روايات وقصص

علي متن طائرة حكايات اسما السيد

دفعت تمن كرسي جنب الشباك في الطيارة عشان بنتي عندها 6 سنين تقدر تقعد هناك، لكن ست وقحة أخدته بدلها… وساعتها الطيار علّمها درس عمرها ما هتنساه.

بنتي عندها 6 سنين، وعندها توحد. وبعد ما فقدت زوجي من سنتين، قررت إن الوقت جه أخيرًا إننا نسافر أنا وهي ونقضي كام يوم بعيد عن كل حاجة.

دي كانت أول مرة بنتي تركب فيها طيارة، فحجزت لها الكرسي 7A جنب الشباك، وحجزت لنفسي الكرسي 7B جنبها.

كرسي الشباك كان مهم جدًا ليها، لأنها كانت بتهدى لما تبص للسما والنور، خصوصًا لما تكون متوترة أو يحصل لها.

لما وصلنا للصف بتاعنا، لقيت ست قاعدة بالفعل في الكرسي 7A.

قربت منها بأدب وقلت:

— لو سمحتي يا مدام… أعتقد إنك قاعدة في كرسي بنتي.

الست بصت لي بضيق وقالت:

— وأنا كمان دافعة تمن كرسي جنب الشباك.

المضيفة راجعت بطاقات الصعود بتاعتنا، وبعدها تنهدت وقالت:

— أنا آسفة جدًا يا مدام. الطيارة اتغيرت الصبح، وبعض الركاب اتوزعوا على كراسي تانية بشكل تلقائي، وحصل خطأ. للأسف الكرسي ده اتسجل لراكبين.

شرحت لها إن وجود بنتي جنب الشباك مهم جدًا.

المضيفة بصت للست وقالت لها بكل هدوء:

— ممكن لو سمحتي تنتقلي لكرسي متاح كام صف ورا؟ هو مش جنب الشباك، لكن ده هيحل المشكلة.

الست ردت بمنتهى البرود:

— أنا دافعة تمن كرسي جنب الشباك، ومش هتحرك.

بصيت لها وقلت:

— يا مدام، والنبي… الموضوع مهم جدًا بالنسبة لبنتي.

ردت:

— خلي بنتك تقعد في أي مكان تاني. مش مشكلتي.

قلت لها:

— بس هي عندها توحد… والنبي، هي فعلًا محتاجة كرسي الشباك.

ضحكت بسخرية وقالت:

— دي مشكلتك إنتِ، مش مشكلتي أنا!

ماحبتش أعمل مشكلة قدام بنتي، فمسكت إيدها ومشينا.

قعدنا في الكراسي المتاحة، وأنا في سري كنت بدعي إن بنتي ماتتعرضش لانهيار طول الرحلة اللي مدتها خمس ساعات.

أول ما الطيارة طلعت في الجو، الطيار رحب بكل الركاب عبر مكبر الصوت.

وبعدين قال:

— للراكبة اللي قاعدة في الكرسي 7A… عندنا هدية خاصة لحضرتك. إنتِ الراكبة رقم 400 في تاريخ شركتنا.

مضيفة جابت للست علبة كبيرة.

الست فتحت العلبة…

وفجأة صرخت:

— إزاي تجرؤوا تعملوا كده؟!

كل اللي في الطيارة لفّ ناحية الصف السابع.

الست كانت ماسكة العلبة بإيدين بيرتعشوا من العصبية، ووشها احمر وهي بتصرخ:

— إزاي تجرؤوا تعملوا كده؟! إنتوا بتتريقوا عليا؟!

أنا ما كنتش شايفة اللي جوه العلبة من مكاني، لكن بعد ثواني المضيفة قربت منها وقالت بهدوء:

— يا فندم، مفيش أي إساءة لحضرتك. دي الهدية الخاصة بالراكب رقم 400.

الست رفعت حاجة من العلبة.

كانت شهادة كبيرة مكتوب عليها:

“هدية تذكارية — اختيار المقعد لا يمنح صاحبه حق الاستيلاء على مقعد راكب آخر.”

وتحتها ظرف.

فتحته بسرعة.

كان جواه إيصال باسترداد كامل رسوم اختيار المقعد اللي هي كانت دفعاها.

ومعه بطاقة صغيرة:

“تم رد رسوم مقعد الشباك الخاص بك، لأن المقعد 7A ليس هو المقعد الذي خُصص لك بعد تغيير الطائرة.”

الست بصت للمضيفة بصدمة.

— يعني إيه الكلام ده؟!

المضيفة قالت:

— يعني حضرتك فعلًا دفعتي مقابل مقعد شباك في الحجز الأصلي، والشركة مسؤولة عن تعويضك عن الخطأ اللي حصل بعد تغيير الطائرة. لكن بطاقة الصعود النهائية الخاصة بحضرتك بتوضح إن مقعدك الحالي مش 7A.

الست اتلخبطت.

— بس الموظفة تحت قالتلي أقعد هنا!

المضيفة ردت:

— تمت مراجعة بيانات الصعود مرة تانية بعد الإقلاع. حصل خطأ في النظام، لكن الكرسي 7A مثبت في الحجز الأصلي للطفلة، ووالدتها دفعت رسوم اختياره تحديدًا.

الست أشارت ناحيتي بعصبية.

— طب ما هي وافقت وقامت!

ردت المضيفة:

— هي قامت علشان تمنع توتر طفلتها، مش لأنها تنازلت عن حقها.

الطيارة كلها تقريبًا كانت ساكتة.

أنا حسيت بإحراج شديد.

آخر حاجة كنت عايزاها إن بنتي تبقى سبب خناقة قدام كل الناس.

لكن بنتي أصلًا ما كانتش مركزة معاهم.

كانت حاطة السماعات على ودانها، ماسكة لعبتها الصغيرة، وبتبص في ظهر الكرسي قدامها وهي بتحاول تهدي نفسها.

الست قالت:

— وأنا مش هقوم برضه.

المضيفة ما جادلتهاش.

ابتسمت وقالت:

— تمام يا فندم. حضرتك من حقك ترفضي الطلب الودي. لكن دلوقتي الموضوع لم يعد طلبًا لتبديل المقاعد.

الست قطبت حواجبها.

— يعني إيه؟

— يعني طاقم الطائرة بيطلب من حضرتك الالتزام بالمقعد المثبت لك وفق تعليمات الطاقم.

سكتت الست.

المضيفة أشارت ناحية الكرسي الآخر.

— ومقعد حضرتك موجود وجاهز.

— ومش جنب الشباك!

— ولذلك تم رد رسوم اختيار مقعد الشباك لحضرتك، والشركة هتتعامل مع أي تعويض إضافي مستحق بعد الرحلة. لكن ده لا يدي حضرتك حق الاحتفاظ بمقعد طفلة تانية.

هنا واحد من الركاب قال من بعيد:

— يا مدام خلاص بقى، قومي اقعدي في كرسيك.

الست بصت له بعصبية.

— محدش طلب رأيك!

المضيفة تدخلت فورًا:

— من فضلكم، محدش يتدخل.

وبعدين بصت للست:

— محتاجين حضرتك تتعاوني معانا.

فضلت الست ثواني مكانها.

ثم قامت بعنف، خدت شنطتها والعلبة، وقالت وهي ماشية:

— أنا هقدم شكوى أول ما ننزل!

المضيفة ردت:

— وده حق حضرتك بالكامل.

بعدها المضيفة جت عندي.

انحنت شوية وقالت:

— يا مدام، ممكن حضرتك وبنتك ترجعوا لمقاعدكم الأصلية دلوقتي.

بصيت لبنتي.

— حبيبتي… تحبي نقعد جنب الشباك؟

أول ما سمعت كلمة “الشباك”، رفعت عيني.

— شباكي؟

قلبي اتقبض.

قلت:

— أيوه يا حبيبتي. شباكك.

قامت فورًا.

رجعنا للصف السابع.

أول ما قعدت بنتي على 7A، حطت كفها الصغير على زجاج الشباك.

بصت للسحاب.

وبعد أقل من دقيقة، جسمها اللي كان مشدود بدأ يرتخي.

أنا قعدت جنبها على 7B.

بصيت لها.

كانت مبتسمة.

ابتسامة صغيرة جدًا، لكن بالنسبالي كانت تساوي الدنيا كلها.

قالت:

— ماما…

— نعم؟

أشارت للسحاب.

— إحنا فوق الدنيا؟

ضحكت رغم الدموع اللي ملت عيني.

— تقريبًا.

فضلت باصة بره.

وبعدين قالت:

— بابا شايفنا من هنا؟

السؤال جه فجأة.

من سنتين وأنا بحاول أتعلم أجاوب على أسئلتها عن أبوها من غير ما أكسرها.

مسكت إيدها وقلت:

— إحنا هنفتكره ونحبه في أي مكان نروحه.

سكتت شوية.

وبعدين رجعت تبص للسحاب.

بعد حوالي نص ساعة، نفس المضيفة رجعت لنا.

قالت:

— ممكن أكلم حضرتك دقيقة؟

قلقت.

— خير؟

قالت:

— الكابتن عرف اللي حصل قبل الإقلاع، وهو اللي طلب من الطاقم نتأكد من بيانات المقاعد بعد ما وصلته ملاحظة عن المشكلة.

بصيت لها باستغراب.

— هو اللي عمل موضوع الهدية؟

ابتسمت.

— فكرة الإعلان كانت طريقته إنه يخلينا نراجع الموضوع من غير ما يبدأ بخناقة وسط الركاب. لكن بصراحة… جملة الراكب رقم 400 كانت هزار منه.

ضحكت لأول مرة من ساعة ما دخلنا الطيارة.

— يعني مفيش راكب رقم 400؟

ضحكت هي كمان.

— شركتنا نقلت أكتر من 400 راكب بكتير جدًا.

بنتي سمعتنا وقالت فجأة:

— يبقى هو كداب؟

اتجمدنا أنا والمضيفة.

وبعدين انفجرنا في الضحك.

المضيفة قالت لها:

— نقول إنه كان بيعمل مفاجأة.

بنتي فكرت ثانيتين.

— مفاجأة غريبة.

— عندك حق.

قبل ما المضيفة تمشي، قالتلي:

— وبالمناسبة، الكابتن بيسأل لو بنت حضرتك تحب تشوف قمرة القيادة بعد ما نهبط، لو الإجراءات سمحت وقتها.

بنتي سمعت كلمة “الكابتن”.

— الطيار؟

قلت:

— أيوه.

— اللي بيسوق الطيارة؟

المضيفة ابتسمت.

— هو بنفسه.

ولأول مرة من أسابيع، شفت الحماس الحقيقي في عيني بنتي.

باقي الرحلة عدى أفضل مما كنت أتخيل.

بنتي قضت ساعات تبص للسحاب.

كل شوية تسألني:

— إحنا أسرع من العربية؟

— آه.

— أسرع من القطر؟

— غالبًا.

— أسرع من القمر؟

— لأ يا حبيبتي.

— طب القمر عنده طيار؟

كنت أضحك وأجاوب.

وأنا جوايا بفكر إن كل الخوف اللي كنت شايلاه قبل الرحلة كان ممكن يخليني ألغيها من الأساس.

من بعد ما فقدت زوجي وأنا بقيت بخاف من كل تجربة جديدة.

أول خروجة لوحدنا.

أول سفر.

أول طيارة.

أول فندق.

كنت دايمًا بسأل نفسي:

لو بنتي تعبت، هتصرف إزاي لوحدي؟

لو حصل انهيار؟

لو الناس بصت؟

لو حد ضايقها؟

لكن وأنا شايفاها جنب الشباك، فهمت حاجة.

مش لازم العالم كله يفهم بنتي.

لكن أنا لازم أفضل الشخص اللي بيدافع عن احتياجاتها من غير ما أخليها تحس إنها عبء.

لما الطيارة هبطت، أغلب الركاب بدأوا يقوموا.

إحنا استنينا زي ما المضيفة طلبت.

الست اللي كانت قاعدة في 7A عدت من جنبنا.

وقفت لحظة.

افتكرت إنها هتقول حاجة.

لكنها بصت لبنتي.

بنتي كانت لازقة في الشباك بتتفرج على عربيات المطار.

الست فتحت بقها.

وبعدين سكتت.

ومشيت.

بعد دقائق، المضيفة أخدتنا ناحية مقدمة الطيارة.

والكابتن خرج بنفسه.

كان راجل في أواخر الخمسينات تقريبًا، شعره فيه خصل بيضا ووشه بشوش.

نزل لمستوى بنتي وقال:

— إنتِ صاحبة الكرسي 7A؟

بنتي هزت راسها.

— آه.

— عجبك؟

— جدًا.

— والسحاب؟

— كان كتير.

ضحك.

وبعدين اداها بطاقة تذكارية صغيرة عليها رسمة طيارة.

قال:

— أول رحلة؟

قالت:

— آه.

— يبقى لازم نفتكرها.

بنتي مسكت البطاقة.

وبعدين سألته بمنتهى الجدية:

— إنت قلت للست إنها رقم 400؟

الكابتن بصلي.

أنا حاولت أمنع نفسي من الضحك.

قال:

— آه.

بنتي قالت:

— بس المضيفة قالت إن عندكم ركاب أكتر من كده.

الكابتن سكت ثانيتين.

وبعدين قال:

— واضح إنك أذكى مني.

ابتسمت.

وقبل ما نمشي، بصلي وقال:

— بالمناسبة، حضرتك عملتي الصح لما حاولتي تحلي الموضوع بهدوء. والخطأ في توزيع المقاعد مسؤولية الشركة، مش مسؤوليتك ولا مسؤولية بنتك.

قلت:

— أنا كنت خايفة أعمل مشكلة.

رد:

— طلب حقك بأدب مش مشكلة.

الجملة فضلت معايا.

طلب حقك بأدب مش مشكلة.

خرجنا من المطار وإيد بنتي في إيدي.

وأول ما وصلنا بره، وقفت فجأة.

قالت:

— ماما؟

— نعم؟

— وإحنا راجعين…

— أيوه؟

ابتسمت.

— تحجزيلي شباك برضه؟

— أحجزلك الشباك يا حبيبتي.

ضحكت وقالت:

— بس المرة دي اكتبي عليه اسمي كبير.

ضحكت من قلبي.

— حاضر.

مشينا.

ووقتها فهمت إن الرحلة دي فعلًا غيرت حاجة جوانا.

مش بسبب الست.

ولا بسبب الكرسي.

ولا حتى بسبب درس الطيار.

لكن لأن بنت صغيرة عندها ست سنين، كانت خايفة من أول رحلة طيران في حياتها…

طلعت منها وهي مستنية الرحلة اللي بعدها.

وأمها اللي كانت فاكرة إنها لازم تعتذر للناس كل مرة بنتها تحتاج حاجة مختلفة…

رجعت وهي عارفة إن احتياجات بنتها مش عيب.

وإن الرحمة اختيار.

والذوق اختيار.

لكن احترام حقوق الناس…

مش اختيار.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى