحيني.
— كويس.
رفع عينه.
— بس أنا هكون موجود.
قلت:
— علشان ترجعني؟
— علشان دول ولادي..الكلمة .
لأن جزء جوايا كان نفسه يسمعه يقول الكلام ده من البداية
الأيام اللي بعدها بدأت حاجة غريبة.
كان بييجي كل يوم.
مش بالورد.
ولا بالهدايا.
ولا برسائل الحب.
كان بييجي بالحفاضات.
باللبن.
بالمناديل.
وبقائمة أسئلة.
اتعلم مواعيد الرضعات.
اتعلم يحممهم.
اتعلم إن الطفل اللي على اليمين بيهدى لما يتمشى بيه.
وإن أخوه بيحب صوت المروحة.
وإن الثالث لازم يتربت على ضهره فترة أطول بعد الرضعة. وأنا؟ كنت بتفرج.
مش بحبه أكتر. كنت بس…
براقب.
لأن الكلام سهل.
وأنا شبعت كلام.
—
بعد أسبوع، حصل أول اختبار حقيقي.
كنت نايمة حوالي ساعة لما صحيت على صوت حركة في الصالة.
خرجت بسرعة.
لقيته واقف شايل طفلين.
والتالت في الكرسي قدامه بيعيط.
قلت:
— مالهم؟
— عندهم مغص تقريبًا.
مديت إيدي.
— هات.
رجع خطوة.
— نامي.
بصيت له باستغراب.
— إيه؟
— نامي.
— مش هتعرف لوحدك.
بصلي.
— وإنتِ عرفتي لوحدك إزاي؟
سكت.
قال:
— لو احتجتك هصحيكي.
— بس…
— روحي نامي ساعتين.
ماكنتش فاكرة آخر مرة حد قالهالي إمتى.
روحي نامي.
ببساطة.
من غير ما أحس إني مقصرة.
من غير ما أطلب.
دخلت الأوضة.
قفلت الباب.
ونمت.
لما صحيت…كانت الساعة بعد الظهر.مر شهر. وكان ملتزم. مابيغيبش.مابيتحججش. وفي يوم، وأنا براجع مع المحامي بعض أوراق الطلاق، دخل جوزي. شاف الملف. وقف ثانية.
وبعدين كمل طريقه ناحية الأطفال.
ماكنتش متوقعة سكوته.
بعد ما ناموا، لقيته واقف عند الباب.
قال:
— المحامي كان هنا؟
— أيوه.
— إجراءات الطلاق ماشية؟
— ماشية.
هز راسه.
— تمام.
استغربت.
— تمام؟
— مش هضغط عليكي.
قرب من الباب.
وبعدين وقف.
— بس ممكن أطلب حاجة؟
— إيه؟
— ماتخليش طلاقي منك يطلقني من ولادي.
حسيت بحاجة تعصر قلبي.
قلت:
— طول ما إنت أب مسؤول، محدش هيمنعك عنهم.
— وعد؟
— وعد.
ابتسم.
ومشي.
—
بعدها بأسبوعين، حصل شيء قلب كل حاجة.
كانت الساعة حوالي اتنين بالليل.
صحيت على صوت غريب من واحد من الأطفال.
قربت.
لمست جبينه.
اتصلت بجوزي.
مرة واحدة.
رد من أول رنة.
— ألو؟
— ابنك سخن جدًا.
سمعت صوت حركة
— إحنا هننزل.
— استنيني تحت.
وصل قبل ما أخلص تجهيز شنطة الطفل.
ماعرفتش إزاي.
ركبنا العربية.
طول الطريق كنت حاضنة ابني وبعيط.
— هيبقى كويس؟
قال:
— إن شاء الله.
— هو صغير أوي.
— عارف.
وبعدين مد إيده.
ماكنتش عايزة أمسكها.
لكن لما العربية وقفت قدام المستشفى،
— الأب؟
رد فورًا:
— أنا.
فضل واقف جنب ابنه طول الليل.
ماطلبش كرسي..
ده نفس الراجل اللي طلب مني أوطي
وهو نفسه بيقوله:
الحمد لله، بعد ساعات طمّنونا إن الحالة بسيطة، لكن محتاجة متابعة.
خرجنا الصبح.
في العربية، الطفل كان نايم في
وفجأة قال:
— أنا فهمت.
— فهمت إيه؟
مسح وشه.
— يوم الولادة.
بصيت له.
قال:
— الليلة دي وأنا شايف ابني بيتألم، كنت مستعد أعمل أي حاجة علشان آخد الوجع مكانه.
صوته
ماعرفتش أرد.
قال:
— أنا مش عارف إزاي عملت كده.
وبعدين بصلي.
— مش عايزك تسامحيني دلوقتي.
سكت لحظة.
— بس أنا آسف.
لأول مرة…
صدقت اعتذاره بالكامل.
مش معنى كده إن الجرح اختفى.
لكن لأول مرة حسيت إنه شافه.
—
مرت شهور.
والطلاق…
وقف.
مش اتلغى.
أنا اللي طلبت من المحامي نوقف الإجراءات مؤقتًا.
ماكنتش جاهزة أرجع.
لكن كمان ماكنتش جاهزة أقفل الباب.
هو ماعرفش.
فضل يتعامل كأن الطلاق مكمل.
وكان بييجي علشان أولاده.
لحد ليلة…
كان الأطفال كملوا تقريبًا ست شهور.
كنت واقفة في المطبخ.
وهو بيغسل الببرونات.
قلت فجأة:
— وقفت إجراءات الطلاق.
إيده ثبتت.
فضل ضهره ليا.
— من إمتى؟
— من شهرين.
لف ببطء.
وشه كان مصدوم.
— ليه؟
بصيت له.
— علشان أشوف.
— تشوفي إيه؟
— إذا كان التغيير ده خوف من خسارتي… ولا تغيير حقيقي.
سكت.
— وعرفتي؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— لسه.
ضحك رغمًا عنه.
وبعدين عينه دمعت.
— خدي وقتك.
— هاخده.
رجع يغسل الببرونات.
وبعد ثواني قلت:
— بس…
لف.
— ممكن النهارده تتعشى معانا.
ماقالش حاجة.
لكن الابتسامة اللي ظهرت على وشه…
كانت كفاية.
—
بعد سنة كاملة من ولادة أولادنا…
رجعنا لنفس المستشفى.
لكن المرة دي ماكانش فيه صراخ.
كان فيه ضحك.
الأطفال التلاتة كانوا معانا في زيارة لطبيبة الأطفال.
وإحنا خارجين، وقف فجأة قدام باب جناح الولادة.
ملامحه اتغيرت.
قال:
— هنا؟
فهمت.
— أيوه.
بص للباب فترة.
وبعدين بصلي.
— لو الزمن رجع بيا…
قاطعته:
— مش هيرجع.
هز راسه.
— عارف.
مد إيده ناحيتي.
ماكنتش أول مرة يمدها خلال السنة.
لكن كانت أول مرة…
أحط إيدي فيها بإرادتي.
بص لإيدينا.
وبعدين ليا.
قلت:
— أنا مش نسيت.
— عارف.
— وممكن عمري ما أنسى.
— حقك.
— لكني سامحتك.
غمض عينيه.
ونزلت دمعة على خده.
ضحكت.
— إنت بتعيط؟
قال:
— واطي صوتك شوية… الموضوع موترني.
بصيت له مصدومة.
وبعدين انفجرت ضحك.
وهو ضحك.
والتلاتة بدأوا يضحكوا معانا من غير ما يفهموا حاجة.
وفي الممر نفسه اللي بدأت فيه أسوأ ذكرى في جوازنا…
بدأت ذكرى جديدة.
مش لأن الحب لوحده كفاية.
لكن لأن الإنسان أحيانًا يستحق فرصة تانية…
لو أثبت بأفعاله إنه فهم ليه ضيّع الأولى.
وبعد شهور رجعنا نعيش تحت سقف واحد.
مش علشان الأطفال.
ومش علشان الناس.
لكن لأننا بنينا جوازنا من الأول.
هو بقى أب حقيقي.
وأنا بطلت أشيل الدنيا كلها لوحدي.
وفي عيد ميلاد التلاتة التاني، كنت واقفة أصورهم وهما بيطفوا الشمع، لما قرب مني وهمس:
— فاكرة لما قلت إن الولادة كانت ضغط عصبي عليا؟
بصيت له.
— للأسف.
قال:
— أنا كنت عبيط.
ضحكت.
— جدًا.
— طب سامحتيني.
— سامحتك، ماقولتش فقدت الذاكرة.
ضحك وقرب مني.
وفي اللحظة دي، واحد من التلاتة مسك التورتة بإيده ورماها على قميص أبوه.
وقفت أبص له.
هو بص للتورتة.
وبعدين بص لابنه.
قلت:
— متوتر؟
مسح الكريمة من على وشه وقال:
— جدًا.
— تحب تسافر أسبوعين؟
فتح عينه بصدمة.
— والله ما أتحرك من البيت!
وضحكنا كلنا.
لأن البيت اللي منه يومًا بسبب صوت ثلاثة أطفال…
بقى بعد سنتين المكان الوحيد اللي كان بيجري علشان يرجع له.
تمت.
الكاتبة أسما السيد ❤️



