بعد وفاة اهلي حكايات اسما السيد

“جوزي أجبرني أمضي على الطلاق قدام أبويا… وحماتي قالت: أبوكي مات فقير وإنتِ هتكملي زيه. لكن بعد 3 أيام، راح يمضي عقد هينقذ شركته… من غير ما يعرف إن أبويا سايبلي ملفًا هيقلب حياته.”
الجزء الأول
— امضي على الطلاق… أبوكي مات، وأنا مش هضيع صفقة بمليار جنيه علشان واحدة زيك.
قالها كريم بمنتهى البرود…
قدام نعش أبويا.
والمطر كان بيخبط على شبابيك قاعة العزاء.
كنت قاعدة جنب النعش…
حضنة صورة أبويا.
الحاج محمود…
الراجل اللي اشتغل سواق تاكسي أكتر من تلاتين سنة…
علشان يدخلني الجامعة.
وحتى وهو بيصارع المرض…
كان كل ما يشوفني يقول:
— كريم بيعاملك كويس يا بنتي؟
وكل مرة…
كنت أكدب.
وأقول:
— الحمد لله يا بابا… أنا بخير.
مقدرتش أقوله الحقيقة…
ومات وهو فاكر إني عايشة سعيدة.
كريم…
ماجاش المستشفى.
ولا حضر آخر لحظاته.
ولما وصل العزاء…
ماجابش ورد.
ولا حتى قرأ الفاتحة.
دخل ببدلة غالية.
ووراه أمه دولت.
اللي أول كلمة قالتها كانت:
— المكان ده كئيب… ياريت نخلص بسرعة.
طلعت ملف من شنطتها.
وزقته ناحيتي.
الأوراق وقعت جنب النعش.
وقال كريم:
— خمس سنين جواز كفاية… لا خلفتي… ولا نفعتي… وأنا خلاص لقيت اللي هتفتحلي أبواب رجال الأعمال.
عرفت يقصد ياسمين…
بنت رجل أعمال كبير.
اللي كان بيقول عليها طول الوقت:
— دي مجرد شريكة شغل.
حماتي حطت شيك على الترابيزة.
وقالت وهي بتبتسم بسخرية:
— دي 200 ألف جنيه… أكتر من اللي تستحقيه.
بصيت لكريم.
وافتكرت أول أيام جوازنا.
كان بيلف على المحلات…
يبيع مواد بناء بعربية نص نقل قديمة.
وأبويا…
باع العربية اللي بيشتغل عليها…
علشان يساعده يبدأ شركته.
وأنا…
بعت دهبي.
واشتغلت ليل ونهار.
علشان نسدد الإيجار.
ولما شركته نجحت…
وافقته أختفي من كل الصور.
وأقعد في البيت.
علشان غروره مايتجرحش.
بصيتله وسألته:
— يعني كنت بتخوني من زمان؟
ضحك.
وقال:
— الحب ما بيعملش شركات… الفلوس هي اللي بتعمل.
سكت لحظة.
وبعدين قال باستهزاء:
— إنتِ أقصى حاجة تعرفي تعمليها… تطبخي.
حسيت إن قلبي اتكسر.
لكن…
ماعيطتش.
مسكت القلم.
ومضيت.
قفلت الملف.
وزقيته ناحيته.
وقلت بهدوء:
— احتفظ بالشيك… وهاته معاك بعد تلات أيام… يمكن تحتاجه تدفع تمن اللي جاي.
كريم انفجر ضاحكًا.
وقال:
— من غيري هتشتغلي على عربية فول.
خرج هو وأمه.
وبعد ما الباب اتقفل…
حضنت نعش أبويا.
وهمست:
— سامحني يا بابا… استحملت كتير علشان راجل ماكانش يستحق.
طلعت موبايل تاني…
عمر كريم ما شافه.
واتصلت برقم محفوظ باسم واحد بس.
— أستاذ حسام… اجمع مجلس الإدارة.
جالي الرد فورًا:
— تحت أمرك يا فندم… نعلن هويتك النهارده؟
بصيت ناحية باب القاعة…
اللي كريم خرج منه وهو فاكر إنه دمرني.
وقلت بابتسامة هادئة:
— لسه… سيبوه يروح يمضي العقد الأول… وبعدها افتحوا الملف السري اللي أبويا سابهولي قبل ما يموت.
في اللحظة دي…
ماكانش كريم يعرف…
إن الصفقة اللي رايح يحتفل بيها…
هتكون بداية انهيار إمبراطوريته كلها.لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الجزء الثاني
بعد تلات أيام…
كان كريم واقف قدام مراية مكتبه، بيظبط الكرافتة للمرة العاشرة.
ياسمين كانت قاعدة على الكنبة، ورجل على رجل، وبتقلب في موبايلها.
قالتله:
— بابا مستني التوقيع الساعة 12… ومش بيحب حد يتأخر عليه.
كريم ابتسم بثقة.
— بعد النهارده الشركة هتدخل مستوى تاني خالص… العقد ده لو تم، هنفتح فروع في خمس محافظات.
دخلت دولت، أمه، وهي شايلة علبة مخمل صغيرة.
— وأنا جبتلك الساعة اللي وعدتك بيها… تستاهل يا حبيبي بعد ما خلصت من الهم اللي كان راكب فوق صدرك.
ياسمين ضحكت.
— تقصدي مراته؟
دولت ردت بسرعة:
— طليقته… الحمد لله.
كريم أخد الساعة ولبسها.
لكن قبل ما يخرج…
سكرتيرته دخلت وقالت بتوتر:
— أستاذ كريم… فيه حاجة غريبة.
بصلها بضيق.
— إيه؟
— رئيس مجلس الإدارة طلب إن الاجتماع النهارده يتم في القاعة الرئيسية… وكل أعضاء المجلس يحضروا.
كريم عقد حواجبه.
— رئيس مجلس الإدارة مين؟ أنا المدير التنفيذي وصاحب أكبر حصة.
السكرتيرة بلعت ريقها.
— حضرتك أكبر مساهم ظاهر في السجلات التنفيذية… لكن فيه مساهم رئيسي ممثل عن شركة استثمارية اسمها “الوفاء القابضة”.
كريم ضحك.
— الكلام ده قديم. دول عمرهم ما تدخلوا في الإدارة.
قالت:
— المرة دي طلبوا الحضور بنفسهم.
سكت كريم ثواني.
وبعدين هز كتفه.
— خليهم يحضروا.
ومسك إيد ياسمين.
— النهارده كل الناس هتعرف مين كريم منصور.
الساعة 12 إلا عشر دقايق…
قاعة الاجتماعات كانت مليانة.
محامين.
مراجعين حسابات.
أعضاء مجلس الإدارة.
والد ياسمين، فؤاد الشناوي، قاعد في صدر الترابيزة.
قدامه عقد ضخم.
كريم دخل بابتسامة واسعة.
— صباح الخير يا جماعة.
فؤاد قام وسلم عليه.
— النهارده يوم مهم يا كريم.
— أهم يوم في حياتي.
رد فؤاد:
— أتمنى.
كريم ماخدش باله من نبرته.
قعد.
فتح العقد.
وأمسك القلم.
لكن قبل ما يحط توقيعه…
الباب اتفتح.
ودخل الأستاذ حسام.
ورا منه اتنين محامين.
وآخر واحدة دخلت…
كنت أنا.
كريم فضل باصصلي كام ثانية كأنه مش مستوعب.
دولت، اللي كانت قاعدة جنب ياسمين، قامت مرة واحدة.
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
بصيت لها بهدوء.
— جاية شغلي.
كريم ضحك بسخرية.
— شغلك؟!
بص لفؤاد وقال:
— معلش يا فؤاد بيه… دي طليقتي، شكلها لسه متأثرة.
فؤاد ما ضحكش.
ولا حتى بصله.
الأستاذ حسام سحب الكرسي اللي في صدر الترابيزة.
وقال:
— اتفضلي يا مدام سلمى.
قعدت.
وقلت:
— نبدأ؟
الضحكة اختفت من وش كريم.
قال بعصبية:
— هو إيه اللي بيحصل هنا؟
الأستاذ حسام فتح ملف أسود.
وقال:
— قبل توقيع عقد الاستحواذ، فيه إفصاح قانوني لازم يتم.
كريم خبط بإيده على الترابيزة.
— إفصاح إيه؟
رفع حسام ورقة.
— الإفصاح عن صاحب الحصة المسيطرة في الشركة.
كريم ضحك.
— أنا.
حسام بصله.
— لأ.
الصمت نزل على القاعة.
حسام كمل:
— حضرتك تملك 27% فقط من أسهم شركة منصور للمقاولات بعد جولات التمويل الأخيرة.
كريم وقف.
— وأنا اللي أسست الشركة!
قلت لأول مرة:
— بمين؟
لف ناحيتي.
— إيه؟
قلت:
— أسستها بمين يا كريم؟
سكت.
فكملت:
— بالعربية النص نقل اللي كنت مأجرها؟
ولا بدهبي اللي بعته؟
ولا بالفلوس اللي أبويا ادهالك لما باع التاكسي بتاعه؟
دولت قالت بعصبية:
— ما هو إداله كام ألف جنيه ورجعهم له!
حسام فتح ورقة تانية.
— الحقيقة… ما رجعهمش.
كريم وشه اتغير.
حسام قال:
— الحاج محمود ما اداش كريم قرض.
— الحاج محمود دخل شريكًا بعقد موثق في أول شركة اتأسست من 11 سنة.
كريم هز راسه.
— مستحيل.
حسام حط نسخة العقد قدامه.
— اقرأ توقيعك.
كريم بص للورقة.
وشه بدأ يصفر.
كان توقيعه فعلًا.
قال بصوت واطي:
— العقد ده… كان مؤقت.
حسام:
— لأ.
— العقد بيقول إن مقابل رأس المال والمعدات اللي قدمها الحاج محمود، يمتلك 18% من الشركة الأم.
كريم قال بسرعة:
— حتى لو… 18% مش هتعمل كل ده.
ابتسم حسام.
— صحيح.
فتح الملف على صفحة تانية.
— لكن حضرتك مرت عليك أزمتين ماليتين خلال آخر سبع سنين.
— وفي المرتين، جهة استثمارية مجهولة ضخت سيولة وأنقذت الشركة مقابل أسهم.
كريم بدأ يفهم.
همس:
— الوفاء القابضة…
بصيتله.
— كانت بتاعة أبويا.
كريم اتسمر.
قلت:
— الراجل اللي أمك قالت عليه مات فقير…
كان بيمتلك 34% إضافية بشكل غير مباشر.
دولت شهقت.
— كدب!
حسام رد بهدوء:
— موثق.
وبموجب الوصية ونقل الملكية قبل الوفاة…
كل الأسهم انتقلت لابنته الوحيدة.
رفع عينه ناحيتي.
— مدام سلمى تمتلك حاليًا 52% من الشركة.
القلم وقع من إيد كريم.
ياسمين بصتله بصدمة.
أما أنا…
ففضلت ساكتة.
كريم قال:
— إنتِ كنتِ عارفة؟
— من إمتى؟
قلت:
— قبل وفاة بابا بأسبوع.
— وهو اللي طلب مني ماسيبش السر يطلع غير لما أشوف حقيقتك كاملة.
قربت الملف مني.
— وإنت وفرت عليا وقت كتير لما جيت بالطلاق لحد نعشه.
لكن الصدمة ما خلصتش.
فؤاد الشناوي قفل عقد الاستحواذ قدامه.
وقال:
— فيه مشكلة أكبر.
كريم لف له.
— مشكلة إيه؟
فؤاد زق العقد بعيد.
— الصفقة كانت مبنية على إن شركتك عندها حق التصرف في أرض مشروع النخيل الصناعي.
كريم قال بسرعة:
— طبعًا عندنا.
حسام فتح الملف السري.
وقال:
— عندكم حق انتفاع فقط.
كريم اتجمد.
حسام أكمل:
— ومالك الأرض الأصلي كان الحاج محمود.
قلبي وجعني وأنا بسمع اسم أبويا.
حسام قال:
— الأرض كانت ميراث قديم من والده، وكريم أقنعه من سنين إنه يسمح للشركة تستخدمها مقابل نسبة من المشروع.
— لكن نقل الملكية للشركة ما حصلش أبدًا.
فؤاد بص لكريم بحدة.
— وإنت قلتلي إن الأرض ملك الشركة.
كريم اتلخبط.
— ما هي عمليًا…
فؤاد خبط بإيده على الترابيزة.
— أنا بحط مليار جنيه في صفقة، مش بلعب مونوبولي!
ياسمين قالت لأبوها:
— بابا…
رد:
— اسكتي يا ياسمين.
وبص لكريم.
— إنت أخفيت معلومة جوهرية.
قلت بهدوء:
— والأرض اتنقلت باسمي قبل وفاة بابا بشهر.
كريم قرب مني.
— سلمى… إحنا نقدر نتفاهم.
ابتسمت.
— بسرعة كده؟
— من تلات أيام كنت أقصى حاجة أعرف أعملها إني أطبخ.
دولت دخلت في الكلام:
— ما إحنا كنا متعصبين يا بنتي… والطلاق ممكن يتراجع فيه.
بصيت لها.
— الطلاق مش هو المشكلة.
— المشكلة إنكم كنتوا فاكرين قيمة الإنسان في رصيده.
ورجعت بصيت لكريم.
— وإنت بنفسك قلتلي الحب ما بيعملش شركات.
قفلت الملف.
— واضح إن أبويا كان فاهم في الشركات أكتر منك.
الجزء الثالث
فؤاد وقف.
— الصفقة متوقفة.
كريم قال بفزع:
— متوقفة إزاي؟!
— لحد ما الملكية والأرقام تتراجع من الأول.
— وإحنا خسرنا شهور مفاوضات!
فؤاد رد:
— كنت تخسرني مليار جنيه بسبب معلومة أخفيتها.
ثم بصلي.
— مدام سلمى… حضرتك مستعدة تبيعي الأرض؟
قلت:
— لأ.
كريم بصلي بصدمة.
— سلمى، بلاش جنان.
بصيتله.
— أنا مش ببيعها.
— أنا عندي خطة تانية.
حسام وزع ملفات على أعضاء مجلس الإدارة.
قلت:
— من ست شهور الشركة بدأت تدخل أزمة سيولة.
كريم قاطعني:
— دي بيانات سرية.
قلت:
— وأنا صاحبة الحصة المسيطرة… فاكر؟
سكت.
كملت:
— كريم كان بيغطي الخسائر بقروض قصيرة الأجل علشان يظهر قدام المستثمرين إن كل حاجة تمام.
واحد من أعضاء المجلس فتح الملف.
— الأرقام دي صحيحة؟
مدير الحسابات بص لكريم…
وبعدين نزل عينه.
— للأسف… آه.
دولت صاحت:
— يعني إيه؟!
حسام قال:
— يعني لو الصفقة فشلت بالشكل الحالي، فيه ديون مستحقة خلال أقل من شهرين.
ياسمين بصت لكريم.
— إنت قلتلي إن الشركة بتكسب.
— إحنا بنكسب!
قلت:
— الإيرادات عالية.
— لكن الالتزامات أعلى.
— والفرق بينهم كنت بتغطيه بقروض جديدة.
فؤاد وقف ناحية بنته.
— ياسمين، إحنا ماشيين.
كريم مسك دراعها.
— استني.
سحبت إيدها منه.
— سيبني.
— إحنا كنا هنتجوز!
ياسمين ضحكت بمرارة.
— كنت هتتجوزني أنا؟
ولا اسم أبويا؟
نفس السؤال اللي كان المفروض أنا أسأله من خمس سنين.
كريم سكت.
ياسمين فهمت الإجابة من سكوتُه.
خدت شنطتها ومشيت مع أبوها.
دولت جريت وراهم.
— يا فؤاد بيه… سوء تفاهم!
الباب اتقفل.
وساعتها…
لأول مرة…
كريم بقى لوحده.
بصلي.
— إنتِ عملتي كل ده انتقام؟
قلت:
— لأ.
— لو كنت عايزة أنتقم، كنت سبت الشركة تقع.
— لكن فيها أكتر من 800 موظف مالهمش ذنب.
سحب كرسي وقعد.
فجأة اختفى رجل الأعمال المتكبر.
وبان كريم اللي عرفته من سنين.
— إنتِ عايزة إيه؟
قلت:
— اجتماع مجلس الإدارة هيصوت بعد ساعة على عزل المدير التنفيذي.
رفع عينه بسرعة.
— عزلي أنا؟
— أيوه.
ضحك بتوتر.
— الشركة باسمي.
— الاسم حاجة…
والملكية حاجة تانية.
— مين هيقدر يديرها؟
بصيتله.
— أنا.
ضحك.
لكن المرة دي ضحكته كانت خايفة.
— إنتِ؟!
— اللي قاعدة في البيت؟
طلعت قدامه ملف تاني.
— خلال أول تلات سنين من الشركة، مين كان بيعمل حسابات الموردين؟
سكت.
— مين جاب أول عميل كبير؟
سكت.
— مين كتب أول عرض فني كسبنا مناقصة الجامعة؟
سكت.
— مين كان بيراجع العقود بالليل وإنت بتنام؟
قال بضيق:
— إنتِ.
قلت:
— وبعد النجاح، مين طلب مني أبعد علشان الناس ما تقولش إن مراتك هي اللي بتساعدك؟
نزل عينه.
— إنت.
وقفت.
— الفرق بيني وبينك يا كريم…
إني يوم ما كنت شريكة نجاحك، ماعايرتكش إنك بدأت بعربية نص نقل.
— وإنت يوم ما افتكرت نفسك كبير… عايرت أبويا إنه سواق تاكسي.
تم التصويت.
سبعة أصوات مع عزله.
صوتين ضده.
وانتهى الاجتماع.
الأستاذ حسام أعلن القرار:
— اعتبارًا من النهارده، يتم تعليق صلاحيات الأستاذ كريم منصور كمدير تنفيذي لحين انتهاء المراجعة المالية.
كريم فضل واقف مكانه.
قال بصوت مكسور:
— وهتطرديني من الشركة اللي بنيتها؟
قلت:
— لأ.
بصلي.
— هتفضل مساهم بحقك.
— وهتاخد كل جنيه يخصك.
— لأن أبويا علمني إن الحق مايتاخدش بالظلم.
سكت شوية.
وبعدين قلت:
— بس عمرك ما هتدخل مكتبي وتفتكر إنك تقدر تهينني تاني.
خرجت.
وهو فضل قاعد في نفس الكرسي.
الكرسي اللي كان فاكر إنه عمره ما هيفارقه.
الجزء الرابع
مر شهر.
وأنا تقريبًا ماكنتش بنام.
راجعنا العقود.
وقفنا المصاريف غير الضرورية.
تفاوضنا مع البنوك.
وبدل ما نبيع الأرض لفؤاد الشناوي…
استخدمناها في مشروع مشترك.
الشركة ما وقعتش.
بالعكس.
بعد أربعة شهور…
بدأت ترجع تقف على رجلها.
لكن في يوم…
وأنا خارجة من المكتب…
لقيت دولت مستنياني.
كانت لوحدها.
من غير سواق.
من غير شنطة غالية.
ولا حتى المكياج اللي عمرها ما كانت بتنزل من غيره.
قالت:
— عايزة أكلمك خمس دقايق.
قلت:
— اتفضلي.
قالت:
— مش هنا.
بصيتلها ثواني.
وبعدين أخدتها مكتبي.
أول ما الباب اتقفل…
حطت قدامي الشيك القديم.
نفس الشيك.
200 ألف جنيه.
اللي حطته قدام نعش أبويا.
قالت بصوت واطي:
— خديه.
بصيت للشيك.
— ليه؟
— علشان أنا غلطت.
قلت:
— الورقة دي مش هي اللي ضايقتني.
— اللي ضايقني إنك حطيتي تمن لخمس سنين من عمري.
عينها دمعت.
— أنا كنت فاكرة إني بحمي ابني.
قلت:
— من مين؟
— مني؟
— من أبويا؟
— من الناس الفقيرة اللي كانوا سبب إنه يبقى عنده شركة أصلًا؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— كريم تعبان.
ما رديتش.
كملت:
— مش بياكل… ومش بيخرج… وبيعيش في الشقة القديمة.
— وياسمين سابته.
قلت:
— وده المفروض يغير إيه؟
قالت:
— عايز يشوفك.
هزيت راسي.
— أنا مش طبيبته.
قامت.
لكن قبل ما تمشي قالت:
— يوم العزاء…
أنا قلت أبوكي مات فقير.
وبصتلي.
— بس الحقيقة إن إحنا اللي كنا فقراء.
ماردتش.
خرجت.
وسابت الشيك على المكتب.
أنا قطعتُه نصين.
ورميته.
في نفس الليلة…
رجعت بيت أبويا.
كنت لسه محتفظة بكل حاجة مكانها.
السبحة جنب السرير.
نظارته فوق المصحف.
ومفتاح التاكسي القديم في الدرج.
فتحت آخر ظرف من الملف.
كان مكتوب عليه بخط أبويا:
“لسلمى… يتفتح بعد ما كل حاجة تهدى.”
إيدي اترعشت.
فتحته.
لقيت رسالة.
“يا بنتي…
لو وصلتي للورقة دي، غالبًا أنا مش موجود.
ويمكن عرفتي إن الفلوس اللي كنت بحوشها ماكانتش كتير في الأول…
بس أنا حطيتها في الشركة لأنك كنت مؤمنة بكريم.
أنا عمري ما وثقت في الفلوس.
أنا وثقت فيكي إنتِ.
كل سهم باسمي نقلتهولك لأن تعبك كان أكبر من تعب ناس كتير خدوا الفضل مكانك.
بس أوعي تخلي الظلم يحول قلبك لحاجة شبههم.
خدي حقك…
بس ماتاخديش حق حد.
لو كريم ظلمك، سيبيه يشوف نتيجة اختياراته.
لكن ما تفرحيش في كسرته.
أنا ربيتك أقوى من كده.
وأهم حاجة…
ابدئي حياتك من جديد.
ومتعيشيش علشان تثبتي لحد إنه خسرك.
عيشي علشان إنتِ تستاهلي تعيشي.”
وقعت الورقة من إيدي.
ولأول مرة من يوم وفاته…
عيطت بصوت عالي.
مش على كريم.
ولا على الجواز.
على أبويا.
الراجل اللي حتى بعد موته…
كان لسه بيحميني.
الجزء الخامس والأخير
بعد سنة كاملة…
وقفت قدام مبنى جديد.
على الواجهة كان مكتوب:
“محمود للتنمية والتدريب المهني.”
مركز مجاني لتدريب الشباب اللي ظروفهم ما سمحتلهمش يكملوا تعليمهم.
ميكانيكا.
كهرباء.
إدارة مخازن.
محاسبة.
وتدريب قيادة مهنية.
اخترت الاسم علشان أبويا.
لأن الراجل اللي ناس شافته مجرد سواق تاكسي…
علمني إدارة ورجولة وكرامة أكتر من رجال أعمال كتير.
الشركة رجعت تحقق أرباح.
والموظفين أخدوا مكافآت لأول مرة من سنتين.
أما كريم…
فاحتفظ بأسهمه.
وبعد انتهاء التحقيق المالي، ما ثبتش إنه سرق.
ثبت بس إنه أخفى خسائر واتخذ قرارات متهورة.
ودفع تمن غروره.
في يوم افتتاح المركز…
كنت واقفة وسط الناس.
وفجأة شفته بعيد.
كريم.
لابس بدلة بسيطة.
واقف لوحده.
ما حاولش يدخل.
ولا قرب.
لحد ما عيني جت في عينه.
مشي ناحيتي.
وقف على مسافة.
وقال:
— مبروك.
— الله يبارك فيك.
سكت شوية.
ثم قال:
— عارف إن كلمة آسف قليلة.
ما رديتش.
— أنا ضيعت حاجات كتير وأنا فاكر إني ببني نفسي.
بص لصورة أبويا الكبيرة المعلقة عند المدخل.
— أكتر واحد ظلمني؟
قلت:
— مين؟
قال:
— أنا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— أخيرًا فهمت.
قال:
— ينفع نرجع؟
بصيتله ثواني طويلة.
مش لأن السؤال وجعني.
لكن لأني اكتشفت إنه ما بقاش بيوجعني.
قلت:
— لأ يا كريم.
نزل عينه.
قلت:
— أنا سامحتك.
رفع عينه بسرعة.
— بس المسامحة مش معناها إن كل باب اتقفل لازم يتفتح تاني.
— في أبواب بنقفلها علشان نقدر نعيش.
هز راسه.
وكان واضح إنه فهم.
مد إيده.
سلمت عليه.
ولأول مرة…
مشيت من قدامه من غير خوف.
ومن غير رغبة إني أثبتله أي حاجة.
بعد الافتتاح…
دخلت أوضة صغيرة في آخر المركز.
كنت حاطة فيها صورة أبويا.
وجنبها مفتاح التاكسي القديم.
حطيت إيدي على الصورة وقلت:
— فاكر يا بابا لما كنت بتسألني كريم بيعاملك كويس؟
ابتسمت والدموع في عيني.
— أنا وقتها كنت بكدب عليك.
— بس لو سألتني دلوقتي أنا كويسة؟
مسحت دموعي.
— هقولك آه.
— المرة دي بجد.
وأنا خارجة…
الأستاذ حسام ناداني:
— يا فندم، مجلس الإدارة مستني حضرتك.
لفيتله.
ضحكت.
وقلت:
— جاية.
ومشيت في الممر الطويل…
من غير كريم.
من غير دولت.
ومن غير شيك بـ200 ألف جنيه يحدد قيمتي.
لأن أبويا كان سايبلي أغلى من ملف أسهم وأرض بملايين.
كان سايبلي درسًا واحدًا:
اللي يعرف قيمته… ما يستناش حد يحددها له.
تمت.
— حكايات أسما السيد




