حكايات اسما السيد 4والاخير

الدخان كان بيزيد حوالينا، وأنا واقفة قدام الراجل اللي ملامحه شبه الصورة القديمة بشكل يخوف.
قلت وأنا بحاول أستوعب اللي بيحصل:
— أخوه التوأم؟!
مد إيده ناحية الباب الصغير.
— الكلام بعدين. لو فضلنا هنا أكتر، لازم نخرج فورًا.
حاتم شال الصندوق، وفؤاد سند أمي، وخرجنا واحد ورا التاني من الممر الخلفي.
طلعنا في حوش مهجور ورا المبنى.
وبعد ثواني، سمعنا صوت عربيات الإطفاء والشرطة.
بصيت لحاتم.
— إنت طلبتهم؟
هز راسه.
— أول ما جلال اتصل وعرفت إننا متراقبين، بعت موقعي لمدير الأمن عندي وطلبت منه يبلغ الشرطة.
الراجل الغريب قال بسرعة:
— لازم نمشي من هنا. جلال مش لوحده.
بصيتله.
— أنا مش هتحرك خطوة قبل ما أعرف إنت مين.
سكت لحظة.
— اسمي يونس النجار.
أمي كانت بتبصله كأنها شايفة صورة قديمة قدامها.
— يوسف عمره ما قالي إن عنده أخ توأم.
ابتسم بحزن.
— لأننا كنا متخاصمين سنين طويلة.
قلت:
— وإنت عرفت مكاننا إزاي؟
يونس بص للصندوق في إيد حاتم.
— لأن الصندوق ده أنا اللي ساعدت يوسف يجهزه.
بعد ساعة، كنا في مكان آمن تابع لشركة حاتم.
الشرطة كانت بدأت إجراءاتها بخصوص الحريق، لكن جلال اختفى.
قعدت قدام يونس.
— ابدأ من الأول.
قال:
— يوسف فضل سنين فاكر إن لوسيا فقدت الحمل وإنها اختارت جلال بعده. لما اكتشف إن عنده بنت، حياته كلها اتغيرت.
سألته:
— ليه ماجاش لي؟
— حاول.
طلع من شنطته مجموعة خطابات.
— دي نسخ من الجوابات اللي بعتها ليكي.
مسكتهم.
على كل ظرف كان اسمي.
سلمى.
قال:
— ولا جواب وصل.
بصيت لفؤاد.
وشه اتغير.
— جلال كان بياخدهم.
يونس هز راسه.
— ولما يوسف اكتشف إن جلال لسه موجود، بدأ يجمع مستندات تثبت الحقيقة.
حاتم قال:
— وهنا قابلني.
يونس بصله.
— يوسف اختارك لأنك جوز سلمى. لكنه ماكانش واثق فيك في البداية.
بصيت لحاتم.
— وإنت فضلت ساكت أربع سنين.
قال:
— وده أكبر غلط عملته.
— ليه؟
— لأن يوسف طلب مني.
يونس كمل:
— جلال كان بيراقب سلمى. يوسف خاف لو ظهر فجأة، جلال يعرف إنه وصل لها ويحاول يمنعها من معرفة الحقيقة.
قلت:
— لكن يوسف اختفى من حياتنا من سنة.
يونس سكت.
— أيوه.
— إزاي؟
طلع ملف صغير.
— يوسف كان المفروض يقابلني من سنة ويسلمني آخر دليل جمعه. لكنه ماوصلش.
— حصل له إيه؟
— قالوا إنه توفى بسبب أزمة صحية.
بصلي.
— بس يوسف ماكانش في حالة صحية مستقرة وقتها.
أمي قالت بقلق:
— يعني إيه؟
يونس رد:
— كان فيه ظروف غامضة حوالين آخر أيامه، وده خلاني أبدأ أراجع كل حاجة من جديد.
حاتم سأله:
— وعندك دليل على مين كان وراه؟
يونس هز راسه.
— عندي أحسن من الدليل.
طلع فلاشة صغيرة.
— عندي تسجيل.
شغلها.
ظهر يوسف في فيديو.
كان شكله مرهق جدًا.
قال:
— «لو الفيديو ده اتفتح، يبقى غالبًا جلال وصل لي.»
حسيت دموعي بتنزل.
يوسف كمل:
— «جلال مش لوحده. الدكتور نادر الشامي شريكه من البداية.»
أمي شدت على إيدي.
— «نادر هو اللي ساعده يحتجز لوسيا، ويغير بياناتها، ويديها أدوية أثرت على ذاكرتها.»
وبعدين قال:
— «وعندي تسجيل لجلال وهو بيعترف بكل حاجة.»
يونس وقف الفيديو.
قلت:
— فين التسجيل؟
أشار للصندوق.
فتشناه.
ملفات.
صور.
أشرطة.
لكن مفيش تسجيل اعتراف.
فؤاد قال:
— يمكن جلال أخده قبل كده.
أمي فجأة لمست القلادة القديمة اللي كانت معايا.
بصتلي.
— سلمى… القلادة دي مين ادهالك؟
— إنتِ.
— إمتى؟
— قبل ما تختفي بكام يوم.
ملامحها اتغيرت.
— افتحي ظهرها.
— هي بتتفتح من قدام بس.
حاتم أخد القلادة وفحصها.
ضغط على حافة صغيرة.
تك.
ظهر تجويف دقيق جدًا.
وجواه…
قطعة ذاكرة صغيرة.
بصيت لأمي.
— إنتِ كنتِ مخبياها هنا؟
غمضت عينيها.
— علشان لو حصل لي حاجة… تفضل معاكي.
يونس حط القطعة في الكمبيوتر.
ظهر ملف صوتي قديم.
شغلناه.
صوت جلال.
واضح.
غاضب.
— سامح كان هيفضحنا! كان لازم نسكته!
وبعدين صوت نادر:
— ولوسيا سمعتنا.
جلال رد:
— يبقى هي كمان لازم تختفي من الصورة.
أمي دخلت في نوبة بكاء.
لكن التسجيل كمل.
وكان فيه اعترافات بتزوير العقود، واحتجاز أمي في المركز، وتغيير بياناتها.
كل حاجة.
قلت:
— خلاص.
بصيت لحاتم.
— دلوقتي نقدر نوقفه.
يونس قال:
— لو عرف إن التسجيل ظهر، هيحاول يختفي.
قلت:
— يبقى نخليه يفتكر إنه لسه مسيطر.
الخطة كانت بسيطة…
ومحسوبة.
بعت لجلال رسالة من موبايلي:
«عايزة أقابلك لوحدنا. معايا التسجيل. هاخدهولك مقابل إنك تسيب أمي.»
رد بعد دقيقتين:
«أخيرًا بدأتي تفكري بعقل.»
حدد مكان.
مخزن قديم تابع لإحدى شركاته السابقة.
حاتم رفض أروح.
— مستحيل.
قلت:
— هو مش هيظهر غير لو صدق إني لوحدي.
الشرطة كانت عارفة بكل حاجة.
وكانوا قريبين.
دخلت المخزن وأنا ماسكة شنطة فيها نسخة من التسجيل.
وبعد خمس دقايق…
سمعت خطوات.
ظهر جلال.
كبر.
لكن عينيه…
هما نفسهم.
وقفت مكاني.
هو ابتسم.
— وحشتيني يا بنتي.
قلت:
— متقوليش بنتي.
ابتسامته اختفت.
— أنا اللي ربيتك.
— وربيتني على قصة مش حقيقية.
سكت.
قلت:
— ليه؟
— لأن أمك كانت هتغير كل حاجة.
— فخبيتها؟
— كنت بحمي عيلتي.
قلت:
— وحرمتني من أمي؟
سكت.
— ويوسف؟
لأول مرة اتوتر.
— يوسف كان المفروض يفضل بعيد.
— إنت كنت عايز تمنعه من الوصول لينا؟
— اديني التسجيل.
رجعت خطوة.
— اعترف الأول.
— بإيه؟
— بكل حاجة.
ضحك.
— فاكرة نفسك في فيلم؟
قلت:
— لأ.
وبصيتله في عينيه.
— بس إنت فاكر إنك لسه أذكى واحد في المكان.
جلال مد إيده ناحية الشنطة.
— هاتيها.
قلت:
— أمي فضلت عشرين سنة بعيدة عني بسببك.
— هي اللي خرجت من المركز!
— بعد ما فقدت جزء كبير من ذاكرتها.
رفع صوته:
— كان المفروض ما ترجعش لحياتكم من الأساس!
سكت.
هو كمان سكت.
عرف إنه قال أكتر مما كان لازم.
قلت بهدوء:
— كمل.
بصلي بشك.
— إنتِ بتسجليني؟
ابتسمت.
— مش أنا.
فجأة أبواب المخزن اتفتحت.
— شرطة! محدش يتحرك!
جلال حاول يخرج من الباب الخلفي.
لكن لقى حاتم واقف بعيد ومعاه رجال الأمن.
رجع مكانه.
الشرطة حاصرته.
وآخر حاجة قالها كانت:
— أنا أبوكي يا سلمى!
بصيتله.
— الأب مش كلمة.
وسكت لحظة.
— وإنت استخدمت الكلمة دي عشان تخبي الحقيقة عني سنين.
الدكتور نادر تم توقيفه بعدها بيومين وهو بيحاول يسافر.
الأدلة اللي في الصندوق، مع التسجيلات وسجلات المركز القديمة، فتحت ملفات تزوير وانتهاكات كانت مخفية من سنين.
أما فؤاد…
فراح بنفسه للنيابة.
اعترف بدوره في نقل أمي للمركز وسكوته بعد كده.
قبل ما يمشي، وقف قدامي.
— عارف إن مفيش كلمة آسف تصلح اللي حصل.
قلت:
— فعلًا.
وطيت عيني.
— بس قول الحقيقة كلها. دي الحاجة الوحيدة اللي لسه تقدر تعملها.
وهز راسه.
— هعملها.
مرت شهور.
أمي بدأت جلسات دعم وتأهيل للذاكرة.
مكنتش الذكريات بترجع مرة واحدة.
كانت بتيجي على هيئة قطع صغيرة.
ريحة قهوة.
أغنية قديمة.
اسم شارع.
مرة دخلت عليها المطبخ لقيتها بتعمل أكلة كنت بحبها وأنا طفلة.
وقفت مكاني.
بصتلي باستغراب.
— إيه؟
قلت:
— إنتِ فاكرة إني بحبها؟
بصت للطبق.
وبعدين ابتسمت.
— معرفش… إيدي عملتها لوحدها.
حضنتها.
المرة دي…
ماكانش فيه خوف.
ولا عشرين سنة بينا.
كان فيه أم وبنت بيحاولوا يبدأوا من جديد.
أما حاتم…
فكان الحساب معاه أصعب.
ليلة من الليالي قعدنا في البلكونة.
قلت:
— أنا لسه زعلانة منك.
— من حقك.
— كان لازم تقولي عن يوسف.
— عارف.
— حتى لو هو طلب منك تسكت.
حاتم هز راسه.
— كنت فاكر إني بحميكي. وفي الآخر عملت نفس الغلطة اللي كل الناس عملوها معاكي.
بصيتله.
— قررتوا بالنيابة عني إيه اللي أقدر أتحمله.
— بالظبط.
مد إيده، لكنه ما لمسنيش.
— أنا مش طالب إنك تسامحيني دلوقتي.
سكت.
— بس مش هخبي عليكي حاجة تاني.
قلت:
— حتى لو الحقيقة وجعتني؟
— خصوصًا لو هتوجعك.
بعد ست شهور…
يونس طلب يقابلني.
اداني صندوق صغير.
— يوسف كان سايب ده ليكي.
فتحته.
لقيت ساعة رجالي قديمة.
وصورة.
يوسف شايل طفلة رضيعة.
أنا.
قلت:
— هو شافني وأنا صغيرة؟
يونس ابتسم.
— مرة واحدة.
اتصدمت.
— إمتى؟
— يوم ولادتك.
نزلت.
— بس قالوله إني ماكنتش موجودة.
— جلال قاله بعد كده إن الطفلة ماكملتش.
بصيت للصورة.
يوسف كان بيبصلي فيها كأنه شايل الدنيا كلها.
يونس ناولني جواب.
فتحته.
«إلى سلمى،
يمكن أصعب حاجة في العمر مش إنك تفقد شخص بتحبه… لكن إنك تعيش فاكر إنه اختار يبعد عنك.
أنا ما اخترتش أبعد عنك.
ولو في يوم عرفتي الحقيقة، متخليش السنين اللي ضاعت باقي عمرك.
عيشي.
وحبي.
وسامحي لما تقدري، مش لما الناس تطلب منك.
أبوكي… يوسف.»
فضلت أبكي وقت طويل.
لكن لأول مرة…
وقفت أمي توزع الأكل.
وأنا جنبها.
دخلت ست كبيرة هدومها قديمة.
قربت مني بتردد.
— ممكن طبق؟
ابتسمت.
— طبعًا.
ناولتها الأكل.
وبعدين لاحظت إنها واقفة بعيد لوحدها.
من سنة…
يمكن كنت هبصلها وأقول:
«بعض الناس بتختار تعيش كده.»
دلوقتي كنت عارفة إننا عمرنا ما نعرف الحكاية كاملة من شكل صاحبها.
قربت منها.
— محتاجة حاجة تانية؟
ابتسمت.
— لأ يا بنتي… ربنا يسعدك.
بصيت لأمي.
كانت بتبصلي وبتبتسم.
مشيت ناحيتها.
قالت:
— اتغيرتي.
قلت:
— اتعلمت.
— إيه؟
بصيت للناس حوالينا.
— إن الإنسان ممكن يبقى شايل سنين طويلة من الوجع تحت هدوم متربة… وإحنا نحكم عليه في ثانيتين.
أمي مسكت إيدي.
وقبل ما نمشي، سألتها السؤال اللي كان نفسي أسأله من يوم ما رجعت:
— ماما؟
— نعم؟
— أول مرة شوفتي وشي بعد كل السنين دي… عرفتي إني بنتك؟
سكتت شوية.
وبعدين ابتسمت.
— عقلي ماعرفكيش.
— أمال؟
حطت إيدها على قلبها.
— بس قلبي اتوجع أول ما شافك… كأنه كان فاكر قبلي.
حضنتها.
وعرفت وقتها إن بعض الحاجات ممكن :
اسم.
بيت.
ذاكرة.
وعشرين سنة كاملة.
لكن في حاجات…
حتى الزمن نفسه مايعرفش يمحيها.
تمت.
— حكايات أسما السيد




