روماني مكرم 1

انا كنت بكلم واحده وهى طيبه جدا وبتصدق اى كلام بسرعه عشمتها بالحب وصدقتنى وكنا بنكلم بعض كل يوم بالساعات وبعد سنه سبتها وسافرت وكانت بتعيط وتقولى حرام عليك انا حبيتك وواثقة فيكى قولتلها انا مش بتاع حب مرت الايام واحد صاحبي خطبها ومنزل صور الخطوبه وهما مع بعض فى الكوشه اتصلت بصحبى باركتله وقولتله سلملى على عروستك قالى انت اخويا واغلى صاحب ليا خد هى معاك بركلها اهى وادانى خطيبته تكلمنى واول ما سمعت صوتى وقولتلها انا محمود على لم سمعت اسمى اتصدمت ومش نطقت
البدايه
كان السكوت في التليفون أتقل من أي كلام ممكن يتقال. انفاسها كانت واصلة لمحمود من السماعة، صوت طالع ونازل بسرعة، كأنها بتحاول تستوعب إن الصوت اللي بيرن في ودنها دلوقتي هو نفس الصوت اللي سابها من سنة تبكي وتترجاه، الصوت اللي قالها بكل بساطة: “أنا مش بتاع حب”.
صاحبه إبراهيم كان مسك الموبايل وهو فرحان، ومش فاهم حاجة خالص، وعمال يقوله:
— كلمها يا محمود، باركلها بنفسك، دي تتكسف أوي بس طيبة ونقية والله، هتفرح لما تبارك لها يا صاحبي.
محمود ماسك التليفون، وابتسامة ساخرة مرسومة على وشه. الموقف كله بالنسبة له كان غير متوقع، لكن غروره كان مبسط له الأمور. هي كتمت صوتها تماماً، ومردتش بكلمة واحدة. ثواني تعدي كأنها سنين، لحد ما إبراهيم أخد التليفون تاني وهو بيضحك ويقول:
— معلش يا حودة، كسوفة أوي ومش واخدة على الجو ده، عقبالك يا صاحب عمري!
قفل محمود السكة، وقعد على حرف السرير في أوضته، بينفض التراب عن ذكريات سنة كاملة.
قبل سنة، كانت “ندى” بالنسبة لمحمود مجرد تسلية. بنت طيبة على نياتها، بتصدق كل كلمة حلوة. قضاها معاها كلام بالساعات كل يوم، رسم لها أوهام وبيوت في الهوا، وخلاها تشوفه هو العالم كله. ولما جه وقت السفر لمصر عشان الشغل، رمى كل حاجة ورا ضهره. فاكر كويس أخر مكالمة بينهما، لما كانت بتعيط وبتقول بدموع مكتومة: “حرام عليك.. أنا حبيتك من قلبي ووثقت فيك، ليه تعمل فيا كده؟”، ورد هو ببرود كأنه بيقرأ من ورقة: “أنا مش بتاع حب يا ندى، كبري دماغك”.
وسافر.. وعاش حياته ولا كأن حاجة حصلت. لحد ما ظهرت صور الخطوبة على الفيسبوك. إبراهيم، أعز صحابه وأكتر واحد جد وطيب في العيلة، واقف في الكوشة وجنبه ندى، لابسة الفستان الأبيض وفرحانة، أو ده اللي كان باين في الصور.
طول الليل، محمود مش عارف ينام. مش عشان ندمان، لا.. عشان الفكرة نفسها كانت بتهز كبريائه. إزاي البنت اللي كانت بتموت فيه وتبكي عشان مكالمة منه، تبقى دلوقتي خطيبة صاحبه الأنتيم؟ إزاي الدنيا صغرت كده؟
ثاني يوم الصبح، كانت الشمس لسة بتتطلع. محمود مسك موبايله، جاب رقم ندى القديم اللي كان مسجله ومسحهوش، وكتب رسالة قصيرة:
“محتاج أكلمك دقيقة.. ضروري قبل ما أتكلم مع إبراهيم.”
مافيش دقيقتين، والرقم رن. محمود رد بثبات وهو حاطط إيد في جيبه:
— ألو..
#الكاتب__رومانى__مكرم__
صوت ندى جه جاف، مكسور، وفيه كمية خوف ورعب مش طبيعية:
— أنت عايز مني إيه؟ حرام عليك اللي بتعمله ده.. إبراهيم مالوش ذنب، أنت ليه ظهرت تاني في حياتي؟
ابتسم محمود ببرود وقعد على الكرسي، وقال بصلابة:
— إبراهيم ده أطيب خلق الله، غلبان وعلى نياته.. ولازم يعرف كل حاجة كانت بيننا.
صوت ندى على الناحية التانية كان بيرتعش، رشة الخوف اللي في كلامها كانت ملموسة عبر الأثير، تقيلة وتخنق:
— حرام عليك يا محمود.. إبراهيم مالوش ذنب في أي حاجة، أنت اللي دخلت حياتي ودمرتني وسبتني، جاي دلوقتي ليه؟ عاوز تهد بيتي قبل ما يتبني؟ إبراهيم بيحبني وأنا بحترمه، سيبني في حالي الله يخليك!
محمود غير قعدته، وضحكة مكتومة خرجت منه، فيها شوية شماتة على إحساس بالسيطرة اللي كان واحشه من سنة كاملة. قال بنبرة واثقة:
— بحترمك؟ حلوة كلمة بحترمه دي يا ندى.. بس السؤال هنا، هل هو يعرف إن البنت اللي اختارها عشان تكون شريكة عمره، كانت في يوم من الأيام بتقضي بالساعات معايا على التليفون وتعيطلي عشان ما أسيبهاش؟ هل يعرف إنك كنتِ بتصدقي أي كلمتين أقولهم لك؟ إبراهيم ده أخويا، وأنا ما أقبلش صاحبي يتغفل أو ياخد واحدة كان ليها ماضي معايا.
دموع ندى نزلت بصوت مسموع، الشهقة المكتومة كانت طالعة من قلبها، وقالت بكسرة:
— ماضي؟ ماضي إيه يا محمود؟! أنت اللي لعبت بيا وعشمتني بالكدب، أنا كنت عيلة وطيبة وصدقتك، أنت اللي استغليت براءة مشاعري وسافرت ورميتني ولا كأني بني آدمة! إبراهيم راجل وشتراني ودخل البيت من بابه، ما لعبش بيا زي ما أنت عملت.. أرجوك يا محمود، لو كان عندك رحمة أو بقايا ضمير، ابعد عننا وسيبني أعيش.
محمود سكت لثواني، الفكرة في دماغه كانت بتكبر وتتشابك. هو مش عاوز يرجع لندى، ولا فارق معاه حبها، لكن حكرة إن صاحبه الأنتيم ياخد بنت كانت في يوم من الأيام ملكه ومكسورة بسببه، كانت بتوجع كبريائه المريض. الأنانية كانت محركة كل تفكيره.
رد عليها ببرود أشد:
— الكلام ده تقوليه لنفسك يا ندى.. أنا قدامي خيارين، يا إما تتقابلي معايا النهاردة في مكان نحدده ونحل الموضوع ده ودي، يا إما أنا هروح لإبراهيم وأحكيله كل حاجة بالكرت والمستندات.. والرسائل القديمة لسة موجودة على تليفوني ومتمسحتش.
الصمت حل على الخط، صمت مرعب كأن الزمن اتوقف. ندى كانت حاسة إن الأرض بتتسحب من تحت رجليها. إبراهيم بالنسبة لها كان طوق النجاة، الراجل الطيب اللي حماها ورد لها اعتبارها بعد الكسرة اللي عاشتها بسبب محمود. لو إبراهيم عرف، حتى لو هي مظلومة، الشك هيدخل قلبه والجوازة هتبوظ، وعيلتها ومجتمعها مش هيرحموا بنت اتفسخت خطوبتها بسبب ماضي.
بصوت مبحوح ، قالت:
— أنت بني آدم معندكش قلب.. ماشي يا محمود، هنتقابل.. بس أوعدني بعد القعدة دي تمسح كل حاجة وتبطّل تطاردني.
— الساعة أربعة العصر.. في الكافيه القديم اللي على أطراف المنطقة، بعيد عن عيون حد يعرفنا. ما تتأخريش يا ندى.
قفل محمود المكالمة وهو حاسس بانتصار زائف. قام لبس وضبط هدومه وقعد يستنى الوقت يمر. في الناحية التانية، ندى كانت قاعدة في أوضتها بتعيط بحرقة، حاسة إن الماضي الكابوسي اللي هربت منه رجع يمسك في رقبتها تاني.
جت الساعة أربعة، ومحمود كان قاعد في الكافيه المستخبي، طلب قهوته وقعد يبص في الساعة كل دقيقة. وبعد عشر دقائق، دخلت ندى. كانت متغيرة، وشها باهت، العينين اللي كانت زمان بتلمع حب وشغف بقت مطفية ومملوءة بالخوف والحذر. كانت لابسة طرحة غامقة ونازلة بصة في الأرض لحد ما وصلت لترابيزته وقعدت على الطرف.
محمود بصلها ونطق بنبرة فيها شوية تعالي:
— اتأخرتي عشر دقائق يا ندى.. بس مش مشكلة، كويسة إنك جيتي.
ندى ما بصتش في عينه، كانت إيديها بترتعش وهي ماسكة شنطتها:
— قول اللي عندك يا محمود وانجز.. أنا مش قادرة أقعد هنا ثانية واحدة، ولا قادرة أبص في وشك.
محمود مال لسه لقدام، وقال بصوت واطي:
— مش قادرة تبصي في وشي؟ بقى محمود اللي كنتِ بتعيطي علشان يكلمك دقيقة واحدة، دلوقتي مش قادرة تبصي في وشه؟ الدنيا بتغير والله!
رفعت ندى عينيها وبصتله بقوة غير متوقعة، قوة طالعة من كتر الوجع:
— اه بتغير.. زمان كنت فاكراك راجل، كنت فاكرة إن الكلام الحلو اللي بتقوله طالع من قلبك، لكن اكتشفت إنك مجرد ذئب بيلعب بمشاعر البنات ويسيبهم لما يزهق. إبراهيم أردج منك ألف مرة، إبراهيم جه لبويا وطلبني في النور، مش زي اللي كان بيستخبى ورا التليفون ويبيع أوهام!
الكلمات نزلت على محمود زي السوط، نبرة التحدي دي ما كانتش موجودة زمان. ندى القديمة كانت بتستسلم وتعيط بس، لكن اللي قدامه دي دفاعها عن إبراهيم كان بياكل في كبريائه.
محمود ضغط على سنانه وقال:
— إبراهيم؟ إبراهيم ده صاحبي وأنا عارفه كويس، غلبان وما يعرفش ألف ب في الحياة.. تفتكري لو شفتيه الرسائل القديمة وصوتك وأنتِ بتعيطيلي، هيصدق إنك مظلومة؟ الراجل الشرقي يا ندى ما بيفكرش بالعاطفة لما يكتشف إن خطيبته كانت على علاقة بصاحبه الأنتيم!
ندى دموعها اتجمعت في عينها تاني، بس مسحتها بسرعة وقالت:
— أنت عاوز إيه بالظبط؟ فلوس؟ عاوزني أفسخ الخطوبة؟ عاوز إيه يا محمود ريحني!
محمود سكت لحظة، هو نفسه ما كانش عارف هو عاوز إيه بالظبط. هل عاوز ينتقم؟ ولا عاوز يثبت لنفسه إنه لسة قادر يسيطر عليها؟ ولا خوفه من إن صاحبه يكتشف إنه كان بيتسلى بمراته المستقبلي يخليه عاوز يداري على الفعلة دي بطريقة مريضة؟
قال محمود:
— أنا مش عاوز فلوس، ولا عاوزك تفسخي الخطوبة.. أنا عاوزك تفهمي إنك مش هتضحكي على صاحبي. لو هتكملي مع إبراهيم، لازم تطلبي منه هو ينهي الخطوبة بهدوء، من غير ما يدخل اسمي في الموضوع، وتختفي من حياته وحياتي.
ندى بصتله بذهول واستنكار:
— أنت مجنون؟! أفسخ خطوبتي من راجل بيحبني وشربت معاه طعم الاحترام، عشان أنت خايف على شكلك قدامه؟ أو علشان كبرياءك مش مستوعب إن حد تاني خدني بعد ما رميتني؟
في اللحظة دي، ومحمود لسة بيحاول يرد، موبايله رن بصوت عالي. بص على الشاشة لقي اسم “إبراهيم صاحبي” بيرن.
ندى وشها اصفر، وحطت إيدها على بقها من الصدمة.
محمود بص لندى وبص للتليفون، والابتسامة الساخرة رجعت لوشه تاني. رفع الموبايل وفتح السبيكر وهو باصص في عين ندى المذعورة..
صوت إبراهيم جه من السماعة دافئ وصادق كالعادة:
— ألو.. إيه يا حودة، فين أراضيك يا صاحبي؟ أنا قالب عليك الدنيا من الصبح!
محمود بثبات مزيف:
— معلش يا هيما، كنت مشغول شوية في شوية ورق لشغلي.. خير يا صاحبي في حاجة؟
إبراهيم بصوت مليان فرحة حسن نية:
— خير يا صاحبي، خير كبير كمان! أنا عازمك على العشا النهاردة في البيت عندنا، أبويا وأمي عاوزين يشوفوك، وندى ووالدها جايين يقعدوا معانا ويتفقوا على تفاصيل الفرح.. أنت أخويا الكبير يا محمود ومينفعش القعدة دي تتقفل من غير ما تكون موجود ومدبس معايا في الترتيبات!
ندى كانت قعدة على أعصابها، بتترجى محمود بعينيها إنه يرفض أو يخترع أي حجة.
محمود سكت ثانية، وعينه متثبتة على ندى اللي كانت بتترعش، وقال بصوت هادي وفيه نبرة مريبة:
— عشا وتفاصيل الفرح؟ ماشي يا هيما.. طبعاً هاجي، هو أنا أقدر أرفض لعريسنا الغالي طلب؟ ساعة بالظبط وهكون عندك.
إبراهيم بضحكة صافية:
— تنور يا حودة، في انتظارك يا غالي!
قفل محمود المكالمة، وبص لندى وقال:
— المسرحية كبرت يا ندى.. والظاهر إننا كلنا هنتجمع على ترابيزة واحدة النهاردة.
#الكاتب__رومانى__مكرم__
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




