روايات وقصص

حامل ولكن حكايات اسما السيد 4

الفصل الأخير: حين عادت باختيارها

مرت ستة شهور على ولادة يارا.

والمرة دي…

الحياة ما رجعتش زي الأول.

ودي كانت أحسن حاجة حصلت.

ليلى ما رجعتش شقة القاهرة.

وآسر ما طلبش منها ترجع.

فضلت في شقتها الصغيرة فوق المكتبة.

ووسعت شغلها واحدة واحدة.

المحل اللي صممته لعم فؤاد جاب لها شغل تاني.

وبعده مشروع ثالث.

وبعده مكتب صغير.

وبقت تصحى الصبح على مواعيدها هي.

شغلها هي.

وحياتها هي.

وفي وسط كل ده…

كان آسر بييجي كل خميس.

من غير ما يتأخر.

من غير ما يلغي.

من غير ما يبعت في آخر لحظة:

“حصل ظرف.”

كان يوصل العصر.

يشيل يارا.

ويفضل معاها لحد السبت.

وفي البداية، ليلى كانت موجودة طول الوقت.

تراقبه.

لو بكت، تقوم.

لو نامت، تتأكد.

لو حملها غلط، تصلحله.

وفي يوم…

آسر ضحك وقال:

— على فكرة أنا أبوها.

ليلى ردت:

— لسه تحت التدريب.

— بقالنا ست شهور.

— ومين قال إن التدريب خلص؟

رفع يارا قدامه وقال:

— يا بنتي قولي لماما إني بقيت محترف.

يارا بصت له.

وبدأت تعيط.

ليلى انفجرت ضحك.

— أهو رأي العميلة وصل.

آسر بص لابنته بصدمة مصطنعة.

— دي خيانة.

ليلى سكتت فجأة.

الكلمة خرجت منه بعفوية.

لكنها خبطت في مكان حساس.

آسر فهم فورًا.

ابتسامته اختفت.

قال:

— آسف.

ليلى هزت رأسها.

— عادي.

لكنها مشيت ناحية المطبخ.

وهو ما لحقهاش.

فضل مكانه.

لأنه اتعلم إن مش كل وجع لازم يمد إيده عليه.

بعض الجروح…

لازم صاحبها هو اللي يقرر إمتى يسمح لك تقرب.

بعد عشر دقايق، رجعت ليلى.

حطت قهوة قدامه.

— من غير سكر.

آسر بص لها.

— لسه فاكرة.

قالت:

— عشر سنين مش بيتنسوا في ست شهور.

الجملة كانت بسيطة.

لكن بالنسبة له…

كان فيها أمل.

بعد شهر، حصل أول اختبار حقيقي.

كان يوم جمعة.

آسر المفروض يوصل الساعة أربعة.

الساعة بقت أربعة ونص.

ثم خمسة.

ليلى بدأت تتوتر.

بصت للموبايل.

مفيش رسالة.

الساعة خمسة وعشرة…

قلبها بدأ يدق بطريقة تعرفها.

نفس الإحساس القديم.

الانتظار.

التبرير.

الشك.

يارا كانت نايمة.

ليلى وقفت عند الشباك.

وقالت لنفسها:

— لأ.

مش هترجع لنفس المكان.

مسكت الموبايل.

كانت هتتصل.

في اللحظة دي، الباب خبط.

فتحت.

آسر واقف.

وشه مرهق.

وفي إيده كيس أدوية.

أول ما شاف وشها، فهم.

قال:

— أنا آسف.

ليلى سكتت.

قال:

— ماما تعبت فجأة، ضغطها نزل، أخدتها المستشفى.

ملامح ليلى اتغيرت.

— هي كويسة؟

— الحمد لله. مجرد إرهاق.

قال بسرعة:

— وكان لازم أكلمك.

ليلى فضلت ساكتة.

— أنا غلطت.

— كنت قلقان عليها.

— ده مش مبرر إني أسيبك مستنية.

الجملة وقفتها.

قال:

— كان ممكن أبعت رسالة في عشر ثواني.

ليلى بصت له.

آسر كمل:

— وأنا ما عملتش.

ثم قال:

— ولو عايزة النهارده ما أدخلش، أنا هتفهم.

لأول مرة…

ليلى شافت الفرق.

قديمًا، كان هيقول:

“إنتِ مكبرة الموضوع.”

“ده شغل.”

“مش كل مرة لازم أبررلك.”

لكن دلوقتي…

هو فهم وحده.

قالت:

— ادخل.

دخل.

وبعد ساعتين، وهما قاعدين ويا را نايمة على صدره…

قالت ليلى:

— أنا خفت.

آسر بص لها.

— لما اتأخرت؟

هزت رأسها.

— حسيت إني رجعت لنفس الأيام.

سكت.

قالت:

— بس الفرق إنك جيت واعترفت.

آسر بص ليارا.

— أنا مش هكون كامل يا ليلى.

— عارفة.

رفع عينه لها.

— بس هحاول ما أخليش نفس الغلط يتكرر.

قالت:

— وأنا كمان مش هفضل أحاسبك على الماضي في كل موقف.

آسر ابتسم بحزن.

— عندك حق تعملي كده فترة.

— لأ.

هزت رأسها.

— لو قررت أحاول، يبقى لازم أحاول بجد.

لأول مرة…

كانت هي التي قالت كلمة:

أحاول.

آسر ما علقش.

لكنه رجع البيت تلك الليلة…

وهو مبتسم طول الطريق.

بعدها بأسبوعين…

نادين ظهرت مرة أخيرة.

لكن المرة دي…

اللقاء كان مختلف.

آسر كان خارج من الشركة لما لقاها واقفة عند عربيته.

قال:

— نادين؟

قالت:

— خمس دقايق.

تنهد.

— اتفضلي.

وقفت قدامه.

ملامحها كانت أهدى.

— أنا سبت الشركة.

آسر اتفاجئ.

— ليه؟

— جالي عرض بره.

هز رأسه.

— بالتوفيق.

سكتت.

ثم قالت:

— أنا جيت أقولك حاجة.

آسر انتظر.

— أنا كنت غاضبة منك.

— من حقك.

— وغاضبة منها.

ملامحه اتشدت.

قالت بسرعة:

— عارفة إنها ما عملتش حاجة.

سكتت.

— بس كنت شايفاها العقبة.

آسر رد:

— ماكانتش عقبة.

— عارفة دلوقتي.

نزلت عينها.

— إنت عمرك ما كنت ليا.

قال بهدوء:

— وأنا كان لازم أوضح ده من البداية.

هزت رأسها.

— الرسالة اللي بعتها لها… أنا آسفة عليها.

آسر سكت.

نادين كملت:

— عملتها علشان أوجعكم.

— ووجعتينا.

— عارفة.

رفع عينه لها.

— بس الحقيقة إنها كانت محتاجة تشوفها.

نادين اتفاجئت.

قال:

— أنا كنت عايز أختار إمتى تعرف وإزاي تعرف… وده برضه نوع من السيطرة.

سكت.

— اللي حصل حصل.

مدت إيدها.

— أتمنى تكونوا كويسين.

آسر بص لإيدها.

ثم صافحها.

— وإنتِ كمان.

ومشت.

ومن غير ما يلتفت وراها…

ركب العربية.

وفي الطريق، اتصل بليلى.

ردت:

— ألو؟

— عندك وقت؟

— آه.

— شفت نادين النهارده.

سكتت.

قال بسرعة:

— هي اللي استنتني.

ليلى قالت:

— تمام.

آسر حكا لها كل حاجة.

ما خباش.

ولا حتى الجزء اللي اعتذرت فيه.

ولما خلص…

قالت:

— شكرًا إنك قلتلي.

قال:

— وعدتك.

— عارفة.

الجملة دي…

“عارفة.”

كانت أغلى عنده من “بحبك.”

لأنها معناها…

إن في جزء من الثقة بدأ يرجع.

ومع مرور الوقت، آسر بقى جزء طبيعي من حياة يارا.

أول تطعيم.

أول مرة ضحكت بصوت.

أول مرة قلبت على بطنها.

أول سن.

كان موجود.

وفي يوم، ليلى كانت عندها تسليم مشروع مهم.

يارا سخنت.

ليلى اتوترت.

— أنا لازم أعتذر للعميل.

آسر قال:

— ليه؟

— يارا تعبانة.

— وأنا موجود.

بصت له.

قال:

— روحي شغلك.

— إنت متأكد؟

— آه.

— والدوا الساعة تمانية.

— كاتبه.

— ولو الحرارة زادت…

— هكلم الدكتور.

ليلى لسه مترددة.

قال:

— ليلى.

رفعت عينها.

— إنتِ مش لازم توقفي حياتك كل مرة علشان أنا أبوها.

سكتت.

قال:

— إحنا اتنين.

الجملة دي…

كانت كل حاجة كانت نفسها تسمعها زمان.

مش:

“إنتِ أدرى.”

مش:

“أنا عندي شغل.”

مش:

“تصرفي.”

إحنا اتنين.

راحت.

ولما رجعت بعد أربع ساعات…

فتحت الباب بهدوء.

لقيت آسر نايم على الكنبة.

يارا فوق صدره.

وإيده محاوطاها.

الترمومتر على الطاولة.

الدوا.

المياه.

كل حاجة جنبهم.

وقفت تتفرج عليهم.

شعرت بحاجة دافية في صدرها.

مش شفقة.

ومش حنين للماضي.

كانت حاجة جديدة.

حب…

بس المرة دي مبني على اللي شايفاه.

مش اللي بتتمنى تشوفه.

في عيد ميلاد يارا الأول…

منى أصرت يعملوا حفلة صغيرة.

ليلى وافقت بشرط:

— صغيرة.

منى قالت:

— حاضر.

النتيجة كانت أربعين شخص.

ليلى وقفت قدامها.

— ده تعريفك للصغير؟

منى ضحكت.

— عيلة بس.

آسر همس:

— عندنا عيلة تكفي تعمل محافظة.

ليلى ضحكت.

اليوم كان جميل.

يارا قاعدة قدام التورتة.

كل الناس حواليها.

وفي لحظة، الكل بدأ يغني.

آسر وقف جنب ليلى.

كتفهم قريب.

لكن ما لمسهاش.

ليلى لاحظت.

هو بقى بيستنى إشارتها.

ما يفترضش.

بعد ما خلصت الحفلة، الناس مشيت.

منى شالت يارا تنيمها.

ليلى خرجت للبلكونة.

آسر لحقها بعد شوية.

وقف بعيد.

— يوم طويل.

— أوي.

قال:

— مبسوطة؟

بصت جوه.

— آه.

سكتوا.

الهواء هادي.

ليلى بصت له.

— آسر.

— نعم؟

— عندي سؤال.

— اسألي.

— إنت لسه مستنيني أرجع؟

السؤال فاجأه.

لكنه قال:

— آه.

ليلى سكتت.

أكمل:

— بس مش مستني بمعنى إني واقف مكاني.

— يعني؟

— أنا مكمل حياتي. وشغلي. وعلاقتي ببنتي. وبصلح حاجات في نفسي.

بص لها.

— لو رجعتي، هكون أسعد راجل في الدنيا.

ثم قال:

— ولو ما رجعتيش… مش هرجع للشخص اللي كنت عليه.

قلبها دق.

قالت:

— ليه؟

ابتسم.

— علشان اكتشفت إني ماكنتش مرتاح أصلًا وأنا كده.

ليلى نزلت عينها.

— عارف إن أسوأ حاجة كانت إيه؟

— إيه؟

— إني كنت فاكرة إني لو رجعتلك أبقى قللت من نفسي.

آسر سكت.

قالت:

— كنت شايفة إن الست القوية هي اللي تمشي وما تبصش وراها.

— ومش ده الصح؟

— ساعات.

رفعت عينها.

— وساعات القوة إنك تختار تدي فرصة لما تشوف إن الشخص التاني فعلاً اتغير.

نفس آسر وقف.

ليلى قالت:

— بس بشروطي.

ابتسم.

— أنا كنت عارف إن في شروط.

ضحكت.

— أول شرط…

— قولي.

— مش هرجع شقة القاهرة دلوقتي.

— تمام.

— شغلي يكمل.

— أكيد.

— ومش عايزة حياتنا تبقى تابعة لشغلك.

— موافق.

— وكل حاجة بينا تبقى واضحة.

— من غير ما تسألي.

قالت:

— ولو في يوم حسيت إني رجعت أضيع نفسي…

آسر قاطعها:

— هفكرك بنفسي.

سكتت.

ثم قالت:

— وآخر حاجة.

— إيه؟

نظرت لإيده.

كان لسه لابس خاتم جوازه القديم.

قالت:

— أنا مش هلبس خاتمي القديم.

ملامحه اتغيرت.

— ليه؟

— لأنه كان بتاع حياة انتهت.

آسر هز رأسه.

— مفهوم.

ابتسمت.

— لو في يوم بقينا جاهزين…

بصت له.

— نجيب واحد جديد.

آسر سكت.

ثانية.

اتنين.

ثم قال:

— ليلى…

ضحكت.

— ماتعيطش بقى.

— أنا مش بعيط.

— عينك بتلمع.

— تراب.

— في البلكونة؟

— آه، تراب بحري.

ضحكت.

وهو ضحك.

وبعد سنة كاملة من ليلة الحفل…

كانت أول مرة ليلى تمد إيدها بإرادتها…

وتمسك إيده.

آسر بص لأصابعهم المتشابكة.

ثم لها.

ما شدش إيدها.

ما قربهاش.

فقط سابها تختار.

ليلى هي اللي قربت.

وسندت رأسها على كتفه.

مرت ثلاثة شهور.

العلاقة بينهم رجعت…

لكن بشكل مختلف.

آسر كان بيقضي أكتر من نص الأسبوع في المدينة الساحلية.

واشترى شقة قريبة.

ليلى رفضت يسكن معاها فورًا.

قالت:

— واحدة واحدة.

قال:

— عندك حق.

وبعد فترة…

بدأوا يخرجوا لوحدهم.

من غير يارا.

أول عشا بينهم كان غريب.

قعدوا قدام بعض.

ليلى قالت:

— حاسة إننا ديت أول مرة.

آسر ضحك.

— وأنا متوتر أكتر من أول ديت.

— ليه؟

— أول مرة ماكنتش عارف إني ممكن أخسرك.

سكتت.

قال:

— دلوقتي عارف.

بعد العشا، مشيوا على البحر.

آسر وقف.

طلع علبة صغيرة.

ليلى بصت له.

— آسر…

— مش طلب جواز.

ضحكت.

— إحنا متجوزين أصلًا.

— قانونيًا آه.

فتح العلبة.

خاتم بسيط.

مش مبالغ.

قال:

— ده مش علشان أنسى القديم.

بص لها.

— ولا علشان أقول إن اللي حصل اتمسح.

سكت لحظة.

— ده علشان لو إنتِ مستعدة، نبدأ من هنا.

ليلى بصت للخاتم.

ثم له.

قال:

— ولو مش جاهزة، هشيله.

مدت إيدها.

— حطه.

آسر وقف للحظة كأنه مش مصدق.

ثم لبسها الخاتم.

إيده كانت بترتعش.

ليلى لاحظت.

— إنت متوتر أوي.

— أكتر من يوم جوازنا.

— ليه؟

رفع عينها لإيده.

— علشان المرة الأولى كنت فاكر وجودك مضمون.

قال:

— المرة دي عارف إنه اختيار.

دموعها نزلت.

آسر قرب.

لكن استنى.

ليلى ابتسمت.

ثم هي اللي حضنته.

بعد سنة أخرى…

رجعوا القاهرة.

لكن مش للشقة القديمة.

ليلى قالت:

— عايزة بيت جديد.

آسر فهم.

باعوا الشقة.

واشتروا بيت أصغر.

بعيد عن المظاهر.

قريب من حضانة يارا.

وفيه أوضة كبيرة حولتها ليلى لاستوديو شغل.

آسر بقى عنده مكتب أصغر.

ولأول مرة…

كان باب أوضة شغل ليلى أهم عنده من باب مكتبه.

وكان لو عندها تسليم يقول:

— أنا هاخد يارا.

ولو عنده سفر…

يبعت تفاصيله من قبلها.

مش لأنه مراقَب.

لكن لأنه فهم إن الشفافية مش سجن.

الشفافية راحة.

وفي صباح يوم عادي جدًا…

صحى آسر.

مد إيده ناحية ليلى.

ما لقاهاش.

فتح عينه.

السرير فاضي.

قلبه انقبض.

حتى بعد كل الوقت ده…

لسه جزء جواه بيخاف.

قام.

— ليلى؟

مفيش رد.

خرج.

— ليلى؟

دخل الصالة.

فاضية.

اتجه ناحية أوضة يارا.

فاضية.

بدأ القلق يطلع.

ثم سمع ضحكة من المطبخ.

دخل بسرعة.

ليلى قاعدة على الكرسي.

يارا جنبها.

وقدامهم طبق فطار.

بصت له.

— مالك؟

آسر وقف عند الباب.

— ولا حاجة.

ليلى بصت له بتركيز.

— خفت إني مشيت؟

ضحك بإحراج.

— شوية.

قالت:

— بعد كل ده؟

— يمكن هفضل أخاف طول عمري.

مدت له إيدها.

— تعالى.

قرب.

قعد.

قالت:

— عندي حاجة ليك.

— خير؟

يارا كانت ماسكة ظرف.

ليلى قالت:

— اديه لبابا.

يارا قامت تتمايل بخطواتها الصغيرة.

— بابا!

آسر شالها.

— قلب بابا.

أخد الظرف.

فتحه.

أول ما شاف اللي جوه…

تجمد.

صورة سونار.

رفع عينه لليلى.

ما نطقش.

بص للصورة.

ثم لها.

— إنتِ…

ليلى ابتسمت.

— أيوه.

— حامل؟

— أيوه.

آسر فضل ساكت.

ثواني.

ثم دموعه نزلت.

ليلى ضحكت.

— كل مرة سونار لازم تعيط؟

قال:

— إنتِ مش فاهمة.

قرب منها.

— أول صورة سونار في حياتي كانت آخر حاجة منك وأنا فاكر إني خسرتك للأبد.

بص للصورة الجديدة.

— ودي…

صوته انكسر.

— دي بتقول إننا لسه هنا.

ليلى دمعت.

قالت:

— المرة دي عرفت بدري.

ضحك.

— الحمد لله.

يارا قالت:

— بيبي؟

آسر بص لها.

— أيوه يا يارا.

شالها.

— هتبقي أخت كبيرة.

يارا صرخت بفرحة وهي مش فاهمة:

— كبيرة!

ضحكوا.

آسر قرب من ليلى.

باس راسها.

وقال:

— فاكرة ليلة الحفل؟

ابتسامتها اختفت قليلًا.

— فاكرة.

— لو رجع بيا الزمن…

هزت رأسها.

— ما تقولش.

بص لها.

قالت:

— أنا مش عايزة أرجع الزمن.

سكت.

ليلى كملت:

— لو رجعناه، يمكن ما نوصلش للناس اللي إحنا بقيناهم.

آسر مسك إيدها.

الخاتم الجديد كان في صباعها.

قال:

— ندمانة إنك مشيتي؟

بصت له.

— ولا ثانية.

قلبه شد.

لكنها ابتسمت.

— لو ما كنتش مشيت، كنت هفضل الست اللي بتستنى.

ثم قالت:

— وإنت كنت هتفضل الراجل اللي فاكر إن الانتظار حق مكتسب.

آسر هز رأسه.

— صح.

قالت:

— أنا ما رجعتلكش لأنك لحقتني.

قربت منه.

— رجعت لما شفتك بتغير نفسك وإنت مش ضامن إني هرجع.

سألها:

— وسامحتيني؟

فكرت.

ثم قالت:

— آه.

ابتسم.

لكنها أضافت:

— بس ما نسيتش.

سكت.

قالت:

— ومش لازم أنسى.

هز رأسه.

— عارف.

— لأن اللي حصل علمني.

بصت ليارا.

ثم لبطنها.

ثم له.

— علمني إن الحب من غير احترام ممكن يوجع أكتر من الكره.

قال آسر:

— وعلمني إن الاعتذار الحقيقي مش كلام.

ابتسمت.

— أمال إيه؟

قال:

— إنك تعيش كل يوم بشكل يخلي الشخص اللي قدامك ما يندمش إنه ادالك فرصة.

ليلى ابتسمت.

— حلوة.

— العلاج النفسي جاب نتيجة.

ضحكت.

— واضح.

يارا مدّت إيدها لصورة السونار.

— بيبي!

ليلى أخدتها وحطتها في حضنها.

آسر لف دراعه حواليهم.

وفي اللحظة دي…

ماكانش في قاعة أفراح.

ولا نجفة غالية.

ولا فلاشات.

ولا نادين.

ولا رجال أعمال.

كان في مطبخ صغير.

فطار بيبرد.

طفلة بتضحك.

وصورة سونار فوق الترابيزة.

وفي قلب رجل…

امتنان لأنه فهم قبل فوات الأوان تمامًا.

أما الخاتم القديم…

فظل عند منى.

حطته في علبة صغيرة.

وفي يوم، ليلى قالت لها:

— طنط، لسه محتفظة بيه؟

منى ابتسمت.

— آه.

آسر قال:

— ارميه بقى.

منى رفضت.

— لأ.

ليلى سألت:

— ليه؟

منى بصت لهم.

— علشان يفضل شاهد.

— على إيه؟

قالت:

— على إن البيت مش بيتهد في يوم.

سكتوا.

قالت:

— بيتكسر حتة حتة… بكلمة ما اتقالتش، وميعاد اتنسى، وحدود اتكسرت، ووجع اتساب من غير اعتذار.

ثم ابتسمت.

— وبرضه بيتبني بنفس الطريقة.

بصت لابنها.

— موقف صح.

ثم لليلى.

— كلمة صادقة.

ثم ليارا.

— وحضور كل يوم.

ليلى مدت إيدها لآسر.

مسكها.

منى قالت:

— الخاتم القديم يفضل عندي.

آسر ضحك.

— ماشي يا ماما.

ليلى نظرت إلى خاتمها الجديد.

لم يكن أغلى.

ولا أكبر.

لكنه كان يعني لها أكثر.

لأن الأول لبسته وهي تتوقع أن الحب وحده يكفي.

أما الثاني…

فلبسته بعدما عرفت أن الحب محتاج اختيارًا يوميًا.

وثقة.

وحدودًا.

واحترامًا.

ووجودًا.

وفي الليل…

بعد ما نامت يارا…

وقف آسر في البلكونة.

ليلى خرجت له.

سندت على السور.

قال:

— تعبتي؟

— شوية.

— تدخلي؟

— لأ، الجو حلو.

سكتوا.

ثم ليلى قالت:

— آسر؟

— نعم؟

— تعرف أنا خرجت من الفندق يومها وأنا مقررة حاجة؟

— إيه؟

— إني عمري ما هستنى حد يختارني تاني.

آسر نظر لها.

قالت:

— وبعدها فهمت إني كنت غلطانة في حاجة واحدة.

— إيه؟

ابتسمت.

— أنا أصلًا ماكنتش محتاجة أستنى حد يختارني.

وضعت إيدها على بطنها.

— أنا كان لازم أختار نفسي الأول.

آسر قرب.

قال:

— وأنا؟

بصت له.

— إنت جيت بعدها.

ضحك.

— يعني ترتيب تاني؟

— بعد يارا كمان.

حط إيده على قلبه.

— كده كتير.

ضحكت.

ثم قربت منه.

— بس جيت.

آسر لف ذراعه حواليها.

قال:

— والمرة دي؟

رفعت رأسها.

— المرة دي…

بصت في عينيه.

— أنا اللي اخترتك.

وساعتها فقط…

فهم آسر الفرق بين امرأة بقيت لأنها لا تعرف كيف ترحل…

وامرأة رحلت فعلًا، وبنت نفسها من جديد، ثم عادت بإرادتها.

الأولى يمكن أن تعتبرها مضمونة.

أما الثانية…

فتعرف كل يوم أن وجودها نعمة.

وأن الحفاظ عليها مسؤولية.

تمت بحمد الله.

إهداء من الكاتبة أسما السيد

إلى كل امرأة خافت يومًا أن يكون اختيار نفسها نهاية بيتها…

أحيانًا الابتعاد لا يكون هدمًا للحب، بل الفرصة الأخيرة لمعرفة إن كان الحب يستحق الإنقاذ أصلًا.

وإلى كل من أُعطي فرصة ثانية…

لا تتعامل معها كأن الماضي اختفى.

تعامل معها كأن شخصًا عرف جيدًا كيف يعيش من دونك…

ثم اختارك مرة أخرى.

✍️ الكاتبة أسما السيد

ممنوع النسخ أو إعادة الصياغة أو إعادة النشر دون إذن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى