بعد رحيل جوزي للكاتبه اسما السيد 4 والاخير

الفصل الخامس والأخير — اللي حصل لمحمود ماكانش بالشكل اللي اتقال لكم. الجملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي. مسكت طرف الترابيزة وقلت: — يعني إيه؟ شريف حط الموبايل على السماعة الخارجية. صوت الراجل رجع: — أنا اسمي عماد، صاحب مركز صيانة. الأستاذ محمود كان بيتعامل معايا من سنين. قبل الحادث بيومين جالي وقاللي إن كاميرا العربية ساعات بتفصل، فغيرتله كارت الذاكرة وخليت القديم عندي عشان أنقل منه الملفات.
شريف سأله:
— والتسجيل اللي بتتكلم عنه؟
— محمود رجعلي يوم الحادث الصبح.
قلبي دق بعنف.
— يوم الحادث نفسه؟
— أيوه. إداني نسخة احتياطية وقاللي: “لو حصلتلي مشكلة، ما تسلمش الحاجة دي غير لسارة أو شريف.”
قلت بسرعة:
— إحنا جايين لك.
الأستاذ سامح وقف.
— وأنا جاي معاكم.
بصيت ناحية أوضة الأطفال.
ليلى ويوسف كانوا مرهقين من اللي حصل طول اليوم.
ما كنتش عايزة أجرجرهم معايا أكتر.
شريف قال:
— خليكي معاهم وأنا والأستاذ سامح نروح.
هزيت راسي.
لكن قبل ما يتحرك…
باب الشقة خبط.
كلنا بصينا لبعض.
شريف فتح.
كانت حماتي.
وشها متوتر.
قالت:
— رايحين فين؟
شريف رد:
— مشوار.
— مشوار فين؟
— مالكيش دعوة.
عينيها راحت للأستاذ سامح.
وبعدين للموبايل في إيد شريف.
قالت بسرعة:
— حد كلمكم؟
الصمت اللي حصل بعدها كان كفاية.
شريف ضيق عينه.
— مستنية حد يكلمنا يا أمي؟
— أنا بس بسأل.
— لأ… إنتِ خايفة.
اتعصبت.
— خايفة من إيه؟!
شريف قرب منها.
— ده اللي هنكتشفه.
وسابها وخرج.
عدت ساعتين كأنهم سنتين.
كنت قاعدة جنب ولادي، وكل شوية أبص على الساعة.
حماتي اختفت في شقتها.
وأنا لأول مرة ما كنتش بفكر في الشقة.
ولا الفلوس.
ولا حتى الملف الأزرق.
كنت بفكر في سؤال واحد:
محمود مات إزاي؟
حوالي الساعة عشرة، سمعت المفتاح في الباب.
جريت.
شريف دخل ومعاه الأستاذ سامح.
أول ما شفت وشهم، قلبي وقع.
قلت:
— لقيتوا التسجيل؟
شريف رفع فلاشة صغيرة.
— لقيناه.
— فيه إيه؟
ما ردش.
قلت بعصبية:
— شريف، أخوك مات وأنا مراته. من حقي أعرف.
الأستاذ سامح قال:
— سارة… التسجيل مش بيثبت إن حد تسبب في الحادث بشكل مباشر.
تنفست.
لكنه كمل:
— لكنه بيثبت إن محمود كان خايف قبل الحادث.
شريف فتح اللابتوب.
— شوفي بنفسك.
شغل التسجيل.
الصورة كانت من كاميرا العربية.
محمود كان سايق.
الوقت ظاهر على الشاشة.
قبل الحادث بحوالي أربعين دقيقة.
سمعنا تليفونه بيرن.
رد من سماعة العربية.
— أيوه يا أمي.
جسمي كله اتشد.
صوت حماتي طلع واضح.
— إنت عملت إيه في الورق يا محمود؟
محمود رد:
— الورق خلص يا أمي.
— يعني إيه خلص؟
— يعني الشقة بقت باسم سارة، وحقوق ولادي اتظبطت، وشريف هياخد حقه.
صوتها علي:
— وإنت تعمل ده كله من ورايا؟!
محمود قال:
— دي أملاكي وأنا حر فيها طول ما أنا عايش، واللي يفضل بعدي يتقسم بالشرع. لكن بيت عيالي أنا مأمّنه لهم وأنا عايش.
صرخت:
— مراتك لعبت في دماغك!
محمود اتعصب.
— سارة أصلًا ما تعرفش.
دموعي نزلت.
كان صادق.
أنا فعلًا ما كنتش أعرف.
حماتي قالت:
— والتحويل؟
محمود سكت لحظة.
وبعدين قال:
— أنا عرفت إن فلوس خرجت من حسابي.
وشريف بصلي.
التسجيل كمل.
— وعرفت كمان إن موبايلي اتستخدم وأنا في الشغل.
صوت حماتي اتغير.
— بتتهم أمك؟
— أنا ما اتهمتش حد. أنا بكلم البنك وبراجع كل حاجة.
وبعدين محمود قال جملة خلت شريف يوقف الفيديو.
— “والملف الأزرق أنا صورت كل ورقة فيه… لو الأصل اختفى، النسخ موجودة.”
شريف بصلي.
دلوقتي فهمنا ليه الملف اتاخد.
قال:
— نكمل؟
قلت:
— كمل.
الفيديو اشتغل.
حماتي قالت:
— تعالى البيت ونتكلم.
محمود رد:
— لأ. أنا رايح للمحامي.
— محمود!
— سلام يا أمي.
وقفل.
بعدها بحوالي نص ساعة…
الكاميرا سجلت الحادث.
لكن زي ما الأستاذ سامح قال، ماكانش فيه حاجة تثبت إن حد دبّر له حاجة.
عربية فقدت السيطرة قدامه.
محمود حاول يتفاداها.
والتسجيل انتهى.
قعدت مكاني.
كنت بعيط، لكن جوايا كان فيه إحساس غريب بالراحة.
على الأقل…
ماحدش قتل محمود.
الحادث كان حادث.
لكن كل اللي حصل بعد موته كشف حاجات كان بيحاول يحلها وهو عايش.
قلت:
— نعمل إيه دلوقتي؟
الأستاذ سامح قال:
— نعمل حاجة واحدة: نخلي الجهات المختصة تفصل في كل ورقة وكل تحويل. من غير اتهامات زيادة ومن غير ما نظلم حد.
شريف هز راسه.
— وأنا معاك.
تاني يوم الصبح…
حماتي طلعت عندنا.
لكن المرة دي ما دخلتش وهي بتزعق.
وقفت عند الباب.
قالت:
— عايزة أكلم سارة لوحدها.
شريف قال:
— لأ.
بصيتله.
— سيبنا.
دخلت حماتي.
قعدت قدامي.
فضلت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين قالت:
— أنا اللي أخدت الملف.
ما رديتش.
كملت:
— لما محمود قاللي إنه سجل الشقة باسمك… اتجننت.
رفعت عيني لها.
قالت:
— البيت ده أنا عشت عمري كله فيه. بعد موت أبوهم، بقيت حاسة إن كل حاجة بتتفك من إيدي. شريف سافر… ومحمود بقى عنده بيته ومراته وعياله…
قاطعتها:
— يعني كنتِ عايزة إيه؟ يفضل ابنك طول عمره ملكك؟
سكتت.
قلت:
— كنتِ شايفاني خطفت محمود منك؟
دموعها لمعت.
— يمكن.
— عشان كده رميتي عياله في الشارع؟
قالت بسرعة:
— أنا ماكنتش هرميهم! كنت هخليهم ينزلوا يعيشوا معايا.
ضحكت من الصدمة.
— ويفضلوا معاكي وأنا أمشي؟
ما ردتش.
فهمت.
هي فعلًا كانت شايفة إن الأحفاد من حقها…
وأنا مجرد شخص ممكن يختفي من الصورة.
قلت:
— والفلوس؟
نزلت عينيها.
— كنت أعرف الرقم السري بتاع موبايله.
— حولتيهم؟
سكتت.
— ردي.
قالت:
— أيوه.
غمضت عيني.
كنت متوقعة الإجابة…
لكن سماعها كان موجع.
قالت:
— كنت خايفة يحط كل حاجة باسمك.
قلت:
— دي كانت فلوس تعبه.
— وأنا أمه!
صرخت لأول مرة:
— وأنا مراته! ودول عياله!
صوتي خلاها تسكت.
قلت:
— تسع سنين وأنا عمري ما طلبت منك حاجة. استحملت كلامك عشان محمود. وبعد ما مات بأسابيع، بدل ما تحضني عياله، رميتي سرير حفيدك في الشارع!
بدأت تعيط.
لكن قلبي ماقدرش ينسى يوسف وهو بيسألني:
“ماما… إحنا بقينا من غير بيت؟”
قلت:
— الأستاذ سامح هيتصرف رسميًا. وأنا مش هتنازل عن حق ولادي.
رفعت رأسها.
— هتفضحيني؟
قلت:
— أنا مش هدور على فضيحة ولا انتقام. لكن أي فلوس أو حق مش بتاعك لازم يرجع، وأي ورق غلط لازم يتصحح.
قامت.
وقبل ما تخرج قالت:
— محمود لو كان عايش ماكانش هيقبل تعملي فيا كده.
بصيتلها وقلت:
— محمود لو كان عايش… ماكنتيش قدرتي تعملي فيا اللي عملتيه.
وخرجت.
مرت الشهور.
وبمساعدة المحامي، كل الأوراق اتراجعت رسميًا.
الشقة فضلت ملكي زي ما محمود سجلها وهو عايش.
أما باقي تركة محمود، فاتقسمت حسب الحقوق والأنصبة المستحقة، من غير ما آخد جنيه مش من حقي، ومن غير ما أسمح لحد ياخد جنيه من حق ولادي.
والتحويل المالي اتسوى ورجع المبلغ المستحق لحساب التركة.
أما عقد التنازل المختلف عليه، فما بقاش له أثر بعد الإجراءات القانونية اللي تمت ومراجعة المستندات.
شريف رجع له نصيبه اللي محمود كان مجهزه له.
والأغرب؟
إن شريف ما سكنش عندنا أصلًا.
أجر شقة قريبة، وبدأ شغله في مصر.
وكان كل أسبوع تقريبًا ييجي يشوف ليلى ويوسف.
مرة يوسف سأله:
— عمو… إنت ليه ماخدتش بيتنا؟
شريف ضحك.
شاله وقال:
— عشان عمك عنده بيت… لكن إنت وأختك عندكم بيت واحد أبوكم سابهولكم.
حماتي؟
فضلت فترة طويلة ما بتكلمنيش.
وأنا ما منعتهاش من أحفادها، لكن حطيت حدود واضحة.
تزورهم باحترام.
تشوفهم.
تكلمهم.
لكن حياتي وبيتي وقراراتي…
مش ملكها.
وبعد حوالي سبع شهور، حصل موقف عمري ما هنسيه.
كنت راجعة من الشغل.
لقيت حماتي قاعدة على السلم قدام باب شقتي.
كبرت في الشهور دي كأنها عدت عليها سنين.
قالت:
— ممكن أدخل؟
فتحت الباب.
دخلت.
ليلى أول ما شافتها جريت حضنتها.
يوسف جاب لعبته وقعد يحكيلها عنها.
حماتي فضلت باصة لهم.
وبعدين بدأت تعيط.
قالتلي:
— أنا خسرت ابني… وكنت هخسر اللي فاضل منه بإيدي.
ما رديتش.
طلعت من شنطتها مفتاح قديم.
حطته قدامي.
— ده كان نسخة مفتاح شقتكم.
بصيتله.
قالت:
— مش من حقي يفضل معايا.
وسابته على الترابيزة.
قامت تمشي.
لكن قبل ما تخرج، ليلى نادتها:
— تيتة؟
لفت.
ليلى قالت:
— هتيجي الجمعة تاكلي معانا؟
حماتي بصتلي.
ماكانش في عينيها التحدي القديم.
كان فيه سؤال.
أنا ما نسيتش.
وما اعتبرتش إن اللي حصل بسيط.
لكن ماكنتش عايزة أولادي يكبروا شايلين نفس الكراهية اللي دمرت عيلتنا.
قلت:
— تيجي… بس بعد كده مفيش حد يزعق لحد في البيت ده.
حماتي هزت راسها.
— حاضر.
ومشيت.
في الليلة دي، بعد ما الولاد ناموا، فتحت الملف الأزرق للمرة الأخيرة.
لقيت ورقة صغيرة لازقة في آخر الملف.
ماكنتش واخدة بالي منها قبل كده.
كان عليها خط محمود.
ثلاث سطور بس:
“سارة…
البيت مش حيطان ولا ورق ملكية.
البيت هو المكان اللي إنتِ وولادنا محدش يقدر يقول لكم فيه: امشوا.”
حضنت الورقة وعيطت.
لكن المرة دي…
ماكانش عياط خوف.
بصيت ناحية أوضة ولادي.
ليلى نايمة وهي حاضنة صورة أبوها.
ويوسف نايم جنبها.
وقتها فهمت إن محمود فعلًا وفى بوعده.
هو مات…
لكن قبل ما يمشي، عمل كل اللي يقدر عليه عشان محدش يكسرنا بعده.
وفي نفس المكان اللي حماتي وقفت فيه وقالتلي:
“ابني مات… يعني ملكيش حاجة هنا.”
وقفت أنا بعد شهور، قفلت باب بيتي، وبصيت لأولادي وهم نايمين بأمان.
وعرفت إن الحقيقة كانت العكس تمامًا.
محمود مات…
لكن ولاده ما ماتش حقهم معاه.
وأنا ما بقيتش الست اللي بتجمع هدومها من الشارع والناس بتتفرج عليها.
أنا بقيت الأم اللي عرفت إن السكوت عشان نحافظ على العيلة شيء…
والسكوت لما حد يحاول يسلب حق أولادنا شيء تاني خالص.
تمت
الكاتبة: أسما السيد — أساطير النيل
ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن الكاتبة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



