رجعت من السفر حكايات اسما السيد 2

الفصل السابع: أبويا ما ماتش طبيعي
فضلت باصص لأمي.
ولا أنا، ولا داليا، ولا عمر فهمنا في الأول هي تقصد إيه.
قلت:
— قولي تاني.
أمي رفعت دقنها.
— أبوك ما ماتش بالسبب اللي قلتلكم عليه.
حسيت رجلي تقّلت.
— إحنا دفناه يا أمي.
— عارفة.
— وكان عنده أزمة قلبية.
ابتسمت بسخرية.
— دي الرواية اللي عشتوا بيها.
عمر اتدخل:
— يا مدام سعاد، أي كلام عن وفاة قديمة بالشكل ده ممكن يبقى له تبعات قانونية كبيرة. الأحسن تختاري كلامك بعناية.
لفت له.
— وإنت مالك؟
قلت:
— هو موجود عشان يسمع.
أمي بصتلي.
وبعدين قالت:
— أبوك قبل ما يموت بأسبوع عرف إن في فلوس اتنقلت من الشركة من وراه.
داليا شهقت.
أنا قلت:
— أنتي اللي نقلتيها؟
— جزء منها.
— والباقي؟
سكتت.
قلت بعصبية:
— والباقي راح فين؟!
قالت:
— طارق.
اسم المحامي نزل عليّ زي الحجر.
— طارق الشاذلي؟
— أيوه.
— وإيه علاقته بأبويا؟
أمي قعدت بهدوء.
كأنها خلاص قررت إن التمثيل انتهى.
وقالت:
— كان شريكه من الباطن.
ضحكت.
— أبويا عمره ما قال إن له شريك.
— لأنه ماكانش عايزك تعرف طبيعة الشغل التاني.
سألت:
— شغل إيه؟
بصتلي مباشرة.
— تحويلات فلوس بره البلد.
عمر ضيّق عينه.
أمي كملت:
— كانوا بياخدوا عمولات على تحويلات لشركات وأشخاص، وكانوا بيستخدموا شركات صغيرة عشان يغطوا الحركة.
قلت:
— بتتكلمي عن غسيل أموال؟
أمي اتعصبت:
— ما تحطش كلام في بوقي!
عمر قال بجدية:
— الوصف اللي حضرتك قولتيه محتاج تحقيق رسمي.
أمي قامت.
— خلاص بقى! أنا مش هكمل.
قلت:
— لأ، هتكملي.
سكتت.
قلت:
— أبويا عرف إنك نقلتي الفلوس… وبعدها مات بأسبوع؟
ملامحها اتحولت.
قالت:
— مات بعد خناقة.
— خناقة مع مين؟
ما ردتش.
داليا فجأة همست:
— مع طارق.
لفيت لها.
— إنتِ عارفة؟
أمي صرخت:
— إنتِ مالك أصلًا؟!
داليا وقفت.
— أنا كنت في البيت!
وش أمي اختفى منه اللون.
داليا كملت وهي بتعيط:
— كنت عندي سبعتاشر سنة، بس مش طفلة. سمعتهم.
قلت:
— سمعتي إيه؟
— بابا كان بيزعق.
ابتدت أنفاسها تعلى.
— كان بيقول لطارق: “أنا مش هلبس القضية لوحدي.”
سكتت.
أنا قربت منها.
— وبعدها؟
— سمعت خبطة جامدة.
جسمي كله برد.
— وبعدها؟
— ماما دخلت الأوضة… وقعدت جوه كتير.
أمي قالت:
— كانت خناقة عادية!
داليا بصت لها.
— لأ.
أمي قربت منها.
— داليا!
صرخت داليا:
— لأ يا ماما!
وسكت المكان كله.
داليا مسحت دموعها.
— لما خرجتي من الأوضة… كان في دم على كم القميص بتاعك.
معدتي اتقلبت.
أمي رفعت إيدها وصفعتها تاني.
المرة دي أنا مسكتها قبل ما تكمل.
قلت:
— كفاية.
أمي صرخت:
— دي مجنونة!
قلت:
— لا.
بصيت لداليا.
— كملي.
داليا قالت:
— تاني يوم بابا دخل المستشفى.
— بسبب إيه؟
— قالوا ضغطه وقع.
أمي صرخت:
— كان تعبان أصلًا!
داليا تجاهلتها.
— وبعدها بيومين مات.
رجعت بصري لأمي.
— إيه اللي حصل في الأوضة؟
قالت:
— ولا حاجة.
— إيه اللي حصل؟
— قلتلك ولا حاجة.
عمر قال:
— سامح، من هنا أي اعتراف أو اتهام لازم يمشي رسمي. ما نضغطش أكتر.
كنت عارف إنه صح.
لكن في اللحظة دي…
ما كنتش شايف غير وش أبويا.
آخر مرة شفته فيها.
كان مرهق.
ومش قادر يبصلي في عيني.
افتكرت جملة قالهالي قبل ما يدخل المستشفى:
“خلي بالك من ورقك يا سامح… الإمضاء ساعات يقتل أكتر من السلاح.”
طول السنين دي، كنت فاكر إنه بيتكلم عن الشغل.
دلوقتي فهمت.
كان بيحذرني من حاجة حصلت له هو.
الفصل الثامن: الصندوق اللي فضح كل حاجة
سألت أمي:
— فين ورق أبويا؟
قالت:
— اتحرق.
ضحكت.
— كله؟
— أيوه.
داليا بصتلي بسرعة.
اللحظة دي ما فاتتش عليا.
قلت:
— فين؟
قالت:
— إيه؟
— الورق.
— ماما قالتلك اتحرق.
قلت:
— أنا بسألِك إنتِ.
فضلت ساكتة.
أمي قالت:
— سيب أختك!
قلت:
— داليا؟
نزلت عينيها.
وقالت:
— فيه صندوق.
أمي اندفعت ناحية داليا.
— والله لو قولتي—
قلت:
— الصندوق فين؟
داليا كانت بتعيط وهي بتقول:
— في بيت جدي القديم.
أمي وقفت.
أنا سألت:
— فين بالظبط؟
— في المخزن اللي فوق السطح.
— إيه اللي فيه؟
— معرفش كله… بس بابا كان مخبيه.
أمي قالت:
— مافيش صندوق!
داليا ردت لأول مرة بقوة:
— فيه.
وبعدين بصتلي.
— أنا شفته بعد وفاة بابا. ماما كانت هترميه، وأنا خبيته.
بصيت لها بعدم تصديق.
— من 11 سنة؟
هزت راسها.
— كنت خايفة.
قلت:
— من إيه؟
بصت لأمي.
— منها.
بعدها بساعتين كنا في بيت جدي القديم.
البيت كان مقفول أغلب الوقت.
ريحة التراب والرطوبة مالية المكان.
طلعنا السلم للسطح.
داليا شالت حاجات قديمة من فوق صندوق حديد صغير.
كان عليه قفل صدي.
قالت:
— ده هو.
اتفتح بصعوبة.
وفي اللحظة اللي فتحناه فيها…
عرفت إن أبويا كان متوقع إن حاجة تحصل له.
جواه كان فيه:
دفتر حسابات.
ثلاثة فلاشة.
نسخ من تحويلات بنكية.
صور جوازات سفر.
ومظروف مكتوب عليه بخط أبويا:
“لسامح فقط.”
إيدي اترعشت وأنا بفتحه.
كان فيه جواب.
بدأت أقرأ.
“يا سامح،
لو الجواب ده وصلك، يبقى غالبًا أنا ماقدرتش أصلح الغلط اللي عملته.
أنا دخلت في شغل ماكانش ينفع أدخله.
في الأول افتكرته مجرد تحويلات قانونية وتسهيلات للشركات.
وبعدين اكتشفت إن طارق كان بيستخدم اسمي وشركتي لتحويل فلوس مشروعة وغير مشروعة.
لما حاولت أخرج، بدأ يهددني.
أمك كانت عارفة.
بل أسوأ من كده…
كانت بتساعده.”
وقفت عن القراءة.
داليا حطت إيدها على بوقها.
كملت.
“في مبالغ كبيرة اتحولت باسمها وباسم داليا.
داليا صغيرة وماعتقدش إنها فاهمة.
لكن سعاد فاهمة كل حاجة.
لو جرالي حاجة، دور ورا شركة اسمها النور للاستشارات.
ودور ورا حساب في قبرص.
وما تثقش في أي ورقة عليها توقيعي من بعد تاريخ 14 مارس.”
بصيت لعمر.
قال:
— ده ممكن يغيّر كل القضية.
رجعت للجواب.
وفي آخر سطر…
أبويا كاتب:
“ولو قالولك إني مت بأزمة قلبية، اطلب تشوف تقرير السموم.”
سكتنا.
داليا بدأت تبكي بصوت عالي.
أما أنا…
كنت مش قادر أتنفس.
الفصل التاسع: التقرير اللي اختفى
رجعت المستشفى القديم اللي أبويا مات فيه.
طبعًا بعد 11 سنة، مفيش حاجة سهلة.
ملفات اتنقلت.
أرشيف اتقفل.
موظفين سابوا الشغل.
لكن في شغلي اتعلمت حاجة:
المستند اللي الناس فاكرة إنه اختفى…
غالبًا بيكون له نسخة في مكان تاني.
طلبنا قانونيًا مراجعة السجلات المتاحة.
ولقينا تقرير الدخول.
اسم أبويا.
تاريخ الدخول.
ضغط منخفض.
دوخة.
غثيان.
اضطراب في ضربات القلب.
لكن تقرير السموم؟
مش موجود.
عمر قال:
— ممكن ما يكونش اتعمل.
قلت:
— هو طلبه في الجواب.
— ده معناه إنه كان شاكك إن حاجة ممكن تحصل.
قلبنا الملف.
ولقينا حاجة أغرب.
كان فيه طلب تحليل سموم بالفعل.
لكن النتيجة مش مرفقة.
الطلب عليه توقيع طبيب اسمه:
الدكتور رأفت جلال.
بحثنا عنه.
طلع متقاعد وعايش في الإسكندرية.
اتصلنا بيه رسميًا من خلال المحامي.
في الأول رفض يتكلم.
لكن لما سمع اسم أبويا…
سكت.
وبعدين قال:
— أنا فاكر الحالة.
سألته:
— مات بإيه؟
قال:
— التقرير النهائي قال اضطراب حاد في القلب.
قلت:
— والتحليل؟
صوته اتغير.
— مين قالك عن التحليل؟
— أبويا.
سكت.
قلت:
— يا دكتور، محتاج أعرف الحقيقة.
رد:
— أنا ماقدرش أتكلم في تليفون.
سافرنا له.
كان راجل كبير في السن.
إيده بترتعش.
قعد قدامي وقال:
— أنا عشت السنين دي كلها مستني اليوم ده.
قلت:
— يوم إيه؟
— اليوم اللي حد من عيلته يسأل.
طلع ملف بني صغير.
قال:
— أنا احتفظت بنسخة.
عمر سأله:
— ليه؟
قال:
— لأن النتيجة اختفت من المستشفى بعد ساعات.
قلت:
— كانت إيه؟
بصلي.
— مادة بتأثر على ضربات القلب وضغط الدم.
— سم؟
— بجرعة معينة… ممكن تبقى قاتلة.
حسيت إيدي بردت.
— والمادة دخلت جسمه إزاي؟
قال:
— ماقدرش أحدد.
عمر سأله:
— مين استلم النتيجة الأصلية؟
الدكتور سكت.
قلت:
— يا دكتور؟
قال:
— ست قالت إنها زوجته.
غمضت عيني.
— أمي.
قال:
— هي اللي استلمت نسخة مؤقتة بحجة إن الدكتور المعالج طلبها.
عمر قال:
— هل ده كان قانوني؟
الدكتور هز راسه.
— لأ.
— طب سلمتهالها ليه؟
نزل عينه.
— لأنها كانت معاها خطاب رسمي.
— من مين؟
قال:
— من المحامي بتاع المستشفى وقتها.
قلت:
— اسمه؟
الدكتور رفع عينه.
وقال:
— طارق الشاذلي.
كل الطرق كانت بترجع لنفس الراجل.
الفصل العاشر: داليا قالت الحقيقة كاملة
رجعنا القاهرة.
داليا طلبت تقابلني لوحدنا.
قعدنا في مكتبي.
كانت منهارة.
قالت:
— أنا كنت عارفة إن ماما ليها علاقة بفلوس بابا.
قلت:
— كنتِ عارفة قد إيه؟
— مش كل حاجة.
سكتت.
قلت:
— ماينفعش تفضلي تقولي “مش كل حاجة”. قولي اللي عندك مرة واحدة.
بصتلي.
— بعد موت بابا، ماما قالتلي إن كل اللي حصل كان عشان تحمينا.
— تحمينا من إيه؟
— من السجن.
ضحكت بمرارة.
— وإحنا عملنا إيه؟
— بابا كان ماضي على أوراق كتير. قالت إن لو التحقيق اتفتح، اسم العيلة كلها هيتبهدل.
قلت:
— وإنتِ صدقتيها؟
— كنت صغيرة.
— وبعدين كبرتي.
دموعها نزلت.
— ولما كبرت كنت استفدت.
الكلمة دي كانت أهم اعتراف قالته.
قلت:
— كملي.
— ماما حطتلي فلوس في حسابات. جابتلي عربية. دفعتلي الجامعة. ساعدتني أفتح مشروع.
— من فلوس أبويا؟
هزت راسها.
— آه.
قلت:
— واللي حصل لمريم؟
سكتت.
قلت:
— قولي.
قالت:
— أنا في الأول ماكنتش عايزة الموضوع يوصل لكده.
— يوصل لإيه؟ إنها تموت؟
صرخت:
— لأ!
— كانت بتنـزف يا داليا!
— ماما قالت إنها بتمثل!
قمت من مكاني.
— والتدفئة؟
— ماما اللي قفلتها.
— الدوا؟
نزلت عينيها.
— أنا خدته.
— ليه؟
— قالتلي إننا لازم نخلي حالتها تسوء شوية.
تجمدت.
— ليه؟
قالت:
— عشان يبقى في دليل إنها مش قادرة تهتم بنفسها ولا بالطفل.
سكت.
مافيش كلمة طلعت مني.
داليا انهارت.
— كانت الخطة إننا ناخد الطفل فترة مؤقتة.
قلت:
— “ناخد”؟
— ماما قالت إنك لما ترجع وتلاقي مريم منهارة، هتصدق إنها عندها مشكلة نفسية بعد الولادة.
— والفلوس؟
— قالت إننا نخلي شكلها كأنها صرفتهم.
— والمستندات؟
سكتت.
قلت:
— إيه المستندات؟
قالت:
— الورق اللي مضته مريم…
قلبي ضرب.
— ماله؟
— ماكانش ورق ممرضة.
— أمال إيه؟
قالت:
— توكيلات.
— توكيلات بإيه؟
رفعت عينيها.
— بإدارة حساباتها… والتصرف في جزء من ممتلكاتها.
بصيت لها.
— مريم مالهاش ممتلكات كبيرة.
داليا قالت:
— دي المشكلة.
— إيه؟
— ماما اكتشفت إن عندها أرض ورثتها عن جدها.
أنا ماكنتش أعرف.
داليا كملت:
— الأرض داخلة في مشروع جديد.
— كام قيمتها؟
— ماما قالت بعد المشروع ممكن تعدي 20 مليون جنيه.
حسيت إني فهمت أخيرًا.
ماكانش الموضوع غيرة من مريم.
ولا سيطرة.
ولا حتى كراهية.
كان طمع.
قلت:
— يعني كانوا عايزين يثبتوا إنها غير مؤهلة، يمسكوا الطفل، ويسيطروا على ممتلكاتها؟
داليا همست:
— أيوه.
قلت:
— وأمي كانت هتعمل إيه بيا؟
سكتت.
بصيت لها.
— أنا كمان كنت جزء من الخطة؟
دموعها زادت.
وقالت:
— ماما كانت بتقول إنك لو وقفت ضدها…
سكتت.
قلت:
— كملي.
— كانت هتطلع الورق القديم بتاع بابا.
— وتعمل بيه إيه؟
قالت:
— تخليك تبان إنك شريك في تحويلات قديمة.
ضحكت.
— كان عندي 24 سنة!
— في أوراق باسمك.
قلبي وقف.
— إيه؟
— طارق جهز أوراق من سنين… احتياطي.
هنا فهمت ليه أمي كانت واثقة طول الوقت.
هي ماكانتش بس فاكرة إنها تتحكم فيا كأم.
هي كانت فاكرة إن معاها قنبلة تقدر تدمر بيها سمعتي وشغلي لو خرجت عن طوعها.
الفصل الحادي عشر: المكالمة الأخيرة
ماكنتش عايز أكلم أمي.
لكن عمر قال:
— محتاجين نخلي كل حاجة تمشي رسمي من هنا.
عملنا البلاغات اللازمة.
البنك حفظ السجلات.
المستندات دخلت للفحص.
وتقرير السموم القديم اتقدم للجهات المختصة.
وداليا وافقت تدلي بأقوالها كاملة.
في نفس الليلة…
أمي اتصلت.
رديت.
قالت:
— إنت عملت إيه يا سامح؟
صوتها لأول مرة كان خايف.
قلت:
— ولا حاجة مش قانونية.
— داليا قالتلك إيه؟
— كتير.
صرخت:
— البنت دي كدابة!
قلت:
— وعندي جواب بابا.
سكتت.
الصمت اللي بعد الجملة دي أكدلي كل حاجة.
قلت:
— لقيت الصندوق.
سمعت نفسها بيتغير.
— سامح…
— ولقيت التقرير.
قالت بسرعة:
— تقرير إيه؟
قلت:
— تحليل السموم.
سكتت.
ثم قالت:
— طارق هو اللي عمل كل حاجة.
قلت:
— متأخرة.
— والله هو اللي هددني!
— وأبويا؟
— أنا ماقتلتوش!
دي كانت أول مرة أذكر فيها القتل؟
لأ.
أنا ما قلتش إنها قتلته.
هي قالتها بنفسها.
فضلت ساكت.
هي فهمت.
وقالت بسرعة:
— أقصد… أنا مالي بموته؟!
قلت:
— كملي يا أمي.
— طارق جه يومها. اتخانقوا. أبوك هدد يبلغ عنه. طارق اداله دوا وقال إنه للضغط.
قلبي انقبض.
— وإنتِ عرفتي إنه خطر؟
سكتت.
— عرفتي؟
قالت بصوت ضعيف:
— بعدين.
— إمتى؟
— بعد ما تعب.
— وخدتي التحليل ليه؟
بدأت تعيط.
— كنت خايفة!
— على مين؟
— عليكم.
— لا.
سكتت.
قلت:
— كنت خايفة على نفسك.
ما ردتش.
قلت:
— ليه سبتيه يموت؟
صرخت:
— أنا ما سبتوش!
— ليه ما بلغتيش؟
— طارق قال إنه لو اتقبض عليه هيقول إني شريكته.
— وكنتِ فعلًا شريكته؟
صمت.
وده كان كفاية.
قلت:
— انتهى الكلام.
قالت بسرعة:
— سامح، أنا أمك.
رديت:
— ومريم أم ابني.
وقفلت.
الفصل الثاني عشر: لما رجعت البيت
مر حوالي شهرين.
مريم بدأت تستعيد صحتها.
كانت لسه بتصحى من النوم مفزوعة ساعات.
تفتكر إنها رجعت لوحدها في الشقة.
تفتكر البرد.
تفتكر إنها بتنادي ومحدش بيرد.
كنت أقولها:
— أنا هنا.
وفي مرة ردت عليا:
— بس إنت ماكنتش هنا وقتها.
الجملة وجعتني.
لأنها كانت صح.
أنا ما كنتش موجود.
لكن الغياب مش دايمًا اختيار.
والثقة الغلط ساعات بتبقى أخطر من الغياب نفسه.
القضايا اتحركت.
جزء من التحويلات اتجمد.
الذهب والمصروفات الكبيرة اتحصرت.
التوكيلات اللي اتعملت لمريم بدأ الطعن عليها بسبب الظروف اللي اتوقعت فيها.
داليا تعاونت مع التحقيق، وده خفف موقفها نسبيًا، لكنه ما مسحش مسؤوليتها.
أما أمي…
فاتحقق معاها في أكتر من ملف.
سرقة الأموال.
التلاعب بالمستندات.
تعريض مريم والطفل للخطر.
وفتح ملف مالي قديم متعلق بأبويا.
طارق حاول يختفي.
لكن الراجل اللي عاش عمره يخبي آثار الناس…
نسي إن آثار الفلوس عمرها ما بتختفي تمامًا.
اتقبض عليه بعد محاولته يحول مبلغ كبير لحساب خارج البلد.
وبعدها بدأت الخيوط القديمة تطلع واحدة واحدة.
ماعرفتش وقتها هل هيثبت قانونيًا مين تسبب مباشرة في موت أبويا.
لكن لأول مرة من 11 سنة…
موته ما بقاش مجرد “أزمة قلبية” اتحطت في ملف واتقفل.
بقى له تحقيق.
وله أسئلة.
وله حق حد بيدور عليه.
أما أنا…
ما رجعتش بيت أمي تاني.
وفي يوم، وأنا واقف في بلكونة بيتنا بعد ما غيرنا كل الأقفال وأنظمة الدخول…
كانت مريم شايلة ابننا.
بقي وشها فيه لون من تاني.
والولد كان نايم على كتفها.
قالت:
— سامح؟
— نعم؟
— نعمل إيه في الفلوس لو رجعت؟
بصيتلها.
— فلوس إيه؟
— اللي سرقوها.
قلت:
— دي فلوسك وإنتِ وابننا.
هزت راسها.
— أنا مش عايزة ولا جنيه يفضل فاكرني باللي حصل.
فكرت شوية.
وقالت:
— عايزة أعمل بيهم حاجة للأمهات اللي بيخرجوا من الولادة ومابيكونش عندهم حد يساعدهم.
ابتسمت.
— نعملها.
بصتلي.
— بجد؟
— بجد.
بعد شهور، بدأنا مؤسسة صغيرة بتساعد الأمهات اللي محتاجين علاج أو دعم بعد الولادة.
ومريم أصرت إن أول بند فيها يكون:
“محدش يفضل لوحده.”
أما داليا…
بعتتلي رسالة طويلة.
اعتذرت.
قالت إنها مستعدة تقبل أي حكم أو نتيجة.
ما رديتش عليها وقتها.
لأن المسامحة مش زرار بندوس عليه.
ومش معنى إن حد ندم إن الجرح اختفى.
لكن يومها وأنا شايل ابني…
فهمت حاجة واحدة.
أمي كانت طول عمرها فاكرة إن العيلة معناها الطاعة.
إن الابن لازم يسكت.
والأخت لازم تمشي وراها.
والزوجة لازم تتكسر عشان البيت يفضل “متماسك”.
لكن البيت اللي بيتبني على الخوف…
مش بيت.
والمحبة اللي محتاجة ضحية عشان تعيش…
مش محبة.
وبعد حوالي سنة من اللي حصل…
اتصل بيا عمر.
قال:
— سامح، عندي خبر عن قضية والدك.
قلبي اتقبض.
قلت:
— إيه؟
قال:
— تقرير الطب الشرعي والمستندات القديمة، ومعاهم اعترافات جديدة من طارق…
وسكت.
قلت:
— عمر؟
قال:
— أبوك ما ماتش موتة طبيعية.
غمضت عيني.
كنت مستني الجملة دي من يوم ما لقيت الجواب.
لكن لما سمعتها…
ما حسيتش بانتصار.
حسيت بحزن.
قال:
— طارق اعترف إنه حط له مادة في الدواء عشان يخوفه ويمنعه من الكلام… لكنه بيقول إنه ماكانش يقصد يقتله.
قلت:
— وأمي؟
سكت عمر لحظة.
— اعترف إنها كانت عارفة قبل ما والدك ياخد الجرعة.
ما قدرتش أتكلم.
قال:
— وفي دليل إنها هي اللي قدمتله الدواء.
قعدت على أقرب كرسي.
قدامي كانت مريم بتلعب مع ابننا.
ضحكته مالية البيت.
وأنا في اللحظة دي فهمت الحقيقة كاملة.
أمي كانت تقدر تنقذ أبويا.
وما عملتش.
وبعد 11 سنة…
كانت مستعدة تعمل نفس الشيء مع مريم.
تسيب شخصًا ينهار…
طالما انهياره هيخدمها.
لكن المرة دي…
رجعت قبل معادي.
والمرة دي…
الحكاية ما اتدفنتش.
تمت.
#أسما_السيد
حكــايات الكاتبة أسما السيد
شكرًا لقراءتكم
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




