زوجي الأعمي حكايات اسما السيد 1

لمدة 3 سنين كاملة، كنت برعى جوزي اللي كنت فاكرة إنه فقد بصره، واشتغلت لحد ما صحتي اتهدت، واستحملت عصبيته وإهانته ليا، علشان كل مرة كان يهدى ويمسك إيدي ويقول:
— إنتِ عيني اللي بشوف بيها… أوعي تسيبيني.
ولما أبويا احتاج 50 ألف جنيه علشان يعمل عملية في المخ، جوزي رفض يساعدني من البيت…
وأبويا بعدها بيومين.
لكن بعد أيام من دفن أبويا، شوفت جوزي بعيني وهو بيصيب هدف صغير بمنتهى الدقة… من غير عصاية، ومن غير نضارة سودا!
ما صرختش.
وما واجهتوش.
بس طلعت موبايلي وسجلت كل حاجة…
التسجيل اللي بعد كده كان هيقلب حياته كلها.
الجزء الأول
بعد يومين بس من جوازنا، جوزي عمل وهو بيشارك في سباق عربيات.
الدكاترة قالوا إن الحادث أثر على بصره وإنه ممكن يحتاج مساعدة لفترة طويلة، ويمكن بقية حياته.
واحد من الدكاترة خدني على جنب وقاللي:
— لازم تكوني مستعدة… جوزك ممكن يعتمد عليكي في حاجات كتير من هنا ورايح.
قبل الحادث، جوزي كان سائق سباقات محترف ومعروف، وكان بيكسب فلوس كويسة جدًا من السباقات والإعلانات.
أما أنا، فكنت بنت عادية بشتغل موظفة إدارية، ولسه متجوزة وفرحانة إني بدأت حياتي مع الراجل اللي بحبه.
بعد ، ناس من عيلته قالولي:
— إنتِ لسه صغيرة… ولو مش قادرة تكملي، محدش يقدر يلومك.
لكن أنا رفضت.
قلت:
— ده جوزي… وأنا مش هسيبه وقت شدته.
ومن اليوم ده، حياتي كلها اتغيرت.
لمدة 3 سنين، كنت بشتغل في مكتب الصبح، وبعدها أروح أشتغل كام ساعة في كافيه، وبالليل آخد شغل حسابات أعمله من البيت.
كنت بعمل كل ده علشان مصاريف البيت والعلاج.
وفوق الشغل…
كنت بطبخ لجوزي.
أوصله لجلسات العلاج.
أرتب له هدومه.
وأقعد جنبه بالساعات أقرأ له كتب عن العربيات والسباقات، لأنها كانت الحاجة الوحيدة اللي لسه بتحسسه بحياته القديمة.
لكن مع الوقت، عصبيته زادت.
ساعات كان يتعصب ويرمي الحاجة في الحيطة.
وساعات لما أحاول أخرج من الأوضة، يمسكني من دراعي بعنف ويمنعني.
وبعدها بدقايق يهدى.
ويمسك إيدي ويقول:
— إنتِ عيني اللي بشوف بيها… إنتِ عارفة إني مقدرش أعيش من غيرك.
وكنت بضعف.
وأقول لنفسي:
“معلش… هو أكيد تعبان نفسيًا بسبب اللي حصله.”
وأسامحه.
كل مرة.
لحد اليوم اللي أبويا تعب فيه فجأة.
أبويا أصيب بنزيف في المخ واتنقل المستشفى.
الدكتور خرجلي وقال:
— الحالة محتاجة تدخل سريع. لسه فيه أمل، لكن فيه مصاريف لازم تتدفع فورًا.
سألته:
— كام؟
قال:
— حوالي 50 ألف جنيه.
جريت على البيت.
دخلت على جوزي وأنا بعيط، وقعدت قدامه وقلت:
— أرجوك ساعدني… أبويا محتاج عملية ضروري. سلفني الفلوس وأنا هرجعهالك، حتى لو اشتغلت ليل نهار.
فضل قاعد مكانه بالنضارة السودة اللي عمره ما كان بيقلعها قدامي.
وقال ببرود:
— فلوس تاني؟
قلت وأنا بترجاه:
— دي حياة أبويا… أرجوك.
مد إيده ناحية الترابيزة كأنه بيدور على كوباية المية.
خبط الكوباية فوقعت على الأرض واتكسرت.
وبعدين صرخ:
— أنا زهقت من مشاكلك ومشاكل أهلك! اطلعي برا!
بصيتله وأنا مش مصدقة.
— إنت بتطردني وأنا أبويا بين الحياة والموت؟
صرخ:
— قولت برا!
وأنا بتحرك، قطعة زجاج جرحت ركبتي.
الدم بدأ ينزل.
وهو…
حتى ما سألنيش حصلي إيه.
بعد يومين…
أبويا مات.
والإحساس اللي فضل جوايا كان بياكلني.
كنت بسأل نفسي طول الوقت:
“لو كنت قدرت أوفر الفلوس أسرع… كان ممكن أبويا يعيش؟”
بعد الجنازة بأسبوع، خرجت من البيت ومشيت بالساعات من غير ما أعرف أنا رايحة فين.
لحد ما وصلت بالصدفة قريب من تجمع خاص لعشاق وناس شغالة في سباقات العربيات.
وفجأة…
سمعت ضحكة أعرفها كويس جدًا.
ضحكة جوزي…قربت وأنا قلبي بيدق بسرعة.
وبصيت من بعيد…واتجمدت.
جوزي كان واقف وسط مجموعة من أصحابه… بيعمل حاجه استحاله واحد اعمي يقدر يعملها.. شوفته بيعمل…… تفتكروا شافته بيعمل ايه؟!
“الحكاية لم تنتهِ بعد…”
الفصل الثاني — الحاجة اللي مستحيل أعمى يعملها
قربت وأنا قلبي بيدق بسرعة.
وبصيت من بعيد…
واتجمدت.
جوزي كان واقف وسط مجموعة من أصحابه، بيعمل حاجة استحالة واحد أعمى يقدر يعملها.
كان واقف قدام لوحة رمي السهام.
واحد من أصحابه ناوله سهم صغير وهو بيضحك وقال:
— يلا يا بطل… ورينا لسه إيدك مظبوطة ولا الصنعة راحت منك؟
جوزي ضحك.
ضحكة طبيعية جدًا.
مد إيده، أخد السهم، ووقف قدام اللوحة.
في اللحظة دي حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
قلت لنفسي:
“ممكن يكون بيهزروا معاه.”
“ممكن يكون حافظ مكان اللوحة.”
“ممكن…”
لكن قبل ما ألاقي مبرر جديد، شوفته بيرفع عينه ناحية الهدف.
آه…
بيرفع عينه.
كان مركز.
عينيه اتحركت ناحية الدايرة الصغيرة اللي في نص اللوحة.
وبعدين رفع إيده…
ورمى.
السهم استقر تقريبًا في نص الهدف.
أصحابه صقفوا وضحكوا.
وأنا حطيت إيدي على بوقي علشان ما يطلعش مني صوت.
واحد من أصحابه قرب منه وقال وهو بيضحك:
— يا ابني حرام عليك! تلات سنين ولسه مراتك مصدقة المسرحية دي؟
الدنيا حواليّا سكتت.
ما بقيتش سامعة صوت الناس.
ولا صوت العربيات.
ولا الموسيقى اللي شغالة في المكان.
سمعت بس كلمتين.
“مراتك مصدقة.”
جوزي أخد سهم تاني وقال:
— واطي صوتك يا غبي.
صاحبه ضحك أكتر:
— خايف من إيه؟ مراتك مش هنا.
وقتها إيدي اتحركت لوحدها ناحية شنطتي.
طلعت موبايلي.
فتحت الكاميرا.
وضغطت تسجيل.
ماكنتش عارفة أنا بعمل كده ليه.
بس كان فيه صوت جوايا بيقول:
“ما تدخليش.”
“ما تواجهيهوش.”
“خليه يتكلم.”
واستخبيت أكتر ورا حاجز قريب منهم.
واحد تاني من أصحابه قال:
— بصراحة أنا كنت متأكد إنك مش هتكمل سنة واحدة.
جوزي رفع الكوباية اللي في إيده وقال بفخر:
— وأنا قلتلكم من الأول… لو دخلت رهان، بكسبه.
رهان؟
حسيت الكلمة دخلت في صدري زي السكينة.
واحد سأله:
— طب فكّرني… بصرك رجع بعد الحادث بكام؟
رد جوزي بمنتهى العادية:
— تقريبًا بعد شهر.
إيدي اللي ماسكة الموبايل بدأت ترتعش.
شهر؟
أنا بقالي تلات سنين بخدمه.
تلات سنين بصحي من النوم قبل الفجر علشان ألحق شغلي.
تلات سنين بمسك إيده وإحنا نازلين السلم.
تلات سنين بحط هدومه قدامه بالترتيب.
تلات سنين بقطعله الأكل.
تلات سنين بقعد أقرأله بالساعات.
وهو…
كان شايفني.
كان شايف كل حاجة.
واحد من أصحابه قال:
— يعني الدكتور قال إن نظرك رجع طبيعي؟
جوزي رد:
— مش من أول شهر بالكامل، بس اتحسن بسرعة. وبعد فترة قصيرة كنت بشوف كويس جدًا.
صاحبه انفجر في الضحك:
— وإنت كملت تمثل ليه؟
جوزي سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي آخر حاجة كانت لسه عايشة جوايا ناحيته:
— في الأول علشان الرهان… بعدين اكتشفت إن الوضع مريح.
— مريح إزاي؟
ضحك وقال:
— واحدة تجيبلك الأكل، ترتبلك هدومك، توصلك، تشتغل وتصرف، وتستحمل أي حاجة منك علشان فاكرة إنك عاجز… إنت كنت هتقول لأ؟
ضحكوا.
كلهم.
وأنا…
افتكرت أبويا.
افتكرتني وأنا راكعة قدامه بعيط.
“أبوس إيدك اديني خمسين ألف جنيه.”
افتكرت رده.
“وأنا مالي بأبوكي؟”
افتكرت الكوباية وهي بتتكسر.
والزجاج وهو بيجرح ركبتي.
والدم وهو نازل على رجلي.
هو ما سألنيش وقتها إذا كنت اتعورت.
كنت فاكرة إنه ما شافش الدم.
لكن دلوقتي عرفت الحقيقة.
هو شافه.
شافني وأنا بنزف.
وسكت.
زي ما كان عارف إن أبويا ممكن يموت…
وسابني أخرج من البيت من غير جنيه.
حسيت دموعي بتنزل، لكن مسحتها بسرعة وكملت تصوير.
في اللحظة دي، بنت كانت واقفة معاهم مسكت عملة معدنية وقالت لجوزي:
— طب نشوف نظرك بقى زي زمان ولا لأ.
رمت العملة فجأة في الهوا.
عينيه اتحركت وراها بمنتهى الدقة.
مد إيده…
ومسكها قبل ما تقع.
الكل صقف.
وواحد منهم قال:
— لو مراتك شافتك دلوقتي هتموت فيها!
جوزي ضحك وقال:
— هي عمرها ما هتعرف.
البنت سألته:
— وإنت ناوي تكمل تمثل عليها؟
رد بمنتهى البرود:
— ليه لأ؟ هي مقتنعة إني محتاجها… ودي أكتر حاجة مخلياها عمرها ما تفكر تسيبني.
هنا قفلت التسجيل.
مش علشان اكتفيت.
لكن علشان حسيت إني لو سمعت كلمة زيادة، هدخل عليه وأعمل مصيبة.
رجعت لورا بهدوء.
خطوة.
وبعدين خطوة.
لحد ما خرجت من المكان.
أول ما بقيت في الشارع، سندت ضهري على الحيطة.
رجلي ما بقتش شايلاني.
نزلت على الأرض وأنا حاضنة موبايلي.
كنت عايزة أصرخ.
لكن ما صرختش.
بصيت لتسجيل مدته سبع دقايق تقريبًا.
سبع دقايق بس…
هدّوا تلات سنين كاملة من حياتي.
رجعت البيت قبله.
أول ما دخلت، ما عيطتش.
ما كسرتش حاجة.
ما اتصلتش بحد.
حطيت هدومي.
أوراقي.
صورة أبويا.
ولما مسكت صورتي أنا وجوزي يوم فرحنا…
وقفت.
بصيت لوشه في الصورة.
وقلت:
— حتى الصورة دي بقيت مش عارفة كنت بتبصلي فيها بصدق… ولا كنت بتمثل من ساعتها.
سيبت الصورة مكانها.
وقبل ما أقفل الشنطة، سمعت صوت مفتاح الباب.
جوزي رجع.
قفلت الشنطة بسرعة.
سمعت خطواته.
وبعدين صوت العصاية بتخبط في الأرض.
تك…
تك…
تك…
كان رجع يمثل.
وقف عند باب الأوضة وقال:
— إنتِ هنا؟
ما رديتش.
قال:
— الدنيا ضلمة عندي… ليه مش بتردي؟
عديت من جنبه وأنا شايلة الشنطة.
وفجأة…
إيده اتحركت بسرعة ومسك دراعي.
بدقة شديدة.
نفس المكان بالظبط.
النضارة السودة وقعت من على وشه.
ولثانية…
عينيه جت في عيني.
مباشرة.
اتجمد هو.
واتجمدت أنا.
عرف من نظرتي.
وعرفت من نظرته إنه فهم إن اللعبة انتهت.
قال بصوت مختلف تمامًا:
— إنتِ… عرفتي؟
بصيتله من غير دموع.
وقلت:
— لا.
سكت لحظة.
وبعدين كملت:
— أنا شُفت.
وشه اتغير.
وبص ناحية الموبايل اللي في إيدي.
لأول مرة من تلات سنين…
شوفت الخوف في عينيه.
قرب مني وقال:
— إنتِ صورتي إيه؟
ابتسمت بمرارة.
— خايف ليه؟ مش إنت أعمى؟
وشه احمر.
ومد إيده ناحية الموبايل.
لكن أنا رجعت خطوة وقلت:
— إوعى تلمسني.
قال بعصبية:
— هاتي الموبايل.
قلت:
— لأ.
صوته اتغير:
— بقولك هاتي الموبايل!
مسكت شنطتي واتجهت ناحية الباب.
وقبل ما أخرج، بصيتله وقلت:
— تلات سنين وإنت بتقولي إني عينيك…
فتحت الباب.
— من النهارده شوف حياتك بعينيك اللي كنت مخبيهم عني.
وخرجت.
كنت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلت هي إني اكتشفت كذبته.
ماكنتش أعرف إن بعد أقل من ساعة…
هيوصلني إشعار على موبايلي يخليني أفتح حسابي البنكي.
ولما فتحته…
لقيت الرصيد:
صفر.
كل الفلوس اللي تعبت فيها تلات سنين اختفت.
لكن الصدمة الأكبر ما كانتش إن جوزي أخد فلوسي.
الصدمة كانت اسم الشخص اللي اتحولت له الفلوس.
اسم لما شوفته…
رجعت بصيت في صورة أبويا وقلت:
— إنت كنت عارف يا بابا؟
يتبع — الفصل الثالث



