روايات وقصص

العمر حكايات اسما السيد 4

ماعرفتش أتكلم.

فضلت واقف قدامها، والجملة بتتكرر جوا دماغي:

— ابنك عاش أقل من يوم.

حسيت إن البيت كله اختفى من حواليّ.

أختي.

الشرطة.

مدير الحسابات.

الفلوس.

الشركة.

كل حاجة بقت بعيدة.

مافضلش غير سؤال واحد.

قلت بصوت بالكاد طلع:

— كان ولد؟

مسحت دموعها وقالت:

— أيوه.

بلعت ريقي.

— سميتيه؟

سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

— يوسف.

الاسم دخل قلبي كأنه سكينة.

— ليه ما قولتيليش إنك حامل؟

بصتلي بصدمة ممزوجة بوجع قديم.

— أقولك إمتى؟

قربت خطوة.

— الليلة اللي طردتني فيها؟

سكت.

قالت:

— ولا وأنا واقفة تحت المطر وإنت بتقوللي لو شوفتيني تاني هتبلغ عني؟

نزلت عيني.

كملت:

— ولا لما رحت شركتك بعد أسبوع، والأمن منعني أدخل بأوامر منك؟

كل كلمة كانت بترجعلي مشهد كنت دفنته جوايا.

أنا فعلًا قلت للأمن:

“الست دي ممنوعة تدخل الشركة.”

وقتها كنت فاكر إني بحمي نفسي.

دلوقتي فهمت إني كنت بقفل آخر باب بينها وبيني.

سألت:

— طب… حصل إيه للطفل؟

طليقتي أخدت نفس طويل.

— بعد ما طردتني، قعدت كام يوم عند واحدة صاحبتي. كنت في أول شهور الحمل، وكنت تعبانة جدًا، بس فضلت مستنية تهدى وتسمعني.

قالت الجملة الأخيرة وهي بتبصلي.

— بس إنت ما هديتش.

سكتت ثواني.

— القضية بدأت، وحسابي اتحجز، وشغلي راح، وكل مكان أقدم فيه كان بيسأل عن اتهام السرقة. الضغط كان فوق احتمالي.

قلت:

— ويوسف؟

غمضت عينيها.

— اتولد قبل ميعاده بوقت كبير.

قلبي انقبض.

— قعد في الحضانة ساعات.

صوتها بدأ يضعف.

— حاولوا ينقذوه… بس جسمه كان صغير أوي.

ماقدرتش أبصلها.

لفيت ناحية الشباك.

لكنها قالت:

— بصلي.

بصيت.

قالت:

— أنا مش بحكيلك علشان أحملك ذنب موته.

سكتت.

— محدش يقدر يقول إن اللي حصل كان بسبب شخص بعينه. أنا بحكيلك لأنك سألتني أنا خسرت إيه.

نزلت دموعي لأول مرة.

قلت:

— وأنا ماكنتش موجود.

ردت:

— لأ.

— دفنتيه لوحدك؟

هزت راسها.

— واحدة صاحبتي كانت معايا.

قعدت على الكرسي.

حطيت وشي بين إيديا.

كان عندي ابن.

دخل الدنيا.

خرج منها.

وأنا في الوقت ده غالبًا كنت قاعد مع المحامي بفكر إزاي أثبت إن أمه سارقة.

بعد شوية سمعت صوت الشرطة وهي بتاخد أختي ومدير الحسابات.

قبل ما أختي تخرج، وقفت عند الباب.

بصيتلها.

ماكانش عندي طاقة أصرخ.

قلت بس:

— ليه؟

بكت.

— كنت خايفة أخسر كل حاجة.

رديت:

— فخسرتينا كلنا.

ماقالتش حاجة.

خرجت.

ولأول مرة من ساعة ما بدأت الكارثة، البيت بقى هادي.

فضلت أنا وطليقتي لوحدنا.

قلت:

— أنا مش هقولك سامحيني.

رفعت عينيها ليا.

— لأن الكلمة قليلة.

سكتت.

قلت:

— ومش هقولك نرجع.

ملامحها اتغيرت شوية.

كملت:

— لأني بعد اللي عملته ماعنديش حق أطلب منك حاجة.

قربت من الترابيزة وحطيت الفلاشة والمستندات في الملف.

— بس عندي حاجات لازم أعملها حتى لو عمرك ما سامحتيني.

قالت:

— زي إيه؟

— أول حاجة… اسمك.

— مالي اسمي؟

— هرجعه نضيف زي ما كان.

بصتلي ساكتة.

قلت:

— كل شخص في الشركة صدق إنك سارقة هيعرف الحقيقة. وكل جهة وصلها اتهام ضدك هيوصلها تصحيح رسمي. والمحامي هيتابع إجراءات إثبات التزوير وبراءتك.

قالت:

— أنا مش محتاجة صدقة.

قلت:

— وده مش صدقة.

بصيت في عينيها.

— ده حقك.

تاني يوم رجعت لأبويا.

لما دخلت الأوضة، كان صاحي.

قعدت جنبه.

مسكت إيده.

وقلت:

— عرفت يا بابا.

دموعه نزلت.

قلت:

— عرفت كل حاجة.

حاول يتكلم.

قربت ودني منه.

بصعوبة قال:

— سامح…

قلت:

— إنت ما تعتذرليش.

لكن هز راسه.

وأشار ناحية الباب.

فهمت.

كان بيتكلم عنها.

قلت:

— هي اللي لازم تسامحنا كلنا.

بعد أيام نقلت أبويا لمستشفى متخصص.

مش دار رعاية وخلاص.

عملتله تقييم كامل، وبدأ برنامج علاج وتأهيل مناسب لحالته.

لكن المفاجأة إن طليقتي كانت بتيجي تزوره.

مش عشاني.

عشانه هو.

كانت تدخل، تقعد جنبه، تحكيله أخبار اليوم، وتساعده ياكل.

وأنا كنت أحيانًا أقف عند الباب وأتفرج.

كل مرة كنت أشوفها معاه، كنت أفتكر الورقة اللي رميتها قدامها تحت الكوبري.

الخمسميت جنيه.

قد إيه كنت غني في حسابي…

وفقير جدًا في أخلاقي.

التحقيقات استمرت شهور.

خبراء الحسابات راجعوا التحويلات القديمة.

وظهر إن جزء كبير من المبلغ اتنقل من خلال حسابات وسيطة، وإن توقيعات ومستندات إلكترونية اتلاعب بيها.

مدير الحسابات اعترف بجزء كبير من اللي حصل لما الأدلة زادت عليه.

وأختي دخلت في قضية طويلة.

أنا ما تدخلتش علشان أحميها.

لكن برضه ما فرحتش.

مهما عملت…

دي أختي.

والحقيقة إن بعض الانتصارات ما بيكونش فيها منتصر.

بعد حوالي ست شهور، صدر قرار رسمي أنهى الاتهامات اللي كانت معلقة ضد طليقتي، وبدأت إجراءات رد اعتبارها وتعويضها عن الضرر اللي ثبت في القضية.

لكن بالنسبة لي، كان فيه دين أهم من الفلوس.

يوسف.

طلبت منها في يوم:

— ممكن تاخديني له؟

فهمت من غير شرح.

بعد يومين، رحنا المقابر.

طول الطريق ما اتكلمناش.

وصلنا قدام قبر صغير.

وقفت بعيد.

ماقدرتش أقرب في الأول.

هي حطت ورد بسيط.

وبعدين قالت:

— تعالى.

مشيت ناحيته.

قريت الاسم.

“يوسف.”

وتحته تاريخ الميلاد والوفاة.

نفس اليوم.

رجلي ما شالتنيش.

قعدت قدام القبر.

حطيت إيدي على التراب.

وماعرفتش أقول إيه.

في الآخر همست:

— أنا آسف يا ابني.

كنت عارف إنه مش هيسمعني.

لكن يمكن أنا اللي كنت محتاج أسمع نفسي بقولها.

فضلت هناك وقت طويل.

ولما قمنا علشان نمشي، سألتها:

— إنتِ سامحتيني؟

بصتلي.

قالت:

— لأ.

الكلمة وجعتني.

لكنها كانت مستحقة.

كملت:

— بس مبقتش بكرهك.

هزيت راسي.

— كفاية.

قالت:

— وإنت لازم تفهم حاجة.

— إيه؟

— الندم مش معناه إنك تعاقب نفسك طول عمرك.

سكتت.

— الندم الحقيقي إنك تبقى شخص مختلف.

الكلمة فضلت معايا.

مرت سنة.

أبويا اتحسن شوية.

قدر يقعد لوحده، ويحرك إيده أحسن، وكلامه بقى أوضح.

أما هي، فرفضت أي فلوس مني في البداية.

لحد ما محاميها أقنعها إن التعويض حق قانوني، مش هدية.

استخدمت جزء منه وفتحت مشروع صغير لإعادة تدوير المخلفات وتشغيل سيدات محتاجين شغل.

لما عرفت، ابتسمت.

الست اللي أنا سخرت منها لأنها كانت بتجمع زجاجات من الزبالة…

حوّلت نفس الحاجة لباب رزق لناس غيرها.

أما أنا، فغيرت حاجات كتير في الشركة.

ما بقاش فيه موظف واحد يتحكم في الحسابات.

كل تحويل كبير لازم يعدي على أكتر من مراجعة.

لكن التغيير الأهم ماكانش في الشركة.

كان فيا أنا.

اتعلمت إن الثقة العمياء غباء.

لكن الشك الأعمى ظلم برضه.

واتعلمت إن الصورة ممكن تكون حقيقية…

والحكاية اللي حواليها كلها كدب.

وفي يوم، بعد حوالي سنة ونص من اللي حصل، كنت خارج من المستشفى بعد زيارة أبويا.

لقيتها واقفة عند الباب.

كانت لابسة جاكيت أزرق جديد.

ضحكت لما لاحظت إني ببصله.

قالت:

— إيه؟

ابتسمت.

— افتكرت الجاكيت القديم.

ضحكت لأول مرة قدامي من سنين.

قلت:

— ممكن أعزمك على قهوة؟

سكتت.

قلبي دق.

وبعدين قالت:

— قهوة بس.

قلت بسرعة:

— قهوة بس.

مشينا جنب بعض.

ما مسكتش إيدها.

وما حاولتش أرجع اللي فات بالقوة.

لأن بعض العلاقات لما تتكسر، ماينفعش ترجعها لنفس شكلها القديم.

لو فيه بداية جديدة…

لازم تتبني من الصفر.

وبعد شهور من الكلام والاعتذارات ومحاولات إصلاح اللي ينفع يتصلح، بدأنا نقرب من بعض من جديد.

مش كزوج وزوجة في البداية.

كشخصين بيتعرفوا على بعض مرة تانية.

ولما فكرت في الرجوع رسميًا، ما طلبتش منها القرار وأنا واقف قدامها بخاتم وكلام كبير.

قلت لها:

— أنا مش بطلب منك تنسي.

ردت:

— وأنا مستحيل أنسى.

قلت:

— ولا بطلب منك ترجعي لنفس الراجل اللي طردك.

سألت:

— أمال بتطلب إيه؟

قلت:

— فرصة أثبتلك إن الراجل ده مبقاش موجود.

فضلت ساكتة شوية.

وبعدين قالت:

— الفرصة مش وعد.

ابتسمت.

— عارف.

بعد فترة، رجعنا لبعض بعقد جديد وبداية جديدة، في وجود أبويا وعدد قليل جدًا من الناس.

ماكانش فيه فرح ضخم.

ولا عربيات فخمة.

ولا استعراض.

وأبويا وهو قاعد على كرسيه، رفع إيده بصعوبة ودعيلنا.

لكن كان فيه شخص غايب عن اليوم ده.

يوسف.

علشان كده، بعد ما بدأنا حياتنا الجديدة، عملنا صدقة جارية باسمه لمساعدة الأطفال المحتاجين للعلاج.

وبعد حوالي سنتين…

رزقنا ربنا ببنت.

يوم ولادتها، وقفت ورا الزجاج أبصلها وأنا بعيط.

طليقتي…

أو بالأصح مراتي من جديد…

قالت وهي تعبانة وبتبتسم:

— هتفضل تعيط كتير؟

قلت:

— سيبيني.

ضحكت.

سألتها:

— هنسمّيها إيه؟

بصت للبنت.

وقالت:

— مريم.

شلت مريم لأول مرة وأنا حاسس بحاجة عمري ما حسيتها وأنا بعدّ أرباح الشركة أو بفتح معرض جديد.

الخوف.

الامتنان.

والمسؤولية.

وقتها افتكرت اليوم اللي شفت فيه أمها تحت الكوبري.

وافتكرت الخمسميت جنيه وهي واقعة وسط المية.

كنت يومها فاكر إن الدنيا عاقبتها.

لكن الحقيقة؟

الدنيا كانت بتحطني قدام أسوأ نسخة من نفسي.

علشان أشوفها بعيني.

وأتعلم درس اتأخرت جدًا علشان أفهمه:

مش كل إنسان واقع قدامك يبقى مذنب.

ومش كل شخص قريب منك يبقى أمين.

وأخطر ظلم ممكن تعمله في حد…

إنك تحكم عليه قبل ما تسمعه.

لأن الفلوس اللي اتسرقت رجعت.

والسمعة اللي اتشوّهت اتصلحت.

وأبويا أخد العلاج اللي يستحقه.

حتى علاقتنا أخدت فرصة جديدة.

لكن كان فيه شيء واحد…

مهما امتلكت من مال، ومهما ندمت، ومهما حاولت أصلح أخطائي…

عمره ما هيرجع.

اليوم الوحيد اللي عاشه ابني يوسف.

تمت بحمد الله.

✍️ الكاتبة أسما السيد
ممنوعة من النسخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى