روايات وقصص

اثناء ولادتي حكايات اسما السيد

أثناء ولادتي، جوزي كان بيترجاني أوطي صوتي وأنا بتألم، وبعدها سابني لوحدي مع التلات توائم وسافر إجازة لأن الولادة كانت — على حد كلامه — «ضغط عصبي كبير عليه»… لكن لما رجع البيت، وقف مكانه وصرخ:

— مستحيل! اللي بيحصل ده مش ممكن!

كنت متجوزة بقالي أربع سنين لما عرفنا إني حامل في تلات توائم.

جوزي طول عمره كان بيتكلم عن حلمه إنه يكون عنده عيلة كبيرة، ولما شفنا السونار لأول مرة وعرفنا إنهم تلاتة، فرح بطريقة جنونية.

كان مش مصدق إنه أخيرًا هيبقى أب.

لكن كل ما ميعاد الولادة كان بيقرب،  اللي كان عنده بدأ  بالتدريج.

وكأن فكرة وجود تلات أطفال في البيت بقت تخوفه بدل ما تفرحه.

ولما جه يوم الولادة، كانت أوضة المستشفى مليانة حركة وأصوات، والدكاترة والممرضات حواليا، وأنا كنت في أصعب لحظات حياتي.

كنت محتاجة جوزي جنبي.

محتاجة كلمة تطمني، إيد أمسك فيها، أو حتى نظرة تحسسني إني مش لوحدي.

لكنه بدل ما يدعمني، كان واضح جدًا إنه متضايق من كل اللي بيحصل.

وفي لحظة، جالي ألم شديد جدًا وصرخت غصب عني.

لقيته قرب مني وهمس بانزعاج:

— ممكن توطي صوتك شوية؟ إنتِ عاملة دوشة، والموضوع ده موترني جدًا.

بصيتله وأنا مش مصدقة.

أنا اللي بولد تلات أطفال…

وهو اللي متوتر؟!

بعد كام يوم، خرجنا من المستشفى ورجعنا البيت بالتلات أطفال.

كنت منهكة تمامًا.

جسمي لسه بيتعافى، ونومي تقريبًا اختفى، وكل اللي كنت بحاول أعمله إني ألاقي نظام بسيط أقدر أمشي عليه علشان أعرف أطعمهم وأنيمهم وأهتم بيهم.

لكن قبل ما يعدي حتى أسبوع…

لقيت جوزي بيجهز شنطة سفر كبيرة.

افتكرته في الأول رايح شغل أو حصل ظرف طارئ.

سألته باستغراب:

— إنت رايح فين؟

رد عليا بمنتهى الهدوء، وكأنه بيقول حاجة طبيعية جدًا:

— محتاج أسافر أسبوعين مع أصحابي.

فضلت باصة له.

— تسافر؟ دلوقتي؟!

قال إن التغيير المفاجئ في حياته، وصوت عياط الأطفال طول الوقت، وقلة النوم، كل ده بقى ضغط كبير على حالته النفسية.

وإنه محتاج ياخد إجازة علشان «يفصل ويرجع لنفسه».

قلتله وأنا مش مستوعبة:

— وأنا؟ أنا اللي لسه والدة تلات أطفال أعمل إيه؟

لكنه كان واخد قراره بالفعل.

شال شنطته…

وخرج.

وسابني لوحدي تقريبًا مع تلات أطفال لسه مولودين.

الأسبوعين اللي بعدهم كانوا من أصعب أيام حياتي.

أختي كانت بتيجي تساعدني على قد ما تقدر، لكن أغلب الرضعات، والعياط، وتغيير الحفاضات، والسهر طول الليل، كانوا عليا أنا.

كنت ساعات ببقى واقفة شايلة طفل، والتاني بيعيط في سريره، والتالت مستني الرضعة…

وأنا نفسي مش فاكرة آخر مرة نمت فيها ساعتين متواصلين إمتى.

وفي نفس الوقت…

جوزي كان في إجازته.

وبعد أسبوعين كاملين، رجع أخيرًا.

دخل البيت امبارح بالليل، بشرته مسمرة من الشمس، وشكله مرتاح وكأنه راجع من أجمل رحلة في حياته.

فتح الباب بمفتاحه ودخل وهو بيجر شنطته وراه.

غالبًا كان متوقع يرجع يكمل حياته بشكل طبيعي جدًا…

كأن الأسبوعين اللي فاتوا ماحصلوش.

لكن أول ما دخل الصالة…

وقف فجأة.

إيده سابت مقبض الشنطة.

والشنطة وقعت على الأرض.

فضل باصص قدامه ، ووشه اتغير تمامًا.

— مستحيل! اللي بيحصل ده مش ممكن!

صحيت على صوته وأنا قاعدة على الكنبة، شايلة واحد من التلاتة على صدري.

رفعت عيني له بهدوء.

كان واقف عند باب الصالة، شنطة السفر واقعة جنب رجله، ولون البحر لسه على بشرته، لكن وشه نفسه كان شاحب كأنه شاف كارثة.

بصيت ناحية الحاجة اللي مركز فيها…

وفهمت.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:

— حمد لله على السلامة.

لف ناحيتي بسرعة.

— إيه ده؟!

— إيه اللي إيه؟

أشار بإيده ناحية الصالة وهو شبه فاقد النطق.

— مين الناس دي؟! وإيه الشنط دي كلها؟!

قبل ما أرد، خرجت أختي من المطبخ وهي شايلة ببرونة.

وراها أمي.

وبعدها بثواني ظهر راجل في أواخر الخمسينات من طرقة ، لابس بدلة أنيقة وماسك ملف كبير في إيده.

جوزي بص له بصدمة.

— حضرتك مين؟

الراجل رد بمنتهى الهدوء:

— المحامي الخاص بزوجتك.

سكت.

ثانيتين…

تلاتة…

وبعدين ضحك جوزي بتوتر.

— محامي؟! محامي إيه؟

بصيت للطفل اللي في حضني، وعدلت الغطا عليه، وقلت:

— محامي الطلاق.

اتجمد مكانه.

— طلاق؟!

— أيوه.

— إنتِ اتهبلتي؟!

أختي اتحركت ناحية الباب، لكني رفعت إيدي لها.

ماكنتش محتاجة حد يدافع عني.

المرة دي أنا كنت قادرة أتكلم.

بصيت له وقلت:

— وطي صوتك شوية… إنت عامل دوشة، والموضوع ده موترني جدًا.

وشه اتغير.

عرف الجملة.

طبعًا عرفها.

نفس الجملة اللي قالهالي وأنا بتقطع من الألم وبولد أولاده.

أمي بصتلي، وحاولت تخبي ابتسامتها.

أما هو، ففتح بقه كأنه عايز يرد، لكنه ماعرفش.

قرب مني خطوتين.

— إنتِ  مني؟

— لا.

— أمال إيه؟! أنا سافرت أسبوعين بس!

ضحكت.

— أسبوعين بس؟

وقفت ببطء وأنا شايلة ابني.

جسمي لسه بيوجعني.

ظهري كان بيموتني من السهر، وعيني محمرة من قلة النوم.

لكن لأول مرة من يوم الولادة…

كنت حاسة إني واقفة على رجلي فعلًا.

قلت:

— إنت سبت مراتك بعد ولادة تلات أطفال بأيام، وسافرت تتبسط مع أصحابك علشان حضرتك كنت مضغوط نفسيًا.

— أنا كنت محتاج أرتاح!

— وأنا كنت محتاجة إيه؟

سكت.

قربت منه أكتر.

— كنت محتاجة أنام ساعة يا راجل.

صوتي اتهز رغمًا عني.

— ساعة واحدة بس من غير ما أصحى على عياط طفل.

بلعت دموعي وكملت:

— كنت محتاجة أدخل الحمام من غير ما أسمع واحد منهم بيصرخ فأخرج أجري.

— كنت محتاجة حد يمسك واحد وأنا برضع التاني والتالت بيعيط.

— كنت محتاجة أتعافى من الولادة.

 بإيدي على .

— كنت محتاجة جوزي!

وطيت صوتي:

— بس جوزي كان محتاج إجازة مني ومن عياله.

حاول يتكلم.

— أنا مكنتش أقصد…

قاطعته:

— عارف أكتر حاجة وجعتني؟

بصلي.

— إنك وإنت مسافر كنت بتبعتلي صور.

اتسعت عينيه.

— صورك وإنت على البحر… صور الأكل… صور السهرات…

ضحكت بمرارة.

— وفي مرة بعتلي صورة وكتبت: أخيرًا عرفت أنام عشر ساعات متواصلة.

نزل عينه للأرض.

— كنت بهزر.

— وأنا قريتها الساعة أربعة الفجر وأنا قاعدة على أرض المطبخ بعيط، والتلاتة بيعيطوا معايا.

الصالة سكتت تمامًا.

حتى هو ماعرفش يرفع عينه في عيني.

لكن بعد لحظات، افتكر حاجة.

رفع راسه فجأة وبص للشنط.

— طيب… الشنط دي إيه؟

هنا اتدخل المحامي.

— متعلقات موكلتي وأطفالها.

جوزي لف له بعصبية.

— أطفالها؟ دول أولادي!

رد المحامي:

— بالتأكيد. وده سبب وجودي هنا.

اتوتر أكتر.

— يعني إيه؟

ناولني المحامي الملف.

أخدته بإيد واحدة.

فتحته.

طلعت منه ورقة.

ومدّيتها لجوزي.

قرأ أول سطر…

وبعدين رفع عينه لي.

— إنتِ قدمتي طلب  فعلًا؟

— آه.

— من إمتى؟!

— من اليوم الخامس في سفرك.

رفع الورقة في وشي.

— يعني وإنتِ بتكلميني كل يوم كنتِ بتعملي ده من ورايا؟!

ضحكت من .

— بكلمك كل يوم؟!

فتحت موبايلي.

— في أسبوعين اتصلت بيا أربع مرات.

رفعت أربعة صوابع.

— أربع.

وبصيت له.

— مرتين منهم علشان تسألني باسورد حساب المنصة اللي عليها المسلسل اللي بتتفرج عليه.

أختي لفت وشها علشان ماتضحكش.

لكنه ماكانش شايف أي حاجة مضحكة.

كان بيقلب في الأوراق بسرعة.

وفجأة…

وقف.

عينيه ثبتت على ورقة معينة.

وشه شحب أكتر.

— إيه ده؟

ما رديتش.

قرأ بصوت عالي:

— عقد إيجار…؟

رفع عينه.

— إنتِ مأجرة ؟

— لا.

سكت لحظة.

— أنا اشتريت .

الورقة وقعت تقريبًا من إيده.

— اشتريتي؟!

— أيوه.

— بفلوس مين؟!

هنا أمي اتحركت، لكني سبقتها.

— بفلوسي.

ضحك باستهزاء.

— فلوسك؟ إنتِ ناسية إنك موقفه شغلك من أول الحمل؟

— وقفت شغلي… مش فقدت فلوسي.

سكت.

ودي كانت أول حاجة هو مايعرفهاش.

قبل جوازنا بسنين، كنت اشتغلت مع أبويا في مشروع صغير.

بعد وفاة أبويا، بعت نصيبي لشريكه، وحطيت الفلوس في استثمار باسمي.

عمري ما خبيت عنه إن عندي مدخرات.

هو بس…

عمره ما اهتم يسأل.

لأنه كان متأكد إن البيت اللي عايشة فيه هو كل أماني.

وإن وجودي معاه فضل منه.

قلت بهدوء:

—  جاهزة.

— وإنتِ رايحة هناك؟

— أنا والولاد.

هنا .

— مش هتاخدي ولادي وتمشي!

صوته كان عالي لدرجة إن الطفل اللي في حضني بدأ يعيط.

وفي ثانية…

اتغيرت ملامحي.

ضميته  وقلت بحزم:

— وطي صوتك.

لكنه كان منفعل.

— دول ولادي زي ما هما ولادك!

— صحيح.

— يبقى مش من حقك تقرري لوحدك!

— وأنا ماقررتش أمنعك عنهم.

وأشرت للمحامي.

— كل حاجة هتتم رسمي وبما يحفظ حقوقهم وحقوقنا.

وبصيت له مباشرة.

— بس أنا مش هكمل جواز علشان أخاف من كلمة .

شهق بعصبية.

— علشان سفرة؟!

الجملة دي…

هي اللي أنهت آخر ذرة تردد جوايا.

بصيت له طويلًا.

— لأ.

هزيت راسي.

— مش علشان سفرة.

وقربت منه.

— علشان يوم ولادتي اكتشفت إن ألمي بيزعجك.

— ولما رجعنا البيت اكتشفت إن تعبك أهم من تعبي.

— ولما احتجتك، اكتشفت إن أول رد فعل عندك إنك تهرب.

وسكت لحظة.

— وأنا مش هربي تلات أطفال وأنا عندي طفل رابع كبير مستني مني أراعي مشاعره طول الوقت.

فتح بقه…

وقفله.

وبعدين حصل شيء ماكنتش متوقعاه.

قعد على أقرب كرسي.

وحط إيده على راسه.

— أنا بوظت كل حاجة.

ماكنتش شماتة.

الغريب إني ماحسيتش بانتصار.

حسيت بحزن.

لأن الراجل اللي قدامي كان نفس الراجل اللي فرح يوم السونار وباس بطني وهو بيضحك ويقول:

— تلاتة مرة واحدة؟ أنا أغنى راجل في الدنيا.

بس الأبوة مش صورة سونار.

ولا أسماء بنختارها.

ولا صور أطفال بننزلها للناس.

الأبوة كانت الساعة تلاتة الفجر.

كانت الببرونة.

والحفاضة.

والعياط.

والتعب.

والوقوف جنب أم لسه جسمها بيتعافى.

وهو اختار يسافر.

قام فجأة.

— اديني فرصة.

بصيت له.

— فرصة؟

— أسبوع… شهر… أي حاجة. أنا هصلح كل حاجة.

قبل ما أرد…

طلع صوت بكاء من أوضة الأطفال.

وبعده مباشرة صوت الطفل التاني.

وبعد ثواني…

التالت انضم لهم.

ثلاثتهم في نفس الوقت.

جوزي لف ناحية الأوضة.

وبعدين بصلي.

لأول مرة…

ماكنتش أنا اللي اتحركت.

فضلت واقفة مكاني.

وقلت:

— اتفضل.

— إيه؟

— ولادك بيعيطوا.

ارتبك.

— طيب… أعمل إيه؟

ابتسمت بوجع.

السؤال نفسه كان الإجابة على كل حاجة.

قلت:

— إنت أبوهم.

دخل  بتردد.

وقفت عند الباب أراقبه.

مسك أول طفل بطريقة غلط.

صرخ أكتر.

ارتبك.

حاول يهزه.

قلت فورًا:

— ماتتهزش كده.

عدل إيده.

الطفل التاني كان بيصرخ.

بصلي باستغاثة.

لأول مرة من أسبوعين…

أنا ماجريتش.

قلت:

— جعان.

— طب والببرونة فين؟

— حضّرها.

— إزاي؟

بصيت له طويلًا.

— أسبوعين وأنا بتعلم لوحدي.

وسكت.

— دورك تتعلم.

وبالفعل…

فضل جوه .

عشر دقايق.

عشرين.

نص ساعة.

وأنا وأختي وأمي قاعدين بره.

بعد حوالي ساعة خرج.

قميصه عليه لبن.

شعره منكوش.

ووشه مرهق.

والطفل على كتفه نايم.

بصلي.

لكن النظرة دي كانت مختلفة.

مفيهاش عصبية.

مفيهاش استحقاق.

كان فيها خجل.

وقال بصوت واطي:

— إنتِ عملتي ده لوحدك أسبوعين؟

رديت:

— أيوه.

بلع ريقه.

— أنا آسف.

كانت أول مرة يقولها.

آسف.

من غير “بس”.

من غير تبرير.

من غير ما يقولي إنه كان مضغوط.

لكني كنت عارفة إن بعض الاعتذارات بتيجي بعد فوات الأوان.

وفي الصبح…

خرجت من البيت.

أنا.

وأطفالي.

وأمي وأختي.

وقف هو عند الباب يتفرج علينا.

وقبل ما أركب العربية، ناداني.

— ممكن أسألك سؤال؟

لفيت له.

— فيه أمل؟

بصيت له للحظات.

ثم قلت:

— فيه أمل إنك تبقى أب كويس.

عينيه لمعت.

لكني كملت:

— أما إنك ترجع جوزي… فدي حاجة تانية خالص.

ركبت العربية.

وقبل ما الباب يتقفل، سمعته يقول:

— مش ههرب تاني.

ما رديتش.

لأن المرة دي…

الكلام ماكانش كفاية.

كان لازم أشوف.

كان لازم يثبت.

ولأول مرة من يوم ولادتي، وأنا ماشية ناحية بيتي الجديد والتلات أطفال جنبي، ماكنتش حاسة إني اتسابِت لوحدي.

كنت حاسة إنني أخيرًا اخترت نفسي.

لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها…

إن بعد ثلاثة أيام فقط، هصحى على رنة جرس  الجديدة الساعة السادسة الصبح.

ولما أفتح الباب…

هلاقي جوزي واقف قدامي، هدومه مبهدلة، وفي إيده شنطة كبيرة.

وفي الإيد التانية…

ثلاث ببرونات وعلبة حفاضات.

بصلي وقال جملة خلتني أفضل ساكتة مكاني:

— أنا مش جاي أرجعك… أنا جاي أتعلم أبقى أبوهم، حتى لو عمرك ما رجعتي مراتي.

وساعتها…

بدأ الاختبار الحقيقي.

وقفت عند باب الشقة، وبصيت له من فوق لتحت.

الساعة كانت ستة الصبح.

شعره منكوش، هدومه مبهدلة، وتحت عينيه هالات كأنه مانمش من امبارح.

وفي إيده كيس كبير مليان حفاضات ومناديل وببرونات.

قال بهدوء:

— أنا مش جاي أرجعك… أنا جاي أتعلم أبقى أبوهم، حتى لو عمرك ما رجعتي مراتي.

فضلت ساكتة ثواني.

وبعدين قلت:

— الساعة ستة الصبح؟

بص في ساعته وكأنه لسه واخد باله.

— صحوا؟

ضحكت بسخرية.

— لأ طبعًا. التلات توائم عندهم اجتماع مجلس إدارة الساعة عشرة، وإنت جيت بدري.

غمض عينه لحظة.

— أستاهل.

الجملة فاجأتني.

زمان، كان هيرد.

كان .

كان هيقولي إني مستفزة.

لكن المرة دي…

سكت.

وقبل ما أقرر أدخله ولا لأ، سمعنا صرخة من جوه.

وبعدها الثانية.

ثم الثالثة.

بص ناحية الصوت.

— بدأوا؟

— أيوه.

— أدخل؟

فتحت الباب على الآخر.

— اتفضل يا بابا.

دخل.

وأنا قفلت الباب وراه.

ماكنتش عارفة إن اليوم ده هيكون أطول يوم في حياته.

أول اختبار بدأ بعد أقل من خمس دقايق.

واحد محتاج يتغير له.

التاني جعان.

والتالت قرر إن النوم اختراع سخيف ولازم يعترض عليه بالصراخ.

جوزي وقف وسط الأوضة يبص للتلاتة.

— نبدأ بمين؟

كنت قاعدة على طرف .

قلت:

— اختار.

— يعني مفيش ترتيب؟

— أه فيه.

— إيه هو؟

— اللي بيصرخ أكتر.

بص للتلاتة.

— كلهم بيصرخوا!

رفعت كتفي.

— أهلًا بيك في حياتي.

مسك واحد منهم.

بدأ يغير له الحفاضة.

وبعد ثواني سمعت:

— يا نهار أبيض!

لفيت له.

— إيه؟

بصلي بصدمة.

— عملها عليا!

ماكنتش قادرة أمنع نفسي.

ضحكت.

ضحكت لأول مرة من قلبي من أيام.

بص لقميصه.

وبعدين للطفل.

وقال:

— إنت عملتها متعمد، صح؟

البيبي بصله بمنتهى البراءة.

ضحكت أكتر.

وللحظة…

المشهد كان طبيعي.

أب.

أم.

طفل.

ضحكة.

بيت.

العيلة اللي كنت بحلم بيها.

لكن قلبي فكرني بسرعة.

العيلة مش لحظة حلوة.

العيلة مسؤولية وقت اللحظات الوحشة كمان.

مرت ساعتين.

ولأول مرة، سيبته يتصرف.

ماكنتش أنقذه كل ما يتوتر.

كنت أوجهه بس.

— سند رقبته.

— المية مش سخنة كده.

— استنى قبل ما تزود اللبن.

— الببرونة دي بتاعة أخوه.

وفي كل مرة كان يهز راسه ويحاول تاني.

بعد حوالي ثلاث ساعات، قعد على الكنبة منهار.

واحد نايم على صدره.

والتاني في .

والتالت أنا .

بصلي وقال:

— إنتِ كنتِ بتعملي ده كله لوحدك؟

— تقريبًا.

— وأختك؟

— كانت بتيجي بعد شغلها لما تقدر.

سكت.

— وأنا كنت على البحر.

ما رديتش.

هو اللي كمل:

— وإنتِ كنتِ بتبعتيلي تقوليلّي إنك .

بصيت له.

— وإنت كنت بترد عليا تقول إيه؟

وطى عينه.

— “حاولي تنامي لما الأطفال يناموا.”

ضحكت بمرارة.

— أهو اكتشفت إنهم مش بيوقعوا عقد بينهم يناموا في نفس المعاد؟

لأول مرة ابتسم ابتسامة حزينة.

— اكتشفت.

وسكت شوية.

وبعدين قال:

— أنا كنت أناني.

رفعت عيني له.

دي كانت أول مرة يعترف بالكلمة.

مش “متوتر”.

مش “مضغوط”.

مش “محتاج مساحة”.

أناني.

قلت:

— كنت.

هز راسه.

— وعارف إن الاعتذار مش كفاية.

— كويس.

— وعارف إنك مش مطالبة تسامحيني.

— كويس.

رفع عينه.

— بس أنا هكون موجود.

قلت:

— علشان ترجعني؟

— علشان دول ولادي.

وبص للطفل اللي نايم على .

— وحتى لو … مش عايز .

الكلمة وجعتني.

لأن جزء جوايا كان نفسه يسمعه يقول الكلام ده من البداية.

الأيام اللي بعدها بدأت حاجة غريبة.

كان بييجي كل يوم.

مش بالورد.

ولا بالهدايا.

ولا برسائل الحب.

كان بييجي بالحفاضات.

باللبن.

بالمناديل.

وبقائمة أسئلة.

اتعلم مواعيد الرضعات.

اتعلم يحممهم.

اتعلم يفرق بين عياط الجوع وعياط المغص.

اتعلم إن الطفل اللي على اليمين بيهدى لما يتمشى بيه.

وإن أخوه بيحب صوت المروحة.

وإن الثالث لازم يتربت على ضهره فترة أطول بعد الرضعة.

وأنا؟

كنت بتفرج.

مش بحبه أكتر.

ومش بكرهه أقل.

كنت بس…

براقب.

لأن الكلام سهل.

وأنا شبعت كلام.

بعد أسبوع، حصل أول اختبار حقيقي.

كنت نايمة حوالي ساعة لما صحيت على صوت حركة في الصالة.

خرجت بسرعة.

لقيته واقف شايل طفلين.

والتالت في الكرسي قدامه بيعيط.

قلت:

— مالهم؟

— عندهم مغص تقريبًا.

مديت إيدي.

— هات.

رجع خطوة.

— نامي.

بصيت له باستغراب.

— إيه؟

— نامي.

— مش هتعرف لوحدك.

بصلي.

— وإنتِ عرفتي لوحدك إزاي؟

سكت.

قال:

— لو احتجتك هصحيكي.

— بس…

— روحي نامي ساعتين.

ماكنتش فاكرة آخر مرة حد قالهالي إمتى.

روحي نامي.

ببساطة.

من غير ما أحس إني مقصرة.

من غير ما أطلب.

دخلت .

قفلت الباب.

ونمت.

لما صحيت…

كانت الساعة بعد الظهر.

جريت برا مذعورة.

لقيت البيت هادي.

واحد نايم في .

والتاني جنبه.

والتالت نايم فوق صدر أبوه.

وهو نفسه نايم على الكنبة، راسه مائلة، وببرونة  على الترابيزة.

وقفت أتفرج عليهم.

وقلبي…

خانني للحظة.

افتكرت يوم السونار.

افتكرت فرحته.

افتكرت إيده على .

افتكرت الراجل اللي كنت بحبه.

لكن بعدها افتكرت المستشفى.

“وطي صوتك.”

وافتكرت الشنطة.

والباب وهو بيتقفل.

والليالي اللي كنت بعيط فيها لوحدي.

فدخلت  تاني.

لأن الجرح ما بيتعالجش بمشهد حلو واحد.

مر شهر.

وكان ملتزم.

مابيغيبش.

مابيتحججش.

وفي يوم، وأنا براجع مع المحامي بعض أوراق ، دخل جوزي.

شاف الملف.

وقف ثانية.

وبعدين كمل طريقه ناحية الأطفال.

ماكنتش متوقعة سكوته.

بعد ما ناموا، لقيته واقف عند الباب.

قال:

— المحامي كان هنا؟

— أيوه.

— إجراءات  ماشية؟

— ماشية.

هز راسه.

— تمام.

استغربت.

— تمام؟

— مش  عليكي.

قرب من الباب.

وبعدين وقف.

— بس ممكن أطلب حاجة؟

— إيه؟

— ماتخليش طلاقي منك  من ولادي.

حسيت بحاجة تعصر قلبي.

قلت:

— طول ما إنت أب مسؤول، محدش هيمنعك عنهم.

— وعد؟

— وعد.

ابتسم.

ومشي.

بعدها بأسبوعين، حصل شيء قلب كل حاجة.

كانت الساعة حوالي اتنين بالليل.

صحيت على صوت غريب من  واحد من الأطفال.

قربت.

لمست جبينه.

سخن.

جبت الترمومتر.

ولما شفت الرقم…

قلبي وقع.

اتصلت بالطبيب.

قال لازم نروح المستشفى فورًا.

إيدي بدأت ترتعش.

اتصلت بجوزي.

مرة واحدة.

رد من أول رنة.

— ألو؟

— ابنك سخن جدًا.

سمعت صوت حركة .

— أنا جاي.

— إحنا هننزل.

— استنيني تحت.

وصل قبل ما أخلص تجهيز شنطة الطفل.

ماعرفتش إزاي.

ركبنا العربية.

طول الطريق كنت  ابني وبعيط.

— هيبقى كويس؟

قال:

— إن شاء الله.

— هو صغير أوي.

— عارف.

وبعدين مد إيده.

ماكنتش عايزة أمسكها.

لكن لما العربية وقفت قدام المستشفى، رجلي خانتني.

هو اللي فتح الباب.

هو اللي شال الطفل.

هو اللي دخل يجري.

وفي الاستقبال، لما الممرضة قالت:

— الأب؟

رد فورًا:

— أنا.

فضل واقف جنب ابنه طول الليل.

ماطلبش كرسي.

مااشتكيش.

ماقالش إنه مرهق.

ولما الطفل فضل يصرخ أثناء الكشف…

كان أبوه بيبكي وهو بيحاول يهديه.

وقفت بعيد أتفرج عليه.

والمشهد  بقوة.

ده نفس الراجل اللي طلب مني أوطي صوتي وأنا بولد.

دلوقتي ابنه بيصرخ…

وهو نفسه بيقوله:

— اصرخ يا حبيبي… اصرخ براحتك، بابا هنا.

غمضت عيني.

دموعي نزلت.

الحمد لله، بعد ساعات طمّنونا إن الحالة بسيطة، لكن محتاجة متابعة.

خرجنا الصبح.

في العربية، الطفل كان نايم في حضني.

وجوزي ساكت.

وفجأة قال:

— أنا فهمت.

— فهمت إيه؟

مسح وشه.

— يوم الولادة.

بصيت له.

قال:

— الليلة دي وأنا شايف ابني بيتألم، كنت مستعد أعمل أي حاجة علشان آخد الوجع مكانه.

صوته اتكسر.

— وإنتِ يومها كنتِ بتتألمي علشان تجيبي أولادي للدنيا… وأنا طلبت منك تسكتي علشان صوتك كان .

ماعرفتش أرد.

قال:

— أنا مش عارف إزاي عملت كده.

وبعدين بصلي.

— مش عايزك تسامحيني دلوقتي.

سكت لحظة.

— بس أنا آسف.

لأول مرة…

صدقت اعتذاره بالكامل.

مش معنى كده إن الجرح اختفى.

لكن لأول مرة حسيت إنه شافه.

مرت شهور….

وقف.

مش اتلغى.

أنا اللي طلبت من المحامي نوقف الإجراءات مؤقتًا.

ماكنتش جاهزة أرجع.

لكن كمان ماكنتش جاهزة أقفل الباب.

هو ماعرفش.

فضل يتعامل كأن  مكمل.

وكان بييجي علشان أولاده.

لحد ليلة…

كان الأطفال كملوا تقريبًا ست شهور.

كنت واقفة في المطبخ.

وهو بيغسل الببرونات.

قلت فجأة:

— وقفت إجراءات .

إيده ثبتت.

فضل ضهره ليا.

— من إمتى؟

— من شهرين.

لف ببطء.

وشه كان .

— ليه؟

بصيت له.

— علشان أشوف.

— تشوفي إيه؟

— إذا كان التغيير ده خوف من خسارتي… ولا تغيير حقيقي.

سكت.

— وعرفتي؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

— لسه.

ضحك رغمًا عنه.

وبعدين عينه دمعت.

— خدي وقتك.

— هاخده.

رجع يغسل الببرونات.

وبعد ثواني قلت:

— بس…

لف.

— ممكن النهارده تتعشى معانا.

ماقالش حاجة.

لكن الابتسامة اللي ظهرت على وشه…

كانت كفاية.

بعد سنة كاملة من ولادة أولادنا…

رجعنا لنفس المستشفى.

لكن المرة دي ماكانش فيه صراخ.

كان فيه ضحك.

الأطفال التلاتة كانوا معانا في زيارة لطبيبة الأطفال.

وإحنا خارجين، وقف فجأة قدام باب جناح الولادة.

ملامحه اتغيرت.

قال:

— هنا؟

فهمت.

— أيوه.

بص للباب فترة.

وبعدين بصلي.

— لو الزمن رجع بيا…

قاطعته:

— مش هيرجع.

هز راسه.

— عارف.

مد إيده ناحيتي.

ماكنتش أول مرة يمدها خلال السنة.

لكن كانت أول مرة…

أحط إيدي فيها بإرادتي.

بص لإيدينا.

وبعدين ليا.

قلت:

— أنا مش نسيت.

— عارف.

— وممكن عمري ما أنسى.

— حقك.

— لكني سامحتك.

غمض عينيه.

ونزلت دمعة على خده.

ضحكت.

— إنت بتعيط؟

قال:

— واطي صوتك شوية… الموضوع موترني.

بصيت له مصدومة.

وبعدين انفجرت ضحك.

وهو ضحك.

والتلاتة بدأوا يضحكوا معانا من غير ما يفهموا حاجة.

وفي الممر نفسه اللي بدأت فيه أسوأ ذكرى في جوازنا…

بدأت ذكرى جديدة.

مش لأن الحب لوحده كفاية.

لكن لأن الإنسان أحيانًا يستحق فرصة تانية…

لو أثبت بأفعاله إنه فهم ليه ضيّع الأولى.

وبعد شهور رجعنا نعيش تحت سقف واحد.

مش علشان الأطفال.

ومش علشان الناس.

لكن لأننا بنينا جوازنا من الأول.

هو بقى أب حقيقي.

وأنا بطلت أشيل الدنيا كلها لوحدي.

وفي عيد ميلاد التلاتة التاني، كنت واقفة أصورهم وهما بيطفوا الشمع، لما قرب مني وهمس:

— فاكرة لما قلت إن الولادة كانت ضغط عصبي عليا؟

بصيت له.

— للأسف.

قال:

— أنا كنت عبيط.

ضحكت.

— جدًا.

— طب سامحتيني.

— سامحتك، ماقولتش فقدت الذاكرة.

ضحك وقرب مني.

وفي اللحظة دي، واحد من التلاتة مسك التورتة بإيده ورماها على قميص أبوه.

وقفت أبص له.

هو بص للتورتة.

وبعدين بص لابنه.

قلت:

— متوتر؟

مسح الكريمة من على وشه وقال:

— جدًا.

— تحب تسافر أسبوعين؟

فتح عينه بصدمة.

— والله ما أتحرك من البيت!

وضحكنا كلنا.

لأن البيت اللي هرب منه يومًا بسبب صوت ثلاثة أطفال…

بقى بعد سنتين المكان الوحيد اللي كان بيجري علشان يرجع له.

تمت.

الكاتبة أسما السيد ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى