روايات وقصص

مصير مجهول حكايات اسما السيد 2

ظل ياسين واقفًا أمام النافذة في مكتبه، والرسالة التي تركتها سلمى بين أصابعه. قرأ السطر الأخير للمرة العاشرة: “الثقة لما بتموت، الحب وحده ما بيكفيش عشان يحييها.” كان يستطيع أن يبحث عنها.  أن يستخدم علاقاته. أن يصل إلى عنوانها خلال ساعة. لكنه للمرة الأولى أدرك أن امتلاك القدرة على فعل شيء لا يعني أن من حقه أن يفعله.

 

رن هاتفه.

كان كريم.

— سلمى عندي. هي وآدم بخير.

أغمض ياسين عينيه بارتياح.

— ممكن أكلمها؟

— لأ.

صمت ياسين.

ثم قال:

— طيب… قول لها إني مش هضغط عليها. بس عايز أشوف ابني لما تكون مستعدة.

كاد كريم يغلق الخط، لكنه توقف.

— ياسين… فيه حاجة لازم تعرفها.

— إيه؟

— أبوك ما كانش رافض سلمى عشان مستواها الاجتماعي زي ما أنت فاكر.

اعتدل ياسين.

— أمال ليه؟

— اسأل أبوك عن ليلى حجازي.

تجمد ياسين.

— مين ليلى حجازي؟

جاءه الرد الذي جعله يشعر أن الأرض تتحرك تحت قدميه.

— أم سلمى.

وأغلق كريم الخط.

الفصل الثامن: اسم من الماضي

دخل ياسين منزل والده في الحادية عشرة ليلًا.

وجد الدكتور فؤاد العطار في غرفة مكتبه القديمة.

وضع ياسين أمامه صورة سلمى.

— تعرف واحدة اسمها ليلى حجازي؟

تغير وجه فؤاد.

وكان ذلك كافيًا.

اقترب ياسين.

— تعرفها.

قال فؤاد ببرود:

— كانت موظفة في المستشفى من زمان.

— بس؟

— بس.

— كداب.

رفع الأب عينيه إليه.

— خليك فاكر إنت بتكلم مين.

ابتسم ياسين بسخرية.

— دي الجملة اللي عشت عمري كله بخاف منها. الغريب إني دلوقتي مش خايف.

فتح فؤاد درج مكتبه وأخرج سيجارة، رغم أنه أقلع عن التدخين منذ سنوات.

قال بعد صمت:

— أم سلمى كانت ممرضة هنا من حوالي تلاتين سنة.

— وإيه علاقتها بيك؟

لم يجب.

اقترب ياسين أكثر.

— ليه دمرت جوازي ببنتها؟

تنفس فؤاد ببطء.

— لأن أمها كانت تعرف حاجة لو ظهرت… اسم العطار كله كان هينهار.

— إيه هي؟

أطفأ فؤاد السيجارة قبل أن يكملها.

ثم قال:

— وفاة أمك ما كانتش بسبب مضاعفات طبيعية زي ما قلتلك.

تراجع ياسين خطوة.

— إنت بتقول إيه؟

— أمك ماتت أثناء ولادتك.

— عارف.

— لأ… إنت تعرف نص الحقيقة بس.

رفع فؤاد عينيه إلى ابنه.

— أنا كنت الطبيب المسؤول عنها.

توقف قلب ياسين للحظة.

ثم أكمل فؤاد:

— وأنا ارتكبت خطأ طبي.

الفصل التاسع: الملف المفقود

لم ينطق ياسين.

كانت والدته بالنسبة إليه صورة معلقة في غرفة قديمة، وحكايات قليلة كان والده يرويها كلما سأله عنها.

امرأة ماتت وهي تمنحه الحياة.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

قال فؤاد:

— الحالة كانت محتاجة تدخل أسرع. وأنا… اتأخرت.

— ليه؟

لم يجب.

صرخ ياسين:

— ليه؟!

قال فؤاد أخيرًا:

— كنت خارج المستشفى.

— فين؟

صمت.

وفهم ياسين.

— كنت سايبها وهي بتولد؟

خفض فؤاد رأسه.

— لما رجعت حاولت أنقذها.

— وفشلت.

— كنت صغير.

ضحك ياسين بمرارة.

— وأنا كنت فاكر إنك بنيت المستشفى دي تخليدًا لذكراها.

نظر إليه فؤاد.

— بنيتها بسببها فعلًا.

— مش حبًا فيها… ذنبًا!

لم يستطع فؤاد الرد.

قال ياسين:

— وإيه علاقة أم سلمى؟

— ليلى كانت الممرضة الموجودة ليلة وفاة أمك. وشافت كل حاجة.

— وبلغت؟

— حاولت.

بدأت الصورة تتضح.

قال ياسين:

— وإنت أسكتّها.

رفع فؤاد رأسه بسرعة.

— ما لمستهاش.

— عملت إيه؟

— الملف اختفى. والتقرير اتغير.

نظر ياسين إلى أبيه باشمئزاز.

— وبعد ثلاثين سنة بنت الممرضة دي اتجوزت ابنك.

— كنت عارف إن ليلى ممكن تستخدم سلمى عشان تنتقم.

— سلمى ما كانتش تعرف حاجة، صح؟

صمت فؤاد.

وكان صمته إجابة.

اقترب ياسين حتى وقف أمامه مباشرة.

— يعني أنت دمرت حياتنا بسبب جريمة أنت عملتها قبل ما أنا حتى أعرف أمشي؟

قال فؤاد:

— كنت بحمي العيلة.

رد ياسين:

— لأ. كنت بتحمي نفسك.

ثم خرج.

لكن خلف باب المكتب، كانت هناك امرأة تقف في الظلام وقد سمعت كل شيء.

زوجة فؤاد الثانية.

نادية.

والأخطر أنها كانت تعرف أن فؤاد لم يقل الحقيقة كاملة.

الفصل العاشر: أول زيارة لآدم

بعد ثلاثة أيام، وصل إلى ياسين أول رد من سلمى.

رسالة قصيرة:

“ممكن تشوف آدم بكرة الساعة خمسة. كريم هيكون موجود.”

قرأها مرات عديدة.

لم يرسل قلبًا.

لم يكتب “وحشتيني”.

لم يحاول فتح حديث.

أجاب فقط:

“شكرًا. هكون موجود.”

وصل قبل الموعد بعشر دقائق.

فتح كريم الباب.

— اتفضل.

دخل ياسين.

كانت الشقة متواضعة، بعيدة تمامًا عن القصر الذي عاشت فيه سلمى معه.

ثم رآها.

كانت تجلس على الأريكة وآدم نائم بين ذراعيها.

نظر إليها.

— إزيك؟

— كويسة.

جلس بعيدًا عنها.

قالت:

— ممكن تشيله.

أخذه بحذر.

نظر إلى وجه ابنه طويلًا.

ثم ابتسم دون أن يشعر.

قال:

— كبر.

رفعت سلمى حاجبها.

— هو عنده عشر أيام.

ضحك ياسين.

كانت أول ضحكة حقيقية تخرج منه منذ زمن.

ثم بدأ آدم بالبكاء.

ارتبك ياسين.

— ماله؟

قالت سلمى:

— غالبًا جعان.

مده إليها بسرعة جعلتها تضحك رغمًا عنها.

نظر إليها.

وتوقفت ضحكتها فجأة.

لثوانٍ عادت بينهما تلك الألفة القديمة.

لكن سلمى استعادت هدوءها.

— ياسين… لازم نتفق على حاجة.

— قولي.

— وجودك في حياة آدم حقه. وأنا مش هستخدمه عشان أعاقبك.

ظل صامتًا.

— بس ده مالوش علاقة بيا وإنت.

هز رأسه.

— فاهم.

بدت متفاجئة.

كانت تنتظر منه جدالًا.

قال:

— أنا مش جاي آخدك بالعافية. ومش هستخدم آدم عشان أرجعك.

— كويس.

ثم نظر إليها.

— أنا جاي أتعلم أبقى أب.

لأول مرة، لم تجد سلمى ردًا.

الفصل الحادي عشر: سلمى تعرف الحقيقة

بعد زيارة ياسين بساعات، طرق الباب.

فتحت سلمى.

كانت امرأة أنيقة في أواخر الخمسينيات.

— حضرتك مين؟

— أنا نادية… مرات الدكتور فؤاد.

تغير وجه سلمى.

— عايزة إيه؟

— أحكي لك ليه فؤاد كان مستعد يعمل أي حاجة عشان يبعدك عن ياسين.

جلستا.

حكت نادية كل ما سمعته.

وعندما وصلت إلى قصة والدتها، شحب وجه سلمى.

— أمي عمرها ما قالتلي.

— لأنها خافت.

— من إيه؟

أخرجت نادية ظرفًا قديمًا.

— من ده.

فتحت سلمى الظرف.

كان بداخله صورة لتقرير طبي قديم.

وتحت التقرير توقيع:

ليلى حجازي — الممرضة المناوبة.

قرأت سلمى السطور.

ثم رفعت عينيها.

— التقرير ده يثبت إن فؤاد كان غايب عن المستشفى وقت تدهور حالة والدة ياسين.

— فيه أكتر.

أخرجت نادية ورقة أخرى.

هذه المرة لم تكن تقريرًا طبيًا.

كانت رسالة مكتوبة بخط يد فؤاد إلى مدير المستشفى القديم.

قرأت سلمى أول سطر.

ثم وضعت يدها على فمها.

الرسالة لم تكن تتحدث فقط عن إخفاء الخطأ الطبي.

كانت تحتوي على جملة أخطر:

“يجب التخلص من شهادة الممرضة ليلى حجازي بأي طريقة قبل انعقاد التحقيق.”

رفعت سلمى رأسها.

— “بأي طريقة” يعني إيه؟

قالت نادية:

— ده السؤال اللي لازم نسأله لأمك.

تجمدت سلمى.

— أمي ماتت من خمس سنين.

نظرت نادية إليها طويلًا.

— مين قال لك إنها ماتت؟

الفصل الثاني عشر: الأم التي لم تمت

وقفت سلمى فجأة.

— إنتِ مجنونة.

— سلمى…

— أنا دفنت أمي بإيدي!

— لأ.

شحب وجهها.

— الجثمان كان في حادث حريق. التعرف عليه تم عن طريق أوراق شخصية وبعض المتعلقات.

بدأت سلمى تتنفس بسرعة.

— بتقولي إيه؟

— بقول إن فيه احتمال إن الست اللي دفنتوها ما كانتش ليلى.

— وإنتِ عرفتي منين؟

أخرجت نادية صورة حديثة نسبيًا.

وضعتها أمامها.

امرأة تجلس على كرسي في حديقة دار رعاية.

شعرها أبيض.

وجهها تغير.

لكن عينيها…

عيناها لم تتغيرا.

سقطت الصورة من يد سلمى.

— ماما؟

الفصل الثالث عشر: المواجهة

في اليوم التالي، اتصلت سلمى بياسين.

— لازم تيجي.

وصل خلال نصف ساعة.

وجدها تنتظره مع كريم ونادية.

قالت دون مقدمات:

— أبوك كدب عليك.

— عارف.

— لأ. أكتر مما تتخيل.

وضعت الصورة أمامه.

ثم الرسالة.

قرأها.

رفع رأسه إلى نادية.

— فين الست دي؟

— دار رعاية خاصة خارج المدينة.

— باسم إيه؟

— ليلى منصور.

نظر ياسين إلى سلمى.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.

قالت:

— لو دي أمي فعلًا… يبقى خمس سنين من حياتي كانوا كذبة.

اقترب منها بصورة تلقائية.

لكنه توقف قبل أن يلمسها.

لاحظت ذلك.

في الماضي، كان ياسين يتصرف وكأن قربه منها حق.

الآن كان ينتظر الإذن.

قال:

— هنروح لها.

ردت:

— أنا هروح.

— تمام.

ثم أضاف:

— ولو عايزاني معاكي… هاجي.

نظرت إليه طويلًا.

ثم قالت:

— تعالى.

الفصل الرابع عشر: ليلى

وصلوا إلى دار الرعاية بعد الظهر.

كانت سلمى ترتجف.

وقف ياسين بجانبها دون أن يتحدث.

فتح الموظف باب الغرفة.

كانت المرأة جالسة أمام النافذة.

قال الموظف:

— مدام ليلى… عندك زيارة.

التفتت المرأة.

وقعت عيناها على سلمى.

تغير وجهها.

وقفت بصعوبة.

همست:

— سلمى؟

انهارت سلمى.

ركضت نحوها.

— ماما!

احتضنتها ليلى وهي تبكي.

وقف ياسين عند الباب.

كان المشهد أقسى من أن يحتمله.

بعد دقائق طويلة جلست ليلى.

قالت سلمى:

— ليه؟ ليه خليتيني أصدق إنك متِّ؟

بكت ليلى.

— عشان أحميكي.

— من مين؟

نظرت ليلى خلفها.

إلى ياسين.

ثم قالت:

— من أبوه.

اقترب ياسين.

— إيه اللي عمله أبويا؟

قالت ليلى:

— بعد وفاة والدتك حاولت أشهد بالحقيقة. فؤاد هددني. ولما ما سكتش… بدأ يدمر حياتي.

— إزاي؟

— فصلني. لفّق لي اتهام سرقة أدوية. وبعد سنين لما عرف إن بنتي اتجوزت ابنه… رجع الخوف من جديد.

قالت سلمى:

— والحادث؟

أغمضت ليلى عينيها.

— ما كانش حادث.

ساد صمت مرعب.

— العربية اللي كان المفروض أكون فيها اتحرقت. أنا نجوت لأني ما ركبتش أصلًا.

قال ياسين:

— مين عمل كده؟

رفعت ليلى عينيها إليه.

— ما عنديش دليل إن أبوك أمر بده.

تنفس ياسين.

لكنها أكملت:

— عندي دليل على الشخص اللي نفذه.

أخرجت من صندوق صغير هاتفًا قديمًا.

— الراجل اللي حاول يقتلني سجل مكالمة قبل ما يموت. وكان عايز فلوس زيادة مقابل سكوته.

سأل ياسين:

— المكالمة مع مين؟

نظرت ليلى إليه.

— مش مع أبوك.

ساد الصمت.

ثم قالت:

— مع أمك.

تجمد الجميع.

همس ياسين:

— أمي ماتت وأنا اتولدت.

هزت ليلى رأسها ببطء.

— دي أكبر كذبة في الحكاية كلها يا ياسين.

اقتربت منه.

ثم قالت الكلمات التي قلبت كل شيء:

— الست اللي ماتت ليلة ولادتك… ما كانتش أمك.

نظر ياسين إليها كأنه لم يفهم اللغة التي تتحدث بها.

أما سلمى فشهقت.

قال ياسين بصوت بالكاد خرج:

— أمال… مين أمي؟

نظرت ليلى نحو الباب.

كان هناك شخص يقف خارجه.

امرأة مسنة، أنيقة، تمسك بعصا سوداء.

وعندما رأت ياسين، بدأت تبكي.

قالت ليلى:

— اسألها بنفسك.

رفعت المرأة عينيها إلى ياسين وقالت:

— سامحني يا ابني.

وبقي ياسين مكانه عاجزًا عن الحركة.

لأن المرأة التي تقف أمامه لم تكن غريبة عنه.

لقد رآها مئات المرات في طفولته.

وكان يعرفها باسم واحد فقط:

خالته سعاد.

لكن سعاد لم تكن خالته.

كانت أمه…

يتبع

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى