عام

طليقة اخي بقلم الكاتبه اسما السيد 1

وقفت مكاني عند باب الشة، وعيني نزلت على إيد أخويا.

كان ماسك ملف بني قديم، متني من الأطراف، وطالع منه طرف ورقة عليها ختم واضح.

سامية أول ما شافت الملف، وشها اتسحب منه الدم.

ومحمود؟

لأول مرة من ساعة ما دخل البيت وقاللي بمنتهى البرود إنه اتجوز عليها، شفت الخوف في عينيه.

أخويا رفع الملف قدامه وقال:

— قبل ما تدخل الست دي بيت أختي… وريني هتدخلها بصفتها إيه؟

محمود اتنفض وقال:

— بصفتها مراتي… وإنت مالك؟

أخويا ضحك ضحكة قصيرة، بس مفيهاش ذرة فرحة.

— مراتك؟

وبعدين فتح الملف وطلع ورقة.

— طب تحب أقول لسارة إنت اتجوزت سامية ليه؟ ولا تقولها إنت؟

بصيت لأخويا وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.

— يا خالد… إيه الورق اللي في إيدك؟

سامية دخلت بسرعة وقالت:

— سارة، متسمعيش كلامه، أخوكي عايز يخرب حياتنا زي ما خرب حياتي قبل كده.

لفيت لها.

كان نفسي أصرخ فيها.

أشدها من إيدها وأطلعها بره البيت.

لكن الغريب إني ما عملتش حاجة.

فضلت واقفة أبصلها.

الست دي كانت في يوم من الأيام مرات أخويا.

دخلت بيت أهلي، أكلت معانا، ضحكت معانا، أمي كانت بتعاملها زي بنتها.

وبعد طلاقها من خالد، اختفت تقريبًا من حياتنا.

ودلوقتي راجعة…

مش بس راجعة.

راجعة على إنها ضرتي!

قلت بصوت مخنوق:

— إنتِ فعلًا اتجوزتي جوزي يا سامية؟

رفعت راسها وبصتلي بمنتهى التحدي.

— أيوه.

— وإنتِ عارفة إنه متجوزني؟

— عارفة.

— وعارفة إن بيني وبينه 12 سنة؟

سكتت ثانية، وبعدها قالت:

— الجواز نصيب يا سارة.

ضحكت.

والله ضحكت رغم إن قلبي كان بيتقطع.

— نصيب؟! إنتِ بتسمي اللي عملتوه ده نصيب؟

محمود خبط بإيده على الباب وقال:

— كفاية بقى! أنا مش عامل محكمة هنا. سارة تلم حاجتها وتروح بيت أهلها، وسامية تدخل بيتها.

أخويا بصله وقال:

— جرّب تطردها.

محمود قرب منه:

— وإنت هتعمل إيه؟

— هعمل اللي كان لازم أعمله من سنين.

وبعدين خالد مد الورقة ناحيتي.

— اقري يا سارة.

مديت إيدي، لكن محمود اتحرك بسرعة علشان ياخدها.

خالد رجع خطوة وقال:

— خايف من إيه؟

— أنا مش خايف من حاجة.

— أمال بتمنعها تقرا ليه؟

سامية صرخت:

— عشان الورقة دي ملهاش لازمة!

ساعتها بصيت لها.

هي اللي فضحت نفسها.

لأن لو الورقة فعلًا ملهاش لازمة…

كانت خايفة منها ليه؟

خدت الورقة من إيد أخويا.

قريتها مرة.

وبعدين مرة تانية.

وفي المرة التالتة، رفعت عيني لمحمود وأنا مش قادرة أفهم.

— إيه ده؟

ما ردش.

قلت بصوت أعلى:

— بسألك إيه ده يا محمود؟!

الورقة كانت صورة من عقد بيع قديم.

عقد يخص قطعة أرض كبيرة كانت ملك أبويا قبل وفاته.

لكن الصدمة ما كانتش في الأرض.

الصدمة كانت في اسم المشتري.

محمود عبدالجواد.

جوزي.

والتاريخ؟

من سبع سنين.

يعني وأنا متجوزاه.

بصيت لأخويا:

— أرض بابا إيه علاقتها بمحمود؟

خالد شد نفس طويل وقال:

— الأرض دي أبوكي ما باعهاش لمحمود يا سارة.

— يعني إيه؟

— يعني التوقيع اللي على العقد… مزور.

حسيت الدنيا بتلف بيا.

مسكت طرف الباب.

محمود قال بسرعة:

— كداب! أخوكي بيحاول يوقع بينا من زمان.

لكن خالد فتح الملف وطلع ورقة تانية.

— ودي نتيجة فحص التوقيع اللي اتعمل وقت القضية القديمة.

محمود اتغير وشه.

قلت:

— قضية إيه؟

خالد سكت.

بصيتله بصدمة.

— إنت مخبي عني إيه؟

نزل عينه للأرض وقال:

— كتير.

— من إمتى؟

— من سبع سنين.

رجعت أبص لمحمود.

سبع سنين.

نفس السنة اللي حصل فيها طلاق خالد وسامية.

وفجأة…

كل حاجة بدأت تركب فوق بعضها.

قلت وأنا ببص لسامية:

— طلاقك من أخويا كان له علاقة بالأرض؟

سامية ردت بسرعة:

— لأ.

لكن خالد قال في نفس اللحظة:

— أيوه.

لفتله بعصبية:

— اخرس يا خالد!

ابتسم أخويا بمرارة.

— ليه؟ مش إنتِ جاية النهارده تعيشي في بيت أختي؟ يبقى خلاص… كل واحد يعرف الحقيقة.

سامية قربت منه:

— إوعى.

قال:

— متأخر.

وبعدين بصلي.

— من سبع سنين، اكتشفت إن سامية كانت بتصور أوراق من مكتب أبوكي قبل ما يموت.

اتجمدت.

— بتصور أوراق ليه؟

— وقتها قالتلي إنها بتساعده يرتب ملفاته.

بص لسامية.

— وأنا صدقتها.

سكت لحظة وكمل:

— بعد وفاة بابا بشهور، اكتشفنا إن الأرض اتنقلت باسم محمود.

قلت:

— بس محمود وقتها قالي إن بابا كان مديونله!

خالد هز راسه.

— مكنش م بجنيه.

لفيت لمحمود.

— إنت قلتلي إن أبويا باعلك الأرض علشان يسدد دين!

محمود زعق:

— وأنا عندي إثبات!

خالد قال:

— عندك ورق مزور.

وفجأة سامية قالت:

— كفاية!

كلنا بصينا لها.

كانت بتتنفس بسرعة.

— كفاية نبش في الماضي. الأرض راحت وانتهت، وأبوكم مات، وكل واحد عاش حياته.

قربت منها خطوة.

— أبويا ات… فحقه  معاه؟

سكتت.

قلت:

— جاوبيني على سؤال واحد بس.

— إيه؟

— إنتِ ساعدتي محمود ياخد الأرض؟

عينيها راحت ناحية محمود.

لحظة واحدة.

لكنها كانت كفاية.

خالد قال:

— شوفتِ؟

محمود صرخ:

— اخرس!

لكن أخويا ما سكتش.

— هي اللي جابتله صور الأوراق والتوقيعات.

حطيت إيدي على بوقي.

— يا نهار أبيض…

خالد كمل:

— ولما اكتشفت اللي عملته، طلقتها.

بصيتله:

— طب ليه ما قلتلناش؟

ملامحه اتكسرت.

— عشان أمي.

— أمي مالها؟

— كانت خارجة من وفاة بابا، وكانت تعبانة ومش مستحملة فضيحة وقضايا ومحاكم. وأنا بغبائي افتكرت إن لو طلقتها وأبعدتها، الموضوع هينتهي.

قلت:

— ومحمود؟

خالد بصله.

— محمود عرف إني اكتشفت كل حاجة.

محمود ضحك بسخرية:

— وما قدرتش تعمل حاجة.

أخويا رد:

— وقتها.

الكلمة دي خلت محمود يسكت.

خالد رفع الملف.

— لكن دلوقتي قدرت.

قلت:

— عملت إيه؟

رد بهدوء:

— فتحت الموضوع من جديد.

سامية شهقت:

— إنت مجنون!

— لأ… أنا فوقت.

محمود قرب منه:

— إنت فاكر ورقتين هيخوفوني؟

خالد ابتسم.

— مش الورقتين اللي هيخوفوك.

وبعدين طلع موبايله.

فتح تسجيل صوتي.

وفجأة…

سمعت صوت محمود.

واضح جدًا.

— أول ما الأرض تبقى باسمي، محدش هيقدر يرجعها… أهم حاجة النسخة اللي عليها توقيع أبوها تكون معاكي.

وبعده صوت سامية:

— وأنا هاخد إيه؟

وصوت محمود رد:

— حقك محفوظ.

وقعت على الكرسي.

محمود مد إيده ناحية الموبايل، لكن خالد بعده.

قلت وأنا ببص لجوزي:

— الصوت ده… صوتك؟

ما ردش.

— رد عليا!

صرخ:

— أيوه صوتي! وبعدين؟!

الحقيقة خرجت منه بمنتهى السهولة.

يمكن لأنه كان متأكد إني ضعيفة.

متأكد إن سارة اللي استحملت 12 سنة هتستحمل السنة الـ13.

قمت ببطء.

مسحت دموعي.

وبصيت للشنطة اللي كان حاطط فيها هدومي.

قربت منها.

قفلتها.

محمود ابتسم باستخفاف:

— أيوه… خدي حاجتك وامشي.

رفعت الشنطة.

وبعدين بدل ما أمشي ناحية الباب…

رميتها قدام رجليه.

قلت:

— دي مش شنطتي.

قطب حواجبه.

— نعم؟

بصيتله لأول مرة من غير خوف.

— اللي هيلم حاجته النهارده… مش أنا.

سامية ضحكت:

— سارة، واضح إن الصة أثرت عليكي. البيت بيت محمود.

بصيت لها.

— متأكدة؟

سكتت.

ابتسم أخويا.

وهنا حسيت إن لسه فيه حاجة أنا معرفهاش.

قلت لخالد:

— إنت مبتسم ليه؟

قرب مني وطلع آخر ورقة من الملف.

وقال:

— عشان البيت ده تحديدًا… محمود نسي يقولك حاجة مهمة.

خدت الورقة.

وأول ما قريت أول سطر…

إيدي بدأت ترتعش.

رفعت عيني لمحمود.

كان وشه شاحب.

قلت:

— إنت كنت عارف؟

ما ردش.

صرخت:

— كنت عارف إن البيت ده مش ملكك؟!

سامية بصتله بصة:

— محمود… هي بتقول إيه؟

خالد قفل الملف وقال:

— أهو ده بقى الجزء اللي عريسك الجديد نسي يحكيهولك يا سامية.

وبصلي.

— البيت اللي محمود طدك منه من دقايق وقال إن سامية جاية تعيش فيه…

سكت لحظة.

ثم قال:

— أبوكي سجله باسمك إنتِ قبل وفاته بست شهور.

بصيت للورقة.

اسمي كان مكتوب قدامي.

سارة عبدالرحمن.

أنا المالكة.

أنا اللي قضيت 12 سنة فاكرة إني عايشة في بيت جوزي.

بينما هو طول السنين دي كان عايش في بيتي أنا.

سامية لفت لمحمود وصرخت:

— إنت قلتلي إن الفيلا بتاعتك!

محمود قال بعصبية:

— اخرسي!

لكنها مسكت دراعه:

— إنت جايبني أعيش في بيت مراتك؟!

ساعتها، وسط وجعي كله…

ضحكت.

بصيت لمحمود وقلت:

— من عشر دقايق كنت بتقولي: يالا يا بت على بيت أهلك… سامية جاية تعيش في بيتها.

قربت منه خطوة.

— دلوقتي أنا اللي هقولها لك.

وأشرت ناحية الباب.

— يالا يا محمود… خد مراتك الجديدة، واتفضلوا من بيتي.

لكن محمود ما اتحركش.

بالعكس…

بص لخالد وقال جملة خلت الابتسامة تختفي من وش أخويا:

— قولها الحقيقة كلها يا خالد.

خالد سكت.

محمود ضحك.

— إيه؟ مش قادر؟

بصيت لأخويا.

— حقيقة إيه؟

محمود قال:

— اسأليه التسجيل وصل له إزاي بعد سبع سنين.

خالد قبض إيده.

محمود كمل:

— واسأليه مين اللي اداهوله.

بصيت بين الاتنين.

— مين؟

وهنا سامية رجعت خطوتين لورا.

كأنها عارفة الإجابة.

خالد قال:

— سارة…

— مين يا خالد؟!

سكت لحظة.

ثم قال:

— أمك.

حسيت إن الصوت اختفى من الدنيا.

— أمي؟!

هز راسه.

— أمي كانت عارفة؟

— من فترة.

— وساكتة؟!

— كانت مستنية الوقت المناسب.

ضحكت بانهيار.

— الوقت المناسب؟ جوزي يتجوز  ابني… أقصد طليقة أخويا ويطرني من بيتي؟ ده الوقت المناسب؟!

لكن خالد قرب مني وقال:

— لأ يا سارة… إنتِ لسه مش فاهمة.

— أفهم إيه تاني؟

قال الجملة اللي خلتني أنسى حتى موضوع الجواز:

— ماما ما كانتش ساكتة خوفًا من محمود… ماما كانت بتجمع عليه حاجة أكبر من الأرض بكتير.

وفي اللحظة دي…

موبايل خالد رن.

بص للشاشة.

ملامحه اتغيرت.

رد:

— أيوه يا أمي؟

سكت ثواني.

ثم بص لمحمود.

وبعدها بصلي.

وقال:

— إحنا جايين حالًا.

قفل.

سألته:

— حصل إيه؟

رد بصوت واطي:

— ماما لقت الصندوق.

— صندوق إيه؟

خالد مسك الملف بقوة وقال:

— الصندوق اللي أبوكي خباه قبل ما

محمود اندفع ناحية الباب.

خالد وقف قدامه.

— على فين؟

محمود زقه:

— ابعد من وشي!

سامية بدأت تعيط:

— محمود… إيه اللي في الصندوق؟

لكنه ما ردش.

وساعتها فهمت حاجة واحدة.

محمود ما كانش  من الأرض.

ولا من التسجيل.

ولا حتى من إن جوازه بسامية اتكشف.

محمود كان مرعوب من الصندوق.

ولما بصيت في عينيه، عرفت إن الـ12 سنة اللي عشتهم معاه يمكن يكونوا مبنيين على كذبة أكبر بكتير مما تخيلت.

وإن اللي بدأ بجملة:

“يا سارة… أنا اتجوزت طقة أخوكي.”

كان لسه أول باب في حكاية محدش فينا كان مستعد يعرف نهايتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى