العمر حكايات اسما السيد 2

فضلت باصص لاسم أختي اللي ظهر على شاشة موبايل الراجل.
ثواني، لكنهم كانوا كفاية علشان آخر جزء من ثقتي فيها يبدأ ينهار.
مديت إيدي وقلت:
— هات الموبايل.
الراجل رجعه بسرعة في جيبه وقال:
— دي مكالمة شخصية.
ضحكت بمرارة.
— شخصية؟ أختي بتتصل بموظف حسابات سابق في شركتي، واقف الساعة دي في أوضة أبويا، وبيقول لطليقتي تبعد عن الموضوع… وعايزني أصدق إنها مكالمة شخصية؟
حاول يتحرك ناحية الباب.
وقفت قدامه.
— لو خرجت من هنا قبل ما أفهم اللي بيحصل، هبلغ الشرطة وأقول لهم كل اللي شوفته.
بص لصاحبه.
الاتنين اتوتروا.
وفجأة طليقتي قالت:
— سيبهم يمشوا.
لفيت لها باستغراب.
— إيه؟
— سيبهم.
قربت مني وهمست:
— إحنا مش محتاجينهم دلوقتي… المفتاح أهم.
بصيت للمفتاح الصغير اللي في كفي.
أبويا كان مركز عينه عليه.
ولما قلت:
— نروح بيت العيلة؟
ضغط على إيدي.
كانت إجابته واضحة.
بعد أقل من نص ساعة، كنت أنا وطليقتي قدام البيت القديم اللي أبويا عاش فيه أكتر من أربعين سنة.
البيت كان مقفول من شهور.
أختي قالتلي قبل كده إن أبويا بنفسه طلب منها تقفله بعد ما حالته ساءت.
دلوقتي بقيت أشك حتى في الجملة دي.
فتحت الباب.
ريحة التراب والرطوبة ضربت في وشي.
دخلنا.
كل حاجة تقريبًا كانت زي ما فاكرها.
الصالون القديم.
صورة أمي الله يرحمها فوق الحيطة.
كرسي أبويا جنب الشباك.
لكن طليقتي ما وقفتش.
راحت مباشرة ناحية أوضة المكتب.
سألتها:
— إنتِ عارفة مكان الخزنة؟
ردت:
— أبوك وصفهولي.
دخلنا المكتب.
حركت مكتبة صغيرة من جنب الحيطة.
وراها كان فيه لوح خشب مختلف عن باقي الحائط.
شيلناه.
ظهرت خزنة حديد صغيرة.
دخلت المفتاح.
لف مرة.
اتفتح الباب.
كنت متوقع فلوس.
دهب.
مستندات ملكية.
أي حاجة.
لكن اللي كان جوه الخزنة كان أخطر من كل ده.
فلاشة صغيرة.
دفتر حسابات.
وموبايل قديم.
وفوقهم ظرف مكتوب عليه بخط أبويا:
“لابني… لو وصلت للظرف ده، يبقى أنا فشلت إني أقولك الحقيقة بنفسي.”
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قعدت على كرسي المكتب وفتحت الظرف.
كان فيه جواب طويل.
بدأت أقرأ.
“يا ابني، أكبر غلطة عملتها إني سكت يوم طردت مراتك.”
وقفت.
بصيت لطليقتي.
هي بعدت عينيها عني.
كملت.
“أنا كنت شاكك من البداية إنها مظلومة، لكن بنتي أقنعتني إن عندها مستندات تثبت السرقة، وإن مراتك كانت ناوية تهرب.”
نفسي بقى تقيل.
“بعد سنة اكتشفت بالصدفة إن المستندات اللي شفتها كانت متعدلة، وإن تحويلات الفلوس خرجت من حساب الشركة لحسابات مرتبطة بشخص تاني.”
قلبي بدأ يدق أسرع.
قلبت الصفحة.
ولقيت اسم أختي مكتوب كامل.
تحت الاسم كان فيه رقم حساب.
ونفس الرقم موجود في دفتر الحسابات.
قلت بصوت مبحوح:
— هي…
طليقتي ردت:
— أيوه.
مسكت الدفتر وبدأت أقلب.
تحويلات بمبالغ مختلفة.
مئتين ألف.
تلتمية وخمسين ألف.
مئة وعشرين ألف.
وفي الآخر الإجمالي كان قريب جدًا من المبلغ اللي اتهمت طليقتي بسرقته.
لكن فيه حاجة ما كانتش منطقية.
قلت:
— أختي ماكانتش تقدر تعمل ده لوحدها.
طليقتي بصتلي.
— أخيرًا سألت السؤال الصح.
شغلت الموبايل القديم.
البطارية كانت ضعيفة، لكن اشتغل.
كان عليه تسجيلات صوتية.
آخر تسجيل بتاريخ الليلة اللي أبويا جاله فيها الجلطة.
ضغطت تشغيل.
في الأول سمعت صوت أبويا.
كان واضح وقوي، قبل ما المرض يأثر على كلامه.
— أنا عرفت كل حاجة.
بعدها جه صوت أختي.
— عرفت إيه يا بابا؟
— عرفت الفلوس راحت فين.
سكتت.
أبويا كمل:
— وعرفت مين زوّر التحويلات.
جسمي كله اتشد.
صوت أختي اتغير.
— إنت فتشت في حاجاتي؟
— أنا حاولت أصلح ظلم حصل بسببي.
وبعدين سمعتها بتقول:
— لو أخويا عرف، كل حاجة هتضيع.
أبويا رد:
— كان لازم يعرف من زمان.
بعدها سمعنا صوت راجل.
صوت أعرفه.
لكن عقلي رفض يصدق.
رجعت التسجيل ثانيتين.
سمعته تاني.
طليقتي بصتلي.
— عرفته؟
ما رديتش.
الصوت كمل:
— يا حاج، الموضوع انتهى من تلات سنين… ما تفتحش القديم.
قمت من الكرسي مرة واحدة.
قلت:
— لأ.
رجعت التسجيل.
نفس الصوت.
الصوت اللي بسمعه تقريبًا كل يوم.
مدير الحسابات الحالي في شركتي.
صاحبي من أيام الجامعة.
الراجل اللي أنا شخصيًا خليته مسؤول عن كل حسابات الشركة بعد واقعة السرقة.
هو نفسه اللي جابلي وقتها كشوف التحويلات وقاللي:
“مراتك باعتك.”
حطيت إيدي على رأسي.
— مستحيل.
طليقتي قالت:
— أنا قلت نفس الكلمة لما اكتشفت.
كملت التسجيل.
أبويا قال:
— بكرة الصبح هروح لابني بكل الورق.
أختي بدأت تعيط.
— بابا، اسمعني.
— خلاص.
بعدها حصل صوت حركة.
كرسي وقع.
صوت أبويا ارتفع:
— ابعد عني!
وبعدين التسجيل اتقطع.
بصيت لطليقتي بسرعة.
— إيه اللي حصل بعدها؟
ردت:
— بعد أقل من ساعة، الإسعاف أخد أبوك للمستشفى بجلطة شديدة.
سألتها:
— إنتِ بتقولي إنهم عملوا فيه حاجة؟
قالت:
— أنا ما عنديش دليل على ده.
وبعدين أشارت للفلاشة.
— بس يمكن دي عندها.
وصلنا الفلاشة باللاب توب القديم الموجود في المكتب.
كان عليها مجلد واحد.
اسمه:
“الكاميرات”.
فتحته.
كاميرات البيت.
التاريخ نفسه.
الساعة 11:43 بالليل.
أبويا ظاهر في الصالون.
أختي واقفة قدامه.
ومعاها مدير الحسابات.
كانوا بيتخانقوا.
مفيش صوت.
لكن الصورة كانت واضحة.
وفجأة…
مدير الحسابات قرب من أبويا.
أبويا حاول يبعده.
وقع على الأرض.
أختي جريت ناحيته.
لثواني افتكرت إنها هتطلب الإسعاف.
لكن اللي حصل خلاني أتجمد.
طلعت موبايلها.
بصت لأبويا.
وبعدين لمدير الحسابات.
وقعدوا يتكلموا حوالي سبع دقايق كاملة…
قبل ما تطلب الإسعاف.
سبع دقايق وأبويا واقع على الأرض.
صرخت:
— ليه؟!
ضربت المكتب بإيدي.
— ليه استنوا؟!
طليقتي قالت:
— كمل الفيديو.
كملت.
الإسعاف وصل.
أخد أبويا.
لكن قبل ما أختي تخرج…
رجعت المكتب.
فتحت درج.
وأخدت مجموعة أوراق.
الورق اللي كان أبويا ناوي يجيبهولي.
قعدت ساكت.
مش قادر أتكلم.
طليقتي قالت:
— دلوقتي عرفت ليه كنت بجمع زجاجات وكرتون؟
بصيت لها.
قالت:
— لما لقيت أبوك في المستشفى، كان محتاج علاج وأدوية وتأهيل. وأنا بعد خسرت شغلي، وسمعتي ، والحساب اللي كان فيه تحويشة عمري اتحجز وقت القضية.
صوتها اتهز لأول مرة.
— ماكانش معايا غير إني أشتغل أي حاجة.
بصيت لإيدي.
افتكرت ورقة الخمسمية جنيه وهي واقعة في المية.
وافتكرت سخريتي منها.
حسيت إني أصغر إنسان في الدنيا.
قلت:
— ليه عملتي ده؟
بصتلي باستغراب.
— إيه؟
— ليه اهتميتي بأبويا؟ بعد اللي أنا وعيلتي عملناه فيكي… ليه؟
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
— لأن أبوك جهلي قبل ما يتعب.
رفعت رأسي.
— إيه؟
— جهلي واعتذر.
قربت من الشباك.
— كان أول واحد من عيلتك يقولي: “أنا ظلمتك.”
دموعها لمعت، لكنها مسحتها بسرعة.
— وقاللي إنه هيجيبلي حقي حتى لو ابنه عمره ما سامحه.
ماعرفتش أرد.
لأني لأول مرة فهمت إن أبويا حاول يصلح الغلطة اللي أنا كنت السبب الأكبر فيها.
لكن قبل ما أتكلم…
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
وبعدها عربية تانية.
طليقتي بصت من الشباك.
وشها اتغير.
— أختك.
قربت بسرعة.
كانت أختي نازلة من العربية.
ومعاها مدير الحسابات.
لكن المفاجأة إن أختي ما دخلتش وهي خايفة.
دخلت البيت بمنتهى الهدوء.
وصلت لباب المكتب.
بصت للخزنة المفتوحة.
وبعدين بصتلي.
وقالت:
— كنت عارفة إنك في يوم هتوصل للمكان ده.
وقفت قدامها.
— ليه عملتي كده؟
ابتسمت ابتسامة غريبة.
وقالت:
— قبل ما تحاسبني… اسأل طليقتك عن الحاجة الوحيدة اللي هي لسه مخبياها عنك.
لفيت لطليقتي.
وشها اتغير.
قلت:
— مخبية إيه؟
أختي ضحكت وقالت:
— ما قالتلكش؟
سكتت ثواني.
وبعدين رمت ملف قدامي على المكتب.
— اسألها مين المليونير اللي كنت فاكر إنها خانتك معاه.
بصيت للملف.
فتحته.
وأول ما شفت الصورة اللي جواه…
حسيت إن قلبي وقف.
لأن الراجل اللي إنها كانت على بيه…
ماكانش عشيقها أصلًا.
والسبب الحقيقي لمقابلتها السرية معاه…
كان مرتبط بيا أنا شخصيًا.
يتبع…




