سر بكاء الرضيع حكايات اسما السيد

لما البيبي كمل سبعة وتمانين دقيقة وهو بيعيط من غير ما يسكت، ركاب الدرجة الأولى مبقوش متضايقين بس…
لأ.
كانوا خلاص انهاروا.
واحد من الركاب كان مخبي وشه ورا الجورنال، كأنه فاكر إن الورق هيمنع عنه صوت العياط.
وست شكلها معروفة كانت كل شوية تضغط على شفايفها وتلف خاتم ألماظ في صباعها بعصبية.
واتنين رجال أعمال قفلوا اللابتوبات وبقوا باصين للسقف بوشوش فاضية، زي ناس دفعت آلاف علشان تشتري راحة، وفجأة اكتشفوا إن الفلوس مش دايمًا بتشتري الهدوء.
حتى المضيفات مبقوش عارفين يعملوا إيه.
جابوا مية.
سخنوا الببرونة.
شالوا البيبي ولفوا بيه في الممر.
ولا حاجة نفعت.
العياط كان مالي الطيارة كلها، كأنه جرس إنذار محدش عارف يسكته.
بس أنا من مكاني كنت عارفة حاجة محدش فيهم واخد باله منها.
وعشان كده بالذات…
ماكنتش عايزة أقوم.
همست لنفسي:
— مالكيش دعوة… متدخليش.
لأني عارفة كويس إيه اللي بيحصل لما واحدة زيي تتدخل.
الناس ساعات مش بتشوف إنك بتحاولي تساعد.
بيشوفوكي خطر.
أنا عندي ستة وتلاتين سنة.
واشتغلت اتناشر سنة ممرضة في قسم الأطفال حديثي الولادة.
اتناشر سنة وأنا بسمع بكاء أطفال.
بس بالنسبة لي، العياط عمره ما كان مجرد صوت.
كل عياط له معنى.
البيبي مش بيعيط بنفس الطريقة لما يكون جعان.
ومش بيعيط بنفس الطريقة لما يكون تعبان.
ومش بيعيط بنفس الطريقة لما جسمه يكون بيحاول يقول إن في حاجة غلط.
والبيبي ده بقاله تقريبًا ساعة ونص بيعيط.
ومحدش كان بيسمع هو بيقول إيه فعلًا.
أنا كنت راكبة الطيارة علشان أزور أختي بعد عملية صعبة.
وحجزت أرخص كرسي لقيته، لأني مش بحب أصرف فلوس زيادة من غير سبب.
بعد سنين شغل في المستشفيات، اتعلمت حاجة:
مش كل حاجة غالية معناها مريحة.
ومش كل حاجة رخيصة معناها مالهاش قيمة.
من أول ما ركبت الطيارة، شفت البيبي من بعيد.
أمه كانت قاعدة في الدرجة الأولى.
ست صغيرة، يمكن في أواخر العشرينات.
شعرها مربوط بسرعة.
وتحت عينيها سواد واضح.
شكل واحدة مرهقة بقالها أيام.
كانت حاضنة البيبي وبتحاول تضحكله.
بس حتى الضحكة ماكنتش طالعة.
جنبها كان قاعد راجل لابس بدلة.
الغريب إنه ماكانش باين عليه القلق.
كان متضايق.
كل مرة الطفل يعيط، يبص للناس حواليه، كأن المشكلة إن الركاب متضايقين.
مش إن ابنه تعبان.
ولا إن مراته على وشك تنهار.
من الأول خدت بالي.
بس كملت لمكاني.
وقلت لنفسي:
مش شغلك.
مالكِيش دعوة.
فضلت أكررها لنفسي.
لحد ما عدت عشرين دقيقة.
وبعدين أربعين.
وبعدين ساعة.
ساعتها صوت العياط اتغير.
وأنا هنا مبقتش سامعة طفل بيعيط.
أنا سمعت طفل بيخلص طاقته.
بصيت لقدام.
الأم كانت عينيها مليانة دموع.
مضيفة قربت منها وقالت:
— تحبي نحاول نمشي بيه شوية؟
الأم هزت راسها وقالت بصوت مكسور:
— جربت كل حاجة.
وسكتت لحظة.
— كل حاجة.
الراجل اللي جنبها تنهد وقال:
— اديه الببرونة تاني.
بصتله وقالت:
— اديته مرتين.
رد:
— جربي تاني.
مفيش خناقة حصلت.
ولا حد رفع صوته.
بس الطريقة اللي نزلت بيها عينيها قالتلي كتير.
شكلها متعودة تسمع الكلام حتى لو هي عارفة إنها صح.
فضلت قاعدة مكانى وأقنع نفسي:
إنتِ مش دكتورته.
إنتِ متعرفيش الناس دي.
إنتِ متعرفيش في إيه.
وفجأة…
البيبي سكت كام ثانية.
كل الناس تقريبًا أخدت نفس.
ولثواني حسينا إن الموضوع خلص.
بس فجأة عيط تاني.
بصوت أعلى.
وأحد.
الصوت ده…
أنا أعرفه.
قمت من مكاني من غير ما أفكر.
ومشيت ناحية الدرجة الأولى.
ناس كتير بصتلي.
والراجل اللي جنب الطفل بصلي بضيق وقال:
— نعم؟
كأنه بيقولي: إنتِ جاية تعملي إيه؟
بصيت للأم مش له.
وقلت:
— معلش إني بتدخل، بس أنا اشتغلت سنين مع الأطفال حديثي الولادة. ممكن أبص عليه دقيقة؟
الأم كانت لسه هترد.
بس هو سبقها وقال:
— هو بيتعاملوا معاه بالفعل.
بصيتله وقلت:
— أنا ما سألتش إذا كان حد بيتعامل معاه ولا لأ.
الجو سكت.
كذا حد لف يبص علينا.
الأم ضمت البيبي أكتر وسألتني:
— حضرتك دكتورة؟
قلت:
— لأ.
كام واحد حواليّ ظهر عليهم الإحباط.
كأن لازم أبقى لابسة بالطو علشان آخد بالي إن الطفل تعبان.
كملت:
— أنا ممرضة أطفال حديثي الولادة.
هنا الأم بصتلي بشكل مختلف.
ترددت شوية.
وبعدين قالت:
— أرجوكِ.
قربت منها.
مخدتش الطفل منها.
ولا لمسته بسرعة.
فضلت أبص بس.
تنفسه.
لون جلده.
رجله.
إيده.
بقه.
كان عمره حوالي أربع شهور.
وكان في حاجة مش طبيعية.
مش جعان.
مش عايز ينام.
ومش عياط عادي.
سألت الأم:
— هو كده من إمتى؟
قالت:
— من قبل ما نركب الطيارة.
قلت:
— قبل الرحلة؟
هزت راسها.
— أيوه، بس افتكرت إنه تعبان وعايز ينام.
سألتها:
— أكل كويس النهارده؟
الراجل رد بدلها:
— أيوه.
بصيتله وقلت:
— أنا بسألها هي.
الأم سكتت شوية وقالت:
— أكل أقل من الطبيعي.
قلت:
— قد إيه أقل؟
ترددت.
— تقريبًا مأكلش حاجة.
قلبي اتقبض.
سألتها:
— غيرتيله حفاضات مبلولة النهارده؟
سكتت.
وسكوتها كان كفاية.
قلت:
— كام مرة من وقت ما خرجتوا؟
همست:
— مرة واحدة.
الراجل عقد حواجبه وقال:
— يعني إيه؟
ما رديتش.
لأن في اللحظة دي البيبي عمل حركة صغيرة جدًا.
يمكن محدش لاحظها.
بس أنا لاحظتها.
قفل إيده اليمين.
وبعدين فتحها.
كأنه بيدور على حاجة يمسك فيها.
لمست صوابعه بهدوء.
كانت ساقعة.
سألت:
— حرارته عليت قبل كده؟
الأم قالت:
— لأ.
— رجع؟
— مرة الصبح.
الراجل ضحك ضحكة متوترة وقال:
— كل الأطفال بترجع.
بصيتله.
ولأول مرة شفت حاجة غير الغرور.
خوف.
بس خوف متغطي بالعصبية.
كأنه لو اعترف إن في مشكلة يبقى خسر.
لفيت للمضيفة وقلت:
— هاتولي ترمومتر، وشوفوا لو عندكم شنطة إسعافات للأطفال.
المضيفة هزت راسها.
لكن الراجل وقفها وقال:
— استني.
صوته اتغير.
مبقاش مجرد راجل متضايق.
بقى صوته تحكم.
وقال:
— مين اداكي الحق تعملي كده؟
المقصورة كلها سكتت.
الأم غمضت عينيها.
كأنها سمعت الجملة دي قبل كده كتير.
أنا أخدت نفس وقلت:
— محدش محتاج يديني إذن علشان أقلق على طفل.
الراجل ضغط على سنانه وقال:
— إنتِ متعرفيش أنا مين.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
— صح.
وبصيت للبيبي.
— وهو كمان ميعرفش إنت مين. هو كل اللي يعرفه إن في حاجة بتوجعه.
بعد الجملة دي، الناس مبقتش تبص للطفل.
بقوا بيبصوا لأبوه.
الراجل سكت.
المضيفة رجعت.
قاست حرارة الطفل وبصت عليه بسرعة.
وفجأة شكلها اتغير.
مش بشكل مبالغ فيه.
لأ.
وده كان أخوف.
بان عليها قلق حقيقي.
قالت:
— لازم أكلم قائد الطيارة.
الأم وشها اصفر.
وقالت:
— هو تعبان أوي؟
ولا حد رد بسرعة.
والسكوت كان كفاية.
الراجل قام وقال:
— اللي بيحصل ده تهريج.
بس المرة دي محدش وقف معاه.
ولا حد اتعاطف معاه.
لأن أول ما تبطل تسمع عياط الطفل على إنه إزعاج، وتبدأ تسمعه على إنه استغاثة…
كل حاجة بتتغير.
المضيفة اتكلمت في التليفون بصوت واطي.
وبعدين رجعت وقالت:
— محتاجين نسأل كام سؤال.
الأم حضنت البيبي أكتر.
— أسئلة إيه؟
المضيفة بصت في الورق اللي معاها.
وبعدين بصت للطفل.
وبعدين ليا.
وقالت:
— الطفل اتولد وهو عنده أي مشكلة صحية؟
الأم هزت راسها بسرعة وقالت:
— لأ.
بسرعة زيادة.
أنا خدت بالي.
سألتها:
— متأكدة؟
فتحت بقها.
بس مردتش.
الراجل دخل في الكلام:
— قلنا لكم إنه سليم.
المضيفة ما بصتشله.
فضلت باصة للأم.
وساعتها حصلت حاجة غريبة.
الأم بدأت تعيط.
بس مش زي عياط ابنها.
كانت بتعيط في صمت.
عياط واحدة شايلة سر تقيل بقالها فترة ومش قادرة عليه.
قالت بصوت واطي:
— أنا مكنتش عايزة أقول.
وش الراجل اتغير.
وقال بسرعة:
— بلاش تعملي كده دلوقتي.
بصتله.
ولأول مرة حسيت إنها خايفة منه أكتر ما هي خايفة على الطفل.
وبعدين بصتلي وقالت:
— أرجوكِ…
مدت إيدها جوه شنطة البيبي.
وطلعت ظرف قديم ومتني.
ناولتهولي.
قالت:
— افتحيه.
فتحته.
وقعت عيني على سطر واحد بس.
سطر واحد خلى بطني تتقبض.
لأنه كان بيشرح ليه البيبي بقاله سبعة وتمانين دقيقة بيعيط من غير توقف.
وكان كمان بيشرح ليه أبوه عمل كل اللي يقدر عليه علشان محدش يسأل أي سؤال.
لكن الصدمة الحقيقية…
إن تحت السطر ده مباشرة كان مكتوب اسم شخص أنا أعرفه كويس جدًا……كان”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
فتحت الظرف.
وقعت عيني على أول سطر.
وقريته مرة.
وبعدين مرة تانية.
لأني للحظة حسيت إني فهمته غلط.
لكن لأ.
كان مكتوب بوضوح:
“يُنصح بعدم سفر الطفل بالطائرة قبل استكمال فحوصات القلب والتنفس، لاحتمال تعرضه لهبوط حاد في نسبة الأكسجين.”
إيدي بردت.
ونزلت عيني للسطر اللي تحته.
اسم الدكتور اللي موقّع على التقرير.
اتجمدت.
أنا أعرف الاسم ده كويس جدًا.
مش مجرد دكتور اشتغلت معاه.
ده الراجل اللي علمني شغلي من أول يوم دخلت فيه حضّانة الأطفال.
واحد من أكتر الأطباء اللي كنت بثق في حكمهم.
وعمره ما كان يكتب تحذير بالطريقة دي إلا لو فعلًا شايف خطر.
رفعت عيني للأم.
— التقرير ده من إمتى؟
قالت وهي بتعيط:
— من 3 أيام.
بصيت للأب.
كان وشه اتشد.
قلت:
— وإنت عارف؟
رد بسرعة:
— التقرير قديم ومبالغ فيه.
بصيتله.
— قديم؟ مكتوب من 3 أيام.
قال بعصبية:
— الدكتور كان محتاط زيادة.
الأم فجأة قالت:
— لأ.
كلنا بصينا لها.
يمكن حتى هي اتفاجئت إنها قالتها.
الأب لف لها ببطء.
— إيه؟
صوتها كان بيترعش.
لكنها كملت:
— الدكتور قال ممنوع نسافر.
الأب قال من بين سنانه:
— اسكتي.
هي حضنت الطفل أكتر.
— وقال إننا لازم نفضل قريب من المستشفى لحد ما نعمل الفحوصات.
— قولتلك اسكتي.
المضيفة قربت.
وقالت بهدوء:
— سيبها تكمل.
الأب بص حواليه.
ولأول مرة حس إن السيطرة بتخرج من إيده.
قال:
— دي مراتي وابني، وأنا عارف مصلحتهم.
الأم بصتله.
والدموع على وشها.
وقالت:
— لو كنت عارف مصلحته… ماكنتش لغيت ميعاد المستشفى.
الجملة نزلت علينا كلنا زي الحجر.
سألته:
— لغيت ميعاد إيه؟
هو مردش.
الأم قالت:
— كان عنده فحص مهم النهارده الصبح.
قلبي وقع.
— وإنتوا ركبتوا الطيارة بدل الفحص؟
هزت راسها.
قالت:
— هو قال إن عنده اجتماع مينفعش يتأجل.
الأب انفجر:
— كفاية!
الطفل اتخض من صوته وعيط أعلى.
أنا قربت ناحية الأم.
وقلت:
— متبصيشله. بصيلي أنا.
بصتلي.
قلت:
— الطفل خد أي أدوية النهارده؟
سكتت.
الأب قال:
— مفيش أدوية مهمة.
أنا بصيت له.
— مرة كمان… أنا بسألها هي.
الأم بدأت تدور في شنطة الطفل.
وطلعت زجاجة صغيرة.
قالت:
— الدكتور كتبله الدوا ده.
بصيت عليه.
وبعدين سألت:
— آخر جرعة كانت إمتى؟
الأم دموعها زادت.
— امبارح بالليل.
قلت:
— ليه ماخدش النهارده؟
سكتت.
الأب هو اللي رد:
— لأنه كل ما ياخده بيرجع.
الأم قالت بسرعة:
— مش ده السبب.
لف لها.
— خلاص!
لكن المرة دي صوتها طلع أعلى منه:
— إنت اللي قولتلي مبقاش أديهوله!
المقصورة كلها سكتت.
أنا حسيت إننا خرجنا من مشكلة طفل تعبان…
ودخلنا في حاجة أخطر.
الأب وقف.
— واضح إنك مش في حالتك الطبيعية.
هي بصتله بصدمة.
— أنا؟
— أيوه. إنتِ مرهقة ومتوترة ومش فاكرة الكلام صح.
أنا دخلت بينهم.
— اقعد.
بصلي.
— إنتِ بتأمريني؟
قلت:
— أيوه.
وقبل ما يرد، المضيفة قالت:
— من فضلك ارجع لمقعدك.
هو بص حواليه.
محدش كان في صفه.
حتى الناس اللي من شوية كانوا متضايقين من بكاء الطفل…
بقوا متضايقين منه هو.
الأم بدأت تتكلم بسرعة.
كأنها لو وقفت ثانية، هتخاف وتسكت تاني.
قالت:
— هو قال إن الدوا هيخلي الطفل ينام طول الاجتماع.
الأب صرخ:
— كدب!
— وقال إن لو فاتتنا الرحلة، الصفقة هتضيع.
— بقولك كدب!
هي بصتله.
ولأول مرة صوتها كان ثابت:
— إنت اللي خدت التقرير مني وحطيته في شنطتك.
بصيت للظرف اللي في إيدي.
— طب ده جه معاكي إزاي؟
قالت:
— صورت نسخة وخبيتها.
الأب قفل عينه لحظة.
وهنا فهمت.
هو ماكانش متضايق عشان الطفل بيعيط.
هو كان مرعوب إن حد يسأل.
مرعوب إن التقرير يظهر.
مرعوب إن كل الناس تعرف إنه ركب طفل مريض طيارة، رغم تحذير طبي واضح.
رجعت بصيت للطفل.
صوته بدأ يضعف.
والحاجة دي خوفتني أكتر من العياط نفسه.
قلت بسرعة:
— محتاجين أكسجين.
المضيفة اتحركت فورًا.
الأب قال:
— استني، إنتِ بتكبري الموضوع.
المرة دي حتى ما بصتلوش.
المضيفات فتحوا حقيبة الطوارئ.
وفي نفس الوقت اتعمل نداء في الطيارة:
— هل يوجد طبيب بين الركاب؟
بعد أقل من دقيقة، جه راجل في الخمسينات.
قال:
— أنا طبيب باطني، مش أطفال، بس أقدر أساعد.
شرحتله بسرعة.
بص على الطفل.
ولمس إيده.
وبعدين بص للمضيفة.
— لازم نهبط في أقرب مكان مناسب.
الأب وقف مرة تانية.
— مستحيل.
الطبيب بصله.
— ابنك مش محتاج موافقتك علشان يبقى تعبان.
الأب قال:
— عندي اجتماع مهم جدًا بعد ساعات.
الأم بصتله.
أنا عمري ما هنسى النظرة دي.
حاجة جواها ماتت في اللحظة دي.
قالت بهدوء:
— ابنك مش قادر يتنفس كويس…
وإنت لسه بتتكلم عن اجتماع؟
هو سكت.
هي شالت خاتمها من إيدها.
وحطته على الترابيزة الصغيرة قدامه.
قال:
— إنتِ بتعملي إيه؟
قالت:
— الحاجة الوحيدة اللي كان المفروض أعملها من زمان.
— إنتِ فقدتي عقلك.
قالت:
— يمكن.
وبصت للطفل.
— بس على الأقل عقلي دلوقتي مع ابني.
المضيفة رجعت وقالت:
— قائد الطائرة قرر تحويل مسار الرحلة.
الأب قال:
— مين سمحله؟
المضيفة بصتله ببرود.
— الحالة الطبية سمحتله.
—
العشرين دقيقة اللي بعد كده كانوا أطول عشرين دقيقة في حياتي.
الطفل بطل يعيط تقريبًا.
وده ماكانش تحسن.
كان مرهق.
جسمه بيقول خلاص.
فضلت جنب الأم.
وهي ماسكة إيده الصغيرة.
كل شوية تقول:
— ماما هنا… ماما هنا.
وأنا كنت ببص على صدره وهو بيطلع وينزل.
وأدعي نوصل بسرعة.
الأب فضل قاعد بعيد.
لأول مرة ساكت.
لا بيدي أوامر.
ولا بيزعق.
ولا بيتكلم عن نفسه.
بس محدش كان مهتم بيه أصلًا.
أول ما الطيارة هبطت، فريق إسعاف كان مستني.
الطفل اتنقل بسرعة.
الأم جريت وراه.
وأنا كنت هرجع لمقعدي.
لكنها مسكت إيدي.
— تعالي معايا.
قلت:
— أنا مش من أهلك.
قالت:
— إنتِ الوحيدة اللي سمعتِ ابني.
الجملة دي وجعتني.
مشيت معاها.
—
في المستشفى، الطفل دخل الطوارئ.
وإحنا فضلنا برا.
الأب حاول يدخل.
الممرض وقفه.
— استنى هنا.
قال:
— أنا والده.
الممرض رد:
— والطبيب هيخرج يتكلم معاكم.
الأب بدأ يعترض.
الأم قالت:
— كفاية.
لف لها.
قالت:
— مرة واحدة بس في حياتك… اسكت.
هو اتجمد.
وأنا بصيت لها.
الست اللي كانت من ساعة مش قادرة ترد عليه…
اختفت.
قدامي دلوقتي كانت أم مرعوبة.
لكنها أخيرًا اختارت خوفها على ابنها بدل خوفها من جوزها.
بعد حوالي ساعة، الدكتور خرج.
الأم قامت بسرعة.
— ابني؟
قال:
— حالته مستقرة دلوقتي.
رجليها ضعفت.
مسكت الكرسي.
الدكتور كمل:
— كان عنده انخفاض واضح في الأكسجين وجفاف، ومع التاريخ المرضي اللي في التقرير كان السفر خطر عليه فعلًا.
الأم حطت إيدها على بقها وبدأت تعيط.
سألت:
— كان ممكن يحصل له حاجة؟
الدكتور سكت لحظة.
وقال:
— لو اتأخر التدخل أكتر… كان ممكن ندخل في مضاعفات أخطر.
الأب قال:
— بس دلوقتي هو كويس.
الدكتور بصله.
— دلوقتي أحسن.
وبعدين قال:
— لكن لازم يعمل الفحوصات اللي كانت متحددة من قبل، ومفيش سفر تاني غير لما طبيب الأطفال يسمح.
الأب هز راسه كأنه عايز ينهي الموضوع.
لكن الدكتور سأل:
— مين أوقف الدوا؟
الصمت رجع.
الأم بصت للأرض.
الأب قال:
— الموضوع حصل فيه سوء تفاهم.
الدكتور قال:
— سوء التفاهم مع طفل في السن ده ممكن يبقى خطر جدًا.
وبعدين مشي.
—
بعدها حصلت حاجات كتير بسرعة.
موظف من المستشفى جه يسأل الأم أسئلة.
وبعدين حد من الخدمة الاجتماعية.
وكل واحد فيهم طلب يسمع منها لوحدها.
الأب اعترض.
لكن المرة دي محدش سمحله يجاوب مكانها.
وأنا كنت قاعدة بعيد.
مش عايزة أتدخل أكتر.
لحد ما الأم خرجت بعد ساعة.
وشها كان مرهق.
لكن غريب…
كان فيه هدوء.
قعدت جنبي.
وقالت:
— أنا مش راجعة معاه.
بصيتلها.
— متأكدة؟
قالت:
— لأ.
وبعدين ابتسمت ابتسامة حزينة.
— بس أول مرة أفهم إن عدم التأكد مش معناه إني لازم أختار الغلط.
سكتنا شوية.
وبعدين سألتها:
— التقرير اللي كان معاكي… إنتِ كنتِ عارفة إن اسم الدكتور ده ممكن يخليني آخد الموضوع بجدية؟
هزت راسها.
— لأ.
قلت:
— أنا اشتغلت معاه سنين.
عيونها وسعت.
قلت:
— هو اللي علمني إن الطفل ساعات بيقول كل حاجة من غير ما ينطق كلمة.
هي بصت ناحية باب غرفة ابنها.
وقالت:
— وأنا ابني فضل يصرخ ساعة ونص…
وأنا كنت خايفة أسمعه.
قلت:
— المهم إنك سمعتيه في الآخر.
دموعها نزلت.
—
عدى أسبوع.
أنا كنت عند أختي لما تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت.
كان الدكتور القديم اللي اسمه على التقرير.
أول ما سمع صوتي قال:
— إنتِ لسه بتدخلي في مشاكل مش بتاعتك؟
ضحكت.
— واضح.
قال:
— سمعت اللي حصل.
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— الطفل لو ماكانش نزل من الطيارة وقتها، كان الوضع ممكن يبقى أصعب بكتير.
قلت:
— الحمد لله إنه بخير.
قال:
— أمه كلمتني.
— عاملة إيه؟
— بدأت إجراءات انفصال، وراحت تقعد مع أهلها مؤقتًا.
سكت شوية.
وبعدين سألته:
— والطفل؟
قال:
— عمل الفحوصات.
قلبي اتقبض.
— وإيه النتيجة؟
قال:
— محتاج متابعة وعلاج، وممكن تدخل جراحي بعدين، لكن فرصه كويسة جدًا.
غمضت عيني.
أول مرة من يوم الطيارة حسيت إني أخدت نفس كامل.
—
بعد حوالي 3 شهور، وصلني ظرف.
مفيش اسم مرسل.
فتحته.
كان جواه صورة.
الأم قاعدة على كرسي في حديقة.
وابنها في حضنها.
ضحكته كبيرة.
وشه صحي.
وفي إيده لعبة صغيرة.
ورا الصورة مكتوب:
“النهارده بقاله 87 يوم من غير ما أسمح لأي حد يقنعني إن بكاءه إزعاج.”
وتحتها:
“شكراً لأنك سمعتيه لما أنا كنت خايفة.”
فضلت باصة للصورة وقت طويل.
الغريب إن الناس كلها على الطيارة كانت فاكرة إن المشكلة صوت طفل.
لكن المشكلة عمرها ما كانت الصوت.
المشكلة كانت إن كل شخص كان مستني حد تاني يتدخل.
حد تاني يسأل.
حد تاني يقول:
“في حاجة غلط.”
وأحيانًا…
أخطر حاجة ممكن تحصل لطفل مش إنه يعيط.
أخطر حاجة…
إنه يعيط كتير لدرجة إن الناس تتعود على صوته.
وتبطل تسمعه.
أما أبوه؟
آخر حاجة عرفتها إنه خسر حضوره في حياة الطفل بالشكل اللي كان متعود عليه، وبقى أي تواصل وترتيبات تخص ابنه تتم تحت متابعة قانونية وعائلية.
والصفقة اللي كان خايف تضيع؟
ضاعت.
لكن الغريب…
إن بعد كل اللي حصل، دي كانت أقل حاجة خسرها.
لأن في اليوم اللي قرر فيه إن اجتماع أهم من خوف زوجته…
وإن صورته قدام الناس أهم من تعب ابنه…
خسر الاتنين.
أما هي…
فأول مرة شفتها كانت ست بتبص لجوزها قبل ما تجاوب عن أي سؤال.
وآخر مرة كلمتني فيها…
قالتلي:
— بقيت أول ما ابني يعيط، مبسكتوش على طول.
سألتها:
— أمال بتعملي إيه؟
ضحكت وقالت:
— بسمعه الأول.
وساعتها عرفت إن الحكاية فعلًا انتهت.
مش لما الطفل خرج من المستشفى.
ولا لما الطيارة غيرت مسارها.
لكن لما أمه أخيرًا بطلت تخاف من الصوت الغلط…
وبدأت تسمع الصوت الصح.
النهاية
لو كنتوا مكان الممرضة، كنتوا هتتدخلوا من أول ساعة ولا كنتوا هتقولوا “مالييش دعوة”؟
الكاتبة أسما السيد




