روايات وقصص

مناظره حره حكايات اسما السيد 2

الفصل الثاني: اسم أبوها الممرضة حطت الاستمارة قدام مريم وقالت بسرعة: — اكتبي بياناتك هنا، الاسم رباعي، السن، رقم التليفون، ولو عندك أي أمراض أو أدوية بتاخديها اكتبيها. مريم مسكت القلم. كانت هادية بشكل غريب مقارنة بكل اللي بيحصل حواليها. أما محمود فكان واقف عند باب غرفة سحب العينات، عينه كل شوية تروح لباب العمليات.

 

هبة كانت قاعدة على الكرسي، إيديها مضمومة لبعض وهي بتردد:

— يا رب… يا رب بنتي.

مريم خلصت أول سطر.

الاسم: مريم أحمد عبدالرحمن الشاذلي.

محمود كان معدّي جنبها.

بص على الورقة بالصدفة.

وفجأة وقف.

رجع خطوة.

وبص للاسم تاني.

ملامحه اتغيرت.

— اسمك إيه كامل يا بنتي؟

مريم رفعت رأسها.

— مريم أحمد عبدالرحمن الشاذلي.

صوته نزل:

— أبوكي… أحمد الشاذلي؟

— أيوه.

القلم وقع من إيده.

هبة رفعت رأسها.

— في إيه يا بابا؟

محمود ما ردش عليها.

فضل باصص لمريم.

— أبوكي عنده كام سنة؟

مريم سكتت لحظة.

— بابا مات وأنا لسه مولودة تقريبًا.

محمود مسك طرف الكرسي.

— مات إمتى؟

— من 19 سنة.

هبة قامت.

— مالك يا بابا؟

محمود همس:

— مستحيل.

مريم بدأت تقلق.

— حضرتك تعرف أبويا؟

قبل ما يرد، الممرضة نادت:

— مريم، لازم ندخل حالًا. كل دقيقة مهمة.

مريم قامت.

لكن محمود مسك إيدها.

— استني.

بصتله.

كان فيه خوف في عينيه.

مش مجرد صدمة.

خوف حقيقي.

— أمك اسمها إيه؟

مريم عقدت حواجبها.

— نادية.

محمود رجع خطوة.

هبة قربت منه.

— بابا… إنت بتخوفني.

مريم قالت:

— حضرتك تعرف ماما كمان؟

الممرضة تدخلت:

— لو سمحتوا، الأسئلة دي بعدين. إحنا محتاجين نبدأ إجراءات التبرع فورًا.

مريم دخلت.

والباب اتقفل.

هبة شدت أبوها من دراعه.

— اتكلم.

محمود فضل ساكت.

— مين أحمد الشاذلي؟

قعد ببطء.

مرر إيده على وشه.

وقال:

— الراجل اللي أنقذ حياتي.

هبة اتجمدت.

— إيه؟

محمود بص قدامه كأنه رجع 19 سنة لورا.

— قبل ما إنتِ تتجوزي حتى… كنت لسه ببدأ أكبر الشركة. كان عندنا مخزن واحد ومصنع صغير.

سكت لحظة.

— في ليلة حصل حريق في المصنع.

هبة كانت بتسمع.

— أحمد كان شغال عندي؟

— لأ.

رفع عينه لها.

— أحمد كان شريكي.

هبة شهقت.

— شريكك؟!

— مش بالورق.

— يعني إيه؟

محمود ضحك بمرارة.

— يعني أنا كنت الاسم اللي الناس تعرفه… وهو كان العقل اللي واقف ورا نص اللي بنعمله.

بدأ يحكي.

من 19 سنة، محمود ماكانش رجل الأعمال المعروف اللي الناس بتقف له دلوقتي.

كان راجل بيحاول ينقذ مشروع صغير من الإفلاس.

وأحمد الشاذلي كان صاحبه من أيام المدرسة.

اتنين بدأوا من الصفر.

محمود كان يعرف يبيع ويتعامل مع التجار.

وأحمد كان عبقري في التشغيل والحسابات.

في ليلة الحريق، محمود دخل المصنع لما عرف إن عاملين لسه جوه.

السقف بدأ يقع.

وأحمد دخل وراه.

العاملين خرجوا.

محمود خرج.

لكن أحمد…

ماخرجش.

هبة حطت إيدها على بوقها.

— يا نهار أبيض.

محمود قال:

— آخر مرة شفته فيها كان بيزقني ناحية الباب.

صوته اتهز.

— وأنا كنت بصرخله يخرج معايا.

سكت.

وبعدين كمل:

— بعد الحريق، عرفت إن مراته حامل.

هبة بصت ناحية الباب اللي دخلت منه مريم.

— مريم.

هز رأسه.

— كانت لسه ما اتولدتش.

— طب وإنت عملت إيه؟

هنا محمود سكت.

والسكوت نفسه كان إجابة.

هبة قالت:

— بابا؟

— دورت عليهم.

— وبعدين؟

— اختفوا.

— يعني إيه اختفوا؟

— نادية سابت البيت بعد وفاة أحمد بأسابيع. أهلها أخدوها ومحدش عرف راحت فين.

هبة سألته:

— والشرطة؟

— الموضوع ماكانش جريمة علشان الشرطة تدور عليها. كانت أرملة حرة تمشي في أي مكان.

ثم أضاف:

— حاولت أوصل لها سنين.

هبة بصتله بشك.

— سنين فعلًا؟

محمود ما ردش.

وهنا هبة فهمت إن فيه جزء ناقص.

— بابا… إنت مخبي إيه؟

قبل ما يجاوب، خرجت الممرضة.

— التحاليل الأولية مناسبة، هنبدأ سحب الدم.

محمود وقف.

— وهي كويسة؟

— الحمد لله، بس هنحتاجها تستريح بعدها.

بعد حوالي نصف ساعة خرجت مريم.

وشها كان شاحب شوية.

محمود جرى عليها.

— اقعدي يا بنتي.

مريم ضحكت:

— أنا كويسة.

— اقعدي بس.

جاب لها عصير بنفسه.

ناولها الكوباية.

مريم أخدتها وقالت:

— دلوقتي بقى حضرتك هتقولي تعرف أبويا منين؟

محمود قعد قدامها.

— أبوكي كان صاحبي.

— صاحبك؟

— وأخويا اللي أمي ماولدتهوش.

ابتسامتها اختفت.

محمود كمل:

— وكان سبب إني أكون عايش قدامك النهارده.

حكى لها عن الحريق.

مريم ماقاطعتهوش.

لكن عينيها بدأت تتملي دموع.

لما خلص، قالت:

— أمي عمرها ما قالتلي الكلام ده.

— يمكن كان صعب عليها.

— قالتلي إن بابا مات في حادث شغل.

— وده حقيقي.

مريم مسحت دمعة بسرعة.

— طب حضرتك عرفت إن أمي كانت حامل؟

— أيوه.

— ودورت علينا؟

محمود اتردد.

— دورت.

مريم لاحظت التردد.

— قد إيه؟

— فترة طويلة.

— يعني كام؟

محمود ما ردش.

وفجأة صوت راجل جه من آخر الممر:

— محمود بيه!

لفوا.

كان سامح.

قرب منه واداله ظرف بني.

— الملف اللي حضرتك طلبته.

محمود وشه اتغير.

— مش وقته.

لكن مريم ركزت في الظرف.

كان مكتوب عليه بخط قديم:

“أحمد عبدالرحمن الشاذلي — تسوية الشراكة.”

مريم قامت رغم تعبها.

— إيه ده؟

محمود خبّى الظرف بسرعة.

— مفيش.

— ده اسم أبويا.

— مريم…

— مكتوب تسوية الشراكة.

سكت.

مريم قالت:

— حضرتك قلت إنه كان شريكك من غير ورق.

محمود غمض عينيه.

وقع في كلامه.

هبة بصت لأبوها.

— بابا؟

مريم مدت إيدها.

— ممكن أشوف الظرف؟

— لأ.

— ليه؟

— لأنه قديم ومالوش علاقة باللي بيحصل.

مريم ضحكت بصدمة.

— ده فيه اسم أبويا… وتقول مالوش علاقة بيا؟

محمود وقف.

— بعد العملية هشرحلك كل حاجة.

— ليه بعد العملية؟

— علشان ليلى دلوقتي أهم.

مريم ردت فورًا:

— ليلى أهم فعلًا… وأنا مش همشي قبل ما أطمن عليها.

وبعدين بصت في عينه.

— لكن بعد ما نطمن عليها… حضرتك هتقولي كل حاجة.

محمود هز رأسه.

— أوعدك.

مريم قالت:

— بلاش وعود لو مش هتقدر توفي بيها.

الجملة ضربته.

لأنها كانت تقريبًا نفس الجملة اللي أحمد قالها له من 19 سنة.

عدت ساعة.

ثم ساعتين.

باب العمليات لسه مقفول.

هبة كانت بتعيط في صمت.

مريم قاعدة جنبها.

ومحمود واقف قدام الباب كأنه حارس.

الساعة عدت الرابعة عصرًا.

وأخيرًا…

باب العمليات اتفتح.

الدكتور خرج.

هبة قامت بسرعة لدرجة إنها كادت تقع.

— بنتي؟!

الدكتور ابتسم.

— الحمد لله.

هبة شهقت.

— يعني إيه؟!

— العملية نجحت.

هبة انهارت من العياط.

محمود سند نفسه على الحيطة.

مريم حطت إيدها على قلبها.

الدكتور قال:

— لسه الساعات الجاية مهمة، لكن إحنا متفائلين جدًا.

محمود رفع وشه للسقف.

— الحمد لله.

وبعدين بص لمريم.

قرب منها.

من غير كلام…

باس رأسها.

— بعد ربنا، دمك ساعد حفيدتي.

مريم قالت:

— أنا معملتش غير الواجب.

محمود هز رأسه.

— نفس أبوكي.

الكلمة خلتها تسكت.

بعد دقائق، نقلوا ليلى للعناية.

ومحمود خرج ناحية ممر هادي.

مريم لحقت به.

— دلوقتي.

لف لها.

— إيه؟

— الوعد.

بص للظرف اللي في إيده.

وبعدين قال:

— تعالي.

دخلوا مكتب صغير وفره المستشفى للعيلة.

هبة دخلت معاهم.

سامح حط ملف كبير على المكتب وخرج.

محمود فتح الظرف.

طلع منه أوراق صفراء قديمة.

حط أول ورقة قدام مريم.

كانت عقد شراكة.

اسم محمود موجود.

واسم أحمد موجود.

ونسبة أحمد…

40%.

مريم رفعت عينيها ببطء.

— أربعين في المية؟

محمود قال:

— أبوكي ماكانش موظف عندي.

— كان مالك معاك.

— أيوه.

— ولما مات؟

سكت محمود.

مريم قالت:

— الأربعين في المية راحت فين؟

هبة بصت لأبوها.

محمود قال:

— فضلت في الشركة.

— باسم مين؟

— باسمي.

الصمت بقى ثقيل.

مريم قامت.

— يعني حضرتك أخدت نصيب أبويا؟

— اسمعيني.

— حضرتك قلت إنك دورت علينا!

— ودورت فعلًا.

— وفي الوقت ده شركته كانت بتكبر بفلوس أبويا؟

— أيوه.

مريم عينيها دمعت.

— يبقى كل الكلام عن الصداقة والحريق كان علشان تحسسني بإيه؟ إني المفروض أشكرك؟

— لأ.

— أمال إيه؟!

محمود رفع صوته لأول مرة:

— علشان أبوكي هو اللي طلب مني ده!

مريم سكتت.

— إيه؟

محمود طلع ورقة تانية.

— قبل الحريق بأسبوع، أحمد كتب وصية.

— ليه؟

— لأنه كان عارف إن فيه حاجة غلط بتحصل في المصنع.

هبة قالت:

— حاجة إيه؟

محمود رد:

— كان شاكك إن حد بيسرق من المخازن وبيزوّر في حسابات التأمين.

مريم بصت للورقة.

محمود قال:

— أبوكي كتب إن لو حصله حاجة، نصيبه كله يتحط في صندوق باسم ابنه أو بنته اللي لسه ما اتولدش… ومايتسلمش إلا لما يتم 21 سنة.

مريم شهقت.

— يعني…

— إنتِ لسه عندك 19.

— يعني الأربعين في المية…

— بتاعتك.

هبة فتحت بوقها.

مريم ماقدرتش تستوعب.

— أربعين في المية من المصنع القديم؟

محمود بص لها.

— لأ.

وسحب ملفًا حديثًا.

— أبوكي كان واضح جدًا.

فتح صفحة محددة.

— نصيبه يستمر كنسبة ملكية، مش مبلغ ثابت.

مريم همست:

— يعني إيه؟

محمود قال:

— يعني 40% من مجموعة عبدالسلام الحالية محفوظة في صندوق ائتماني باسم وريث أحمد الشاذلي.

مريم ضحكت من الصدمة.

— حضرتك بتهزر.

— أتمنى لو كنت بهزر.

— وإنت عرفت إني الوريثة إزاي؟ مجرد اسم؟

— لسه لازم نثبت رسميًا.

مريم رجعت تقعد.

كل حاجة حواليها بدأت تحسها مش حقيقية.

الصبح كانت طالبة جامعة عادية بتفكر هتوفر مصاريف الشهر إزاي.

ودلوقتي راجل بيقول لها إن أبوها كان شريكًا في مجموعة شركات ضخمة.

لكن سؤال واحد جه في دماغها.

— لو كل ده حقيقي… ليه ماوصلتوش لينا؟

محمود اتوتر.

— قلتلك دورت.

— لأ.

مريم هزت رأسها.

— فيه حاجة تانية.

— مريم…

— أمي مش من النوع اللي يختفي من غير سبب.

محمود سكت.

— حضرتك عملت لها حاجة؟

— لأ.

— حد من شركتك عمل؟

محمود ما ردش.

مريم قامت.

— مين؟

هنا الباب اتفتح فجأة.

سامح دخل.

وشه كان متغير.

— محمود بيه.

— قلت محدش يدخل.

— الموضوع مهم.

— إيه؟

سامح بص لمريم.

وبعدين قال:

— الست نادية وصلت المستشفى.

مريم اتجمدت.

— ماما؟!

جريت ناحية الباب.

لكن سامح قال:

— استني يا آنسة مريم.

لفت له.

قال:

— والدتك مش جاية لوحدها.

محمود عقد حواجبه.

— معاها مين؟

سامح بلع ريقه.

— الأستاذ فؤاد عبدالسلام.

وش محمود فقد لونه.

هبة قالت:

— عمي فؤاد؟

مريم بصت بينهم.

— مين فؤاد؟

محمود ما ردش.

خرج بسرعة للممر.

مريم وهبة وراه.

وعند آخر الممر…

كانت نادية واقفة.

ست في أواخر الأربعينات، هدومها بسيطة، ووشها مليان خوف.

جنبها راجل أنيق في أوائل الستينات.

أول ما مريم شافت أمها جريت عليها.

— ماما!

نادية حضنتها.

— إنتِ كويسة؟ قالولي إنك اتبرعتي بدم!

— أنا كويسة.

ثم مريم بعدت عنها.

— ماما… إنتِ تعرفي الحاج محمود؟

نادية رفعت عينيها.

بصت لمحمود.

نظرتها ماكانش فيها امتنان.

ولا شوق.

كان فيها غضب قديم جدًا.

قالت:

— أعرفه.

مريم سألت:

— وبابا كان شريكه؟

نادية سكتت.

— ماما؟

— أيوه.

مريم صوتها ارتفع:

— ليه عمرك ما قلتيلي؟!

نادية مسكت إيد بنتها.

— علشان كنت بحميكي.

مريم اتجمدت.

— بتحميني من مين؟

نادية بصت لمحمود.

لكنها ما أشارتش له.

لفت ناحية الراجل اللي واقف جنبها.

فؤاد ابتسم ابتسامة هادية.

وقال:

— نادية… خلي بالك إنتِ بتقولي إيه.

محمود اتحرك فورًا ووقف بينه وبينها.

— إنت مالكش كلام هنا.

فؤاد ضحك.

— الشركة شركتي زي ما هي شركتك يا أخويا.

مريم فهمت.

ده أخو محمود.

نادية قالت:

— لأ.

الكل بص لها.

قالت بصوت ثابت:

— الشركة مش شركتك.

فؤاد ابتسامته اختفت.

نادية فتحت شنطتها.

طلعت كيس بلاستيك قديم مقفول بعناية.

جواه دفتر صغير محروق من الأطراف.

أول ما محمود شافه…

مسك الكرسي.

— الدفتر ده…

نادية قالت:

— أيوه.

فؤاد رجع خطوة.

نادية كملت:

— دفتر أحمد.

مريم بصت لأمها.

— إيه اللي فيه؟

نادية دموعها نزلت.

— السبب الحقيقي اللي خلاني آخدك وأهرب طول السنين دي.

محمود قال:

— نادية… إنتِ قلتيلي الدفتر اتحرق.

— كدبت.

فؤاد قال بعصبية:

— الكلام ده مالوش معنى.

نادية تجاهلته.

فتحت الدفتر على صفحة معينة.

— أبوكي قبل ما يموت بثلاث أيام اكتشف مين اللي كان بيسرق المصنع.

مريم سألت:

— مين؟

نادية رفعت إصبعها.

وأشارت مباشرة إلى فؤاد.

— هو.

هبة شهقت.

محمود اتجمد.

أما فؤاد فقال:

— الست دي مجنونة.

نادية صرخت:

— ومش السرقة بس!

الممر كله سكت.

— أحمد اكتشف إن فؤاد كان بيخزن مواد قابلة للاشتعال بطريقة مخالفة، علشان يزوّر خسائر ويرفع قيمة التأمين.

محمود بص لأخوه.

— الكلام ده حقيقي؟

— طبعًا لأ!

نادية قالت:

— والحريق اللي مات فيه أحمد…

سكتت.

مريم قربت منها.

— ماله؟

نادية بصت لبنتها.

— ماكانش حادث.

الصمت نزل على المكان.

مريم وشها شحب.

— قصدك إيه؟

نادية قالت:

— أبوكي مات وهو بيحاول ينقذ محمود والعمال من حريق…

شهقت وهي بتعيط.

— حريق فؤاد كان عارف إنه ممكن يحصل.

فؤاد صرخ:

— كفاية!

محمود لف له.

— إنت كنت عارف؟

— ما تصدقش الهبل ده!

محمود مسكه من ياقة بدلته.

— إنت كنت عارف؟!

أفراد الأمن جريوا.

نادية صرخت:

— سيبه يا محمود!

محمود سابه بالعافية.

نادية فتحت صفحة أخيرة.

— أحمد كتب كل حاجة.

مريم مدت إيدها.

— هاتي.

أمها ترددت.

— مريم…

— ده أبويا.

أخدت الدفتر.

قرت.

سطر.

اتنين.

ثلاثة.

وبعدين وقفت عند جملة.

دموعها نزلت.

كان أبوها كاتب:

“لو حصلي حاجة، بنتي أو ابني لازم يعرف إن محمود مالوش ذنب. محمود أخويا، ولو أنا مش موجود، أنا واثق إنه هيحمي عيلتي.”

مريم رفعت عينيها ناحية محمود.

كان بيعيط.

قال بصوت مكسور:

— وأنا فشلت.

نادية هزت رأسها.

— لأ.

الكل بص لها.

— إنت ما فشلتش.

محمود استغرب.

نادية قالت:

— أنا اللي هربت.

— ليه؟

بصت لفؤاد.

— لأنه جه لي بعد جنازة أحمد بيومين.

فؤاد قال:

— كدابة.

— وقال لي لو طالبت بنصيب أحمد في الشركة، أو اتكلمت عن الدفتر…

صوتها اتهز.

— بنتي اللي لسه في بطني مش هتشوف النور.

مريم حطت إيدها على بوقها.

محمود اندفع ناحية أخوه.

لكن الأمن وقف بينهما.

محمود صرخ:

— يا ابن الـ…

وسكت قبل ما يكمل.

— هدفنك في السجن!

فؤاد ضحك.

— بدفتر عمره 19 سنة؟ جرب.

وفجأة جه صوت صغير من وراهم:

— جدو؟

الكل لف.

ممرضة كانت خارجة من العناية، وليلى على سرير متحرك، بدأت تفوق من التخدير.

محمود نسي كل حاجة.

جرى عليها.

— ليلى!

الطفلة فتحت عينيها بالعافية.

— الوعد التاني…

محمود مسك إيدها.

— فاكره.

مريم بصت لأمها.

ثم سألت:

— هو إيه الوعد التاني؟

ليلى همست:

— جدو وعدني…

أخدت نفسًا متعبًا.

— لو خرجت من العملية… هنروح نزور قبر الراجل اللي أنقذ حياته.

مريم قلبها دق بعنف.

محمود بص لها.

ليلى كملت:

— اسمه عمو أحمد.

مريم بدأت تعيط.

الطفلة ماكنتش تعرف إن “عمو أحمد”…

هو أبو البنت اللي دمها كان لسه بيجري في جسمها.

لكن المفاجأة الأكبر حصلت لما نادية قربت من ليلى وشافت الميدالية في إيدها.

فجأة شهقت.

— الميدالية دي جاتلك منين؟!

محمود قال:

— كانت عندي من سنين.

نادية خطفتها تقريبًا من إيد ليلى.

قلبتها.

وبصت لظهرها.

وشها شحب.

— محمود… إنت عمرك فتحتها؟

— أفتح إيه؟

نادية ضغطت بإظفرها على طرف صغير جدًا في الميدالية.

تك.

ظهر جزء مخفي.

الميدالية ماكانتش ميدالية عادية.

كانت عبارة عن غلاف معدني صغير.

وفي داخله…

قطعة ذاكرة قديمة جدًا.

فؤاد أول ما شافها…

لف ناحية باب المستشفى.

وجري.

محمود صرخ:

— امسكوه!

أفراد الأمن جريوا وراه.

ومريم بصت لأمها.

— إيه اللي على القطعة دي؟

نادية كانت بتترعش.

قالت:

— الحاجة الوحيدة اللي أبوكي قالي أدور عليها لو حصله أي مكروه.

مريم شهقت.

— عليها إيه؟

نادية رفعت عينيها ناحية فؤاد وهو بيحاول يهرب.

وقالت:

— تسجيلات المصنع ليلة الحريق.

ثم بصت لمريم.

— ولو الملفات لسه سليمة…

سكتت لحظة.

— هنقدر نعرف إذا كان أبوكي مات في حادث فعلًا…

ولا حد قفله جوه المصنع عمدًا.

يتبع…

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى