مواجهه حره حكايات اسما السيد

أخيرًا سددنا آخر قسط في البيت، وفجأة حماتي قالت بكل ثقة: — أخيرًا! دلوقتي بقى أقدر أبدأ أخلي البيت ده على مزاجي. لكن اللي عملته تاني يوم الصبح خلاها تجري على جوزي وهي بتصرخ: — لازم توقفها! خليها ترجع في اللي عملته فورًا! أنا وجوزي كنا مع بعض بقالنا تلتاشر سنة، وبعد جوازنا بفترة قصيرة اشترينا أول بيت لينا.
ومن أول يوم، كان عندنا هدف كبير وواضح: إننا نسدد أقساط البيت بالكامل ونبقى أخيرًا مالكينه من غير ديون.
مرت السنين، وربنا رزقنا بطفلين، وبنينا في البيت ده ذكريات وحياة كنا مبسوطين بيها جدًا.
لكن من كام سنة، الدنيا اتقلبت علينا.
الشركة اللي كان جوزي شغال فيها خسرت عدد كبير من عملائها، واضطرت تستغنى عن القسم كله اللي كان شغال فيه.
وفجأة، جوزي بقى من غير شغل.
قعد شهور يدور على وظيفة جديدة، وفي الوقت ده كل ميعاد لقسط البيت كان بيتحول لكابوس جديد بالنسبة لينا.
وفي الآخر، بما إن دخلي كان أعلى، اتفقنا إن جوزي يقعد فترة في البيت يهتم بالأولاد، وأنا أشتغل ساعات إضافية علشان نقدر نغطي المصاريف والأقساط.
وفي الفترة دي بالذات، حماتي بدأت تيجي عندنا كتير بحجة إنها بتساعد ابنها.
هي من البداية ما كانتش علاقتها بيا دافية أوي، لكن مع زياراتها الكتير، تعليقاتها بدأت تزيد وتبقى أصعب في التجاهل.
كانت تبص حوالين البيت وتقول:
— البيت ده كان هيبقى أحلى بكتير لو فيه حد فعلًا بيعرف يهتم بيه.
أو تدخل المطبخ، تتنهد، وتقول:
— مش فاهمة إزاي سايبة الدنيا توصل لكده!
كلامها كان بيوجعني، خصوصًا إني كنت بشتغل فوق طاقتي علشان البيت ده يفضل واقف وعلشان أولادي ما يحسوش بأي نقص.
لكن كنت بسكت.
مش ضعف…
لكن لأن بيتنا كان فيه ضغوط كفاية، وآخر حاجة كنت محتاجاها خناقات جديدة.
ومرت الأيام.
وبالتدريج، ظروفنا اتحسنت.
وبعد سنين من التعب والتوفير والتنازل عن حاجات كتير، جه اليوم اللي كنا مستنيينه من زمان.
دفعنا آخر قسط في البيت.
الإحساس كان لا يوصف.
أخيرًا…
البيت بقى ملكنا بالكامل.
ومن فرحتنا، قررنا نعزم العيلة على عشا بسيط ونحتفل معاهم.
وفي وسط القعدة، أعلنّا الخبر.
الكل فرح وبارك لنا.
إلا حماتي…
رفعت كوبايتها، وابتسمت ابتسامة غريبة، وقالت:
— أخيرًا! دلوقتي بقى أقدر أبدأ أخلي البيت ده على مزاجي.
بصيت لها وأنا مش مستوعبة.
لثواني، افتكرت إني سمعتها غلط.
وبعدين بصيت لجوزي.
كنت مستنية منه يقول لها:
“تقصدي إيه؟ ده بيتنا.”
أو حتى يضحك ويعتبرها هزار.
لكن اللي حصل كان أسوأ.
بص لأمه…
وابتسم.
بس.
الابتسامة دي وجعتني أكتر من كلامها نفسه.
فضلت ساكتة باقي السهرة تقريبًا.
وبعد ما الكل مشي، فضلت أفكر في كل كلمة قالتها حماتي خلال السنين اللي فاتت.
تعليقاتها على المطبخ.
على الأثاث.
على طريقة ترتيبي للبيت.
وتدخلها في كل تفصيلة.
وفجأة…
الحاجات الصغيرة اللي كنت بعدّيها وأقول لنفسي إنها مجرد تدخلات حماتي المعتادة، بدأت تاخد معنى مختلف تمامًا.
وفي صباح اليوم التالي…
كنت أخدت قراري.
وبعدها بساعات، دخلت حماتي البيت كأنها عاصفة.
عدّت من جنبي من غير حتى ما تسلم، وجريت ناحية جوزي وهي بتصرخ:
— لازم توقفها!
جوزي قام مفزوع وقال:
— في إيه؟!
وأشارت ناحيتي وهي بتصرخ:
— خليها ترجع في اللي عملته فورًا!
أما أنا…
فكنت واقفة بمنتهى الهدوء.
لأني لأول مرة من سنين…
كنت مستعدة أخليها تعرف بالضبط بيت مين ده.
“الحكاية لم تنتهِ بعد…”
📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.
✍️ الكاتبة أسما السيد
بنتي ملك حطت الشنطة الجلد على السفرة، وإيديها كانت بتترعش.
أمي قامت من مكانها بسرعة.
— ملك… إنتِ كنتي فين؟ وإيه اللي جاب شنطة عمك فؤاد معاكي؟
ملك مسحت دموعها بطرف كمها وقالت:
— مش هقدر أقولك قبل ما تفتحيها يا تيتة.
أنا قلبي اتقبض.
قربت منها ومسكت كتفها.
— حد عملك حاجة؟ الراجل ده قرب منك؟
هزت راسها بسرعة.
— لأ يا ماما… هو أصلًا ماشفنيش.
أمي بصت للشنطة.
كانت نفس الشنطة البنية اللي فؤاد بياخدها معاه كل جمعة.
عمرنا ما اهتمينا بيها.
كنا فاكرين إن فيها ورق شغل، أو هدوم، أو أي حاجة عادية.
لكن الليلة دي…
بقت الشنطة دي أخطر حاجة في البيت.
أمي مدت إيدها ناحية السوستة.
وبعدين سحبتها.
— لأ.
قلت باستغراب:
— لأ إيه؟
— دي حاجته… وأنا مش هفتش وراه.
ملك بصتلها والدموع نزلت من عينيها تاني.
— يا تيتة… لو ما فتحتيهاش، أنا هقولك اللي شوفته.
سكتنا كلنا.
قالت ملك:
— أنا مشيت وراه.
أمي شهقت:
— ليه تعملي كده؟!
— علشان كنت عايزة أعرف بيروح فين كل جمعة ويسيبك حتى في عيد ميلادك.
وقفت لحظة، وبعدين كملت:
— ركب عربيته، وأنا طلبت عربية ومشيت وراه… لحد ما وصل مكان عمري ما توقعت إنه يروحه.
سألتها:
— فين؟
بصت لأمي وقالت:
— مستشفى.
أمي اتجمدت.
— مستشفى؟!
— أيوه… نزل بسرعة، ودخل من باب جانبي، وبعد شوية خرج وهو بيجري تقريبًا ناحية مبنى تاني.
أنا بدأت أفهم إن الحكاية مش ست تانية زي ما كنا متخيلين.
لكن ملك كملت:
— وقبل ما يدخل، شنطته وقعت منه جنب العربية… ناديت عليه، بس ما سمعنيش. فتحتها أدور على موبايل أو بطاقة أعرف أوصله بيها…
وسكتت.
أمي قربت منها.
— ولقيتي إيه؟
ملك أشارت للشنطة.
— شوفي بنفسك.
المرة دي أمي فتحتها.
أول حاجة طلعتها كانت قميص صغير جدًا.
قميص طفل.
بعده لعبة عربية بلاستيك.
وبعدها علبة ألوان.
ثم ظرف أبيض كبير.
أمي بدأت تتنفس بصعوبة.
— فؤاد عنده طفل؟
ملك ما ردتش.
أمي فتحت الظرف.
وأنا واقفة جنبها بقرأ معاها.
كانت تقارير طبية.
اسم طفل:
آدم فؤاد عبدالسلام.
العمر: تسع سنوات.
وتحت الاسم كلمات طبية كتير…
لكن جملة واحدة كانت كفاية تخلي أمي تقع على الكرسي:
جلسات علاج أسبوعية طويلة المدى.
أمي رفعت وشها لملك.
— ابنه؟
ملك هزت راسها.
— أيوه.
حطت أمي إيدها على صدرها.
— فؤاد قاللي إنه ماخلفش قبل كده.
هنا ملك قالت الجملة اللي قلبت الموضوع كله:
— هو ماكدبش عليكي يا تيتة.
بصينا لها.
— يعني إيه؟
— الطفل مش ابنه.
الصمت نزل علينا مرة واحدة.
أمي قالت:
— أمال اسمه ليه آدم فؤاد؟
ملك قعدت جنبها.
— أنا وصلتله الشنطة جوه المستشفى… بس قبل ما أدخل الأوضة سمعته بيتكلم مع ممرضة.
بلعت ريقها.
— قالتله: “الحمد لله إنك لحقت يا أستاذ فؤاد… آدم كان بيسأل عليك من بدري.”
سكتت ملك لحظة.
— وبعدين سمعتها بتقول: “ربنا يجازيك خير… مش أي حد يعمل اللي إنت عملته مع ابن أخوه.”
أمي رفعت عينيها.
— ابن أخوه؟
— أيوه.
وقبل ما حد فينا يستوعب، موبايل أمي رن.
فؤاد.
كلنا بصينا للشاشة.
أمي ردت.
— ألو؟
صوته كان متوتر.
— شنطتي عندكم؟
أمي سكتت ثواني.
ثم قالت:
— عندنا.
هو كمان سكت.
أمي بصت للتقارير قدامها.
— وفهمت كل حاجة تقريبًا.
سمعناه ياخد نفس طويل.
— أنا جاي.
وقفل.
بعد حوالي نص ساعة، جرس الباب رن.
دخل فؤاد.
لأول مرة أشوفه بالشكل ده.
الراجل اللي دايمًا هدومه مرتبة وشعره مظبوط وابتسامته هادية…
كان قميصه متكرمش.
وشه مرهق.
وعينيه حمرا.
بص لملك.
— إنتِ اللي خدتي الشنطة؟
قالت:
— وقعت منك… وأنا مشيت وراك.
هز راسه.
وبعدين بص لأمي.
— حقك تعرفي.
أمي وقفت قدامه.
— عندك ابن أخ مريض… وبتروحله كل جمعة؟
— أيوه.
— وقلتلي إنك مالكش حد.
نزل عينه للأرض.
— علشان بالنسبة لي… آدم مش “حد”.
رفع عينه.
— آدم ابني.
أمي قالت:
— مش فاهمة.
قعد فؤاد.
ولأول مرة، بدأ يحكيلنا عن حياته قبل ما يعرف أمي.
كان عنده أخ أصغر اسمه سامح.
سامح اتجوز وخلف آدم.
ولما آدم كان عنده أربع سنين، مات أبوه وأمه في حادث.
فؤاد كان أقرب حد ليه.
أخده ورباه.
لكن بعد سنتين بدأت تظهر على الطفل مشكلة صحية احتاجت متابعة وعلاج منتظم.
فؤاد بقى أبوه وأمه.
قلتله:
— طب وإنت ليه خبيت ده عن أمي؟
بص لها.
— علشان أول ما عرفتها، كانت بتقوللي إن ولادها رافضين الجوازة وإنهم خايفين أكون داخل حياتها علشان فلوسها أو بيتها.
بصلي أنا وأخويا.
— وأنا كنت عارف إن لو قلت كمان إن عندي طفل مسؤول مني وبيتلقى علاج… هتقولوا إن الراجل عايز واحدة تصرف عليه وعلى الطفل.
اتكسفت.
لأن دي فعلًا كانت أول فكرة جت في دماغي.
أمي سألته:
— وسبعة ونص؟
ابتسم ابتسامة موجوعة.
— ميعاد آدم.
— ميعاد إيه؟
— كل جمعة بيكون عنده جلسة علاج ومتابعة… وأنا وعدته من يوم ما فقد أبوه وأمه إني ما أخليش جلسة واحدة يعديها لوحده.
سكت لحظة.
— حتى يوم عيد ميلادك.
دموع أمي نزلت.
— علشان كده رفضت تستنى عشر دقايق؟
هز راسه.
— آدم كان مستنيني.
لكن أمي سألت السؤال اللي كان لازم يتسأل:
— وليه ماخدتنيش معاك؟
فؤاد ما ردش فورًا.
فتح جيب صغير في الشنطة.
وطلع منه ورقة مطوية.
— علشان دي.
ناولها لأمي.
فتحتها.
كانت رسمة بألوان أطفال.
راجل ماسك إيد ولد صغير.
وعلى الناحية التانية…
ست كبيرة مرسومة بعيد عنهم.
وفوقها علامة استفهام.
وتحت الرسمة مكتوب بخط طفل:
“عمو فؤاد لما يتجوز، هيبطل يحبني؟”
أمي غطت بوقها بإيدها.
فؤاد قال:
— سمع إني هتجوز… واترعب.
صوته اتكسر لأول مرة.
— كل الناس اللي حبهم مشيوا يا نادية.
— أبوه…
— أمه…
— وجدته…
— وكل مرة حد يدخل حياته، بيبقى خايف يختفي بعدها.
مسح عينه بسرعة.
— لما اتجوزتك، ماعرفتش أقوله. كنت بحاول أجهزه واحدة واحدة… وكنت مستني الوقت المناسب أعرفك عليه.
أمي فضلت ساكتة.
وفجأة…
قفلت الشنطة.
فؤاد وقف.
— نادية؟
أمي دخلت أوضتها.
بعد خمس دقايق خرجت لابسة عبايتها وماسكة طرحتها.
قلت:
— رايحة فين يا ماما؟
قالت:
— المستشفى.
فؤاد اتفاجئ.
— دلوقتي؟
بصتله بحدة:
— أمال هسيب الواد مستنيك أكتر من كده؟
فؤاد حاول يتكلم.
لكن أمي رفعت إيدها.
— الحساب بيني وبينك بعدين… علشان خبيت عني.
وبعدين أخدت الشنطة منه.
— إنما آدم مالوش ذنب.
روحنا كلنا.
ولما دخلنا الأوضة…
كان فيه ولد صغير قاعد على السرير، قدامه كراسة رسم.
أول ما شاف فؤاد، وشه نور.
— عمو!
لكن لما شاف أمي…
ابتسامته اختفت.
بصلها بخوف.
فؤاد قرب.
— آدم… دي طنط نادية.
الولد فضل ساكت.
أمي قربت منه ببطء.
وقعدت على الكرسي جنبه.
— إنت اللي رسمت دي؟
وطلعت الرسمة.
آدم نزل عينه.
— آه.
— وكنت خايف مني؟
هز راسه.
أمي ابتسمت.
— طب بصلي.
رفع عينه.
قالت:
— أنا عندي ولاد كبار… وعندي أحفاد… وكنت فاكرة إني شبعت عيال.
ضحك فؤاد رغم دموعه.
لكن أمي كملت:
— الظاهر إن ربنا بعتلي واحد كمان.
آدم بص لها مش فاهم.
فمدت إيدها ناحية كراسة الرسم.
— عندك لون أحمر؟
ناولها القلم.
أخدته…
ورسمت خط من الست اللي في الرسمة ناحية الطفل.
وبعدين قالت:
— المرة الجاية لما ترسمني… ارسميني جنبكم، مش بعيد.
آدم سألها بصوت صغير:
— إنتِ مش هتاخدي عمو فؤاد مني؟
أمي ضحكت وسط دموعها.
— يا حبيبي… أنا في سني ده آخده منك أعمل بيه إيه؟
كلنا ضحكنا.
حتى آدم.
لكن بعدها أمي قالت:
— إحنا الاتنين هناخده على دماغه لو خبّى علينا حاجة تاني.
فؤاد قال:
— استاهل.
من الليلة دي…
فهمنا إننا ظلمناه.
إحنا كنا بنبص لفرق السن.
ونقول:
“راجل أصغر منها… أكيد وراه مصلحة.”
كنا مستنيين نكتشف ست تانية.
أو سر أسود.
أو طمع في فلوس أمي.
لكن السر اللي كان فؤاد بيخبيه في شنطته الجلد…
كان طفل صغير فقد أهله، وراجل وعد أخوه قبل ما يدفنه إنه عمره ما هيسيب ابنه لوحده.
والأغرب؟
إن أمي بقت هي اللي تبص في الساعة كل جمعة.
وأول ما تيجي سبعة إلا ربع تقول:
— يلا يا فؤاد… آدم مستنينا.
وبدل ما فؤاد كان يقوم قبل الحلو…
بقينا ناخد الحلو معانا.
وبعد شهور، آدم بقى هو اللي ييجي يتعشى عندنا يوم الجمعة.
وفي أول مرة قعد لحد بعد الساعة سبعة ونص…
بنتي ملك بصتلي وضحكت.
وقالت:
— ماما… الساعة عدت سبعة ونص ومحدش قام يمشي.
بصيت لأمي.
كانت قاعدة جنب جوزها…
وآدم بينهم، بيوريها رسمة جديدة.
كان راسم تلات أشخاص ماسكين إيد بعض.
هو…
وفؤاد…
وأمي.
وفوقهم كتب:
“عيلتي.”
ساعتها بس فهمت حاجة كنت محتاجة سبعين سنة من عمر أمي علشان أتعلمها:
مش كل حب بييجي متأخر يبقى غلط…
وأحيانًا الإنسان اللي بنخاف إنه يدخل عيلتنا علشان ياخد منها…
بيكون داخل وهو شايل في قلبه حد محتاج عيلة أكتر مننا كلنا.
تمت
الكاتبة: أسما السيد
ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن من الكاتبة أسما السيد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



