بعد الفراق اسما السيد 1

كنت كويسة ف جدًا وجوزي كان مبسوط معايا… ومكتفي بيا.. كل ليلة بينا كانت كأنها أول ليله.. كان يقولي انا مكتفي بيكي عن ستات الدنيا…كنا طبيعيين جدًا… سعدا من الآخر … إحساس انا ست باسطه جوزي وحاسه معاه بأمان الدنيا كنا نخرج، نهزر، ونتصالح….وكان دايمًا يقولي إني أكتر واحدة مريحاه في حياته…لحد ما تعبت…في الأول افتكرتها عادي…لكن بعد تحاليل وأشعات ودكاترة كتير…
اكتشفت إن عندي …ومن يومها حياتي اتقلبت.
بدأت جلسات الكيماوي…وشعري وقع….
وطاقتي اختفت…بس والله كل ده كان أهون عليا من حاجة تانية خالص، زي أن جوزي يبصلي كأني عدوى..او ست ناقصه
… ومن التعب مبقتش طايقة جوزي يقربلي…
غصب عني…والله غصب عني…مش عشان مبقتش بحبه.
ولا عشان زعلانة منه…ولا عشان في حد غيره.
بالعكس.أنا بحبه جدًا…لكن أول ما يحاول يقرب مني بحس إني عايزة أبعد…الدكتور قالي إن الكيماوي بيقلل الرغبة.
لكن عندي الموضوع مش قلة رغبة…أنا عندي الرغبة منعدمة تمامًا..مفيش أي إحساس…ولا أي شوق…ولا أي استجابة.
حتى لما بحاول علشانه…وبقول لنفسي يمكن لو سبت نفسي الأمور تمشي..دبرضو مفيش….وهو حاسس بده….وحاسس إن مفيش تفاعل…وحاسس إن كل حاجة بقت مختلفة.
والمشكلة الأكبر إن المكان جسمي بقي جاف زي مشاعري بالظبط
وبقيت حاسة إني كل يوم بخسر جزء من نفسي، وهو في الأول كان مستحمل، وبيطبطب عليا، ويقولي خفي بس وأنا هبقى كويس، لكن بقاله فترة متغير.، وساكت أكتر.
وبيسرح كتير، وبقى ينام متأخر، وأوقات يبقى قاعد جنبي وحاساه بعيد أوي، وأوقات ألاقيه بيبصلي بحزن ويغير وشه ببسرعة.. مبقاش في حوار حرفيا لحد ما في يوم دخلت جلسة الكيماوي وهو مش معايا كعادته بصيت لقيت واحده بتقرب مني وبتهمس با اللي خلاني أدخل في كوما لمدة طويلة جدا
تفتكروا إيه حصل ؟ وقالت لها إيه ؟ يالا نكمل ومتنسوش الكومنت اللذيذ حكايات أسما السيد
مش كويسة بمعنى إننا متفاهمين وخلاص…
لأ.
أنا كنت حاسة إني ست مالية عين جوزها وقلبه، وهو كان بيحسسني بده كل يوم.
كان يقولي:
— أنا مكتفي بيكي عن ستات الدنيا كلها.
وكانت الجملة دي بتخليني أنام وأنا مطمنة.
كنا نخرج، نهزر، نتخانق على حاجات تافهة، وبعد ساعة نتصالح كأن حاجة ما حصلتش.
ولو زعلت منه، يفضل يلف حواليا لحد ما أضحك.
ولو هو اتضايق، كنت أعرف من وشه قبل ما يتكلم.
عشر سنين جواز، وكنت لسه بحس إن بينا حاجة حلوة ما بردتش.
كنت ست حاسة بالأمان.
وده يمكن أكتر حاجة وجعتني بعد كده…
لأن أصعب حاجة مش إنك تفقدي الحب.
أصعب حاجة إنك تفقدي الأمان في نفس الشخص اللي كنتي مستخبية فيه من الدنيا.
كل حاجة بدأت بإرهاق.
كنت بصحى من نفسي.
قولت أنيميا.
جوزي، سامح، قال:
— كفاية إهمال بقى، بكرة نروح نعمل تحاليل.
ضحكت وقولتله:
— هو أنا ناقصة دكاترة؟
قال وهو بيبصلي:
— أنا ناقصك إنتِ.
الجملة دي فاكرها كويس.
لأن بعد أسابيع قليلة…
بقيت كل ما أفتكرها أعيط.
تحاليل.
أشعات.
خزعة.
ودكاترة بيتكلموا بصوت هادي زيادة عن اللزوم.
لحد اليوم اللي الدكتور قعد قدامي، وشبك صوابعه وقال:
— محتاجين نبدأ علاج بسرعة.
بصيتله.
قولت:
— علاج إيه؟
ماعرفش ليه سألت السؤال وأنا تقريبًا كنت عارفة الإجابة.
قال:
— النتائج بتأكد وجود ورم خبيث.
سامح كان قاعد جنبي.
إيده كانت ماسكة إيدي.
أول ما الدكتور قال كلمة “خبيث”، حسيت صوابعه شدت على إيدي.
أنا ماعيطتش.
هو اللي عيط.
لف وشه الناحية التانية، لكني شفت دموعه.
ومن يومها بدأنا رحلة الكيماوي.
شعري وقع.
جسمي ضعف.
وشي اتغير.
والست اللي كنت بشوفها في المراية كل صباح اختفت واحدة واحدة.
كنت ساعات أقف قدام المراية وأقول:
“سامح إزاي لسه شايفني مراته؟”
وفي الأول…
كان بيخليني أكره نفسي على السؤال ده.
كان يبوس راسي ويقول:
— إنتِ زي ما إنتِ.
أقوله:
— شعري راح.
يقول:
— يرجع.
أقوله:
— شكلي اتغير.
يرد:
— المهم إنتِ ترجعيلي.
وأوقات كنت أعيط وأقوله:
— أنا مبقتش الست اللي اتجوزتها.
فيتعصب:
— ما تقوليهاش تاني. أنا اتجوزتك إنتِ، مش شعرك ولا جسمك.
كنت بصدقه.
يمكن علشان كنت محتاجة أصدقه.
لكن الكيماوي ما أخدش شعري وطاقتي بس.
أخد حاجة تانية أنا كنت محرجة حتى أتكلم عنها.
الرغبة.
اختفت.
تمامًا.
مفيش استجابة.
وأوقات مجرد فكرة إنه يحاول يقرب كانت بتوترني.
والجفاف اللي سببه العلاج خلاني أخاف أكتر.
الدكتور قالي إن ده وارد جدًا.
وإن العلاج والتغيرات الهرمونية والإرهاق النفسي والجسدي ممكن يعملوا كده.
لكن أنا ماكنتش سامعة غير صوت واحد جوا دماغي:
“هو هيستحمل لحد إمتى؟”
في الأول سامح كان متفهم.
يقولي:
— خفي بس… وكل حاجة هترجع زي الأول.
لكن بعد كام شهر…
بدأ يتغير.
مش تغيير واضح أقدر أمسكه من إيده وأقوله:
“إنت بقيت شخص تاني.”
لأ.
حاجات صغيرة.
يسهر لوحده أكتر.
يمسك الموبايل بالساعات.
لو دخلت عليه فجأة يقفل الشاشة.
بقى قليل الكلام.
أوقات أبصله ألاقيه باصصلي بنظرة غريبة.
مش نظرة اشمئزاز…
وكان نفسي تكون اشمئزاز.
لأن اللي كنت بشوفه كان أصعب.
— مالك؟
أقوله:
— إنت اللي مالك؟
يرد:
— ولا حاجة.
الكلمة دي قتلت بينا الكلام.
“ولا حاجة.”
لحد ما بقينا اتنين قاعدين على نفس الكنبة…
وكل واحد في بلد.
وفي يوم كان عندي جلسة كيماوي.
صحيت الصبح ولقيته لابس.
قولتله:
— هنمشي إمتى؟
وقف ثانيتين.
وقال:
— أنا مش هقدر أجي معاكي النهارده.
بصيتله.
دي كانت أول مرة.
من أول يوم علاج وهو عمره ما سابني أدخل جلسة لوحدي.
قولت:
— ليه؟
— عندي موضوع ضروري.
— شغل؟
اتردد.
لحظة صغيرة جدًا…
بس أنا خدتها بالي منها.
— أيوه، شغل.
قولت:
— ماشي.
كنت مستنية يقولي “هخلص وأحصلك”.
ماقالش.
كنت مستنية يبوس راسي كعادته.
عملها…
بس كانت بوسة سريعة.
وبعدها خرج.
دخلت مركز العلاج لوحدي.
وكنت طول الطريق بحارب نفسي.
“ما تظلمهوش.”
“الراجل بقاله شهور شايلك.”
“من حقه يتعب.”
“من حقه يكون عنده شغل.”
حاولت أسكت الصوت الوحش اللي جوايا.
لكن أول ما قعدت على كرسي الجلسة، حسيت بوحدة عمري ما حسيتها.
ركبت الممرضة المحلول.
وقالت:
— لو حسيتِ بأي دوخة أو ضيق نفس ناديني فورًا.
هزيت راسي.
مسكت الموبايل.
بعت لسامح:
“بدأت الجلسة.”
الرسالة اتقرت.
مافيش رد.
بعد عشر دقايق بعت:
“إنت كويس؟”
اتقرت.
برضه مافيش رد.
حطيت الموبايل جنبي.
وقولت خلاص.
مش هذل نفسي.
قفلت عيني.
وفجأة سمعت صوت ست:
— حضرتك مرات سامح؟
فتحت عيني.
قدامي كانت واقفة واحدة في أواخر التلاتينات تقريبًا.
محجبة.
وشها مرهق.
وعينيها حمرا كأنها كانت بتعيط.
قولت:
— أيوه.
بصت للممرضة.
وبعدين رجعت بصتلي.
— ممكن أكلمك دقيقة؟
قولت:
— حضرتك مين؟
قربت مني.
— أنا مش عارفة أبدأ منين.
قلبي دق.
قولت:
— إنتِ تعرفي جوزي؟
ما ردتش.
مدت إيدها في شنطتها.
طلعت موبايل.
فتحته على صورة.
وحطته قدامي.
بصيت.
ومافهمتش في الأول.
سامح.
كانت ماسكة إيدها.
رفعت عيني للست.
قولت:
— الصورة دي من إمتى؟
قالت:
— من النهارده.
حسيت إيدي بردت.
— إنتِ مين؟
الست بلعت ريقها.
وقالت:
— أنا أختها.
بصيتلها بعدم فهم.
— أخت مين؟
أشارت للصورة.
— أخت الست اللي جوزك عندها دلوقتي.
المحلول كان بينزل في إيدي.
وأنا كنت حاسة إن كل نقطة منه تلج.
قولت:
— إنتِ جاية تقوليلي إن جوزي بيخوني؟
هزت راسها.
— الموضوع أكبر من خيانة.
سكتت.
بعدين قربت من ودني.
وقالت:
— سامح مش رايح لها النهارده لأول مرة.
اتنفست بصعوبة.
لكنها كملت:
— هو بقاله شهور بيروح لها… ومن أسبوعين حصل بينهم اتفاق رسمي.
قولت:
— اتفاق إيه؟
بصتلي في عيني.
وقالت الجملة اللي بعدها…
الجملة اللي أنا فاكرة صوتها حتى وأنا كنت غايبة عن الدنيا:
— جوزك اتجوز أختي من أسبوعين… وإنتِ آخر واحدة عرفت.
حسيت المكان كله مال.
لكنها مسكت كتفي بسرعة.
وقالت:
— استني… أنا ماجيتش علشان أقولك إنه اتجوز بس.
بصيتلها وأنا مش قادرة آخد نفسي.
قالت:
— أنا جاية أحذرك منه.
همست:
— أحذر منه ليه؟
شفايفها اترعشت.
وبعدين قالت:
— لأن أختي سمعت سامح وهو بيقول إن دكتورك متأكد إنك مش هتكملي السنة… وإنه مستني بس لما يحصل لك حاجة علشان…
صرخت:
— علشان إيه؟!
قالت:
— علشان ينقل كل اللي باسمك ليه ولها.
الدنيا اسودت قدامي.
الممرضة جريت ناحيتي.
سمعت حد بيقول:
— الضغط بينزل!
وصوت تاني:
— اقفلوا المحلول بسرعة!
كنت بحاول أتكلم.
بحاول أقول إن الست دي لازم ماتمشيش.
إن عندها باقي الكلام.
لكن لساني كان تقيل.
شفت الست وهي بتبعد.
قولت بصوت ماطلعش غير همس:
— استني…
كانت آخر حاجة شفتها.
بعدها سمعت أجهزة بتصرخ.
حد بينادي اسمي.
وحد بيقول:
— ندى! افتحي عينيك!
وبعدين…
مافيش حاجة.
لا صوت.
لا نور.
ولا سامح.
دخلت في غيبوبة طويلة…
ولما فتحت عيني بعدها، اكتشفت إن الست اللي قالتلي الكلام…
محدش في المستشفى شافها أصلًا.
وإن سامح كان واقف بره العناية من أيام…




