روايات وقصص

رجعت من السفر حكايات اسما السيد 1

رجعت البيت قبل معادي عشان أفاجئ مراتي وأشوف ابني اللي لسه مولود… لكن بدل ما ألاقيها فرحانة ومستنياني، لقيت مريم مرمية على أرض الصالون، هدومها غرقانة دم، جسمها هزيل من الجوع، وبتحاول تدفي ابننا الرضيع في شقة التلج كان ماسك في شباكها من جوه.

 

أمي وأختي خدوا تليفونها، وسرقوا المضادات الحيوية بتاعتها، وفضّوا الفلوس اللي كنت محوشها مخصوص لمصاريف الولادة والعلاج، وبعدها سافروا يقضوا كام يوم في فندق فاخر في شرم الشيخ.

لكنهم نسوا حاجة مهمة جدًا…

نسوا أنا بشتغل إيه فعلًا.

رجعت قبل معادي بحوالي 3 أسابيع عشان أفاجئ مريم وأشوف ابني لأول مرة.

لكن أول ما فتحت باب الشقة، اتجمدت مكاني.

مريم كانت قاعدة على الأرض، بتحاول تحمي طفلنا بجسمها.

وكانت بتنزف من تحت هدومها.

الشبابيك كلها كان عليها طبقة تلج من البرد الشديد.

ولثانية واحدة، حسيت إني نسيت أتنفس.

— مريم؟

رفعت عينيها بصعوبة.

— سامح؟

صوتها كان ضعيف لدرجة إني بالكاد سمعته.

كانت مختلفة تمامًا عن الست اللي سبتها من ست أسابيع، وأنا مسافر دبي عشان أقفل أكبر صفقة في حياتي.

شفايفها كانت ناشفة ومتشققة.

وشها شاحب وخسّ كتير.

كنت لابس بالطو شتوي تقيل، حطيته على كتافها فورًا.

لكنها كانت بتترعش بطريقة عنيفة لدرجة إن ابني نفسه كان بيترعش وهو في حضنها.

رميت شنطتي على الأرض.

وقلت:

— الدفا فين؟

بصتلي ودموعها نزلت.

— اتقفل.

— إيه؟!

— أمي… قفلته.

قربت منها بسرعة.

— طب والمضاد الحيوي بتاعك؟ وتليفونك؟

سكتت شوية.

وبعدين قالت:

— مش موجودين.

— مين أخدهم؟

بصت بعيد.

— أمك.

الإجابة دي خوفتني أكتر من أي حاجة تانية.

قربت من ابني ولمست إيده الصغيرة.

كانت ساقعة جدًا.

بطني اتقبضت.

قبل ما أسافر، كنت محول حوالي مليون ومئتين ألف جنيه على حساب البيت مخصوص.

الفلوس دي كانت للولادة، والممرضة اللي هتساعد مريم بعد الولادة، والأكل، وفواتير البيت، والأدوية، وأي ظرف طارئ.

أمي، الحاجة سعاد، هي اللي أصرت إنها تمسك الحساب وتدير المصاريف.

وقالتلي وقتها:

— إنت ركز في شغلك يا ابني… وإحنا أهل، وأهلك أولى بيك.

أختي الصغيرة داليا كانت موافقة جدًا.

واضح إن مفهومهم لـ«الأهل» كان مختلف عن مفهومي تمامًا.

مريم مسكت إيدي بقوة.

— أمك خدت تليفوني.

بصيت لها بعدم تصديق.

— ليه؟

قالت:

— قالت إن إشعاعات الموبايل ممكن تأذي البيبي.

سكت لحظة.

وبعدين سألتها:

— قالت لك إيه كمان؟

بدأت تعيط.

— قالت إن الصفقة بتاعتك فشلت… وإنك مش عايزني أتصل بيك أصلًا.

صوتي بقى هادي جدًا.

— وداليا؟

مريم مسحت دموعها.

— هي اللي أخدت الدوا.

— ليه؟

— قالت إنها هترجعه للصيدلية عشان توفر فلوس.

وبعدين سكتت شوية وقالت:

— وقالتلي أبطل أتصرف زي الأميرة المدلعة.

حسيت بحاجة جوايا بتتجمد.

مش غضب.

برود.

اتصلت بالإسعاف فورًا.

لفيت بطانية تانية حوالين مريم، وشلت ابني ونزلت بيهم بنفسي.

في المستشفى، الدكاترة قالوا إن مريم عندها جفاف شديد، وسوء تغذية، والتهاب بعد الولادة ما اتعالجش، وكمان فقدت كمية كبيرة من الدم.

ابني كان حرارته منخفضة بشكل بسيط، لكن حالته مستقرة.

قعدت جنب سرير مريم وهي نايمة.

وبهدوء فتحت تطبيق البنك على موبايلي.

دخلت على حساب البيت.

رصيده كان…

صفر.

كل الفلوس اختفت.

آخر جنيه.

وبدأت أراجع التحويلات واحدة واحدة.

وبعدين دخلت على حساب أمي على السوشيال ميديا.

وهناك شفت الصورة اللي خلتني أبتسم.

أمي سعاد كانت قاعدة جنب حمام سباحة على سطح فندق فاخر في شرم الشيخ.

لابسة هدوم غالية ونضارة شمس.

وجنبها داليا ماسكة كوباية عصير، وهما الاتنين بيضحكوا.

وتحت الصورة كاتبة:

«ستات العيلة يستاهلوا يعيشوا مرتاحين شوية.»

فضلت باصص للصورة تقريبًا دقيقة كاملة.

وبعدين…

ابتسمت.

لأن أمي كانت نسيت أهم حاجة.

لما كانت بتبصلي، كانت لسه شايفاني ابنها الهادي اللي ممكن تتحكم فيه.

كانت فاكرة إني مجرد موظف شركات بيقعد يمضي عقود، وإن السفر والشغل هيخلوني بعيد ومش واخد بالي من اللي بيحصل.

لكنها ما تعرفش التعديلات اللي أنا عملتها في شقتنا من سنتين.

وما كانتش تعرف أنا بشتغل إيه فعلًا.

أنا مش مجرد واحد بيمضي عقود.

أنا شغلي الأساسي تتبع الأموال، وكشف التلاعب المالي، ومطاردة الناس اللي بتفتكر إنها تقدر تخبي آثارها.

أهلي كانوا فاكرين إنهم سرقوا الفلوس وهربوا يقضوا كام يوم في رفاهية.

وكانوا فاكرين إنهم سابوا مراتي ضعيفة، من غير موبايل، ومن غير علاج، ومن غير فلوس.

لكنهم ماكانوش يعرفوا إنهم ارتكبوا غلطة واحدة كبيرة جدًا.

هم بنفسهم سلّموني كل الأدلة اللي محتاجها عشان أحاسبهم قانونيًا وأكشف كل اللي عملوه.

وأنا قاعد في المستشفى، سامع صوت جهاز متابعة ضربات قلب مريم جنب سريري، بدأت أرتب كل خطوة.

مش هتخانق معاهم.

ومش ههددهم.

ومش هروح أواجههم وأنا منفعل.

أنا كنت هعمل حاجة أخطر…

هخلي كل حاجة حصلت تتوثق، وهخليهم يتحملوا نتيجة كل جنيه خدوه وكل كذبة قالوها.

وفي اللحظة دي، كنت لسه ما أعرفش إن اللي اكتشفته في حساب البنك…

كان مجرد بداية.

لأن أمي وداليا ماكانوش سرقوا فلوسنا بس.

كانوا مخبيين سر أكبر بكتير…

وسر لو ظهر، ممكن يقلب العيلة كلها فوق دماغهم.
يتبع… 👇 #أسما_السيد
القصة كاملة وتكملتها في أول تعليق.
ولو مش ظاهر لك الجزء اللي بعده، غيّر ترتيب التعليقات من «الأكثر صلة» إلى «كل التعليقات».
حكــايات الكـاتبه اسمـا السـيد
شكرًا لقراءتكم ❤️لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

الفصل الثاني: التحويل اللي ملوش تفسير

فضلت قاعد جنب مريم لحد ما نامت تحت تأثير العلاج.

الدكتورة كانت قالت إننا لحقناها في الوقت المناسب، لكن جملتها فضلت تلف في دماغي:

— لو كانت فضلت بالحالة دي يومين كمان… ماقدرش أضمن لك اللي كان ممكن يحصل.

بصيت لابني الصغير وهو نايم في سريره الزجاجي.

يومين.

أمي كانت محتاجة يومين بس زيادة.

قفلت عيني للحظة.

وبعدين رجعت للشاشة اللي قدامي.

أنا متعود في شغلي إن الأرقام ما بتكدبش.

البشر يكدبوا.

الأوراق ممكن تتزوّر.

لكن حركة الفلوس دايمًا بتسيب أثر.

من المليون ومئتين ألف جنيه، لقيت تقريبًا تلت المبلغ اتسحب كاش على دفعات.

جزء اتدفع للفندق.

جزء لمحل دهب.

وجزء اتحول لحساب باسم شخص معرفوش:

طارق الشاذلي.

الاسم اتكرر أربع مرات.

فتحت تفاصيل التحويلات.

٣٥ ألف.

٦٠ ألف.

١٢٠ ألف.

وآخر تحويل كان قبل رجوعي بتلات أيام:

٢٥٠ ألف جنيه.

قعدت مستقيم.

ده مش صرف عشوائي.

ده حد بيتدفع له فلوس مقابل حاجة.

دورت على الاسم في قواعد البيانات العامة اللي مسموح لي أستخدمها في شغلي.

طلع محامي.

مش محامي تجاري.

محامي أحوال شخصية.

فضلت باصص للشاشة.

في اللحظة دي مريم اتحركت على السرير.

فتحت عينيها بصعوبة وقالت:

— سامح؟

قفلت اللابتوب وقربت منها.

— أنا هنا.

بصت حواليها كأنها بتتأكد إننا فعلًا في المستشفى.

وبعدين سألت:

— البيبي كويس؟

— كويس الحمد لله.

ارتاحت ملامحها شوية.

مسكت إيدها.

— مريم… محتاج أسألك سؤال.

قلقت فورًا.

— إيه؟

— أمي خلتك تمضي أي ورق بعد الولادة؟

سكتت.

وشها اتغير.

— ورق إيه؟

قلبي بدأ يدق أسرع.

قلت:

— أي ورق. استلام فلوس، مستشفى، تأمين، أي حاجة.

بصت للسقف كأنها بتحاول تفتكر.

وبعدين قالت:

— بعد ما رجعت من المستشفى بيومين… جابتلي ورق وقالت إنه خاص بالممرضة اللي هتيجي تساعدني.

— ومضيتي؟

هزت راسها.

— كنت تعبانة جدًا يا سامح… وهي فضلت تقول إنك عارف بكل حاجة.

حاولت ما أبينش اللي جوايا.

— الورق كان كام صفحة؟

— مش فاكرة… كتير.

— قريتيه؟

دموعها نزلت.

— كنت عاملة قيصرية ومش قادرة أقعد حتى… وأمك قالتلي: “إحنا أهلك، هو إحنا هنضحك عليكي؟”

ماعرفتش أرد.

لأن الجملة دي تحديدًا…

كانت أمي بتقولها طول عمري.

طلعت موبايلي وبعت رسالة لزميل قديم ليا.

اسمه عمر.

محامي جرائم مالية.

كتبتله:

“محتاج كل حاجة قانونية ومتاحة عن طارق الشاذلي. فورًا.”

ماعداش عشر دقايق ورن عليا.

خرجت من الأوضة ورديت.

— لقيت حاجة؟

عمر سكت لحظتين.

وبعدين قال:

— سامح… إنت تعرف الراجل ده منين؟

— ليه؟

— لأنه مش مجرد محامي أحوال شخصية.

— أمال إيه؟

— الراجل ده اتذكر اسمه في أكتر من قضية تزوير توكيلات وعقود تنازل… بس عمره ما اتدان.

اتسندت على الحيطة.

— تنازل عن إيه؟

قال:

— ممتلكات… حصص شركات… وأحيانًا حقوق مالية بين أفراد العيلة.

سكت.

عمر كمل:

— وفي حاجة أغرب.

— إيه؟

— آخر مكتب راحله من كام يوم كان مكتب توثيق قريب من بيتك.

رجعت للأوضة.

فتحت اللابتوب تاني.

المرة دي دخلت على نظام النسخ الاحتياطي الخاص بالشقة.

من سنتين كنت ركبت جرس باب ذكي، وحساسات دخول وخروج، ونظام بيسجل تشغيل وفصل الكهرباء والتدفئة.

مش علشان أراقب حد.

علشان طبيعة شغلي بتخليني أسافر كتير وأتعامل مع قضايا ساعات بيكون فيها تهديد.

بدأت أراجع السجل.

وفي اليوم اللي مريم قالت إن أمي خلتها تمضي الورق…

لقيت شخص دخل الشقة الساعة ١١:٤٢ صباحًا.

وخرج الساعة ١٢:١٧.

فتحت صورة جرس الباب.

كبرتها.

راجل في أواخر الخمسينات.

بدلة رمادي.

شنطة جلد.

قارنت الصورة بصورة طارق الشاذلي.

نفس الشخص.

لكن اللي خوّفني مش دخوله.

اللي خوّفني إن أمي خرجت معاه بعد نص ساعة…

وهي شايلة ملف أزرق.

وفي إيدها…

بطاقة مريم الشخصية.

الفصل الثالث: كانوا بيجهزوا الحكاية من بدري

الصبح، مريم كانت أحسن شوية.

الدكتور سمحلي أكلمها لفترة قصيرة.

قعدت جنبها وقلت:

— مريم، محتاج تفتكري كل حاجة حصلت من أول ما سافرت.

هزت راسها.

— حاضر.

— حتى الحاجات اللي وقتها حسيتها تافهة.

غمضت عينيها.

وبدأت تحكي.

بعد سفري بأسبوعين، أمي انتقلت تقعد معاها بحجة إنها قربت تولد.

أول كام يوم كانت كويسة.

بتطبخ.

بتنضف.

بتروح معاها للدكتور.

وبعدين كل حاجة اتغيرت.

أمي بدأت تتحكم في الأكل.

— قالتلي الدكتور قال أقلل أكل بعد الولادة عشان الجرح ما يلتهبش.

بصيت لها بصدمة.

— الدكتور قال كده؟

— لأ… أنا اكتشفت بعدين إنها ماكنتش بتكلّمه أصلًا.

وداليا بدأت تيجي كل يوم تقريبًا.

مرة تصور الشقة وهي مش مترتبة.

مرة تصور الأطباق في الحوض.

مرة تصور مريم وهي تعبانة ونايمة.

سألتها:

— كانت بتصور ليه؟

قالت:

— كانت بتقول عشان تبعتلك صور البيبي والبيت.

لكن أنا ما استلمتش ولا صورة واحدة.

حسيت جلدي بيقشعر.

قلت:

— كملي.

مريم بلعت ريقها.

— بعد الولادة، داليا فضلت تقول إني مش بعرف أشيل البيبي صح.

— وبعدين؟

— كانت كل شوية تاخده مني وتصوره معاها.

سكتت.

وبعدين بصتلي وقالت:

— وفي مرة سمعتها بتقول لأمك في المطبخ: “كده الصور بقت كفاية.”

قلبي وقع.

— صور إيه؟

— معرفش.

سألت:

— وبعدها؟

قالت:

— أمك بدأت تقول إني عندي اكتئاب بعد الولادة.

— كان عندك؟

— كنت تعبانة ومخنوقة… بس مش زي ما كانت بتقول.

— كانت بتقول إيه؟

مريم شهقت بالبكاء.

— كانت بتقول إني خطر على ابني.

فضلت ساكت.

الصورة بدأت تكتمل.

مش كانوا بيسرقوا وبس.

كانوا بيبنوا رواية.

زوجة مهملة.

أم غير مستقرة.

بيت غير نظيف.

طفل دايمًا في حضن الجدة والعمة.

ومريم، محبوسة من غير موبايل، مالهاش أي طريقة تحكي نسختها.

اتصلت بعمر.

قلتله:

— عايز أعرف هل اتقدم أي طلب أو ورق باسم مراتي.

بعد ساعتين كلمني.

صوته المرة دي كان مختلف.

— سامح… لازم تيجي مكتبي.

— قوللي دلوقتي.

— الموضوع مش مناسب يتقال في التليفون.

— عمر.

سكت.

وبعدين قال:

— في مسودة طلب كانت بتتجهز بخصوص عدم أهلية مريم لرعاية الطفل مؤقتًا.

وقفت.

— مين مقدمه؟

— لسه ما اتقدمش رسميًا.

— مين اللي طلبه؟

قال:

— والدتك.

حسيت الدم انسحب من وشي.

— عايزة تعمل إيه بابني؟

قال:

— الظاهر من المراسلات إنها كانت بتحاول تجمع مستندات وشهادات تخلي الوضع يبدو إن مريم مهملة وغير مستقرة بعد الولادة.

سألت بهدوء:

— وليه؟

عمر قال:

— ده اللي مش مفهوم.

لكن قبل ما يقفل، قال جملة خلت الدنيا كلها تتغير:

— بالمناسبة… المحامي ده ما ظهرش في حياتكم لأول مرة الشهر ده.

— قصدك إيه؟

— اسمه موجود في ورق قديم جدًا يخص عيلتك.

— ورق إيه؟

سكت لحظة.

ثم قال:

— ورق تركة والدك.

الفصل الرابع: أبويا ما خسرش شركته

أبويا مات من 11 سنة.

وأنا طول السنين دي كنت فاكر إن آخر سنتين في حياته كانوا أسوأ سنين مروا عليه.

كان عنده شركة صغيرة للاستيراد.

وفجأة الشركة غرقت في الديون.

البنوك قفلت عليه.

ومخزن كامل اتباع.

وأبويا مات وهو مقتنع إنه فشل.

أمي قالت لنا وقتها إننا خرجنا من الموضوع تقريبًا من غير حاجة.

وأنا صدقتها.

كنت عندي 24 سنة.

ومشغول وقتها إني أبدأ حياتي من الصفر.

لكن عمر حط قدامي ملفًا على مكتبه.

وقال:

— بص على التوقيع ده.

كان توقيع أبويا.

أو المفروض إنه توقيع أبويا.

قلت:

— إيه ده؟

— توكيل ببيع حصة من شركة والدك قبل وفاته بخمس شهور.

قرأت اسم المستفيد.

سعاد عبد الحميد.

أمي.

ضحكت من الصدمة.

— طبيعي. دي مراته.

عمر هز راسه.

— كمل.

في الصفحة اللي بعدها…

أمي باعت الحصة بعدها بأسبوعين لشركة جديدة.

صاحب الشركة؟

طارق الشاذلي.

نفس المحامي.

قلت:

— مش فاهم.

عمر دفع ورقة تالتة ناحيتي.

— الشركة دي اختفت بعد 8 شهور، لكن الفلوس اتحولت لحساب آخر.

قرأت الاسم.

داليا سامي محمود.

أختي.

لكن في تاريخ التحويل…

داليا كان عندها 17 سنة.

رفعت عيني لعمر.

— كانت قاصر.

— الحساب كان باسمها وتحت وصاية والدتك.

بدأت أنفاسي تعلى.

عمر قال:

— سامح… أنا مش بقول إن ده دليل نهائي على جريمة قديمة. محتاجين فحص أوراق وخطوط ومراجعة قانونية كاملة.

قلت:

— بس فيه نمط.

— بالضبط.

نفس المحامي.

نفس التحويلات.

نفس فكرة التوقيعات.

ونفس أمي.

رجعت المستشفى وأنا حاسس إن حياتي كلها كانت مبنية على قصة مش حقيقية.

لكن الصدمة الأكبر كانت مستنياني هناك.

مريم كانت قاعدة على السرير ووشها مرعوب.

قالت أول ما دخلت:

— سامح… أمك اتصلت.

بصيت لها.

— معاكي موبايل؟

— الممرضة خلتني أكلمها من تليفون المستشفى بعد ما فضلت ترن وتسأل عليا.

— قالت إيه؟

مريم مدتلي ورقة.

كانت إيدها بتترعش.

— قالت لو أنت رجعت… أقولك إني أنا اللي صرفت الفلوس.

سكت.

مريم كملت:

— وقالت إنها معاها ورق يثبت ده.

خدت الورقة من إيدها.

كان رقم أمي مكتوب عليها.

اتصلت بيها.

ردت بسرعة.

وصوت الموسيقى وضحك الناس واضح في الخلفية.

— سامح؟!

مثلت المفاجأة كويس.

— إنت رجعت إمتى يا حبيبي؟

قلت:

— من شوية.

— طب ومريم؟ أنا كنت هموت عليها من القلق! أصلها بقالها فترة غريبة أوي.

ابتسمت.

— غريبة إزاي؟

قالت بحزن مصطنع:

— نفسيتها تعبت بعد الولادة. وداليا وأنا عملنا اللي علينا، بس هي كانت بترفض الأكل والعلاج.

غمضت عيني.

— والمليون ومئتين ألف؟

سكتت ثانية واحدة.

ثانية واحدة بس.

ثم قالت:

— مريم اللي صرفتهم.

— كلهم؟

— تقريبًا.

— على إيه؟

— والله يا ابني أنت عارف الستات… طلبات بيت ودكاترة وحاجات للبيبي.

بصيت لمريم.

كانت بتسمع.

قلت:

— وإنتِ فين دلوقتي؟

ضحكت.

— شرم الشيخ. قولنا نغير جو يومين بعد التعب اللي تعبناه معاها.

— جميل.

— إنت زعلان؟

— أبدًا.

صوتي كان هادي لدرجة إني حسيت إنها ارتاحت.

قالت:

— كنت عارفة إنك عاقل.

قلت:

— استمتعوا.

وقفلت.

مريم بصتلي وكأنها مش مصدقة.

— إنت هتسيبهم؟

قلت:

— لأ.

فتحت تسجيل المكالمة المحفوظ عندي بالطريقة القانونية المتاحة لجهازي.

وقلت:

— أنا بس كنت محتاجها تحكي الرواية بنفسها.

الفصل الخامس: رجعوا يضحكوا

بعد يومين، مريم خرجت من المستشفى.

خليتها تروح بيت أختها فترة مؤقتة مع البيبي.

ومحدش عرف مكانهم غيري.

أما أنا…

رجعت الشقة.

غيرت صلاحيات الحسابات.

وقفت أي بطاقات إضافية.

بلغت البنك رسميًا بوجود نزاع على معاملات محددة وطلبت حفظ السجلات.

وجمعت كل المستندات.

من غير ما أبعت لأمي رسالة واحدة.

بعد أربعة أيام رجعت أمي وداليا من شرم الشيخ.

كنت مستنيهم في بيت أمي.

دخلت داليا الأول.

شايلة شنط ماركات جديدة.

وأمي وراها.

أول ما شافتني ابتسمت.

— يا روح قلبي! وحشتني.

فتحت دراعاتها تحضني.

رجعت خطوة.

وقلت:

— اقعدي يا أمي.

ابتسامتها اختفت شوية.

داليا رمت شنطتها على الكنبة.

— هو فيه إيه؟

حطيت قدامهم صورة واحدة.

صورة باب شقتي.

طارق الشاذلي واقف قدامه.

وش أمي اتغير.

داليا بصت لأمي بسرعة.

قلت:

— تعرفوه؟

أمي ردت:

— لأ.

طلعت صورة تانية.

أمي خارجة معاه.

وفي إيدها بطاقة مريم.

سكتت.

طلعت كشف التحويلات.

وحطيته قدام داليا.

— ودي؟

داليا قالت بعصبية:

— إنت بتفتش ورانا؟

بصيت لها.

— الفلوس بتاعتي.

ردت:

— فلوس العيلة!

ابتسمت.

— مراتي وابني هما عيلتي.

أمي خبطت بإيدها على الترابيزة.

— وإحنا بقينا غرب يعني؟!

— اللي يسيب واحدة لسه والدة تنزف من غير علاج، ورضيع يرتعش من البرد… يبقى هو اللي اختار يبقى غريب.

أمي شهقت.

— إحنا ماعملناش كده!

قلت:

— التدفئة اتقفلت الساعة 9:16 صباحًا من موبايلك.

اتسعت عينيها.

كملت:

— واتفتحت تاني بعد أربع أيام لمدة عشر دقايق… وبعدين اتقفلت.

داليا بصت لأمها.

قلت:

— وعندي سجل بكل مرة دخلتوا فيها البيت وخرجتوا.

أمي صوتها اترفع:

— إنت مركب كاميرات على أمك؟!

— جرس الباب بره الشقة يا أمي. وحساسات أنظمة البيت.

سكتت.

طلعت الورقة اللي خلت داليا تقف مرة واحدة.

نسخة من مسودة الطلب الخاص بمريم.

قلت:

— ودي إيه؟

داليا صرخت:

— دي مش حاجة اتقدمت أصلًا!

سكت المكان.

بصيت لها.

وبهدوء شديد قلت:

— أنا ماقلتش إنها اتقدمت.

داليا اتجمدت.

وأمي لفّت لها بعنف.

— اخرسي!

لكنها كانت اتأخرت.

قلت:

— يعني تعرفيها.

داليا وشها بقى أحمر.

— إحنا كنا بنحمي الطفل!

قمت من مكاني.

— من أمه؟

أمي قالت:

— مريم مش مناسبة ليك من الأول.

بصيت لها.

ولأول مرة…

قالتها من غير تمثيل.

— هي اللي غيرتك علينا. من ساعة ما اتجوزتها وإنت فلوسك وبيتك وكل حاجة بقت ليها.

قلت:

— مراتي.

— وإحنا؟

— أمي وأختي.

— يعني هي أهم؟!

رديت:

— ابني كان ممكن يموت من البرد.

سكتت.

قلت:

— ومريم كان عندها التهاب ونزيف.

أمي قالت ببرود:

— ماكانش هيحصلها حاجة.

الجملة دي…

هي اللي أنهت كل حاجة جوايا.

بصيت لها وقلت:

— كويس إنك قلتيها.

وشها اتغير.

— يعني إيه؟

بصيت ناحية الباب.

دخل عمر.

ومعاه شخصان.

واحد محامي مختص بالقضية.

والثاني خبير مستندات كنا بدأنا إجراءات الاستعانة به.

أمي وقفت.

— مين دول؟

قلت:

— الناس اللي هيعرفوا بالضبط عملتوا إيه.

الفصل السادس: السر اللي داليا ما قدرتش تخبيه

أمي حاولت تقلب الترابيزة.

صوتها علي.

بدأت تعيط.

قالت إني ابن عاق.

قالت إن مريم خطفتني منهم.

قالت إن الفلوس أصلاً حقها لأنها “ضحت بعمرها عشاني”.

لكن داليا…

كانت ساكتة.

وعينيها كل شوية تروح للملف القديم الخاص بأبويا.

لحد ما سألتها:

— داليا… إنتِ عارفة حاجة عن شركة أبويا؟

أمي صرخت:

— مالهاش دعوة!

بصيت لأمي.

— أنا سألتها هي.

داليا بدأت تعيط.

أمي قربت منها.

— متتكلميش.

قلت:

— ليه؟ خايفة تقول إيه؟

أمي قالت:

— مافيش حاجة تتقال.

طلعت نسخة التوكيل.

حطيتها قدامها.

— ده توقيع أبويا؟

وشها بقى أبيض.

قالت:

— أيوه.

— متأكدة؟

— طبعًا.

فتحت شنطتي.

وطلعت جواب قديم.

أبويا كان كاتبهولي قبل وفاته بشهور.

وحطيته جنب التوكيل.

قلت:

— خبير الخطوط المبدئي شايف إن في اختلافات واضحة محتاجة فحص رسمي.

أمي سكتت.

داليا فجأة قالت:

— ماما… كفاية.

أمي صرخت:

— اخرسي يا داليا!

لكن داليا انهارت.

— أنا تعبت!

لفيت ناحيتها.

قالت وهي بتعيط:

— أنا ماكنتش عارفة وقتها إن التوقيع مش بتاع بابا.

أمي قامت بسرعة ومسكت دراعها.

— اسكتي!

شلت إيد أمي عنها.

وقلت:

— كملي.

داليا كانت بتترعش.

— ماما قالتلي إن بابا عليه ديون… وإن لازم ننقل الفلوس بعيد عن الديانة قبل ما ياخدوها.

قلت:

— أي فلوس؟

بصتلي.

ولأول مرة، شفت في عينيها خوف حقيقي.

قالت:

— فلوس حساب بابا في سويسرا.

حتى عمر رفع رأسه.

أنا ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.

— أبويا ماكانش عنده حساب في سويسرا.

داليا ردت:

— كان عنده.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

— وكان فيه فلوس أكتر بكتير من اللي أنت متخيل.

أمي صفعتها.

الصوت دوّى في الأوضة.

لكن الكلمة كانت خرجت.

مسكت إيد أمي قبل ما تضربها تاني.

وقلت:

— كام؟

داليا انهارت على الكنبة.

وقالت:

— آخر رقم سمعته وقتها…

رفعت عينيها ناحيتي.

— كان حوالي اتنين مليون دولار.

ماحدش اتكلم.

اتنين مليون دولار.

أبويا مات وهو فاكر نفسه مفلس.

وأنا بدأت حياتي من الصفر.

وأمي طول السنين دي كانت بتتكلم عن التضحية والفقر، وبتحاسبني على كل جنيه بصرفه على مراتي.

قلت بصوت واطي:

— الفلوس راحت فين؟

داليا بصت لأمي.

وأمي للمرة الأولى…

ماكانتش بتعيط.

ولا بتصرخ.

ولا بتمثل.

كانت واقفة ساكتة.

وبتبتسم ابتسامة صغيرة غريبة.

وقالت:

— لو فتحت الملف ده يا سامح… هتعرف حاجات عن أبوك يمكن تكره إنك عرفتها.

قربت منها.

— جربي.

قالت:

— أبوك ماكانش الضحية اللي إنت فاكرها.

سكتت.

ثم قالت الجملة اللي خلت حتى داليا تبصلها بصدمة:

— وأبوك أصلًا… ما ماتش بالسبب اللي قلناهولك.

يتبع…

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى