زوجي الأعمي حكايات اسما السيد 4

الفصل الخامس والأخير — المرة دي أنا اللي كنت شايفة كل حاجة
فضلت باصة للصورة اللي وصلتلي.
أنا خارجة من البنك.
نفس هدومي.
نفس الشنطة.
والصورة متاخدة من الناحية التانية من الشارع.
وتحتها الجملة:
“أبوكي ما عرفش يسكت… شوفي حصله إيه.”
لأول مرة من ساعة ما اكتشفت الحقيقة، الخوف اتحول لحاجة تانية.
غضب.
مش علشان نفسي بس.
علشان أبويا.
علشان الراجل اللي حاول يحميني وأنا كنت مشغولة بخدمة إنسان كان بيضحك عليا.
قفلت الرسالة.
وبصيت للشنطة اللي فيها الفلاشة والموبايل القديم.
اللي بيهددني فاكر إن كل الأدلة معايا.
لكن هو ماكانش يعرف إني قبل ما أخرج من البنك عملت أهم حاجة ممكن أعملها.
نسخت كل الملفات.
التسجيل.
الفيديو.
صور التحويلات.
رسالة أبويا.
وكل ورقة كانت في الصندوق.
وبعتهم لحساب إلكتروني جديد، ونسخة تانية لشخص أثق فيه، مع رسالة واضحة:
“لو حصلي حاجة، الملفات دي تتسلم للجهات المختصة.”
يعني حتى لو أخدوا الموبايل مني…
الحقيقة خرجت من إيدي خلاص.
تاني يوم قابلت الممرضة.
اخترنا مكان عام ومزدحم.
جت وهي ماسكة ملف بني قديم.
أول ما قعدت قالت:
— أنا احتفظت بالنسخة دي لأن اللي حصل وقتها ما ريحنيش.
فتحت الملف قدامي.
كان فيه تقرير طبي بتاريخ بعد الحادث بحوالي شهرين.
قريت السطر بنفسي.
استجابة العين طبيعية.
حدة الإبصار مستقرة.
ولا توجد مؤشرات تستدعي الاعتماد الكامل على مرافق.
بصيت للممرضة.
قلت:
— يعني كان شايف.
قالت:
— أيوه.
— وهو كان عارف؟
— طبعًا.
طلعت ورقة تانية.
في آخرها توقيعه.
توقيعه هو شخصيًا على استلام نتيجة الفحص.
ما بقاش يقدر يقول إنه ماكانش يعرف.
صورت الأوراق كلها.
وبعدين سألتها:
— عمه عمل إيه يومها؟
قالت:
— دخل للإدارة، وبعدها اتقال لنا إن الملف فيه خطأ ولازم بعض الصفحات تتراجع.
— والصفحة اختفت؟
— من النسخة الموجودة في المركز، أيوه.
سألتها:
— وإنت احتفظتي بنسخة ليه؟
قالت:
— لأن والدك جه بعدها بفترة يسأل عن نفس التقرير. كان واضح إنه شاكك في حاجة، فخفت الملف يختفي بالكامل.
مجرد ما سمعت كلمة “أبوكي” حسيت بوجع في صدري.
سألت:
— أبويا قالك حاجة؟
هزت راسها.
— قال جملة واحدة.
— إيه؟
بصتلي وقالت:
— “بنتي بتضيع عمرها على واحد مش محتاجها.”
دموعي نزلت.
مسحتها بسرعة.
المرة دي ماكانش عندي وقت أنهار.
خرجت من عندها وروحت للمحامي.
حطيت التقرير قدامه.
وشغلتله تسجيل جوزي مع أصحابه.
وبعدين تسجيل مواجهة أبويا معاه.
المحامي فضل ساكت لحد النهاية.
بعدها قال:
— من هنا مفيش مواجهة فردية. أي خطوة هتكون بالقانون.
وافقت.
كل الأدلة اللي عندي اتجمعت واتقدمت رسميًا.
التسجيلات.
التحويلات البنكية.
الملف الطبي.
الفيديو اللي صوره أبويا.
ورسالة التهديد اللي وصلتني.
والأهم…
البلاغ الكاذب اللي جوزي كان قدمه ضدي بدأ ينقلب عليه.
لأن روايته كلها كانت مبنية على إنه شخص فاقد للبصر اعتمد عليا اعتماد كامل.
لكن التقرير الطبي بيقول غير كده.
وتسجيله بنفسه بيقول غير كده.
وفيديو أبويا بيقول غير كده.
بعد أيام، جالي اتصال من المحامي.
قال:
— في تطور مهم.
قلت:
— إيه؟
— عم جوزك عايز يتكلم.
اتصدمت.
— معايا؟
— لأ. مع الجهات المختصة.
سألته:
— ليه؟
رد:
— واضح إنه عرف إن عندنا نسخة من الملف الطبي والتحويلات… وبدأ يحاول ينقذ نفسه.
وهنا بدأت الحكاية الحقيقية تظهر.
الرهان بين جوزي وأصحابه كان حقيقي.
في البداية، بعد ما بصره بدأ يرجع، راهن أصحابه إنه يقدر يكمل فترة طويلة وهو مقنع الناس إنه ما زال فاقد البصر.
لكن بعدها اكتشف إن الكذبة ممكن تحقق له أكتر من مجرد رهان.
تعاطف.
خدمة كاملة.
وسيطرة عليا.
وكان بيستخدم جزء من دخلي اللي بيدخل الحساب المشترك في استثمارات مع عمه.
مبالغ صغيرة في البداية.
وبعدين المبالغ كبرت.
وأنا ما كنتش باخد بالي لأن حياتي كلها كانت شغل وبيت وعلاج مزيف.
أما أبويا…
فهو أول واحد لاحظ.
لما عرف إني بشتغل بالشكل ده ومع ذلك دايمًا بقول إني مش معايا فلوس، بدأ يراجع معايا بعض الحسابات من غير ما أعرف.
وصل للتحويلات.
وبعدين شك في موضوع العمى نفسه.
لحد ما شاف جوزي بعينيه وهو بيقرأ من شاشة موبايله.
واجهه.
وهنا وصلت للحقيقة اللي كنت مرعوبة أعرفها.
سألت المحامي:
— أبويا مات بسببه؟
قال:
— التقرير الطبي بيقول إن سبب الوفاة مضاعفات النزيف في المخ. لكن التسجيل يثبت إن حصلت مشادة قبل تدهور حالته، وده جزء لازم التحقيق هو اللي يحسمه، مش إحنا.
الكلام وجعني.
لكن كان مهم.
أنا ما كنتش عايزة أنتقم بكذبة.
كنت عايزة الحقيقة.
حتى لو الحقيقة ما كانتش بالشكل اللي غضبي عايزه.
التحقيقات أثبتت حاجة مؤكدة:
أبويا وقع أثناء المواجهة.
وجوزي ما طلبش له مساعدة فورًا.
والأخطر إن التسجيل الكامل اللي قدروا يستعيدوا جزء إضافي منه كشف صوت أبويا وهو بيقول بصعوبة:
— هاتلي دوايا…
وبعدها صوت جوزي:
— قوم لوحدك… إنت داخل بيتي تعمل فيها بطل؟
فضلت ساكتة وأنا بسمع.
ماقدرتش أكمل التسجيل.
كل اللي فكرت فيه إن أبويا خرج من البيت بعدها، وبعد ساعات حالته ساءت، وفي اليوم التالي حصل النزيف الكبير اللي دخل بسببه المستشفى.
أما الـ50 ألف جنيه اللي طلبتهم للعملية…
فاكتشفت حاجة كسرتني أكتر.
يوم ما رحت أترجاه، كان في حساب جوزي مبلغ أكبر من ده بأضعاف.
يعني ماكانش عاجز يساعد.
هو اختار ما يساعدش.
بعد شهور من القضايا والتحقيقات، قدرت أثبت حقي في جزء كبير من الأموال اللي اتحولت من دخلي من غير علمي، وانتهت علاقتي بيه رسميًا.
وهو وعمه واجهوا قضايا مرتبطة بالتحويلات والتلاعب في المستندات، بالإضافة للتحقيق في باقي الوقائع.
أما أنا…
فبدأت من الصفر.
وساعتها اكتشفت إن الصفر مش دايمًا مخيف.
أحيانًا الصفر أرحم من حياة كاملة مبنية على كدبة.
رجعت لشغل واحد بس.
بطلت أشتغل ليل ونهار.
استأجرت مكان صغير على قدي.
وأول حاجة حطيتها فيه كانت صورة أبويا.
بعد فترة، المحامي سلمني آخر حاجة كانت عنده من متعلقات أبويا.
ظرف صغير.
فتحته.
كان جواه ورقة بخط إيده.
مكتوب فيها:
“يا بنتي، مساعدة جوزك وقت مرضه مش ضعف منك. إنتِ عملتي اللي ضميرك ودينك قالولك عليه. الغلط مش إنك وفيتي… الغلط إنه استغل وفاءك. لو في يوم عرفتي الحقيقة، ما تخليش اللي عمله يحول قلبك لقلب شبهه.”
قريت الرسالة وأنا بعيط.
لكن لأول مرة…
كانت دموعي مريحة.
مرت شهور.
وفي يوم كنت قاعدة في البيت، لقيت مقطع قديم على موبايلي.
كان صوت جوزي أيام ما كنت لسه مصدقاه:
— إنتِ عيني اللي بشوف بيها.
فضلت باصة للشاشة ثواني.
وبعدين مسحته.
وحطيت الموبايل على الترابيزة.
بصيت لصورة أبويا وابتسمت.
وقلت:
— عارف يا بابا؟ أنا فهمت متأخر… بس فهمت.
جوزي ماكانش محتاج عيني.
هو كان شايف طول الوقت.
أنا اللي كنت محتاجة أفتح عيني.
والنهارده…
فتحتهم.
تمت.
✍️ الكاتبة أسما السيد



