العمر حكايات اسما السيد 3

مسكت الصورة وإيدي بتترعش.
كانت طليقتي واقفة قدام فندق كبير جنب راجل في أواخر الستينات، لابس بدلة غالية، ونازل من عربية فخمة.
نفس الصورة.
نفس الصورة اللي أختي حطتها قدامي من تلات سنين وقالتلي:
— مراتك بتقابله من وراك.
وقتها ما سألتش.
ما دورتش.
ما حاولتش حتى أعرف مين الراجل.
كنت شايف إيده على كتفها، وده كان كفاية بالنسبالي علشان أحكم عليها.
رفعت عيني لطليقتي وقلت:
— مين ده؟
قبل ما ترد، أختي قالت بسخرية:
— غريبة… بعد تلات سنين افتكرت تسأل؟
صرخت فيها:
— أنا بسألها هي!
طليقتي فضلت ساكتة.
قلت:
— مين الراجل ده؟
ردت أخيرًا:
— كان صاحب والدتك.
اتجمدت.
— أمي؟
— أيوه.
ضحكت بعصبية.
— أمي ماتت قبل جوازنا بسنين، إنتِ بتقولي إيه؟
قالت:
— كان شريكها في مشروع قديم قبل ما تتجوز أبوك.
بصيت لأبويا اللي ماكانش معانا، وافتكرت صور أمي القديمة.
عمري ما سمعتها بتتكلم عن شغل أو مشاريع كبيرة.
طليقتي كملت:
— قبل وفاتها بسنين، والدتك كان ليها حق في أرض دخلت بعد كده ضمن مشروع تجاري ضخم. الراجل ده قضى سنين بيدور على ورثتها علشان يسلمهم حقهم.
قلت:
— وإنتِ دخلتي في الموضوع ليه؟
قالت:
— لأنه وصل لي عن طريق الشركة.
— ليكي إنتِ؟
— وقتها كنت أنا اللي بتابع جزء من المراسلات القانونية، ولما شاف اسم العيلة سألني إذا كنت قريبة منكم.
بدأت أفهم.
لكنها كملت:
— لما عرفت إن الموضوع متعلق بميراث والدتك، ماحبيتش أقولك قبل ما أتأكد. كنت عايزة أعملهالك مفاجأة.
غمضت عيني.
مفاجأة.
اللقاءات السرية اللي اتهمتها بسببها بالخيانة…
كانت بتحاول فيها ترجعلي حق أمي.
سألت:
— طب ليه كنتوا بتتقابلوا في الفندق؟
ردت:
— مكتبه المؤقت كان في الفندق وقت وجوده في البلد، وكل مقابلاتنا كانت بحضور محاميه.
أختي قاطعتها:
— حلو جدًا. كملي بقى وقوليله قيمة الحق ده كانت كام.
طليقتي سكتت.
بصيت لها.
— كام؟
قالت:
— وقتها… كان نصيب والدتك يساوي حوالي 18 مليون جنيه.
رجعت خطوة لورا.
18 مليون؟
فجأة حاجات كتير بدأت تركب فوق بعضها.
أختي عرفت.
مدير الحسابات عرف.
وبعدها بأيام ظهرت قصة سرقة الاتنين مليون.
وبعدها أنا طلقتها.
قلت:
— هما كانوا عارفين؟
طليقتي بصت لأختي.
— هي عرفت بالصدفة.
أختي صفقت بإيديها ببطء.
— ممتاز. طالما هنحكي، نحكي كله.
قربت منها.
— إنتِ عملتي كل ده علشان الميراث؟
ضحكت.
— فاكر نفسك محور الكون للدرجة دي؟
— جاوبي!
فجأة اختفت الضحكة من وشها.
— آه، عرفت بالميراث. وعرفت إن أبويا كان ناوي يقسم كل حاجة بينا بالنص رغم إنك واخد الشركة، والبيت الكبير، وكل اهتمامه.
بصيتلها .
قالت:
— طول عمره شايفك إنت الابن اللي هيشيل اسمه. وأنا؟ البنت اللي لما تحتاج حاجة يقولها: “كلمي أخوكي.”
قلت:
— فسرقتيني؟
صرخت:
— أنا أخدت حقي!
قلت:
— حقك؟! تلفقي السرقة لمراتي وتدمر حياتها ده حقك؟!
وشها اتغير.
ولأول مرة شفت الكراهية اللي كانت مخبياها سنين.
— مراتك كانت المشكلة.
طليقتي قالت:
— لأ. أنا كنت الشخص اللي اكتشف إنك بتسرقي.
سكت الجميع.
بصيت لطليقتي.
— إنتِ كنتِ عارفة قبل الطلاق؟
هزت راسها.
— بدأت أشك.
— وما قولتيليش؟
ضحكت بوجع.
— حاولت.
وبعدين بصتلي نظرة عمري ما هنساها.
— ليلة ما طردتني من البيت، كنت داخلة عليك ومعايا أول كشف حساب يثبت إن فيه تحويلات مش بتوقيعي.
افتكرت الليلة.
افتكرت إنها كانت ماسكة ملف.
وأنا خطفته منها ورميته على الأرض من غير ما أفتحه.
كنت بصرخ:
“مش عايز أشوف وشك تاني.”
حطيت إيدي على وشي.
كل مرة كانت الحقيقة تقرب مني…
أنا اللي كنت بقفل الباب في وشها.
قلت:
— وموضوع الخيانة؟
ردت:
— ماكانش فيه خيانة.
بصيت لأختي.
— إنتِ اللي بعتيلي الصور؟
قالت:
— الصور حقيقية.
طليقتي ردت:
— بس القصة اللي حكيتيها عليها كانت كدب.
مدير الحسابات اللي كان واقف جنب أختي من ساعة ما دخلوا قال:
— كفاية كلام.
أختي بصتله.
— سيبني.
قال بعصبية:
— إحنا جايين ناخد الفلاشة ونمشي.
بصيتله.
— تعالى خدها.
اتحرك ناحيتي.
لكن أختي مسكت دراعه.
— استنى.
بصلها باستغراب.
وفجأة قالت:
— خلاص.
— خلاص إيه؟
— انتهت.
بصتلي وقالت:
— عايز الحقيقة؟ خدها كلها.
مدير الحسابات صرخ:
— إنتِ اتجننتي؟!
قالت:
— أنا تعبت.
وبدأت تبكي.
— تلات سنين وأنا عايشة خايفة أبويا يتكلم، أو هي ترجع، أو ورقة تظهر.
أشارت لطليقتي.
— في الأول الموضوع كان مجرد فلوس.
قلت:
— “مجرد” فلوس؟
— كنت مديونة. دخلت مشروع وخسرت. وهو…
وأشارت لمدير الحسابات.
— قاللي إنه يقدر يسحب مبلغ من الشركة ويرجعه قبل ما حد يلاحظ.
بصيتله.
قالت:
— بس العملية كبرت. ولما مراتك بدأت تراجع الحسابات، عرفنا إنها هتكشفنا.
طليقتي قالت:
— فزوّرتوا توقيعي.
أختي هزت راسها وهي بتعيط.
— وبعتنا الصور لأخويا.
قلت:
— وأبويا؟
هنا سكتت.
قربت منها.
— أبويا حصل له إيه؟
قالت:
— لما اكتشف الحقيقة، واجهني.
— وبعدها جاله جلطة.
— أنا ما لمستوش!
صرخت:
— لكنك سبتيه واقع على الأرض!
قالت وهي منهارة:
— خفت!
— سبع دقايق؟!
— كنت مش عارفة أعمل إيه!
— كنتي عارفة كويس! كنتي بتفكري إزاي تخبي الورق!
سكتت.
وده كان أسوأ اعتراف.
مدير الحسابات اتحرك فجأة ناحية اللاب توب.
مد إيده للفلاشة.
لكن طليقتي كانت أسرع.
شالتها.
قال:
— هاتيها.
— لأ.
قرب منها بعنف.
وقبل ما يوصل لها، وقفت بينهما.
قلت:
— خطوة واحدة كمان وأنا هطلب الشرطة.
ضحك.
قلت:
— معاك حق.
ابتسم.
فكملت:
— بس يمكن التسجيل اللي حصل من ساعة ما دخلتوا البيت يثبت حاجات أكتر.
وشه اتجمد.
أختي بصتلي.
— تسجيل إيه؟
طلعت موبايلي من جيبي.
كنت مشغل التسجيل من لحظة ما سمعت صوت عربيتهم قدام البيت.
كل كلمة قالتها أختي…
كانت محفوظة.
اعترافها بالتحويلات.
التزوير.
الصور.
وإنهم حاولوا يخفوا الورق.
مدير الحسابات اندفع ناحيتي.
لكن صوت صفارات عربية بره البيت خلّاه يقف.
أختي بصت من الشباك.
عربيتين شرطة وقفوا قدام الباب.
بصتلي بصدمة.
— إنت بلغت؟
قلت:
— قبل ما نيجي هنا.
دخل رجال الشرطة.
بدأ الكلام والأسئلة.
وأنا واقف كأني بتفرج على عيلتي وهي قدامي.
لكن قبل ما ياخدوا أختي، وقفت قدامي.
كانت عينيها حمرا.
قالت:
— إنت فاكر إنك كده عرفت كل حاجة؟
ما رديتش.
قربت وقالت:
— اسألها هي خسرت إيه ليلة ما طردتها.
بصيت لطليقتي.
وشها بقى أبيض.
قلت:
— تقصدي إيه؟
أختي ابتسمت وسط دموعها.
— هي ما قالتلكش؟
صرخت:
— قالتلي إيه؟!
طليقتي قالت:
— خلاص.
لكن أختي كملت:
— الليلة اللي رميتها فيها بره البيت تحت المطر…
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— مراتك ماكانتش خارجة لوحدها من بيتك.
بصيت لطليقتي.
كانت بتعيط في صمت.
قلت:
— أنا مش فاهم.
أختي ردت:
— كانت حامل.
الدنيا سكتت.
كل الأصوات اختفت.
بصيت لطليقتي وأنا حاسس إني مش قادر آخد نفسي.
همست:
— حامل؟
نزلت عينيها للأرض.
قلت:
— كنتِ حامل مني؟
دموعها نزلت.
وهزت راسها.
قربت منها وأنا مرعوب من السؤال اللي جاي.
— والطفل فين؟
رفعت عينيها ليا.
لكنها ما ردتش.
قلت بصوت أعلى:
— ابني فين؟
هنا في العياط.
وقالت جملة واحدة…
جملة خلت كل اللي اكتشفته عن السرقة والخيانة والميراث يختفي من دماغي في لحظة.
— ابنك عاش أقل من يوم.
اتجمدت مكاني.
وهي كملت بصوت مكسور:
— وإنت ما كنتش حتى تعرف إنه جه الدنيا.
يتبع…




