حلمي بسيط حكايات اسما السيد 1

مراتي مريم كانت بتحلم من زمان جدًا إن يبقى عندها بنت. حتى قبل ما نتجوز، كانت دايمًا تحكيلي قد إيه نفسها في بنت صغيرة تشبهها، تسرّحلها شعرها، تنزل معاها تشتري هدوم، وتحكيلها أسرارها لما تكبر، وتعيش معاها علاقة الأم والبنت اللي كانت طول عمرها نفسها فيها. ولما مريم حملت لأول مرة، كانت فرحانة بشكل مش طبيعي. من أول شهور الحمل بدأت تتخيل كل حاجة.
أوضة باللون الهادي، فساتين صغيرة، توك شعر، ولعب بنات.
كانت كل شوية تحط إيدها على بطنها وتقول وهي بتضحك:
— حاسة إنها بنت… قلبي بيقولي كده.
لكن يوم الولادة…
الدكتور ابتسم وقال:
— مبروك… ولد زي القمر.
مريم سكتت ثواني.
وبعدين أول ما حطوه في حضنها، عيطت وضمتُه لصدرها.
حبته من أول لحظة.
ومع مرور الوقت، بقيت أم ممتازة فعلًا.
لكن حلم البنت ما اختفاش.
بعد سنتين حملت تاني.
وقالتلي:
— المرة دي حاسة إنها بنت بجد.
لكن الطفل التاني…
طلع ولد برضه.
وبعدين جه التالت.
ولد.
والرابع…
ولد.
ولما حملت للمرة الخامسة، بقينا تقريبًا بنضحك ونقول إن بيتنا مكتوب عليه يبقى فريق كورة كامل.
وفعلًا…
رزقنا ربنا بولد خامس.
بيتنا بقى مليان دوشة وضحك وخناقات أطفال ولعب مرمية في كل حتة.
ومريم كانت بتحب ولادنا الخمسة حب مايتوصفش.
عمرها ما فرقت بينهم.
وعمرها ما حسست واحد فيهم إنه جه بدل بنت كانت نفسها فيها.
لكن أنا كنت جوزها…
وكنت شايف حاجات غير الناس.
كنت ألاحظ نظرتها لما تشوف أم ماشية مع بنتها في الشارع.
أو لما بنت صغيرة من قرايبنا تيجي تزورنا وتطلب من مريم تسرحلها شعرها.
كانت تضحك وتنبسط…
وبعد ما البنت تمشي، تسكت شوية.
في مرة سألتها:
— لسه نفسك في بنت؟
ضحكت وقالت:
— عندي خمس رجالة في البيت، عايزني أطمع أكتر من كده؟
لكن عينيها قالت حاجة تانية.
مع الوقت، قررنا إن خمسة أطفال كفاية.
الحياة كانت صعبة ومكلفة، ومريم نفسها بقت مرهقة.
فاتفقنا إن خلاص…
باب الخلفة اتقفل.
مرت سنتين.
وفي صباح عادي جدًا، خرجت مريم من الحمام وهي ماسكة اختبار حمل.
وشها كان مصدوم.
بصيت للاختبار.
خطين.
قلت:
— إنتِ حامل؟
قعدت على طرف السرير وقالت:
— مش ممكن.
لكنها كانت حامل فعلًا.
في البداية كنا مرعوبين.
خمسة أطفال، والسادس في الطريق.
لكن بعد أسابيع بدأ الخوف يتحول لفرحة.
وفي يوم الكشف، كنا قاعدين قدام الدكتورة.
الدكتورة بصت للشاشة.
ابتسمت.
وقالت:
— تحبوا تعرفوا النوع؟
مريم مسكت إيدي بقوة.
قلت:
— قوليلنا.
الدكتورة ضحكت.
— بنت.
مريم بصت لها.
كأنها ما فهمتش.
— إيه؟
— بنت يا مدام مريم.
مريم بدأت تعيط.
ضحكت وهي بتعيط، وغطت وشها بإيديها.
أنا عمري ما شفتها فرحانة بالشكل ده.
من اليوم ده اتغيرت.
بدأت تشتري هدوم صغيرة.
تجهز الأوضة.
تختار أسماء.
وفي الآخر استقرينا على اسم:
ليان.
ولما يوم الولادة جه، كنت واقف جنب مريم وقلبي هيطلع من صدري.
وبعد ساعات طويلة…
سمعنا صوت بكاء صغير.
الدكتورة قالت:
— مبروك… ليان وصلت.
الممرضة لفتها في بطانية وردية خفيفة وحطتها في حضن مريم.
كنت متوقع أشوف اللحظة اللي استنتها مراتي سنين.
كنت متوقع إنها تضحك.
تعيط.
تحضنها.
لكن مريم…
بمجرد ما بصت في وش الطفلة…
اتجمدت.
ابتسامتها اختفت.
فضلت تحدق في ملامح ليان لثواني طويلة.
وبعدين رفعت عينيها ناحيتي.
وشها كان شاحب بطريقة خوفتني.
قلت:
— مالك؟
مردتش.
بصت للطفلة تاني.
قربت وشها منها كأنها بتدور على حاجة معينة.
ثم قالت بصوت منخفض جدًا:
— أحمد…
— نعم؟
بلعت ريقها.
وقالت جملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي:
— البنت دي… مش بنتنا.
فضلت أبصلها وأنا مش فاهم.
— إنتِ بتقولي إيه؟
لكن مريم شدت الطفلة ناحية صدرها فجأة، ونظرت للممرضة بخوف.
ثم قالت:
— حد يجيب الدكتورة حالًا.
سألتها:
— مريم… إيه اللي شوفتيه؟
بصتلي.
والدموع بدأت تنزل من عينيها.
— في علامة كان المفروض تكون موجودة.
— علامة إيه؟
قالت:
— علامة وراثية عند كل البنات في عيلتنا…
وسكتت لحظة.
ثم همست:
— وليان معندهاش العلامة دي.
وفي اللحظة دي…
فتحت الممرضة الباب بسرعة.
لكن اللي دخل ماكانتش الدكتورة.
كانت ست كبيرة في السن واقفة عند الباب، ووشها أبيض زي الورقة.
ومجرد ما شافت الطفلة في حضن مريم…
قالت:
— يا نهار أبيض…
أنا ومريم بصينا لها.
وساعتها فهمت إن فيه حد في المستشفى…
كان عارف حاجة إحنا لسه ماعرفناهاش.
والحكاية الحقيقية…
كانت لسه بتبدأ.
الست الكبيرة فضلت واقفة عند الباب.
وشها شاحب، وإيديها ماسكة في طرف عبايتها بقوة.
مريم ضمت ليان لصدرها أكتر.
قلت:
— حضرتك مين؟
الست ما ردتش.
كانت عينيها معلقة على الطفلة.
الممرضة اللي كانت واقفة جنبنا قالت بتوتر:
— يا حاجة، مين سمح لحضرتك تدخلي هنا؟
الست همست:
— أنا آسفة… غلطت في الأوضة.
واستدارت بسرعة.
لكن مريم صرخت:
— استني!
الست وقفت.
مريم قالت:
— إنتِ قولتي “يا نهار أبيض” لما شوفتي بنتي. ليه؟
— ماقولتش حاجة.
— أنا سمعتك.
قربت من السرير.
— والله يا بنتي أنا معرفكيش.
قلت:
— طب تعرفي الطفلة؟
عينيها اتحركت ناحية ليان.
وكان واضح جدًا إنها بتحاول ما تبصش لها.
— لأ.
مريم قالت:
— بصيلي.
الست رفعت عينيها.
— إنتِ تعرفي إيه؟
وقبل ما تجاوب، دخلت ممرضة تانية.
أول ما شافت الست، ملامحها اتغيرت.
— حضرتك بتعملي إيه هنا؟
الست قالت:
— كنت بدور على بنتي.
— بنت حضرتك في الدور التالت، مش هنا.
خرجت بسرعة.
بصيت للممرضة.
— مين دي؟
— والدة واحدة والدة النهارده.
مريم سألت فورًا:
— خلفت إيه؟
الممرضة ترددت.
— بنت.
بصيت لمريم.
وشفت الخوف يكبر في عينيها.
قلت:
— مريم، متسبقيش الأحداث.
لكنها بصت للطفلة وقالت:
— أنا مش بسبق حاجة.
ثم رفعت الغطاء الصغير عن قدم ليان.
— العلامة دي موجودة عند أمي وأخواتي البنات وبنات خالاتي. وأنا كمان عندي.
قلت:
— ومش شرط بنتنا تورثها.
— عارفة.
رفعت عينيها.
— علشان كده مش هتهم حد.
ثم قالت للممرضة:
— لكن عايزة نتأكد إن دي بنتي.
الممرضة ابتسمت بتوتر.
— أكيد بنت حضرتك، إحنا عندنا أساور تعريف.
مريم بصت لمعصم الصغيرة.
— وريني السوار.
الممرضة قربت.
وكان عليه اسم مريم ورقم الملف.
تنفست.
لكن مريم سألت:
— والسوار بيتحط إمتى؟
— بعد الولادة مباشرة.
— مين اللي حطه؟
الممرضة سكتت.
قلت:
— سؤالها واضح.
— زميلتي كانت موجودة وقت الولادة.
— فينها؟
— خلصت ورديتها.
مريم قالت:
— عايزة أشوف الدكتورة المسؤولة.
الممرضة بدأت تتضايق.
— يا مدام، حضرتك خارجة من ولادة ومتوترة…
مريم قاطعتها:
— متقوليش متوترة.
ثم أشارت ناحية ابنتها.
— أنا بطلب أتأكد إن الطفل اللي في حضني هو الطفل اللي خرج مني.
في اللحظة دي دخلت الدكتورة.
سمعت الكلام.
وبدون نقاش قالت:
— من حقها.
الممرضة اتفاجئت.
الدكتورة كملت:
— راجعوا سجل الولادة، أرقام الأساور، وسجل دخول وخروج الأطفال.
مريم سألت:
— وممكن نعمل تحليل؟
قلت:
— تحليل نسب؟
هزت رأسها.
الدكتورة قالت:
— ممكن، لكن مراجعة الإجراءات هتبدأ فورًا.
مريم ضمت الصغيرة.
وهمست:
— مش هسيبها ثانية.
لكن بعد أقل من ساعة…
رجعت الدكتورة.
ومعاها مديرة التمريض.
والاتنين وشهم مكانش مطمّن.
قفلت مديرة التمريض الباب.
وقالت:
— لقينا مشكلة.
قلبي وقع.
— مشكلة إيه؟
قالت:
— بعد الولادة بحوالي سبعتاشر دقيقة، حصل إنذار في حضانة الأطفال بسبب عطل كهربائي بسيط.
مريم سألت:
— وبعدين؟
— الأطفال اتنقلوا مؤقتًا للغرفة المجاورة.
— وليان؟
سكتت.
مريم صرخت:
— بنتي حصلها إيه؟!
قالت المديرة:
— فيه حوالي إحدى عشرة دقيقة…
ثم بلعت ريقها.
— الكاميرا اللي بتغطي مدخل الغرفة مكانتش بتسجل.
يتبع
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




