تولين للكاتبه اسما السيد 4

# رواية تولين
## الفصل التاسع والعاشر
كان فايز يجلس في مكتبه داخل شركته، مسندًا رأسه إلى الخلف، شاردًا في الأفكار التي لا تفارقه. وفجأة انتبه إلى طرقات على الباب.
دخلت سكرتيرته وقالت:
— يا أفندم، أستاذ سامي بره وبيقول عنده معاد سابق مع حضرتك.
اعتدل فايز في جلسته وقال بسرعة:
— دخليه… بسرعة.
دخل سامي وألقى التحية، ثم جلس أمامه بعد أن طلب له فايز فنجانًا من القهوة.
لم ينتظر فايز طويلًا، وقال بلهفة:
— ها يا سامي؟ وصلت لحاجة؟ عرفت طريق الست دي فين؟
أخذ سامي نفسًا عميقًا وقال:
— اهدى يا فايز بيه. أنا قدرت أوصل للشقة اللي كانت عايشة فيها، لكن للأسف كانت نقلت منها. البواب أكد لي الكلام ده، والشقة فعلًا كانت باسمها. وكمان قدرت أوصل لمعلومات عن حسابها في البنك… ولسه في حاجة تانية.
ضرب فايز المكتب بيده وقال بعصبية:
— انطق!
تردد سامي لحظة، ثم قال:
— عرفت إنها كانت زوجة شريف رسمي، على سنة الله ورسوله، من حوالي سنتين. والأهم… إنها خلفت منه طفل، وعمره دلوقتي حوالي عشرة شهور.
تجمد فايز في مكانه.
ثم ضرب المكتب بعنف وهو يهتف:
— إزاي؟! إزاي قدر يخدعني سنتين كاملين؟
رفع عينيه إلى سامي وقال:
— أنا عايزك تجيبهالي من تحت الأرض. مش هسمح لواحدة زي دي، هي وابنها، إنها تستولي على تعب عمري.
نظر إليه سامي بقلق وقال:
— بس يا باشا… ده حفيدك.
نهض فايز فجأة، وأمسكه من قميصه بعنف:
— أنا مليش أحفاد. فاهم؟ مش بعد السنين دي كلها تيجي واحدة من غير أصل معروف وتتحكم في شقي عمري.
ثم دفعه بعيدًا وقال:
— اللي قلت لك عليه تنفذه من غير نقاش. عايز أعرف كل حاجة عنها.
—
في مكان آخر، كان أيهم يجلس في شرفة غرفته، يحتسي القهوة بينما تتساقط قطرات المطر بهدوء.
كان شاردًا في تولين، المرأة التي أصبحت تشغل جزءًا كبيرًا من تفكيره.
وفجأة وصلت إليه رائحة عطرها المميزة.
التفت، فوجدها تخرج إلى الشرفة وتتأمل المطر.
لمحته، فتوقفت لحظة، ثم تقدمت نحوه بخجل.
كانت علاقتهما تزداد قربًا يومًا بعد يوم، وكل واحد منهما يحاول أن يخفي مشاعره خلف المزاح والكلمات العابرة.
اقتربت تولين من فنجان القهوة، وأخذته منه قائلة:
— أنا شميت ريحة القهوة من بعيد.
ابتسم أيهم وهو يتابعها، ثم قال في نفسه:
“ربنا يسامحك يا شريف… إنت اللي حطيتني في الحكاية دي.”
جلسا معًا يستمعان إلى الموسيقى وصوت المطر، حتى شعرت تولين براحة لم تكن تعرفها منذ وقت طويل.
طلبت منه أن يحرك الأرجوحة قليلًا، فاستجاب وهو يبتسم.
وبينما كانت الموسيقى تملأ المكان، شعر أيهم أن المسافة بينهما تختفي شيئًا فشيئًا.
كان يعلم أن مشاعره تجاهها أصبحت حقيقية، لكنه كان يشعر بالذنب كلما تذكر شقيقه الراحل.
—
بعد وقت، عاد أيهم إلى الفيلا وهو يحمل طفله الصغير الذي كان قد هدأ بفعل الدواء.
فتح له العم أيوب الباب، فصعد أيهم إلى غرفته ووضع الطفل في فراشه.
ثم توجه إلى الغرفة المجاورة.
وجد تولين نائمة وبجوارها ابنها سليم.
اقترب منها وقبّل جبينها برفق، ثم ذهب ليستعد لصلاة الفجر.
بعد دقائق، استيقظت تولين على صوت طفل يبكي.
نظرت بجانبها فوجدت سليم نائمًا، فعرفت أن الصوت قادم من الغرفة الأخرى.
فتحت الباب الفاصل، ودخلت.
وجدت طفلًا صغيرًا يبكي، فاقتربت منه وحملته بين ذراعيها.
قالت بحنان:
— إيه يا قلبي؟ بتعيط ليه؟ جعان؟
بدأت تهدهده حتى هدأ تمامًا.
نظرت إلى وجهه الصغير، وشعرت بمشاعر غريبة تجاهه، وكأن قلبها تعرف عليه منذ زمن.
حملته إلى غرفتها ووضعته بجوار سليم، وظلت تهدهده حتى نام.
وعندما خرج أيهم من الحمام، فوجئ بأن طفله لم يعد في سريره.
بحث عنه، حتى سمع صوت تولين.
اقترب، فوجدها تحمل ابنه بحنان وتضعه بجوار سليم.
نظر إليها بامتنان شديد.
وضعت الغطاء على الطفلين، ثم جلست بجانبه.
لاحظت الحزن في عينيه، فأخذت رأسه ووضعته على ساقيها، وبدأت تدلك شعره بهدوء.
لم يحتج أيهم إلى سؤالها.
حكى لها كل ما بداخله، وكأنه وجد أمامه شخصًا يستطيع أن يضع عنده كل أسراره.
وبعد أن انتهى، قالت له تولين بحنان:
— من النهارده أنا خلفت توأم… ساجد ابني زي سليم بالظبط. أوعدك إني هشيله في عنيا، ومتحملش همه أبدًا. أنا مستحيل أفرط في أمانتك.
لم يتمالك أيهم نفسه.
احتضنها وبكى، وكأنه طفل وجد أخيرًا من يطمئنه.
احتضنته هي الأخرى حتى هدأ، ثم ناما بعد ليلة طويلة مليئة بالمشاعر.
—
مرت الأيام سريعًا.
كانت تسنيم تسأل باستمرار عن ابن شقيقها، وكان أيهم يطمئنها دائمًا.
أما فايز، فكان مستمرًا في البحث عن تولين، حتى عرف أنها زوجة شريف، لكنه لم يتمكن من الوصول إليها.
وفي الوقت نفسه، لم تكن زوجة شريف تهتم كثيرًا بما يحدث حولها، ولم تسأل عن طفلها.
—
كان محمد في مهمة رسمية منذ أسبوع، وعندما عاد وجد نفسه غارقًا في التفكير.
اقترب منه صديقه وقال:
— إيه يا بوب؟ اللي واكل عقلك؟
ابتسم محمد وقال:
— عقلي وقلبي كمان.
ضحك صديقه:
— لا، الموضوع كبير. متقولش إنك حبيت مرات أخوك؟
نظر محمد إليه بألم وقال:
— دي المشكلة… كل ما أقرب منها بحس إني بخونه. بس غصب عني، أنا معرفتش الحب الحقيقي إلا معاها.
سأله صديقه:
— وهي؟
تنهد محمد:
— معرفش. خايف تكون شايفاني صورة من شريف… أو أكون مجرد شخص بيحاول يعوض مكانه.
ربت صديقه على كتفه وقال:
— كل اللي بتقوله ده ملوش معنى. الحب يا صاحبي مبيتجزأش. يا بتحب يا لأ. ارمي اللي فات ورا ضهرك، ومتضيعش عمرك. يمكن شريف نفسه كان شايف حاجة إنت مكنتش شايفها، وعشان كده جمعكم في وصية واحدة.
هز محمد رأسه، وكأنه بدأ يقتنع.
—
بعد فترة، عاد أيهم إلى الفيلا.
وجد تولين في المطبخ، وسليم يلعب على الأرض، بينما كانت تحمل ساجد وتحضر له رضعته.
اقترب منها، فاستقبله سليم بفرحة:
— بابا!
ابتسم أيهم وحمل الطفل.
ثم اقترب من تولين وقال:
— حبايب بابا عاملين إيه؟ وحشتوني.
خجلت تولين وقالت:
— وإنت كمان وحشتنا.
ابتسم وقال:
— هما بس؟ أنا كده أزعل.
ضحكت وقالت:
— وحشتنا كلنا على فكرة.
اقترب منها وهمس:
— وإنتِ وحشتيني… أوي.
ابتسمت بخجل، وشعرت بالأمان الذي اعتادت عليه في وجوده.
وفي تلك اللحظة، أدرك أيهم أن ما بدأ كوصية من شقيقه أصبح شيئًا مختلفًا تمامًا.
لقد بدأ يشعر أن الحياة تعطيه فرصة جديدة.
—
# الفصل الحادي عشر والثاني عشر
كان فايز يجلس في مكتبه كأنه ينتظر لحظة الهجوم.
اتصل به سامي وأخبره أن لديه معلومات جديدة عن المرأة التي تزوجها ابنه.
طرق سامي الباب ودخل.
قال فايز بسرعة:
— ها يا سامي؟ وصلت لإيه؟
نظر سامي إليه بحذر، ثم قال:
— اهدى يا باشا وخد نفسك.
صاح فايز:
— خلص!
قال سامي:
— مدام تولين بتدرس في كلية الهندسة، وعايشة في القاهرة.
قاطعه فايز:
— وبعدين؟
ابتلع سامي ريقه وقال:
— اتجوزت من شهرين.
انتفض فايز:
— اتجوزت؟ مين اللي اتجوزها؟
ابتسم سامي في نفسه بسخرية مريرة، ثم قال:
— اتجوزت العقيد أيهم… ابن حضرتك.
تجمد فايز.
جلس على كرسيه وكأن الأرض انسحبت من تحته.
— إنت متأكد؟
أومأ سامي وأخرج مجموعة من الأوراق والصور، بينها صور لأَيهم وتولين والطفلين.
ظل فايز يقلب الصور، والصدمة تزداد داخله.
سأل:
— أيهم كان يعرف بجواز شريف؟
أجاب سامي:
— لا. حسب اللي عرفته، دي كانت وصية شريف وهو بيموت. أيهم نفذها، ومكنش ناوي يخبي زواجه، لكن الظروف هي اللي منعته.
ضرب فايز كل ما أمامه.
— اخرج! اخرج من هنا!
غادر سامي، بينما ظل فايز وحده.
قال بغضب:
— تولين… يا تولين. لازم أخلص منك ومن كل اللي حواليكي.
—
في الجهة الأخرى، كانت ميرال تبحث عن تولين وتنادي عليها.
قالت بضيق:
— يا بنتي إنتِ فين؟ أنا جاية عيد الميلاد عشان أخلص بسرعة من اللزقة اللي ورايا.
ضحكت تولين:
— يا شيخة حرام عليكي. الواد باين عليه واقع لشوشته.
كانت ميرال تتذكر محمد، الذي بدأ يظهر أمامها في كل مكان.
في النادي، في الجامعة، وفي الشارع.
بل إنه استطاع الحصول على رقم هاتفها وأصبح يرسل لها رسائل طوال اليوم يخبرها بكل تفاصيل حياته.
ورغم أنها كانت تتظاهر بالضيق، إلا أنها في الحقيقة كانت تستمتع باهتمامه.
لكنها قررت أن تجعله ينتظر قليلًا.
—
استعد الجميع لحفل عيد الميلاد.
كانت ميرال تحمل الطفلين عندما قابلها محمد على السلم.
ابتسم وقال:
— هيييح… مراتي.
نظرت إليه بضيق مصطنع:
— إنت خرفت ولا إيه؟ ابعد عن وشي.
اقترب منها:
— ليه كده؟ معندكيش إخوات صبيان؟
وفي لحظة، ضربته بخفة على بطنه، فانحنى متألمًا.
ضحكت وقالت:
— تعيش وتاخد غيرها يا جوزي يا حبيبي.
انتفض محمد:
— جوزي؟ قوليها تاني!
هربت إلى الغرفة وهي تضحك، بينما ظل خلف الباب يكرر بسعادة:
— أخيرًا!
—
بعد قليل، اجتمع الجميع للتحضير للاحتفال.
كانت المناوشات بين محمد وميرال لا تتوقف.
تشاجرا بطريقة طريفة، وانتهى الأمر بأن ألقت ميرال كوب ماء عليه، ثم دخل الاثنان في مطاردة داخل المطبخ انتهت بوصول الطحين إلى ملابس محمد.
ضحك الجميع عليهم، حتى دخلت سعدية وقالت:
— يحظكم يا ولاد، إنتوا مبتتساووش أبدًا.
وفي النهاية، اختبأت ميرال، بينما ظل محمد يهددها بأنه لن يتركها تفلت منه.
—
بعد مرور نصف ساعة، اكتمل وصول الضيوف.
جاءت تسنيم ووالدتها التي تحسنت حالتها كثيرًا، بعدما أخبرهم أيهم بالحقيقة كاملة.
كما حضر كريم ووالدته نرمين، ووالدا محمد، ووالدا ميرال.
كان الجميع سعيدًا.
أما والدة أيهم، فكانت أكثر الناس سعادة.
لقد أخبرها ابنها بزواجه من تولين تنفيذًا لوصية شريف، وأخبرها أيضًا بحبه لها.
شعرت أن الله عوضها عن الكثير من الألم.
أخذت تقبل أحفادها، وكان الطفلان سعيدين بالقرب منها.
—
وفي أثناء الحفل، تحدث والد محمد مع والد ميرال.
قال:
— يشرفني يا أستاذ سامح إني أطلب إيد بنتك ميرال لابني محمد.
ابتسم والدها وقال:
— لو هي موافقة، أنا معنديش مانع.
قفز محمد من مكانه:
— موافقة! موافقة! يلا نقرأ الفاتحة.
ضحك الجميع، بينما نظرت ميرال إليه بخجل وغيظ في الوقت نفسه.
وبعد دقائق، اتفق الجميع على التفاصيل، وتمت قراءة الفاتحة.
اقترب محمد من ميرال وقال:
— عقبالك.
نظرت إليه، فهي تعرف منذ سنوات أنه يحبها.
لكنها كانت تخاف من الزواج بسبب ظروفها الصحية، وكانت دائمًا تشعر أنها قد تكون عبئًا على من يتزوجها.
قالت له:
— وأنا كمان.
أمسك يدها برفق وقال:
— لو مش ليا، مش هتبقي لحد غيري. ولو عشت عمري كله مستنيكي، هستناكي.
ردت:
— أنا منفعكش.
ابتسم وقال:
— وأنا مبخدش رأيك.
تركته وذهبت إلى والدتها.
ظل ينظر إليها بحزن ويتمتم:
— لحد إمتى بس؟ بحبك يا تسنيم… والله بحبك.
راقبته والدته، وشعرت بالألم من أجله.
كانت تحب تسنيم، لكنها تعرف أنها تخاف من فكرة الزواج، فقررت أن تفعل شيئًا من أجل ابنها.
—
في مكان آخر، كان فايز يتابع كل شيء من بعيد، وهو يخطط للانتقام.
قال في نفسه:
— افرحوا يومين وخليكم فاكرين إني مش عارف حاجة. بس خلاص… هانت.
وفي الوقت نفسه، دخلت سارة عليه وهي في حالة سيئة.
قال لها بغضب:
— مش هتبطلِي الإهمال ده وتفوقي لجوزك؟ كل اللي خططنا له باظ.
ردت:
— إنت اللي خططت، مش أنا.
أمسكها بعصبية وقال:
— حتى الطفل اللي خلفتيه مش عارفة تستغلي وجوده.
ردت عليه بغضب:
— وإنت السبب في كل اللي حصل. إنت اللي تسببت في موت شريف.
صمت لحظة، ثم قال:
— إنتِ اټجننتي؟
صرخت:
— أنا سمعتك وإنت بتتفق مع واحد عشان يعطل فرامل العربية.
نظر إليها بحدة وقال:
— أنا مكنتش عايز أموته. كنت عايز أخوفه بس. هو ابني وذراعي اليمين.
لكن كلماته وصلت إلى شخص آخر كان يستمع إلى الحوار دون أن يشعر.
وهكذا ظهر سر خطير قد يقلب كل شيء رأسًا على عقب.
—
انتهى الحفل، وعاد الجميع إلى غرفهم.
كانت تولين تقف أمام النافذة تتأمل المطر الغزير.
اقترب منها أيهم بعدما بدل ملابسه.
وجدها ترتدي ملابس منزلية، فوقف خلفها وأحاطها بذراعيه.
انتفضت وقالت:
— أيهم، .
ابتسم وقال:
— سرحانة في إيه؟
هبت رياح قوية، فارتجفت من البرد واقتربت منه.
سألها:
— بردانة؟
أومأت.
حملها برفق، فضحكت بخجل.
قال:
— تعالي… عايز أحكيلك حكاية.
نظرت إليه باستغراب.
اقترب منها وقال:
— هحكيلك حكاية القميص اللي إنتِ لبساه ده.
اتسعت عيناها من الدهشة.
فضحك أيهم وقال:
— متقلقيش… هحكيلك كل حاجة بالتفصيل عشان تفهمي يا قلبي.
وهكذا بدأت ليلة جديدة، بينما في مكان آخر كان فايز يجهز لخطوته القادمة، دون أن يعرف أن الأسرار التي بدأت تظهر قد تهدم كل خططه.




