عام

بنتي الوحيده حكايات اسما السيد 1

بنتي الوحيدة  من 13 سنة… لكن امبارح جالي تليفون من المستشفى، والممرضة قالتلي:

— بنتك هنا… وبتترجاكي تيجي لها.

أنا حرفيًا الموبايل كان هيقع من إيدي.

بقالي 13 سنة عايشة بوجع عمره ما هيروح. الوجع اللي أي أم فقدت بنتها تعرف إنه مش بيتنسي، الواحد بس بيتعلم يعيش وهو شايله.

قلت للممرضة وأنا صوتي بيترعش:

— حضرتك أكيد غلطانة… بنتي ماتت وهي عندها 21 سنة. أنا متأكدة.

الممرضة سكتت ثواني، وبعدين قالت:

— بس هي بنفسها طلبت إننا نكلم حضرتك، وقالت إنك الشخص اللي نتصل بيه لو حصلها أي حاجة. متأكدة إن فيه غلط؟

حسيت إن حد بيهزر معايا هزار سخيف وقاسي.

يعني مين ممكن يعمل حاجة زي دي في أم بنتها ماتت؟

وطبعًا كان غباء مني إني حتى أفكر للحظة إن بنتي ممكن تكون لسه عايشة.

بس في نفس الوقت…

ماقدرتش ما أروحش.

كان لازم أشوف بعيني.

أنا أصلًا مش فاكرة سقت العربية إزاي.

طول الطريق كنت بعيط، وعيني قدامي مش شايفة كويس.

وصلت المستشفى وأنا قلبي بيدق بطريقة تخوف.

روحت على الاستقبال وقلت اسمي.

الممرضة اللي هناك بصتلي بنظرة كلها شفقة وقالت بهدوء:

— اتفضلي… هي والدكتور مستنيين حضرتك جوه.

وقفت مكاني.

هي مستنياني.

الجملة لوحدها خلت رجلي تتهز.

مشيت ناحية الأوضة، ولما قربت من الباب، بصيت من الفتحة الصغيرة.

كان فيه ست قاعدة على سرير الكشف.

شعرها أسود وطويل ونازل على كتفها…

نفس شعر بنتي زمان.

وكانت حاضنة حاجة صغيرة جنب صدرها، بس ماكنتش شايفة هي إيه بالظبط.

وقفت عند الباب، والكلمة طلعت من بوقي بالعافية:

— إنتِ…؟

الدكتور بصلي وقال بسرعة:

— من فضلك ادخلي… والأفضل تقعدي الأول.

الست اللي قاعدة على السرير اتحركت ببطء.

لفت ناحيتي…

وقامت.

وبدأت تقرب مني.

وأول ما شفت وشها…

حسيت إن نفسي اتقطع.

لأن الملامح اللي قدامي…

كانت ملامح بنتي.”الحكاية لم تنتهِ بعد…

وقفت عند باب الأوضة، ومخي رافض يستوعب اللي عيني شايفاه.

الست اللي قدامي كانت أكبر طبعًا من آخر صورة محفوظة لبنتي في دماغي.

بنتي ماتت وهي عندها واحد وعشرين سنة.

والست دي شكلها في منتصف التلاتينات.

بس…

نفس العينين.

نفس رسمة الحواجب.

نفس الدقن الصغيرة.

وحتى لما اتوترت، عضّت طرف شفايفها من الناحية الشمال…

نفس الحركة اللي كانت بنتي بتعملها من وهي طفلة.

رجعت خطوة لورا وأنا بهز راسي.

— لأ…

الست وقفت مكانها.

عينيها اتمَلّت دموع.

وقالت بصوت مخنوق:

— ماما…

الكلمة ضربتني في صدري.

رفعت إيدي قدامها وأنا بصرخ:

— متقوليش الكلمة دي!

الدكتور قام بسرعة من مكانه.

— مدام، من فضلك اهدي…

لفيت له بانفعال:

— أهدى إزاي؟! إنتوا عارفين إنتوا بتعملوا فيا إيه؟!

وبصيت للست تاني.

— مين إنتِ؟!

بدأت تعيط.

— أنا…

صرخت:

— مين إنتِ؟!

الحاجة الصغيرة اللي كانت حاضناها اتحركت فجأة.

وسمعت صوت بكاء طفل.

بصيت ناحية حضنها…

واكتشفت إنها شايلة بيبي صغير، ملفوف في بطانية المستشفى.

جسمي كله اتجمد.

هي قربت خطوة.

— أنا عارفة إن اللي حصل صعب…

ضحكت ضحكة عصبية وأنا الدموع بتنزل من عيني.

— صعب؟!

— ماما…

— قولتلك متقوليش ماما!

حطيت إيدي على صدري.

— أنا دفنت بنتي بإيدي!

الأوضة كلها سكتت.

حتى الطفل سكت للحظة.

كملت وأنا صوتي بيتكسر:

— أنا شوفت نعشها.

— حضرت جنازتها.

— استقبلت عزاها.

— بقالي تلتاشر سنة بصحى كل يوم وأفتكر إن بنتي تحت التراب.

بصيت لها بكره وخوف واشتياق في نفس اللحظة.

— وإنتِ جاية دلوقتي تعملي إيه؟!

هي ما ردتش.

الدكتور قرب مني كرسي.

— اقعدي لو سمحتي.

— مش هقعد!

— اللي هنقوله محتاج إن حضرتك…

قاطعته:

— أنا عايزة أعرف مين الست دي.

الدكتور بص لها.

هي مسحت دموعها.

وبعدين مدت إيدها ناحية رقبتها.

كان فيه سلسلة رفيعة مستخبية تحت قميص المستشفى.

طلعتها.

ولما شوفت اللي متعلق فيها…

رجلي خانتني.

وقعدت على الكرسي من غير ما أحس.

كان قلب فضة صغير.

نفس القلب اللي أنا اشتريته لبنتي في عيد ميلادها الستاشر.

وكان محفور وراه حرفين صغيرين.

أنا عارفاهم.

لأني أنا اللي طلبت من الراجل يحفرهم يومها.

مديت إيدي وأنا بترتعش.

— جبتي ده منين؟

مسكت السلسلة بقوة.

وقالت:

— كان معاكي لما اديتهولي.

هزيت راسي .

— ممكن تكوني .

وشها اتوجع.

— من مين؟

— من بنتي!

قالت وهي بتعيط:

— أنا بنتك.

وقفت فجأة.

— كدابة!

الطفل بدأ يعيط بصوت أعلى.

هي ضمته لصدرها وهزته.

والمنظر نفسه فتح في دماغي ذكرى قديمة.

بنتي وهي عندها عشر سنين، ماسكة عروستها، وبتقوللي:

— لما أبقى ماما ههز ابني كده.

مسكت راسي.

— كفاية…

الدكتور قال:

— إحنا عملنا لها تحاليل أولية.

بصيت له.

— تحاليل إيه؟

— هي دخلت المستشفى امبارح بعد ما أغمى عليها.

الست قالت بسرعة:

— أنا اللي طلبت منهم يكلموكي.

بصيت لها.

— معاكي رقمي إزاي؟

بلعت ريقها.

— حافظاه.

ضحكت بسخرية.

— حافظاه من تلتاشر سنة؟

قالت بمنتهى الهدوء:

— لأ.

وسكتت لحظة.

— أنا كنت بكلمك من زمان.

اتجمدت.

— إيه؟

الدكتور بص لها كأنه كان عارف إن الجملة دي هتعمل مشكلة.

قلت:

— كنتي بتكلميني إزاي؟

نزلت عينيها.

— مش بصوتي الحقيقي.

حسيت قلبي  بسرعة.

— يعني إيه؟

— كنت بطمن عليكي من وقت للتاني.

— إمتى؟

ما ردتش.

صرخت:

— إمتى؟!

قالت:

— فاكرة الست اللي كانت بتكلمك كل سنة تقريبًا في ذكرى وفاتي؟

نفسي وقف.

كان فعلًا فيه ست مجهولة بتكلمني كل سنة تقريبًا.

أوقات قبل ذكرى وفاة بنتي بيوم.

وأوقات بعدها بيومين.

ولا مرة قالت اسمها.

كانت تقول جملة أو اتنين بس:

“ربنا يصبر قلبك.”

وأحيانًا:

“هي أكيد كانت بتحبك قوي.”

كنت فاكرة إنها واحدة من أصحاب بنتي القدام.

قلت بصوت واطي:

— إنتِ؟

هزت راسها.

رجعت بظهري على الكرسي.

— ليه؟

سكتت.

— ليه ما قولتيش إنك عايشة؟!

بصت للدكتور.

الدكتور قال:

— يمكن الأفضل نبدأ من اللي حصل من تلتاشر سنة.

بصيت له.

— إنت عارف؟

قال:

— مش كل حاجة. لكن اللي عرفته النهاردة يخليني أقول إن الوفاة اللي حضرتك فاكرة إنها حصلت…

وسكت.

صرخت:

— حصل فيها إيه؟!

قال بهدوء:

— الجثمان اللي اتدفن من تلتاشر سنة غالبًا ماكانش جثمان بنت حضرتك.

حسيت الدنيا مالت بيا.

افتكرت اليوم بالتفصيل..

المكالمة.

المستشفى.

الكيس الأسود.

وإنهم قالولي وقتها إن الإصابة في وشها كانت شديدة جدًا.

أنا ما شوفتش وشها كامل.

ماقدرتش.

طلبوا مني أتعرف عليها من حاجاتها.

هدومها.

شنطتها.

خاتم كانت بتلبسه.

وقلت إنها بنتي.

قلت وأنا بلهث:

— بس حاجتها كانت معاها.

الست اللي بتقول إنها بنتي ردت:

— لأنها كانت لابسة هدومي.

بصيت لها.

— مين؟

قالت:

— البنت اللي .

سكتت .

قربت منها بجسمي.

— مين البنت اللي ؟

عينيها اتحولت لخوف.

خوف حقيقي.

وقالت:

— صاحبتي.

شهقت.

— وصاحبتك كانت لابسة هدومك ليه؟

غمضت عينيها.

— لأنها ماكانتش المفروض تكون في العربية أصلًا.

الدكتور تدخل:

— ضغطها لسه مش مستقر. لازم الكلام ده يحصل بهدوء.

ماكنتش سامعاه تقريبًا.

كل تركيزي كان عليها.

— وإنتِ كنتي فين؟

فتحت عينيها.

— في عربية تانية.

قلت:

— مع مين؟

ما ردتش.

— مع مين؟!

بصت للطفل اللي في حضنها.

وبعدين بصتلي.

— مع الشخص اللي خلى الناس كلها تفتكر إني مت.

حسيت جلدي قشعر.

— مين؟

شفايفها اترعشت.

وفجأة باب  اتفتح.

دخلت الممرضة بسرعة.

وشها كان متوتر.

قربت من الدكتور وهمست له بحاجة.

ملامح الدكتور اتغيرت.

قال:

— متأكدة؟

هزت راسها.

— أيوه… وهو مصر يدخل.

الست اللي قدامي وشها اصفر فجأة.

حضنت الطفل بقوة.

قلت:

— مين اللي بره؟

هي بصتلي برعب.

— ماما…

المرة دي ما اعترضتش على الكلمة.

قالت:

— لازم تمشي.

— أمشي فين؟

— دلوقتي.

— مش همشي قبل ما أفهم.

قامت من السرير رغم إنها كانت تعبانة.

— بالله عليكي اسمعيني.

— مين اللي بره؟!

بدأ صوت راجل يتسمع في الممر.

كان بيتخانق مع حد.

بيقول:

— أنا قريبها ومن حقي أشوفها!

أنا معرفتش الصوت.

لكن بنتي عرفته.

لأن جسمها كله بدأ يترعش.

والطفل في حضنها عيط.

بصيت لها.

— مين الراجل ده؟

دموعها نزلت.

وقبل ما ترد…

باب  اترزع واتفتح.

دخل راجل في أواخر الخمسينات.

وقف أول ما شافني.

لون وشه اتغير.

وأنا كمان اتجمدت.

لأني أنا المرة دي…

عرفته.

رغم مرور السنين.

رغم الشعر الأبيض.

ورغم إن ملامحه اتغيرت.

كان نفس الراجل اللي وقف جنبي في جنازة بنتي من تلتاشر سنة.

نفس الراجل اللي  وقاللي وقتها:

— اعتبريها بنتي أنا كمان.

بص لبنتي.

وبعدين بص للطفل اللي في حضنها.

وقال بصوت مرعوب:

— إنتِ كلمتيها؟!

بنتي رجعت لورا.

وأنا وقفت بينه وبينها.

قلت:

— إنت مين؟

بصلي ثواني.

وبعدين قال جملة خلتني أفهم إن اللي حصل من تلتاشر سنة…

ماكانش حادثة.

قال:

— لو عايزة تعرفي بنتك اختفت ليه… اسأليها الأول الطفل اللي في حضنها ابن مين.

بصيت لبنتي.

وشها انهار.

وهمست:

— ماما… أنا كنت جاية أقولك الحقيقة.

بصيت للرضيع.

وسألتها:

— حقيقة إيه؟

حضنته أكتر.

وقالت وهي بتبكي:

— إن الطفل ده مش ابني.

وسكتت لحظة.

— ده ابن أختي.

اتسعت عيني.

قلت:

— أختك؟!

أنا ماعنديش غير بنت واحدة.

بنتي بصتلي وقالت:

— لأ يا ماما…

— إنتِ عندك بنتين.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى