بعد كتب الكتاب حكايات اسما السيد

دخلت قاعة كتب الكتاب وأنا لابسة فستان أبيض محتشم، وطرحة طويلة مغطية شعري، وحوالي مية شخص من أهلنا ومعارفنا قاعدين مستنيين اللحظة اللي المأذون يقول فيها إننا بقينا زوج وزوجة.
كان واقف جنب والده، وأول ما شافني ابتسم.
ابتسامة أنا بس اللي كنت عارفة معناها.
ولما قربت من المكان المخصص لكتب الكتاب، مال ناحية أخته وقال بصوت واطي، لكنه كان كفاية يوصلني:
— خلاص… كام دقيقة وكل حاجة هتبقى تحت إيدي.
ما رديتش.
قعدت جنب والدي، وإيدي كانت ساقعة رغم إن القاعة دافية.
بدأ المأذون إجراءات العقد، ولما وصلت اللحظة اللي الكل كان مستنيها…
رفعت راسي وقلت:
— استنى يا شيخنا… أنا مش موافقة على الجواز.
القاعة كلها سكتت.
أمه شهقت.
وهو وقف مرة واحدة وبصلي كأنه مش مصدق.
— إنتِ بتقولي إيه؟!
بصيتله بثبات وقلت:
— بقول إني ماجتش النهارده علشان أبقى مراتك… أنا جيت علشان الناس دي كلها تعرف إنت كنت عايز تتجوزني ليه.
وفي اللحظة دي…
الشاشة الكبيرة اللي كانوا مجهزينها علشان تعرض صور الفرح اشتغلت.
وفجأة صوته دوّى في القاعة:
— هتوافقي على الجواز، وهتنقلي الأسهم اللي اتفقنا عليها… وإلا التقرير هيوصل للصحافة، وساعتها شركتكم كلها تقع فوق دماغكم.
وشه اتسحب منه الدم.
والده قام من مكانه.
وأمه صرخت:
— اقفلوا المهزلة دي!
لكن أنا فضلت مكاني.
لأنهم ماكانوش يعرفوا إن ده أضعف تسجيل عندي.
أما التسجيل اللي بعده…
فكان فيه اعتراف بكتير.
اعتراف لو اتسمع للنهاية، العريس مش هيخرج من القاعة على بيته…
هيخرج منها على النيابة.”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
الكاتبة أسما السيد
فضل صوته بيرن في القاعة:
— هتوافقي على الجواز، وهتنقلي الأسهم اللي اتفقنا عليها… وإلا التقرير هيوصل للصحافة، وساعتها شركتكم كلها تقع فوق دماغكم.
ولا حد اتحرك.
حتى المأذون نفسه حط القلم على الترابيزة وبص ناحية الشاشة باستغراب.
أما أنا…
فكنت ببص في وش آدم.
من أسبوع واحد بس، كنت متخيلة إن اللحظة دي هتكون أصعب لحظة في حياتي.
لكن الغريب إني وأنا واقفة قدامه دلوقتي…
ماكنتش خايفة.
كنت مستنية.
مستنية اللحظة اللي القناع يقع فيها قدام الناس كلها.
آدم اتحرك ناحيتي بسرعة وقال من بين سنانه:
— اقفلي التسجيل ده حالًا.
بصيتله بهدوء.
— ليه؟ مش ده صوتك؟
— التسجيل متفبرك.
ضحكت ضحكة صغيرة.
— جميل… كنت عارفة إنك هتقول كده.
أبوه، فؤاد بيه، خبط بإيده على الترابيزة وقال بعصبية:
— كفاية فضايح! لو عندك مشكلة مع ابني تتحل بين العيلتين، مش قدام الناس!
لفيتله.
— حضرتك متأكد إنها مشكلة بيني وبين ابنك بس؟
وشه اتغير.
ثانية واحدة…
لكن أنا شفتها.
وآدم شافها.
أمه قامت وهي ماسكة طرف فستانها وقالت:
— إحنا هنمشي. والمهزلة دي حسابها بعدين.
آدم لف فعلًا ناحية الباب.
قلت:
— استنى.
وقف.
— إيه؟
بصيت ناحية الشاشة.
— لسه التسجيل التاني.
في اللحظة دي، آدم فقد هدوءه تمامًا.
اندفع ناحية جهاز العرض وهو بيصرخ:
— اقفلوا الشاشة!
لكن قبل ما يوصل…
صوت تاني اشتغل.
صوته هو.
بس المرة دي ماكانش بيتكلم معايا.
كان بيتكلم مع أبوه.
وجملة واحدة كانت كفاية تخلي فؤاد بيه يرجع يقعد مكانه كأن رجليه بطلت تشيله.
— أول ما أتجوزها وتبقى الأسهم باسمنا، هنخلص من موضوع المناقصة القديمة… محدش هيقدر يثبت إن إحنا اللي دفعنا للمهندس علشان يغيّر تقرير السلامة.
بدأ همس عالي ينتشر وسط القاعة.
لكن التسجيل كمل.
وصوت فؤاد بيه ظهر بوضوح:
— والمخزن اللي حصلت فيه ؟
رد آدم:
— اتقفل الملف بتاعه من زمان.
— والعامل اللي مات؟
سكت آدم لحظة في التسجيل…
وبعدين قال:
— أهله خدوا فلوس وسكتوا.
شهقة خرجت من واحدة قاعدة في آخر القاعة.
وأنا…
غمضت عيني للحظة.
لأن دي بالضبط كانت اللحظة اللي اكتشفت فيها إن الموضوع أكبر بكتير من جواز بالإكراه.
وأكبر من أسهم.
وأكبر حتى من شركتنا.
آدم جري ناحية اللابتوب وقفل الصوت بإيده.
لف ناحيتي ووشه كان أحمر من الغضب.
— إنتِ مجنونة؟!
قرب مني خطوة.
بابا وقف فورًا بيني وبينه.
— مكانك.
آدم بص لبابا باحتقار وقال:
— حضرتك فاهم بنتك عملت إيه؟ دي نشرت تسجيلات خاصة ومفبركة وبتتهم ناس محترمة!
قلت من ورا بابا:
— كويس إنك قلت “مفبركة”.
طلعت من شنطتي فلاشة صغيرة.
ورفعتها قدام الكل.
— لأن النسخ الأصلية مش هنا أصلًا.
اتجمد.
كملت:
— والنسخة الكاملة معاها تقرير فني بيثبت إن التسجيلات أصلية ومافيهاش قص ولا تعديل.
أمه صرخت:
— كدابة!
بصيتلها.
— حضرتك ممكن تقولي كده للنيابة.
القاعة اتقلبت.
ناس قامت.
ناس طلعت موبايلاتها.
وقرايب آدم بدأوا يتكلموا في نفس الوقت.
أما آدم…
فبصلي بطريقة عمري ما هنساها.
نظرة شخص اكتشف إن الفريسة اللي كان فاكرها محاصرة…
كانت هي اللي قافلة عليه الباب.
قرب مني وقال بصوت واطي:
— إنتِ مش فاهمة إنتِ بتلعبي مع مين.
همست:
— بالعكس.
أنا فهمت متأخر…
بس فهمت.
الحكاية بدأت قبل كتب الكتاب بشهرين.
لما آدم دخل حياتي أصلًا، ماكنش شخص غريب.
عيلتنا تعرف عيلته من سنين.
والدي، حسين المنشاوي، أسس شركة مقاولات صغيرة من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
شركة بدأت بمكتب صغير وموظفين اتنين…
وبعد سنين بقت واحدة من الشركات المعروفة في السوق.
وأنا كنت بنته الوحيدة.
بعد تخرجي، اشتغلت معاه.
ماكنتش مجرد “بنت صاحب الشركة” زي ما ناس كتير كانت بتحب تقول.
اتعلمت الشغل من تحت.
كنت بروح المواقع.
أراجع العقود.
أقعد مع المحاسبين.
وأرجع البيت هدومي كلها تراب.
وبعد وفاة أمي، بابا بدأ يعتمد عليا أكتر.
لحد ما نقل جزء كبير من أسهم الشركة باسمي.
وقتها…
ظهر آدم.
شاب ناجح.
عيلته معروفة.
لبق.
متدين في كلامه قدام الناس.
محترم مع بابا.
وكل مرة يدخل بيتنا كان يدخل من بابه.
لما طلب إيدي، بابا قاللي:
— القرار قرارك يا بنتي.
وأنا وافقت.
مش علشان فلوسه.
ولا اسمه.
لكن لأني صدقت الصورة اللي رسمها لنفسه.
وبعد الخطوبة بشهر…
بدأت أول علامة.
كنا قاعدين في كافيه عائلي بنتكلم عن تجهيزات الجواز.
فجأة سألني:
— بالمناسبة، أسهم الشركة كلها باسم والدك؟
قلت:
— لأ، جزء باسمي.
ابتسم.
— قد إيه؟
استغربت السؤال.
لكنه ضحك وقال:
— يا ستي فضول، هو إحنا مش هنبقى بيت واحد؟
عديتها.
وبعد أسبوع…
سألني إذا كنت فكرت أعمل له توكيل بعد الجواز.
قلتله:
— توكيل ليه؟
قال:
— علشان لو إنتِ مشغولة أقدر أخلص لك حاجات.
رفضت.
ومن يومها…
آدم اتغير.
مش قدام الناس.
معايا أنا.
بقى يضغط.
يسأل.
يتدخل.
لحد الليلة اللي رمى قدامي ملف وقال:
— شوفي ده.
فتحت الملف…
واتجمدت.
كان تقرير مالي فيه مخالفات منسوبة لشركة بابا.
مبالغ ضخمة.
عقود مشبوهة.
وأوراق لو خرجت للإعلام ممكن تدمر سمعة الشركة.
قلت:
— الكلام ده مش حقيقي.
رد ببرود:
— مش مهم حقيقي ولا لأ… المهم الناس هتصدقه ولا لأ.
رفعت عيني له.
وقتها لأول مرة…
شفت آدم الحقيقي.
قال:
— نتجوز في معادنا، وبعد الجواز تنقلي جزء من أسهمك لشركة جديدة هنأسسها سوا.
— ولو رفضت؟
ابتسم.
— التقرير يتسرب.
قلتله:
— إنت ؟
رد بمنتهى الهدوء:
— بسميه تفاهم بين زوجين.
رجعت البيت يومها وأنا .
كنت هقول لبابا.
لكن قبل ما أتكلم…
لقيته في المستشفى.
أزمة قلبية بسيطة بسبب ضغط الشغل.
وقفت جنبه وهو نايم…
ومقدرتش أقول.
خفت عليه.
وده كان أكبر خطأ عملته.
لأن آدم فهم إن سكوتي .
فزود الضغط.
رسائل.
مكالمات.
تهديدات.
وأنا كنت بعمل حاجة واحدة….
كل مكالمة.
كل رسالة.
كل مقابلة قدرت أوثقها.
لحد ما سمعت التسجيل اللي قلب كل حاجة.
المكالمة بينه وبين أبوه.
مناقصة.
رشوة.
تقرير سلامة متغير.
وحادث مات فيه عامل.
ساعتها بطلت أفكر كخطيبة .
وبدأت أفكر كشاهدة.
تواصلت مع محامي الشركة من غير ما آدم يعرف.
سمع التسجيلات.
وبصلي وقال:
— لو ده حقيقي، ماينفعش نستخدمه علشان .
قلت:
— وأنا مش عايزة أهددهم.
— أمال عايزة إيه؟
قلت:
— عايزة الحقيقة توصل للجهة المختصة.
سكت شوية.
وبعدين سأل:
— وكتب الكتاب؟
بصيتله.
— هيحصل في معاده.
اتصدم.
— إنتِ بتقولي إيه؟
قلت:
— أنا مش هتجوزه.
— أمال؟
— عايزاه يدخل القاعة وهو فاكر إنه كسب.
رجع صوت آدم قطع ذكرياتي.
— إنتِ هتندمي.
كنت لسه في القاعة.
ولسه الناس حوالينا.
قلت:
— ممكن.
وبعدين بصيت ناحية باب القاعة.
— بس مش النهارده.
في اللحظة دي…
دخل ثلاثة رجال بملابس رسمية، ومعاهم شخص أنا أعرفه كويس.
محامي الشركة.
الهمس اختفى.
آدم بص لأبوه.
وأبوه بص للباب.
واحد من الرجال تقدم وطلب من آدم وفؤاد بيه إنهم يفضلوا موجودين لحين استكمال الإجراءات القانونية المتعلقة ببلاغ تم تقديمه مدعومًا بمستندات وتسجيلات.
أمه صرخت:
— بلاغ إيه؟!
أما آدم…
فماكانش سامعها أصلًا.
كان بيبصلي أنا.
قال:
— إنتِ اللي بلغتي؟
قلت:
— من تلات أيام.
فتح بقه…
لكن ماطلعش صوت.
قلت:
— كنت فاكر إن كتب الكتاب هو اللحظة اللي هتملك فيها أسهمي.
قربت خطوة.
— لكنه كان آخر مكان هتدخل فيه وإنت فاكر إنك متحكم في كل حاجة.
ولأول مرة…
آدم ماعرفش يرد.
لكن المفاجأة الحقيقية…
ماجتش منه.
جت من بابا.
سمعته بينادي:
— استني يا بنتي.
لفيت.
كان واقف قدام الشاشة…
وفي إيده ورقة.
وشه شاحب.
قال:
— التسجيل اللي سمعناه… قال اسم المشروع؟
قلبي دق بسرعة.
— أيوه.
ذكرتهوله.
بابا مسك طرف الكرسي.
وقعد.
جريت عليه.
— بابا؟!
رفع عينه ليا…
وكان فيها حاجة عمري ما شفتها قبل كده.
خوف.
قال:
— المشروع ده…
وسكت.
— ماله؟
بص ناحية فؤاد بيه.
وبعدين قال الجملة اللي خلت حتى آدم نفسه يتفاجئ:
— أنا كنت شريك فيه.
اتجمدت.
— إيه؟
بابا كرر بصوت مكسور:
— من سبعتاشر سنة… أنا وفؤاد كنا شركاء في المشروع ده.
فؤاد بيه صرخ:
— اخرس يا حسين!
لكن بابا ما سكتش.
بصلي وقال:
— والعامل اللي مات…
بلع ريقه بصعوبة.
— كان أخو أمك.
حسيت الأرض بتتحرك تحتي.
— خالي؟!
هز راسه.
قلت وأنا مش قادرة أتنفس:
— إنت قلتلي خالي في شغل عادي.
بابا غمض عينه.
— كدبت عليكي.
القاعة كلها اختفت من حواليا.
آدم.
أهله.
الناس.
كتب الكتاب.
كل حاجة.
مافضلش قدامي غير أبويا.
والسر اللي عاش سبعتاشر سنة مخبيه عني.
قلت:
— ليه؟
نزلت دمعة من عينه.
وقال:
— لأن التقرير الأصلي اللي كان ممكن يدخل فؤاد …
سكت لحظة.
ثم همس:
— أنا اللي وافقت إنه يختفي.
شهقت.
وفي آخر القاعة…
ابتسم فؤاد بيه.
ابتسامة صغيرة مرعبة.
وقال:
— دلوقتي بقى نفتح الملفات القديمة كلها يا حسين.
بصيت لأبويا.
وبعدين لفؤاد.
ثم لآدم.
وفهمت أخيرًا…
إن آدم ما اختارنيش صدفة.
وإن موضوع الأسهم ماكانش السبب الوحيد للجواز.
كان فيه سر قديم بيربط العيلتين.
سر بدأ بموت خالي…
واتدفن سبعتاشر سنة.
وآدم كان عايز يتجوزني قبل ما أوصل له.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه…
إن أمي قبل وفاتها بسنين سابتلي صندوق أمانات باسمي.
صندوق عمري ما فتحته.
وفي نفس الليلة، بعد ما خرجت من القاعة…
وصلتني رسالة من البنك:
“بناءً على طلب سابق مسجل باسم السيدة الراحلة، أصبح من حقكم الآن استلام محتويات صندوق الأمانات.”
وتحت الرسالة كان فيه سطر واحد:
“المحتويات تشمل مستندات أصلية وتسجيلًا صوتيًا.”
وقفت أبص للموبايل.
ثم رفعت عيني لأبويا.
وقتها عرفت إن كتب الكتاب ماكانش نهاية الحكاية.
ده كان أول باب بس.
لأن أمي…
واضح إنها كانت عارفة كل حاجة.
والدليل الحقيقي…
كان مستنيني من سبعتاشر سنة.
يتبع…
خرجت من قاعة كتب الكتاب وأنا لسه لابسة الفستان الأبيض.
الفستان اللي المفروض أرجع بيه بيت جوزي…
رجعت بيه وأنا حاسة إن حياتي كلها اتكسرت واتركبت من جديد في أقل من ساعة.
بابا كان ماشي ورايا.
— ليلى… استني.
ماوقفتش.
— ليلى، اسمعيني بس.
لفيتله فجأة.
— أسمع إيه يا بابا؟
صوتي طلع أعلى مما كنت عايزة.
— أسمع إن خالي ما ماتش في عادي؟ ولا أسمع إنك كنت شريك في المشروع اللي فيه؟ ولا إنك ساعدت فؤاد يخفي التقرير؟
نزل عينه للأرض.
والسكوت بتاعه كان أسوأ من أي إجابة.
قلت:
— ماما كانت تعرف؟
رفع عينه بسرعة.
وده لوحده كان كفاية.
رجعت خطوة لورا.
— كانت تعرف.
— ليلى…
— كانت تعرف يا بابا؟!
قال بصوت مكسور:
— عرفت جزء من الحقيقة.
ضحكت بمرارة.
— واضح إنها عرفت أكتر منك… وإلا ماكنتش سابتلي صندوق أمانات.
وش بابا اتغير.
— صندوق إيه؟
المرة دي…
أنا اللي سكت.
بصيتله كويس.
لأول مرة في حياتي، ماعرفتش أثق فيه.
قلت:
— بكرة هعرف.
وركبت العربية.
ما نمتش طول الليل.
كل ما أغمض عيني أشوف آدم وهو واقف في القاعة.
أسمع التسجيل.
وأشوف وش بابا لما قال:
“أنا اللي وافقت إن التقرير يختفي.”
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعني…
أمي.
ليه سابتلي الصندوق؟
وليه ماقالتش عنه وهي عايشة؟
وليه البنك بعت الرسالة النهارده بالذات؟
الصبح بدري، اتصلت بالمحامي.
قلتله:
— محتاجة تيجي معايا البنك.
— حصل حاجة؟
— أمي سايبالي صندوق أمانات.
سكت لحظة.
— ووالدك يعرف؟
— لأ.
وبعدين صححت:
— أو على الأقل… بيقول إنه مايعرفش.
قال:
— ما تروحيش لوحدك.
بعد ساعتين…
كنت قاعدة في غرفة صغيرة داخل البنك.
الموظف حط قدامي أوراق الاستلام وقال:
— الصندوق مسجل باسم والدتك، لكن حضرتك المستفيدة الوحيدة بعد تحقق شرط محدد.
سألته:
— شرط إيه؟
راجع الملف.
— وصولك لسن التلاتين… أو زواجك، أيهما أقرب.
قلبي وقف لحظة.
كتب كتابي كان قبل عيد ميلادي التلاتين بأسبوعين.
يعني أمي كانت عارفة إن الصندوق هيتفتح بمجرد جوازي.
وقعت الأوراق.
وبعد دقائق…
اتحط قدامي صندوق معدني صغير.
إيدي اترعشت وأنا بفتحه.
جواه كان فيه ظرف بني كبير.
فلاشة قديمة.
مفتاح صغير.
وصورة.
مسكت الصورة الأول.
كانت أمي.
جنبها خالي محمود.
وبابا.
وفؤاد.
الأربعة واقفين قدام موقع بناء.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب بخط أمي:
“قبل الحادث بثلاثة أيام.”
فتحت الظرف.
أول ورقة كانت نسخة من تقرير هندسي.
قرأت أول سطرين…
وبصيت للمحامي.
— ده التقرير الأصلي؟
أخده مني.
بدأ يقلب الصفحات بسرعة.
وشه اتغير.
— لو ده أصلي فعلًا… فالتقرير اللي اتقدم بعد الحادث مختلف تمامًا.
— يعني؟
رفع عينه.
— يعني حد كان عارف إن المبنى غير آمن قبل … ومع ذلك سمح للعمال يكملوا.
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
— خالي بسببهم؟
قال بهدوء:
— المستندات بتشير لشيء من مجرد .
فتحت باقي الأوراق.
تحويلات مالية.
صور شيكات.
مراسلات.
وفي الآخر…
ورقة مكتوبة بخط إيد أمي.
بدأت أقرا.
“لبنتي ليلى…
لو وصلتي للورق ده، فمعناه إني ماقدرتش أحكيلك الحقيقة بنفسي.
سامحيني.
أنا ما سكتش علشان كنت ضعيفة.
أنا سكت علشان كنت خايفة عليكي.”
وقفت.
دموعي نزلت.
كملت.
“محمود أخويا اكتشف قبل الحادث إن فيه مواد بناء أقل من المواصفات، وإن تقرير السلامة اتغير مقابل فلوس.
واجه فؤاد.
وفي الليلة اللي بعدها، جه عندنا وقال إنه معاه دليل.
طلب من حسين يساعده.
حسين وعده.
لكن بعد …
كل شيء اتغير.”
إيدي بدأت ترتعش.
قلبت الورقة.
“جوزي قاللي إن محمود وإن فتح الموضوع مش هيرجعه.
قال إن فؤاد هدده.
وقال إن بنتنا ممكن تتأذى.
صدقته فترة.
لكن بعد سنوات، عرفت إن الحقيقة أسوأ.
حسين لم يكن مجرد خائف.
لقد وقّع.”
وقفت عن القراءة.
بصيت للمحامي.
— وقّع إيه؟
قلبنا الأوراق.
لحد ما لقينا مستند عليه توقيع بابا.
موافقة على تسوية مالية.
وفي المقابل…
تنازل عن الاعتراض على التقرير المعدل.
حطيت إيدي على بوقي.
بابا باع الحقيقة.
لكن كان لسه فيه التسجيل.
وصلنا الفلاشة باللابتوب.
ظهر ملف صوتي واحد.
وفي الأول…
سمعت صوت أمي.
ضعيف.
لكن واضح.
— لو التسجيل ده وصل لليلى، يبقى أنا غالبًا ماقدرتش أكمل.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— ليلى… أبوكي غلط.
بس أبوكي مش هو أخطر واحد في الحكاية.
أنا بصيت للمحامي.
التسجيل كمل.
— فؤاد ماكانش خايف من قضية الحادث بس. كان فيه حساب تاني… حساب اتحول منه مبلغ كبير قبل موت محمود بيومين.
سمعت صوت ورق بيتحرك.
— الحساب باسم شركة وهمية.
ثم قالت اسم الشركة.
المحامي فجأة قرب من الشاشة.
— استني.
— إيه؟
رجع التسجيل ثواني وسمع الاسم تاني.
وبعدين بصلي.
— الشركة دي ظهرت في الأوراق اللي قدمها آدم ضد شركة والدك.
اتجمدت.
— يعني إيه؟
— يعني التقرير اللي آدم كان بيبتزك بيه…
سكت.
— ممكن يكون مبني على معاملات مالية بدأت من سبعتاشر سنة.
لكن أمي قالت جملة أخيرة قلبت كل حاجة.
— والمفتاح الموجود في الصندوق مش للبنك.
بصيت للمفتاح الصغير.
— ده مفتاح خزانة محمود. مكانها مكتوب خلف آخر صورة في الظرف. لو الخزانة لسه موجودة… جواها الشيء اللي فؤاد قضى سنين بيدور عليه.
التسجيل وقف.
قلبت الصور بسرعة.
آخر صورة كانت لخالي لوحده.
على ضهرها عنوان قديم في وسط البلد.
بعد أقل من ساعة كنا هناك.
مبنى قديم تابع لشركة تخزين خاصة.
المكان كان شبه مهجور.
الموظف راجع الأوراق القديمة، وبص للمفتاح.
— الخزانة موجودة.
قلبي دق.
مشينا وراه في ممر طويل.
دخل المفتاح.
لف.
الباب اتفتح.
جواها كان فيه شنطة جلد سودا.
فتحتها.
ملفات.
دفتر صغير.
وكارت ذاكرة.
لكن قبل ما ألمسهم…
سمعنا صوت ورا ضهرنا.
— كنت عارف إن خالتك هتوصلك للمكان في الآخر.
اتجمدت.
لفيت.
كان آدم.
واقف عند أول الممر.
لوحده.
بصيتله .
— إنت المفروض…
— المفروض أكون في النيابة؟
ابتسم.
— اتحقق معايا واتساب سبيلي مؤقتًا. التسجيل لوحده مش حكم.
قرب خطوة.
المحامي وقف قدامي.
— ما تقربش.
آدم ما اهتمش.
كان عينه على الشنطة.
قال:
— اديهالي يا ليلى.
— دي تخص خالي.
— لأ.
ابتسامته .
— دي تخص أبويا.
مسكت الشنطة.
— يبقى خلاص… هتوصل للجهة المختصة.
قال بسرعة:
— قبل ما تعملي كده، اسألي أبوكي مين اللي كان موجود في الموقع ليلة خالك.
سكت.
— قصدك إيه؟
ضحك.
— لسه فاكرة إن محمود وقت انهيار جزء من المبنى؟
حسيت اتجمد في عروقي.
— هو ده اللي حصل.
هز راسه.
— دي الرواية اللي اتكتبت.
قرب أكتر.
— لكن خالك قبل الانهيار.
المحامي قال:
— آدم، أي كلام بتقوله دلوقتي ممكن يُستخدم ضدك.
آدم رد من غير ما يبصله:
— وأنا مش بعترف بحاجة.
وبعدين بصلي.
— أنا بقولها تسأل أبوها.
مسكت الشنطة أقوى.
— أسأله إيه؟
رد:
— اسأليه ليه تقرير الطب الشرعي الأصلي اختفى.
— وإنت عرفت منين؟
لأول مرة…
ملامحه اتغيرت.
قال:
— لأن التقرير كان عند أمي.
سكت الممر كله.
— أمك؟
— أيوه.
وبعدين قال:
— وأمي كانت موجودة ليلة خالك.
رجعت البيت قبل المغرب.
دخلت الصالة.
بابا كان قاعد مستنيني.
أول ما شاف الشنطة في إيدي…
وقف.
ولما شاف المفتاح…
وشه ابيض.
قال:
— رحتي الخزانة؟
ما رديتش.
حطيت الشنطة على الترابيزة.
قلت:
— آدم قال إن خالي قبل المبنى.
بابا سكت.
— كداب… صح؟
ما ردش.
صرخت:
— رد عليا!
غمض عينه.
وقال:
— محمود ما تحت الأنقاض.
حسيت رجلي مش شايلاني.
— أمال إزاي؟
بابا قعد.
حط إيده على وشه.
— لما وصلت الموقع… كان لسه عايش.
— وصلت إمتى؟
— قبل الانهيار بحوالي عشرين دقيقة.
— وكان فيه مين؟
قال:
— أنا… وفؤاد.
قلبي خبط بعنف.
— وبعدين؟
بابا رفع عينه.
— محمود كان مصاب.
— مين عمل فيه كده؟
سكت.
قربت منه.
— بابا… مين؟
قال بصوت :
— ما شوفتش بداية .
— بس شفت نهايتها؟
هز راسه.
— لما وصلت، فؤاد كان واقف فوقه.
الدم اختفى من وشي.
— يعني فؤاد ؟
بابا قال بسرعة:
— معرفش! محمود كان بيتنفس. حاولت أطلب الإسعاف، لكن فؤاد منعني.
— وإنت سكت؟!
— هددني بيكي وبأمك!
صرخت:
— وسيبته ؟!
بابا خبط بإيده على صدره.
— أنا جبان! أيوه! كنت جبان!
دموعه نزلت.
— لكن أقسم بالله ما قتلته.
رجعت خطوة.
قلت:
— ؟
هنا…
بابا سكت.
وكان سكوت مختلف.
قلت:
— إيه علاقة الانهيار بموته؟
بصلي.
— فؤاد قال إن لو الانهيار حصل… كل حاجة هتتبان حادثة.
شهقت.
— يعني الانهيار ماكانش صدفة؟
بابا انهار في العياط.
— كان مفروض جزء صغير بس يقع بعد إخلاء المكان… لكن الحسابات كانت غلط.
حطيت إيدي على بوقي.
لأن الحادث اللي طول عمري فاكرة إنه قتل خالي…
كان في الحقيقة محاولة لإخفاء جريمة.
فتحت الشنطة بسرعة.
طلعت الدفتر.
كان دفتر خالي.
آخر صفحات فيه أسماء.
تواريخ.
مبالغ.
وفي الصفحة الأخيرة…
جملة مكتوبة بسرعة:
“لو جرالي حاجة، فؤاد مش لوحده.”
وتحتها ثلاثة أحرف.
ح. م. ش
بصيت لبابا.
اسمه بالكامل:
حسين محمد الشناوي.
رفعت الدفتر قدامه.
— دي حروف اسمك.
بابا بص للصفحة…
وفجأة ملامحه اتغيرت.
قال:
— لأ.
— لأ إيه؟
— دي مش حروف اسمي.
— أمال اسم مين؟
رفع عينه.
وقال:
— حامد مختار شرف.
سكت.
الاسم ماكانش غريب.
كنت سمعته قبل كده.
لكن مش فاكرة فين.
بابا كمل:
— كان محاسب فؤاد الخاص.
قلت:
— وفين حامد ده دلوقتي؟
بابا بصلي نظرة خلت قلبي ينقبض.
— مات.
— إمتى؟
— بعد محمود بست شهور.
— إزاي؟
قال:
— عربية.
ضحكت .
— طبعًا.
لكن بابا قال:
— فيه حاجة إنتِ مش عارفاها.
— إيه؟
— حامد كان عنده ابن.
— وبعدين؟
— اختفى مع أمه بعد موته.
— وده يهمنا في إيه؟
بابا سكت ثواني.
ثم قال:
— لأن اسم ابنه…
قبل ما يكمل…
جرس الباب رن.
المحامي فتح.
ودخل واحد من رجال التحقيق.
كان في إيده ملف.
قال:
— محتاجين الآنسة ليلى تيجي معانا.
قلبي وقع.
— ليه؟
بص لبابا الأول.
ثم ليا.
— لأن ظهرت أدلة جديدة في قضية وفاة محمود.
قلت:
— إيه الأدلة؟
فتح الملف.
وطلع صورة قديمة لطفل واقف جنب رجل.
حطها قدامي.
الرجل كان حامد.
أما الطفل…
فأنا عرفته فورًا.
نفس العينين.
نفس ملامح الوجه.
حتى الابتسامة.
بصيت للصورة…
وبعدين رفعت عيني للمحقق.
قلت بصوت شبه مختفي:
— مستحيل.
قال:
— الطفل اللي في الصورة هو ابن حامد مختار شرف.
وأشار للصورة.
— واسمه وقتها كان ياسين حامد مختار.
قلت:
— بس ده…
هز راسه.
— أيوه.
ده آدم.
مسكت طرف الترابيزة.
كل حاجة بدأت تركب في دماغي بطريقة أبشع مما توقعت.
آدم…
مش ابن فؤاد الحقيقي.
آدم هو ابن المحاسب اللي بعد خالي بست شهور.
والراجل اللي رباه طول السنين دي…
هو نفسه بإخفاء حقيقة أبوه.
لكن السؤال الأخطر ماكانش ليه آدم غير اسمه.
ولا ليه فؤاد رباه.
السؤال كان:
هل آدم كان بيتجوزني علشان ياخد أسهمي فعلًا؟
ولا كان داخل عيلتنا من البداية…
علشان أبوه؟
وقبل ما أخرج من البيت، موبايل آدم اللي كان اتحفظ ضمن التحقيقات كشف رسالة مجدولة اتبعتت تلقائيًا لبريدي.
فتحتها.
كان فيها سطر واحد:
“لو عرفتي أنا ابن مين… ما تصدقيش فؤاد، وما تصدقيش أبوكي، والأهم… ما تصدقيش إن أنا كنت عايز أتجوزك علشان الأسهم.”
وتحتها ملف فيديو.
سبع دقائق وأربع عشرة ثانية.
ضغطت تشغيل.
وظهر آدم قدام الكاميرا.
لكن أول جملة قالها…
خلتني أقفل الباب ورايا وأرجع أقعد.
قال:
— ليلى… لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى خطتي فشلت، وإنتِ عرفتي الحقيقة.
سكت لحظة.
ثم قال:
— أنا عمري ما كنت ابن فؤاد.
وعينه لمعت.
— أنا دخلت بيته وأنا عندي سبع سنين…
علشان أكتشف مين أبويا.
يتبع…



