منوعات

بعد كتب الكتاب حكايات اسما السيد 2

خرجت من قاعة كتب الكتاب وأنا لسه لابسة الفستان الأبيض.

الفستان اللي المفروض أرجع بيه بيت جوزي…

رجعت بيه وأنا حاسة إن حياتي كلها  واتركبت من جديد في أقل من ساعة.

بابا كان ماشي ورايا.

— ليلى… استني.

ماوقفتش.

— ليلى، اسمعيني بس.

لفيتله فجأة.

— أسمع إيه يا بابا؟

صوتي طلع أعلى مما كنت عايزة.

— أسمع إن خالي ما ماتش في حادث عادي؟ ولا أسمع إنك كنت شريك في المشروع اللي مات فيه؟ ولا إنك ساعدت فؤاد يخفي التقرير؟

نزل عينه للأرض.

والسكوت بتاعه كان أسوأ من أي إجابة.

قلت:

— ماما كانت تعرف؟

رفع عينه بسرعة.

وده لوحده كان كفاية.

رجعت خطوة لورا.

— كانت تعرف.

— ليلى…

— كانت تعرف يا بابا؟!

قال بصوت مكسور:

— عرفت جزء من الحقيقة.

ضحكت بمرارة.

— واضح إنها عرفت أكتر منك… وإلا ماكنتش سابتلي صندوق أمانات.

وش بابا اتغير.

— صندوق إيه؟

المرة دي…

أنا اللي سكت.

بصيتله كويس.

لأول مرة في حياتي، ماعرفتش أثق فيه.

قلت:

— بكرة هعرف.

وركبت العربية.

ما نمتش طول الليل.

كل ما أغمض عيني أشوف آدم وهو واقف في القاعة.

أسمع التسجيل.

وأشوف وش بابا لما قال:

“أنا اللي وافقت إن التقرير .”

لكن أكتر حاجة كانت …

أمي.

ليه سابتلي الصندوق؟

وليه ماقالتش عنه وهي عايشة؟

وليه البنك بعت الرسالة النهارده بالذات؟

الصبح بدري، اتصلت بالمحامي.

قلتله:

— محتاجة تيجي معايا البنك.

— حصل حاجة؟

— أمي سايبالي صندوق أمانات.

سكت لحظة.

— ووالدك يعرف؟

— لأ.

وبعدين صححت:

— أو على الأقل… بيقول إنه مايعرفش.

قال:

— ما تروحيش لوحدك.

بعد ساعتين…

كنت قاعدة في غرفة صغيرة داخل البنك.

الموظف حط قدامي أوراق الاستلام وقال:

— الصندوق مسجل باسم والدتك، لكن حضرتك المستفيدة الوحيدة بعد تحقق شرط محدد.

سألته:

— شرط إيه؟

راجع الملف.

— وصولك لسن التلاتين… أو زواجك، أيهما أقرب.

قلبي وقف لحظة.

كتب كتابي كان قبل عيد ميلادي التلاتين بأسبوعين.

يعني أمي كانت عارفة إن الصندوق هيتفتح بمجرد جوازي.

وقعت الأوراق.

وبعد دقائق…

اتحط قدامي صندوق معدني صغير.

إيدي اترعشت وأنا بفتحه.

جواه كان فيه ظرف بني كبير.

فلاشة قديمة.

مفتاح صغير.

وصورة.

مسكت الصورة الأول.

كانت أمي.

جنبها خالي محمود.

وبابا.

وفؤاد.

الأربعة واقفين قدام موقع بناء.

قلبت الصورة.

وكان مكتوب بخط أمي:

فتحت الظرف.

أول ورقة كانت نسخة من تقرير هندسي.

قرأت أول سطرين…

وبصيت للمحامي.

— ده التقرير الأصلي؟

أخده مني.

بدأ يقلب الصفحات بسرعة.

وشه اتغير.

— لو ده أصلي فعلًا… فالتقرير اللي اتقدم بعد الحادث مختلف تمامًا.

— يعني؟

رفع عينه.

— يعني حد كان عارف إن المبنى غير آمن قبل الحادث… ومع ذلك سمح للعمال يكملوا.

حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.

— خالي مات بسببهم؟

قال بهدوء:

— المستندات بتشير لشيء أخطر من مجرد إهمال.

فتحت باقي الأوراق.

تحويلات مالية.

صور شيكات.

مراسلات.

وفي الآخر…

ورقة مكتوبة بخط إيد أمي.

بدأت أقرا.

“لبنتي ليلى…

لو وصلتي للورق ده، فمعناه إني ماقدرتش أحكيلك الحقيقة بنفسي.

سامحيني.

أنا ما سكتش علشان كنت ضعيفة.

أنا سكت علشان كنت خايفة عليكي.”

وقفت.

دموعي نزلت.

كملت.

“محمود أخويا اكتشف قبل الحادث إن فيه مواد بناء أقل من المواصفات، وإن تقرير السلامة اتغير مقابل فلوس.

واجه فؤاد.

وفي الليلة اللي بعدها، جه عندنا وقال إنه معاه دليل.

طلب من حسين يساعده.

حسين وعده.

لكن بعد الحادث…

كل شيء اتغير.”

إيدي بدأت ترتعش.

قلبت الورقة.

قال إن فؤاد هدده.

وقال إن بنتنا ممكن تتأذى.

صدقته فترة.

لكن بعد سنوات، عرفت إن الحقيقة أسوأ.

حسين لم يكن مجرد خائف.

لقد وقّع.”

وقفت عن القراءة.

بصيت للمحامي.

— وقّع إيه؟

قلبنا الأوراق.

لحد ما لقينا مستند عليه توقيع بابا.

موافقة على تسوية مالية.

وفي المقابل…

تنازل عن الاعتراض على التقرير المعدل.

حطيت إيدي على بوقي.

بابا باع الحقيقة.

لكن كان لسه فيه التسجيل.

وصلنا الفلاشة باللابتوب.

ظهر ملف صوتي واحد.

ضغطت تشغيل.

وفي الأول…

سمعت صوت أمي.

ضعيف.

لكن واضح.

— لو التسجيل ده وصل لليلى، يبقى أنا غالبًا ماقدرتش أكمل.

سكتت ثواني.

وبعدين قالت:

— ليلى… أبوكي غلط.

بس أبوكي مش هو أخطر واحد في الحكاية.

أنا بصيت للمحامي.

التسجيل كمل.

— فؤاد ماكانش خايف من قضية الحادث بس. كان فيه حساب تاني… حساب اتحول منه مبلغ كبير قبل موت محمود بيومين.

سمعت صوت ورق بيتحرك.

— الحساب باسم شركة وهمية.

ثم قالت اسم الشركة.

المحامي فجأة قرب من الشاشة.

— استني.

— إيه؟

رجع التسجيل ثواني وسمع الاسم تاني.

وبعدين بصلي.

— الشركة دي ظهرت في الأوراق اللي قدمها آدم ضد شركة والدك.

اتجمدت.

— يعني إيه؟

— يعني التقرير اللي آدم كان بيبتزك بيه…

سكت.

— ممكن يكون مبني على معاملات مالية بدأت من سبعتاشر سنة.

لكن أمي قالت جملة أخيرة قلبت كل حاجة.

— والمفتاح الموجود في الصندوق مش للبنك.

بصيت للمفتاح الصغير.

— ده مفتاح خزانة محمود. مكانها مكتوب خلف آخر صورة في الظرف. لو الخزانة لسه موجودة… جواها الشيء اللي فؤاد قضى سنين بيدور عليه.

التسجيل وقف.

قلبت الصور بسرعة.

آخر صورة كانت لخالي لوحده.

على ضهرها عنوان قديم في وسط البلد.

وتحت العنوان:

الخزانة 317.

بعد أقل من ساعة كنا هناك.

مبنى قديم تابع لشركة تخزين خاصة.

المكان كان شبه مهجور.

الموظف راجع الأوراق القديمة، وبص للمفتاح.

— الخزانة موجودة.

قلبي دق.

مشينا وراه في ممر طويل.

دخل المفتاح.

لف.

الباب اتفتح.

جواها كان فيه شنطة جلد سودا.

فتحتها.

ملفات.

دفتر صغير.

وكارت ذاكرة.

لكن قبل ما ألمسهم…

سمعنا صوت ورا ضهرنا.

— كنت عارف إن خالتك هتوصلك للمكان في الآخر.

اتجمدت.

لفيت.

كان آدم.

واقف عند أول الممر.

لوحده.

بصيتله بصدمة.

— إنت المفروض…

قاطعني:

— المفروض أكون في النيابة؟

ابتسم.

— اتحقق معايا واتساب سبيلي مؤقتًا. التسجيل لوحده مش حكم.

قرب خطوة.

المحامي وقف قدامي.

— ما تقربش.

آدم ما اهتمش.

كان عينه على الشنطة.

قال:

— اديهالي يا ليلى.

— دي تخص خالي.

— لأ.

ابتسامته اختفت.

— دي تخص أبويا.

مسكت الشنطة.

— يبقى خلاص… هتوصل للجهة المختصة.

قال بسرعة:

— قبل ما تعملي كده، اسألي أبوكي مين اللي كان موجود في الموقع ليلة موت خالك.

سكت.

— قصدك إيه؟

ضحك.

— لسه فاكرة إن محمود مات وقت انهيار جزء من المبنى؟

حسيت الدم اتجمد في عروقي.

— هو ده اللي حصل.

هز راسه.

— دي الرواية اللي اتكتبت.

قرب أكتر.

المحامي قال:

— آدم، أي كلام بتقوله دلوقتي ممكن يُستخدم ضدك.

آدم رد من غير ما يبصله:

— وأنا مش بعترف بحاجة.

وبعدين بصلي.

— أنا بقولها تسأل أبوها.

مسكت الشنطة أقوى.

— أسأله إيه؟

رد:

— اسأليه ليه تقرير الطب الشرعي الأصلي اختفى.

— وإنت عرفت منين؟

لأول مرة…

ملامحه اتغيرت.

قال:

— لأن التقرير كان عند أمي.

سكت الممر كله.

— أمك؟

— أيوه.

وبعدين قال:

— وأمي كانت موجودة ليلة موت خالك.

رجعت البيت قبل المغرب.

دخلت الصالة.

بابا كان قاعد مستنيني.

أول ما شاف الشنطة في إيدي…

وقف.

ولما شاف المفتاح…

وشه ابيض.

قال:

— رحتي الخزانة؟

ما رديتش.

حطيت الشنطة على الترابيزة.

قلت:

— آدم قال إن خالي  قبل انهيار المبنى.

بابا سكت.

— كداب… صح؟

ما ردش.

صرخت:

— رد عليا!

غمض عينه.

وقال:

— محمود ما ماتش تحت الأنقاض.

حسيت رجلي مش شايلاني.

— أمال مات إزاي؟

بابا قعد.

حط إيده على وشه.

— لما وصلت الموقع… كان لسه عايش.

— وصلت إمتى؟

— قبل الانهيار بحوالي عشرين دقيقة.

— وكان فيه مين؟

قال:

— أنا… وفؤاد.

قلبي خبط بعنف.

— وبعدين؟

بابا رفع عينه.

— محمود كان مصاب.

— مين عمل فيه كده؟

سكت.

قربت منه.

— بابا… مين؟

قال بصوت :

— ما شوفتش بداية .

— بس شفت نهايتها؟

هز راسه.

— لما وصلت، فؤاد كان واقف فوقه.

الدم اختفى من وشي.

— يعني فؤاد ؟

بابا قال بسرعة:

— معرفش! محمود كان بيتنفس. حاولت أطلب الإسعاف، لكن فؤاد منعني.

— وإنت سكت؟!

— هددني بيكي وبأمك!

صرخت:

— وسيبته ؟!

بابا خبط بإيده على صدره.

— أنا جبان! أيوه! كنت جبان!

دموعه نزلت.

— لكن أقسم بالله ما .

رجعت خطوة.

قلت:

— ؟

هنا…

بابا سكت.

وكان سكوت مختلف.

قلت:

— إيه علاقة الانهيار بموته؟

بصلي.

— فؤاد قال إن لو الانهيار حصل… كل حاجة هتتبان حادثة.

شهقت.

— يعني الانهيار ماكانش صدفة؟

بابا انهار في العياط.

— كان مفروض جزء صغير بس يقع بعد إخلاء المكان… لكن الحسابات كانت غلط.

حطيت إيدي على بوقي.

لأن الحادث اللي طول عمري فاكرة إنه قتل خالي…

كان في الحقيقة محاولة لإخفاء جريمة.

فتحت الشنطة بسرعة.

طلعت الدفتر.

كان دفتر خالي.

آخر صفحات فيه أسماء.

تواريخ.

مبالغ.

وفي الصفحة الأخيرة…

جملة مكتوبة بسرعة:

“لو جرالي حاجة، فؤاد مش لوحده.”

وتحتها ثلاثة أحرف.

ح. م. ش

بصيت لبابا.

اسمه بالكامل:

حسين محمد الشناوي.

رفعت الدفتر قدامه.

— دي حروف اسمك.

بابا بص للصفحة…

وفجأة ملامحه اتغيرت.

قال:

— لأ.

— لأ إيه؟

— دي مش حروف اسمي.

— أمال اسم مين؟

رفع عينه.

وقال:

— حامد مختار شرف.

سكت.

الاسم ماكانش غريب.

كنت سمعته قبل كده.

لكن مش فاكرة فين.

بابا كمل:

— كان محاسب فؤاد الخاص.

قلت:

— وفين حامد ده دلوقتي؟

بابا بصلي نظرة خلت قلبي ينقبض.

— مات.

— إمتى؟

— بعد محمود بست شهور.

— إزاي؟

قال:

— حادث عربية.

ضحكت.

— طبعًا.

لكن بابا قال:

— فيه حاجة إنتِ مش عارفاها.

— إيه؟

— حامد كان عنده ابن.

— وبعدين؟

— وده يهمنا في إيه؟

بابا سكت ثواني.

ثم قال:

— لأن اسم ابنه…

قبل ما يكمل…

جرس الباب رن.

المحامي فتح.

ودخل واحد من رجال التحقيق.

كان في إيده ملف.

قال:

— محتاجين الآنسة ليلى تيجي معانا.

قلبي وقع.

— ليه؟

بص لبابا الأول.

ثم ليا.

— لأن ظهرت أدلة جديدة في قضية وفاة محمود.

قلت:

— إيه الأدلة؟

فتح الملف.

وطلع صورة قديمة لطفل واقف جنب رجل.

حطها قدامي.

الرجل كان حامد.

أما الطفل…

فأنا عرفته فورًا.

نفس العينين.

نفس ملامح الوجه.

حتى الابتسامة.

بصيت للصورة…

وبعدين رفعت عيني للمحقق.

قلت بصوت شبه مختفي:

— مستحيل.

قال:

— الطفل اللي في الصورة هو ابن حامد مختار شرف.

وأشار للصورة.

— واسمه وقتها كان ياسين حامد مختار.

قلت:

— بس ده…

هز راسه.

— أيوه.

ده آدم.

مسكت طرف الترابيزة.

كل حاجة بدأت تركب في دماغي بطريقة أبشع مما توقعت.

آدم…

مش ابن فؤاد الحقيقي.

آدم هو ابن المحاسب اللي مات بعد خالي بست شهور.

والراجل اللي رباه طول السنين دي…

هو نفسه المتهم بإخفاء حقيقة موت أبوه.

لكن السؤال الأخطر ماكانش ليه آدم غير اسمه.

ولا ليه فؤاد رباه.

السؤال كان:

هل آدم كان بيتجوزني علشان ياخد أسهمي فعلًا؟

ولا كان داخل عيلتنا من البداية…

علشان   أبوه؟

وقبل ما أخرج من البيت، موبايل آدم اللي كان اتحفظ ضمن التحقيقات كشف رسالة مجدولة اتبعتت تلقائيًا لبريدي.

فتحتها.

كان فيها سطر واحد:

“لو عرفتي أنا ابن مين… ما تصدقيش فؤاد، وما تصدقيش أبوكي، والأهم… ما تصدقيش إن أنا كنت عايز أتجوزك علشان الأسهم.”

وتحتها ملف فيديو.

مدة الفيديو:

سبع دقائق وأربع عشرة ثانية.

ضغطت تشغيل.

وظهر آدم قدام الكاميرا.

لكن أول جملة قالها…

خلتني أقفل الباب ورايا وأرجع أقعد.

قال:

— ليلى… لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى خطتي فشلت، وإنتِ عرفتي الحقيقة.

سكت لحظة.

ثم قال:

— أنا عمري ما كنت ابن فؤاد.

وعينه لمعت.

— أنا دخلت بيته وأنا عندي سبع سنين…

علشان أكتشف مين  أبويا.

يتبع…

قفلت باب الصالة ورايا.

بابا كان لسه واقف مكانه.

المحقق مستنيني.

والمحامي بيبصلي كأنه عايز يقوللي ما أسمعش الفيديو لوحدي.

لكن أنا ماكنتش شايفة حد.

كل تركيزي كان في شاشة الموبايل.

آدم ظهر قدامي في الفيديو بوش مختلف تمامًا عن الشخص اللي كنت أعرفه.

مفيش ابتسامة.

مفيش ثقة زيادة.

مفيش البرود اللي كان بيستفزني.

قال:

— ليلى… لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى إنتِ عرفتي إني مش ابن فؤاد.

سكت شوية.

وبعدين كمل:

— اسمي الحقيقي ياسين حامد مختار شرف.

— أبويا كان المحاسب الخاص بفؤاد… وكان واحد من الناس القليلة اللي عرفت حقيقة اللي حصل لمحمود، خالك.

حسيت إيدي بتبرد.

آدم كمل:

— بعد موت خالك، أبويا بدأ يجمع مستندات. تحويلات، فواتير، أسماء شركات وهمية… وكان ناوي يبلغ.

ظهر في الفيديو وهو بياخد نفس طويل.

— قالوا قضاء وقدر.

— أمي ما صدقتش.

— وبعدها بدأت تتلقى .

بص للكاميرا.

— وفي يوم، فؤاد ظهر في حياتنا.

قطبت حواجبي.

قال:

— الغريب إنه ما أذاناش.

— بالعكس.

— عرض يساعد أمي.

— وبعد فترة، أمي اتجوزته.

رفعت عيني للمحقق.

هو ما اتكلمش.

رجعت للفيديو.

— دخلت بيت فؤاد وأنا عندي سبع سنين. وبعد الجواز بسنين، استخدمت اسمه في حياتي الاجتماعية، والناس كلها تقريبًا افتكرت إني ابنه.

ابتسم بمرارة.

— لكنه عمره ما تبناني رسميًا.

ثم قرب من الكاميرا.

— وأنا عمري ما نسيت أبويا.

الفيديو كمل.

— لما كبرت، بدأت أدور.

— اكتشفت إن أبويا كان مخبي نسخة من سجلات مالية.

— واكتشفت اسم محمود.

— وبعدها ظهر اسم والدك.

بصيت ناحية بابا.

كان سامع.

وشه كان مدفون بين إيديه.

آدم قال:

— في البداية افتكرت إن حسين شارك في  خالك.

— علشان كده قربت من شركتكم.

قلبي انقبض.

— ولما عرفت إن عندك نسبة كبيرة من الأسهم، استغليت الموضوع.

سكت لحظة.

— أيوه… التسجيل اللي سمعتيه حقيقي.

— هددتك فعلًا.

— ودي جريمة أنا مسؤول عنها.

غمضت عيني.

لثانية واحدة كنت مستنية منه يقول إن كله كان تمثيل.

لكنه ماعملش.

قال:

— ماعنديش مبرر للي عملته معاكي.

— كنت شايف إن شركتكم اتبنت جزئيًا على سكوت حصل بعد موت خالك وأبويا.

— وكنت عايز أدخلها من جوه.

— الأسهم كانت هتديني وصول للمستندات القديمة.

— لكن ده مايديش لي الحق إني أهددك أو أضغط عليكي بالجواز.

دموعي نزلت.

مش حبًا فيه.

ولا شفقة.

لكن لأن الحقيقة كانت أقسى من إن يبقى فيه بريء كامل أو مذنب واحد.

آدم كمل:

— المشكلة إن كل ما قربت منك… بدأت أشوف إنك مالكيش ذنب.

— وكل مرة كنت بفكر أقولك الحقيقة، كنت بخاف تروحي لأبوكي.

سكت.

— وبعدين اكتشفت حاجة خلتني أكمل.

رفع ورقة قدام الكاميرا.

— فؤاد هو اللي زور التقرير المالي ضد شركتكم.

شهقت.

— وأنا استخدمته ضدك.

— كنت فاكر إن التقرير مبني على مخالفات حقيقية.

— لكن قبل كتب الكتاب بأيام اكتشفت إن جزء كبير منه متفبرك.

عض على شفته.

— وكان المفروض أوقف كل حاجة.

ثم قال:

— لكني ماوقفتش.

— ودي غلطتي.

الجملة دي تحديدًا خلتني أفهم.

آدم ماكانش بطل مظلوم.

وماكانش شيطان كامل.

كان شخص دخل طريق الانتقام…

ولما عرف إنه بيظلم إنسانة مالهاش ذنب، ما رجعش في الوقت المناسب.

وده كان كفاية يدمر كل حاجة بينا.

لكن الفيديو لسه ماخلصش.

قال:

— فيه حاجة أهم.

— فؤاد مش هو اللي  خالك.

بصيت للشاشة.

آدم قال:

— اللي  على محمود ليلة  كان راجل اسمه كمال الدمنهوري.

بابا رفع راسه فجأة.

— كمال؟!

بصيتله.

— تعرفه؟

قال:

— كان مدير الموقع.

الفيديو كمل.

— محمود اكتشف إن كمال كان بيستبدل مواد البناء بمواد أرخص، وفؤاد كان بياخد نصيبه.

— لما محمود هدده إنه هيبلغ، حصلت بينهم .

— كمال ضربه بقطعة حديد.

حطيت إيدي على بوقي.

— لما فؤاد وصل، محمود كان مصاب.

— ولما حسين وصل بعدها، فؤاد منعه من طلب الإسعاف.

— مش لأنه كان اللي ضربه…

سكت آدم.

— لكن لأنه عرف إن لو محمود عاش، كل حاجة هتتكشف.

الصالة كلها سكتت.

حتى بابا ماقدرش يبصلي.

آدم قال:

— فؤاد قرر يستغل الانهيار المخطط له في جزء من الموقع علشان يخفي الجريمة.

— لكن الانهيار خرج عن السيطرة.

— وفي النهاية، اتسجل محمود كواحد من ضحايا الحادث.

دموعي نزلت وأنا متخيلة خالي مصاب…

وفيه ناس كان ممكن ينقذوه.

لكن اختاروا سمعتهم وفلوسهم.

ثم قال آدم:

— أبويا عرف الحقيقة من الحسابات ومن كلام سمعه بين فؤاد وكمال.

— جمع الأدلة.

— وبعدها مات.

— ولسنين افتكرت فؤاد هو اللي قتله.

— لكن الحقيقة…

وقف الفيديو لحظة كأن آدم نفسه مش قادر يقولها.

ثم قال:

— اللي تسبب في حادث عربية أبويا كان كمال.

بعد انتهاء الفيديو…

محدش اتكلم.

المحقق كان أول واحد يكسر الصمت.

— عندنا دلوقتي سبب كافي لإعادة فتح الملفات المرتبطة بالقضية.

بابا قال بصوت ضعيف:

— وأنا هقول كل حاجة.

بصيتله.

— بعد سبعتاشر سنة؟

نزل عينه.

— عارف إن الاعتراف دلوقتي مش هيمسح اللي عملته.

قرب مني.

— أنا خوفت يا ليلى.

قلت:

— وخوفك خلّى واحد مصاب يموت من غير إسعاف.

بدأ يعيط.

لكن لأول مرة…

ماقدرتش أروح أحضنه.

قلت:

— أنا بحبك لأنك أبويا.

وبعدين كملت:

— بس حبي ليك مش معناه إني أغطي عليك.

هز راسه.

— ماتغطيش.

رفع عينه.

— أنا تعبت من السكوت.

التحقيقات بدأت من جديد.

المستندات اللي أمي احتفظت بيها اتفحصت.

دفتر خالي اتراجع.

سجلات حامد القديمة اتجمعت مع التحويلات.

والأهم…

إنهم وصلوا لكمال الدمنهوري.

كان عايش.

غير نشاطه من سنين.

وافتكر إن الزمن  كل حاجة.

لكنه ماكانش يعرف إن حامد احتفظ بنسخة من تحويل مالي وصله بعد  محمود بيومين.

ولا إن أمي احتفظت بأصل تقرير السلامة.

ولا إن آدم كان عنده مراسلات قديمة تخص  والده.

الحقيقة ما ظهرتش في يوم وليلة.

استغرقت شهور.

وشهادات.

وخبراء.

وتحقيقات.

وفي النهاية، اتوجهت اتهامات لكل شخص بحسب دوره والأدلة اللي ثبتت عليه.

فؤاد واجه اتهامات مرتبطة بالتزوير والفساد وإخفاء أدلة والتستر على ملابسات وفاة خالي.

كمال واجه التحقيق في الاعتداء على محمود، والتسبب في موته، وملف حادث حامد.

وبابا…

ماخرجش بريء.

اعترف بدوره في إخفاء الحقيقة والتوقيع على مستندات ماكانش المفروض يوافق عليها.

لما سألته قبل ما يروح يدلي بأقواله:

— خايف؟

قال:

— جدًا.

وبعدين ابتسم بحزن.

— بس المرة دي هخاف وأنا بقول الحقيقة… مش وأنا  منها.

أما آدم…

فواجه حسابه هو كمان.

الابتزاز اللي عمله معايا ما اختفاش لمجرد إن عنده قصة حزينة.

ولا لمجرد إنه كان بيدور على طلب يقابلني مرة قبل استكمال الإجراءات.

وافقت.

مش علشان أرجعله.

كنت محتاجة أقفل الباب بنفسي.

قعد قدامي وبيننا ترابيزة صغيرة.

لأول مرة شوفته من غير بدلة غالية.

من غير الساعة اللي كان بيتباهى بيها.

ومن غير اسم “آدم فؤاد”.

قال:

— مش عارف أقولك إيه.

قلت:

— قول الحقيقة.

ضحك بمرارة.

— دي الحاجة الوحيدة اللي كان المفروض أعملها من البداية.

سكت شوية.

ثم قال:

— أنا حبيتك.

ما رديتش.

قال:

— عارف إن الجملة ملهاش قيمة بعد اللي عملته.

قلت:

— عندك حق.

نزل عينه.

قلت:

— يمكن تكون حبيتني بطريقتك… بس اللي يحب حد ما يحاصروش.

رفع عينه.

— عارف.

— وما يهددوش بسمعة أبوه.

— عارف.

— وما يخليهوش داخل كتب كتابه وهو فاكر إن حياته هتتحول لسجن.

دموعه لمعت.

— عارف يا ليلى.

قلت:

— يبقى ماتطلبش مني أسامحك علشان ترتاح.

هز راسه.

— مش هطلب.

وقفت.

ناداني:

— ليلى.

لفيت.

قال:

— أنا آسف.

بصيتله ثواني.

وقلت:

— أتمنى في يوم تبقى فعلًا آسف علشان اللي عملته… مش علشان خسرتني.

وسبته ومشيت.

مرت سنة.

سنة كاملة.

الشركة كانت على وشك الانهيار بعد الفضايح والتحقيقات.

ناس كتير قالتلي أبيع.

وأبدأ من جديد بعيد عن اسم العيلة.

لكن رفضت.

مش علشان أحافظ على إرث بابا.

لكن علشان أنضف اللي اتبنى غلط.

بعتنا جزء من الأصول.

غيرنا الإدارة.

راجعنا العقود القديمة.

وعملنا صندوق تعويضات لأسر العمال اللي اتضرروا من المشروع القديم، بعيدًا عن أي التزامات قضائية ممكن تصدر.

وأول اسم حطيته على لوحة صغيرة في مقر الشركة الجديد كان:

محمود عبد الرحمن

خالي.

الراجل اللي مات لأنه رفض يسكت.

أما بابا…

فعلاقتي بيه ما رجعتش زي الأول.

يمكن عمرها ما ترجع.

كنت بزوره.

وأتكلم معاه.

لكن الثقة لما بتتكسر…

ما بترجعش بكلمة “سامحيني”.

بتتبني حتة حتة.

وكان هو فاهم ده.

مرة قاللي:

— أكتر حاجة ندمان عليها إني كنت فاكر إني لما أسكت بحميكي.

قلتله:

— ساعات السكوت مش حماية يا بابا.

— ساعات السكوت هو اللي بيخلي الشر يكبر.

هز راسه.

وقال:

— أمك كانت أشجع مني.

ابتسمت وسط دموعي.

— عارفة.

بعد سنة ونص من يوم كتب الكتاب…

وصلني ظرف.

مفيش اسم مرسل.

فتحته.

كان جواه ورقة واحدة.

من آدم.

أو ياسين…

مش عارفة الاسم اللي اختار يكمل بيه حياته.

كتب:

“ليلى…

مش بكتب علشان أرجع.

ولا علشان تطمني عليا.

أنا بس حبيت أقولك إن أول مرة دخلت حياتك فيها كنت بدور على انتقام.

وآخر مرة خرجت منها كنت عارف إن الحقيقة أهم منه.

أنا خسرتك بسبب اختياراتي.

وده شيء هعيش مسؤول عنه.

لكن فيه حاجة واحدة كويسة حصلت:

أبويا أخيرًا ما بقاش مجرد اسم في ملف حادث.

وخالك كمان.

أتمنى تعيشي الحياة اللي حاولت أسرق منك حق اختيارها.

ياسين.”

قفلت الورقة.

ماعيطتش.

وما رديتش.

حطيتها جوه صندوق أمي.

جنب صورتها.

وصورة خالي.

وقفلت الصندوق.

المرة دي…

من غير أسرار.

بعد سنتين…

كنت واقفة في قاعة كبيرة.

مش قاعة أفراح.

قاعة افتتاح مشروع جديد للشركة.

مشروع سكني اتعمل بمعايير سلامة صارمة، وكل تفاصيله كانت منشورة بشفافية.

وقفت على المسرح وقلت:

— الشركة دي مرت بسنين كان فيها ناس فاكرة إن السمعة أهم من الحقيقة.

بصيت للحضور.

— النهارده إحنا عارفين إن مفيش اسم يستحق نحميه على حساب حياة إنسان.

التصفيق ملأ القاعة.

نزلت من على المسرح.

لقيت المحامي مستنيني.

ابتسم وقال:

— بالمناسبة… فيه حد عايز يقابلك.

ضحكت.

— لو مستثمر جديد، قوله بكرة.

قال:

— مش مستثمر.

بصيت وراه.

كان فيه راجل واقف مع طفل صغير.

عرفته.

عمر.

مهندس استشاري انضم للمشروع قبل حوالي تمن شهور.

أرمل، وعنده ولد صغير اسمه يوسف.

ماكنش بينا قصة حب من أول نظرة.

ولا دخل حياتي ينقذني.

ولا أنا كنت محتاجة حد ينقذني أصلًا.

بدأ الموضوع باجتماعات.

وبعدين قهوة بعد الشغل.

وبعدين كلام طويل عن الحياة.

وكان أكتر شيء ريحني فيه…

إنه عمره ما حاول ياخد قرار مكاني.

قرب وقال:

— عندك خمس دقايق؟

قلت:

— حسب الموضوع.

ابتسم.

— يوسف مصمم ياكل آيس كريم، وأنا قلتله إن مديرة الشركة مشغولة.

الطفل قال بسرعة:

— أنا قلتله حضرتك أكيد بتحبي الشوكولاتة.

ضحكت.

— عندك حق.

مديت إيدي له.

— يلا.

مشينا إحنا التلاتة.

وفي نص الطريق…

وقفت لحظة.

بصيت ورايا للمبنى.

افتكرت الفستان الأبيض.

والشاشة.

والتسجيل.

وآدم وهو فاكر إن كام دقيقة وكل حاجة هتبقى تحت إيده.

ابتسمت.

لأن بعد كل اللي حصل…

فهمت حاجة واحدة:

أنا ماكسبتش يوم كتب الكتاب علشان فضحته قدام مية شخص.

وماكسبتش لما التحقيقات كشفت الحقيقة.

أنا كسبت في اللحظة اللي قلت فيها:

“أنا مش موافقة.”

لأن الكلمة دي رجعتلي حقي في الاختيار.

وبعد شهور من علاقتي بعمر، لما جه البيت من بابه وطلب إيدي من بابا، ماكانش فيه تهديد.

ولا أسهم.

ولا أسرار.

ولا شروط.

بابا بصلي قبل ما يرد عليه.

وسألني:

— رأيك إيه يا ليلى؟

بصيت لعمر.

المرة دي…

القرار كان قراري فعلًا.

ابتسمت.

وقلت:

— موافقة.

وفي يوم كتب كتابنا…

دخلت القاعة بفستان أبيض محتشم وطرحة طويلة.

تقريبًا نفس المشهد.

لكن إحساسي كان مختلف.

بابا كان جنبي.

يوسف واقف جنب عمر وفرحان أكتر مننا إحنا الاتنين.

والمأذون سألني السؤال اللي غير حياتي مرتين:

— موافقة يا بنتي؟

بصيت لعمر.

ابتسم.

وماقالش:

“كل حاجة هتبقى تحت إيدي.”

قال بهدوء:

— خدي وقتك… حتى لو الإجابة لأ.

ضحكت والدموع نزلت من عيني.

وبصيت للمأذون.

— موافقة.

ولما خلص العقد، رفعت عيني للسما.

وافتكرت أمي.

الست اللي سابت الحقيقة في صندوق…

لأنها كانت عارفة إن الحقيقة ممكن تتأخر.

لكن لو حد حافظ عليها…

عمرها ما

تمت.

النهاية مش إنك تكسبي على اللي ظلمك… النهاية الحقيقية إنك ما تسمحيش لظلمه يحدد باقي حياتك.

✍️ الكاتبة أسما السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى