عامروايات وقصص

الواقع 1 حكايات اسما السيد

أنا ما اتجوزتش علشان كنت بحب جوزي…أنا اتجوزته علشان ..ودي كانت أول غلطة عملتها.أما الغلطة التانية…

فكانت إني فتحت الباب للست اللي جوزي حذرني منها قبل ما أعرف أصلًا إنها موجودة.

اسمي مروة، وكان عندي سبعة وعشرين سنة لما الحكاية بدأت.

من وأنا صغيرة وأنا حاسة إني الضيفة التقيلة في بيت أهلي.

أخويا الكبير كان مدلل…أختي الصغيرة كانت مدللة.

وأنا؟أنا اللي أصحى بدري…أنا اللي أنضف.

أنا اللي أطبخ.أنا اللي أقضي المشاوير.ولو اعترضت، أمي تقول:البنت الشاطرة هي اللي تخدم أهل بيتها.

ولو قلت إني تعبت، أبويا يرد: لما تروحي بيت جوزك ابقي اعملي اللي إنتِ عايزاه.

الجملة دي فضلت محفورة في دماغي سنين.بيت جوزك.

كنت شايفة الجواز باب.

مش مهم مين واقف وراه…المهم الباب يفتح وأخرج.

لكن العرسان كانوا قليلين…واللي ييجي، الموضوع ما يكملش.

مرة اختلاف على الشبكة…مرة أبويا يطلب طلبات فوق طاقة العريس.

ومرة أمي ترفض لمجرد إن شكله ما عجبهاش.لحد ما جه ماهر.

راجل هادي…عنده حوالي خمسة وتلاتين سنة.

بيشتغل في تجارة الحبوب والمحاصيل، وعايش في بيت صغير ورثه عن أبوه في منطقة زراعية بعيدة.

لا غني…ولا فقير..ولا كلامه كتير.

دخل شافني مرة واحدة.وبعد الزيارة بيوم، قال لأبويا:

— لو مروة موافقة، أنا جاهز نكتب الكتاب آخر الأسبوع.

اتفاجئت…أمي نفسها اتفاجئت…قالت لي: الراجل مستعجل ليه؟

لكنها ما كانتش بتسأل خوفًا عليا.

كانت خايفة بس تكون فيه مشكلة ترجعني لهم تاني.

قلت:وأنا موافقة.

ولا سألت.

ولا فكرت.حتى لما ماهر قال إنه مش طالب جهاز ولا عفش ولا حاجة غير هدومي…

فرحت أكتر…قلت لنفسي:ربنا فتحها في وشي.

خلال أيام كنت عروسة…وفي آخر الفرح، ركبت جنبه العربية.

أمي قالت لي من الشباك: خلي بالك من بيتك بقى.

ما حضنتنيش…وأبويا ما خرجش أصلًا يودعني.

والغريب؟إني ما زعلتش.

كنت ببص قدامي وأقول:خلصت.

لكن ماكنتش أعرف إني بدل ما أهرب من بيت…

كنت داخلة مكان نفسي أرجع منه لأي بيت في الدنيا.

—

مشينا بالعربية فترة طويلة..في الأول كان فيه بيوت.

وبعدين البيوت قلت.وبعدين اختفت تقريبًا.

طريق ترابي طويل…زرع على الناحيتين.

والدنيا كانت قربت على نص الليل…قلت لماهر:

— هو إحنا لسه بعيد؟قال:

— قربنا.

— المنطقة هنا هادية أوي.

بصلي لحظة.

— الهدوء أحسن من الناس.

ضحكت= للدرجة دي مش بتحب الجيران؟

قال: لما تعيشي هنا هتفهمي.

بعد حوالي ربع ساعة وقف قدام بيت من دور واحد، حواليه سور قصير.ورا البيت كان فيه شجر كتير.

وقدامه أرض واسعة مظلمة.

نزلت…بصيت حواليا…مفيش صوت غير الهوا.

ولا عربية.ولا حتى نور بيت بعيد.

قلت: مفيش حد ساكن حوالينا؟

ماهر كان بينزل الشنط.

قال:أقرب بيت بعيد شوية.

— قد إيه؟

— متشغليش بالك.

دخلنا.

البيت من جوه كان بسيط لكنه نضيف.

أوضتين.

صالة.

مطبخ.

حمام.

وفي آخر طرقة صغيرة كان فيه باب خشب قديم.

كنت همسك المقبض…ماهر قال بسرعة: الباب ده سيبيه مقفول…لفيت له=ليه؟

— مخزن.

— طيب.ما اهتمتش…كنت فرحانة إن عندي بيت لأول مرة.

بيت محدش فيه هيصحيني علشان أغسل الأطباق.

ولا حد هيزعق لي لو قعدت.

ولا أختي هترمي هدومها قدامي وتقول:

— مروة، حطيهم في الغسالة…يومها نمت وأنا مبسوطة.ودي كانت آخر ليلة نمت فيها من غير خوف.

صحيت الصبح على خبط الباب.فتحت عيني.ماهر كان نايم جنبي.بصيت في الساعة.ستة ونص الصبح.الخبط اتكرر…قمت وأنا مستغربة..لبست إسدال وخرجت.فتحت الباب.لقيت… …….

دفعت الست ناحية أوضة المخزن.

— استخبي!

قالت بسرعة:

— لأ. لو لقاني مستخبية هيعرف إنك ساعدتيني.

— أمال تعملي إيه؟

بصت ناحية الشباك الصغير.

فتحته.

وقبل ما تطلع، حطت ورقة مطوية في إيدي.

— اقريها لوحدك.

— إيه دي؟

— الحاجة اللي أختي سابتها عندي قبل اختفائها بثلاث أيام.

قفزت من الشباك واختفت خلف البيت.

قفلت بسرعة.

سمعت باب البيت يفتح.

— مروة؟

صوت ماهر.

جريت ناحية الصالة.

كان واقف شايل كيس خضار.

ابتسمت بتوتر.

— رجعت بدري ليه؟

— نسيت ورق مهم.

ثم عينه راحت ناحية آخر الطرقة.

باب المخزن.

مفتوح.

الكيس وقع من إيده.

— مين فتح الباب؟

ما قدرتش أجاوب.

قرب مني.

— سألتك مين فتحه؟

قلت:

— أنا.

لثواني، ما اتكلمش.

ثم دخل الأوضة بسرعة.

بص حواليه.

فتح الدولاب.

بص تحت السرير.

رجع لي.

— المفتاح جبتيه منين؟

— كان في دولابك.

رفع عينه.

عرف فورًا.

— الكيس.

سكت.

قرب مني خطوة.

— هي كانت هنا؟

— مين؟

— ما تستعبطيش.

— أخت هناء؟

وشه اتغير.

إذن كان يعرف بالضبط من أقصد.

قلت:

— ليه قلتلي إنها واحدة مش طبيعية؟ ليه ما قلتش إنها أخت مراتك؟

صرخ:

— لأنها مش طبيعية فعلًا!

كانت أول مرة يعلي صوته عليا.

رجعت خطوة.

لاحظ خوفي.

فسكت.

مرر إيده على وشه.

— اسمعيني يا مروة. العيلة دي دمرت حياتي.

— وبنتك؟

نظر إليّ.

— إيه؟

رفعت الصورة.

— بنتك فين؟

تغير كل شيء في وجهه.

لم يكن غضبًا هذه المرة.

كان وجعًا.

جلس على طرف السرير.

وبعد صمت طويل قال:

— ماتت.

— هي كمان؟

هز رأسه.

— كان عمرها أربعة شهور.

— إزاي؟

— نامت وما صحيتش.

— وهناء؟

— بعدها بشهور اختفت.

قلت:

— لكنك قلت ماتت.

رفع عينه إليّ.

— لأن بالنسبة ليا هي

الجملة وقفتني.

يعني هناء يمكن تكون حية؟

قلت:

— إنت مش عارف هي فين؟

— لأ.

— وأهلها؟

ضحك بمرارة.

— أهلها مقتنعين إني عملتلها حاجة.

— عملتلها؟

وقف.

— مروة، أنا اخترتك لأنك مالكيش علاقة بأي حاجة من اللي حصلت هنا. كنت عايز أبدأ من جديد.

تجمدت عند كلمة “اخترتك”.

مش “حبيتك”.

اخترتك.

كأنني كنت الحل المناسب.

بنت عايزة تهرب.

أهلها مستعجلين يزوجوها.

ولا تسأل كثيرًا.

قال:

— اقفلي  وانسيها.

خرج.

انتظرت حتى سمعت باب البيت يقفل وراءه.

فتحت كفي.

الورقة ما زالت معي.

كنت أخفيها طوال الوقت.

فتحتها.

كان الخط مهزوزًا:

“لو حصل لي حاجة، دوروا تحت سرير بنتي. ماهر مش عارف إني خبيت الحاجة هناك.”

بصيت  الصغير.

ركعت على الأرض.

مددت إيدي تحته.

تراب.

صندوق ألعاب.

بطانية قديمة.

ثم لمست شيئًا مثبتًا أسفل ألواح السرير.

سحبته.

كان ظرفًا بلاستيكيًا صغيرًا.

جواه فلاشة.

ومفتاح صغير.

وورقة عليها رقم هاتف.

لكن الشيء الذي  قلبي لم يكن أيًا من ذلك.

كانت هناك صورة أخرى.

هناء تحمل طفلتها.

وخلفهما، في مرآة الغرفة…

ظهر شخص ثالث يصور الصورة.

الست التي جاءت إلى بابي.

لكن على ظهر الصورة كانت جملة واحدة:

“ما تثقيش في أختي.”

جلست على الأرض وأنا أحدق فيها.

ماهر يحذرني من أخت هناء.

وأخت هناء تحذرني من ماهر.

وهناء نفسها…

كانت تحذرني من أختها.

وقتها فهمت إن السؤال ما بقاش:

مين فيهم بيكدب؟

السؤال الحقيقي كان:

هناء كانت خايفة من مين قبل ما تختفي؟

يتبع

فضلت قاعدة على الأرض وأنا ماسكة الصورة.

“ما تثقيش في أختي.”

قريتها مرة.

واتنين.

وعشرة.

كل مرة كنت أتمنى ألاقي معنى تاني للجملة.

لكن مفيش.

الست اللي جاتلي الصبح وحذرتني من ماهر…

هناء نفسها كانت بتحذر منها.

بصيت للفلاشة.

كنت محتاجة أشوف اللي عليها فورًا.

لكن مفيش كمبيوتر في البيت.

افتكرت إن ماهر عنده لابتوب صغير بياخده معاه الشغل، وأحيانًا بيسيبه في العربية.

بصيت من الشباك.

العربية مش موجودة.

حطيت الفلاشة والمفتاح والصورة في جيب إسدالي.

وقبل ما أقوم…

سمعت صوت.

تك.

بصيت ناحية الدولاب.

الصوت جاي من تحته.

قربت.

حركته بصعوبة.

كان فيه لوح خشب صغير في الأرض.

وفي نصه فتحة مفتاح.

طلعت المفتاح الصغير.

ركب.

اتفتح اللوح.

وتحته كان فيه صندوق معدني.

قلبي دق بعنف.

فتحته.

لقيت هدوم طفلة.

إسوارة مستشفى صغيرة.

شهادة ميلاد.

وورق كتير.

مسكت شهادة الميلاد.

اسم الطفلة مكتوب.

وتحت خانة الأب:

ماهر.

لكن تحت خانة الأم…

الاسم ماكانش هناء.

وقفت مكاني.

قريت الاسم تاني.

يمكن عيني بتخدعني.

لأ.

اسم الأم كان اسم أخت هناء.

الست اللي كانت عندي من شوية.

حسيت إني مش فاهمة أي حاجة.

إزاي؟

الصورة بتقول إن هناء هي الأم.

ماهر قال بنته .

وشهادة الميلاد بتقول إن أخت هناء هي الأم.

قلبت الورق بسرعة.

وفي الآخر لقيت تقرير طبي قديم.

قريته.

وبدأت الصورة تتكون قدامي بشكل أبشع مما توقعت.

الطفلة اتولدت فعلًا لهناء.

لكن بعد الولادة بأسابيع، تم استخراج أوراق أخرى باسم أختها.

ليه؟

ماعرفتش.

وفجأة…

سمعت عربية.

جريت للشباك.

ماهر.

رجع.

قفلت الصندوق بسرعة.

رجعت اللوح مكانه.

دفعت الدولاب.

لكن وأنا خارجة من الأوضة، وقعت مني إسوارة المستشفى.

ماخدتش بالي.

دخل ماهر.

كان وشه متوتر.

— كنتِ فين؟

— في المطبخ.

بص لهدومي.

تراب على ركبتي.

— في المطبخ؟

ماعرفتش أرد.

عداني ومشى ناحية الأوضة القديمة.

لحقت بيه.

وقف عند الباب.

بص للأرض.

ثم انحنى.

رفع إسوارة المستشفى.

وساعتها…

عرفت إن اللعبة خلصت.

لف ناحيتي.

— فتحتي الصندوق؟

قلت وأنا بحاول أثبت صوتي:

— مين أم البنت يا ماهر؟

وشه شحب.

— إنتِ وصلتي للصندوق؟

— جاوبني.

— مروة…

— هناء كانت أمها؟ ولا أخت هناء؟

قرب مني.

— اقفلي الباب.

— لأ.

— اقفليه.

— مش قبل ما أفهم.

بصلي ثواني.

ثم قال:

— لو عايزة تعيشي، اقفلي الباب.

الجملة جمدتني.

قلت بصوت منخفض:

— إنت ؟

هز رأسه.

— أنا بحاول أحميكي.

وفجأة…

سمعنا طرقًا على باب البيت.

ثلاث خبطات.

ثم سكون.

ماهر شحب.

مسك إيدي.

— ادخلي الأوضة.

— مين؟

— مروة، حالًا.

لكن صوت الست جه من بره:

— افتح يا ماهر… أنا عارفة إنها لقت الصندوق.

بصيت لماهر.

وكانت أول مرة أشوف راجل في حجمه…

يرتعش.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى