في عزاء التوام حكايات اسما السيد 1

في عزاء ولادي التوأم، حماتي مدت إيدها عليّا قدام الناس، وجوزي وقف في صفها… لكن بنتي اللي عندها أربع سنين قالت جملة واحدة خلت القاعة كلها تسكت، وبعد ساعات الشرطة كانت بتفتش أوضة سرية محدش يعرف عنها حاجة. وفي اللحظة دي بس عرفت إن موت ولادي ماكانش نهاية الحكاية… كان بدايتها. الصبح اللي كل حاجة فيه انهارت، كنت فاكرة إن الحزن أخد مني آخر حاجة ممكن ياخدها.
لكن كنت غلطانة.
من ست أيام بس، كان ابنيَّ التوأم آدم وآسر، عندهم سنة ونص، نايمين جنب بعض في سريرهم، لابسين بيجامتين شبه بعض.
كنت لسه فاكرة ريحة شعرهم بعد الحمام.
ضحكتهم.
طريقتهم وهما بيجروا عليّا أول ما أدخل الأوضة.
لكن دلوقتي…
كل ده بقى مجرد ذكريات.
الدكاترة قالوا كلام كتير.
كلمات طبية ماكنتش قادرة أفهم منها حاجة.
كل اللي فهمته إن ولادي الاتنين راحوا في نفس الليلة.
من غير إنذار.
ومن غير تفسير يريح قلبي.
يوم العزاء، كنت قاعدة قدام، وجنبي بنتي الكبيرة ليلى.
عندها أربع سنين.
لابسة فستان أسود صغير، وحاضنة الأرنب القماش اللي كان آدم متعلق بيه طول الوقت.
على الناحية التانية كان جوزي كريم.
متجوزين بقالنا تلتاشر سنة.
لكن اليوم ده حسيت إني قاعدة جنب راجل معرفوش.
وشه جامد.
عينه في الأرض.
ومن ساعة اللي حصل، تقريبًا ما بصليش في عيني.
وفجأة…
قامت أمه نوال من مكانها.
حماتي عمرها ما حبتني.
من أول يوم دخلت فيه بيتهم وهي شايفاني مش مناسبة لابنها.
كل حاجة كنت بعملها كانت غلط.
تربيتي لولادي غلط.
أكلي غلط.
لبسي غلط.
حتى لما كنت بمرض، كانت تقول:
— أصلها مدلعة نفسها زيادة.
لكن بعد موت التوأم…
الموضوع اتغير.
بدأت تلمح إن اللي حصل ممكن يكون بسببي.
مرة تقول:
— الأم لازم تبقى واخدة بالها من عيالها.
ومرة:
— ربنا وحده عالم إيه اللي حصل في البيت الليلة دي.
وساعات كانت تبصلي قدام الناس وتسكت…
ونظرتها لوحدها كانت اتهام.
طول ست أيام وأنا ساكتة.
سكت لما الشرطة دخلت البيت وسألتني عشرات الأسئلة.
سكت لما الناس بدأت تهمس ورا ضهري.
سكت لما حماتي كانت تتعامل معايا كأني المتهمة مش الأم اللي دفنت طفلين.
لكن في العزاء…
ماقدرتش.
نوال قربت مني وقالت بصوت واطي لكنه مسموع:
— لو كنتِ أم بجد، كان زمان ولادك عايشين دلوقتي.
رفعت عيني وبصيتلها.
حسيت إن آخر خيط في أعصابي اتقطع.
صرخت:
— ممكن تسكتي ليلة واحدة؟! مرة واحدة بس نودع آدم وآسر من غير ما تحولي موتهم لكراهيتك ليا؟!
القاعة كلها سكتت.
كريم قام من مكانه.
لكن قبل ما يعمل أي حاجة…
نوال قربت مني بسرعة.
ورفعت إيدها.
والقلم نزل على وشي قدام كل الناس.
اتصدمت.
ما لحقتش حتى أستوعب اللي حصل.
مسكتني من شعري وقربت وشها من ودني وهمست:
— اخرسي… بدل ما يبقى مكانك جنب عيالك.
لكن اللي حصل بعدها وجعني أكتر من .
كريم شدني بعيد عنها.
افتكرت إنه أخيرًا هيدافع عني.
لكنه بصلي بعصبية وصرخ:
— كفاية يا سلمى! إنتِ اللي كل مرة بتكبري الموضوع!
فضلت باصة له.
مش مصدقة.
قلت:
— أنا اللي بكبر الموضوع؟
وشورت على أمه.
قال:
— أمي مكسورة على أحفادها… وإنتِ عارفة حالتها.
ضحكت ضحكة صغيرة خرجت مني من شدة الصدمة.
— وأمال أنا إيه يا كريم؟ مش أنا أمهم؟
ما ردش.
وقتها حسيت إن تلتاشر سنة جواز بيتكسروا قدام عيني.
الراجل اللي شاركني بيتي…
وسريري…
وولادي…
واقف دلوقتي يدافع عن الست اللي هددتني بالموت جنب نعش ولادي.
كنت هرد.
لكن صوت صغير وقف كل حاجة.
— ماما؟
بصينا كلنا ناحية ليلى.
كانت واقفة جنب الكرسي.
الأرنب القماش وقع من إيدها.
وشها الصغير كان متوتر.
قربت مني ومسكت طرف هدومي.
وبعدين بصت للشيخ اللي كان واقف قريب مننا وقالت ببراءة:
— هو أنا ينفع أقول السر اللي تيته قالتلي ماقولهوش؟
الكل سكت.
نوال وشها اتغير فجأة.
كريم قال بسرعة:
— ليلى… تعالي هنا.
لكن ليلى ما اتحركتش.
بصتلي وقالت:
— ماما… تيته قالت إن لو قلتلك هتزعلي مني.
قلبي بدأ يدق .
نزلت على ركبتي قدامها.
— سر إيه يا حبيبتي؟
حماتي صرخت:
— البنت مصدومة ومش فاهمة هي بتقول إيه!
لكن ليلى أشارت عليها بإصبعها الصغير.
وقالت جملة…
خلت كل اللي في القاعة يبصوا لنوال.
— أقولهم يا تيته إنتِ كنتِ بتحطي إيه في ببرونات آدم وآسر بالليل؟
حسيت إن نفسي وقف.
بصيت لنوال.
وشها كان أبيض.
كريم اندفع ناحية بنته وقال:
— إنتِ شفتي إيه يا ليلى؟
قالت:
— شفت تيته في المطبخ.
— إمتى؟
— قبل ما إخواتي يناموا.
نوال قاطعتها:
— كدابة!
ليلى اتخضت واستخبت ورايا.
لكنها كملت وهي بتعيط:
— كان معاها علبة صغيرة… وحطت منها حاجة في اللبن، وقالتلي: دي دوا يخليهم يناموا كويس.
رفعت عيني ناحية حماتي.
ولأول مرة من يوم عرفتها…
شوفت الخوف في وشها.
مش الحزن.
مش الغضب.
الخوف.
وبعد أقل من ساعة…
كانت الشرطة واقفة قدام بيتنا.
لكن لما فتشوا المطبخ، ما لقوش العلبة اللي ليلى وصفتها.
افتكرت إن نوال هتفلت.
لحد ما بنتي شدت هدوم واحد من الضباط وقالت:
— مش هنا.
الضابط انحنى ناحيتها.
— أمال فين يا حبيبتي؟
ليلى بصت ناحية جوزي.
ثم قالت:
— في أوضة جدو اللي بابا قال إن محدش يدخلها أبدًا.
التفتُّ لكريم.
وشه اتغير.
قلت:
— أوضة إيه؟
ما ردش.
الضابط سأله:
— عندكم غرفة مقفولة؟
قال كريم بسرعة:
— مخزن قديم… مفيهوش حاجة.
لكن ليلى هزت راسها.
— لأ.
وبصتلي.
— أنا دخلتها مرة… وكان فيه راجل جوه الصورة شبه بابا جدًا.
سألتها وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا:
— راجل مين؟
قالت:
— الراجل اللي تيته بتقول عليه ابنها.
سكتت لحظة.
ثم أضافت بمنتهى البراءة:
— بس قالتلي إنه اختفى من زمان قوي… قبل ما بابا يتولد.
بصيت لكريم.
وبعدين لنوال.
وفي اللحظة دي، الشرطة طلبت مفتاح الأوضة.
نوال بدأت تصرخ:
— محدش يفتح الباب ده!
لكن كان فات الأوان.
لأن لما الباب اتفتح…
ما لقيناش مجرد علبة دوا.
لقينا صور.
خطابات قديمة.
سجلات بأسماء مختلفة.
وصورة شاب اختفى من تلاتة وتلاتين سنة…
شاب كان شبه كريم لدرجة مرعبة.
وعلى ضهر الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة:
“ابني الحقيقي… لو رجع، كل حاجة هتضيع.”
لكن الصدمة الأكبر ماكنتش في الصورة.
كانت في الورقة اللي لقاها الضابط جوه درج مقفول.
ورقة عليها أسماء أولادي التوأم…
وتحتهم اسم ثالث.
ليلى.
وبجنب اسم بنتي كان مكتوب:
“هي شافت أكتر من اللازم.””الحكاية لم تنتهِ بعد…”
📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.
✍️ الكاتبة أسما السيد @أبرز المعجبين مترجم حصري
الفصل الثالث: الراجل اللي دخل البيت
الضابط قرب كرسيه من ليلى.
صوته بقى أهدى.
— يا ليلى… الراجل ده كان شكله إيه؟
بنتي بصتلي الأول.
مسكت إيدها.
— قولي اللي فاكره يا حبيبتي.
قالت:
— شبه بابا.
كريم حط إيده على رأسه.
الضابط سأل:
— عمل إيه؟
— كان واقف ساكت.
— كلمك؟
هزت راسها.
— قاللي: ارجعي نامي.
— وبعدين؟
— تيته خرجت من أوضة آدم وآسر.
قلبي خبط بقوة.
— تيته كانت جوا أوضتهم؟
— أيوه.
— كانت بتعمل إيه؟
ليلى فكرت شوية.
— كانت بتغطيهم.
نوال… وخالد… الاتنين كانوا في بيتنا في نفس الليلة؟
بصيت لكريم.
— وإنت كنت فين وقتها؟
قال:
— كنت مستني خالد تحت.
— تحت البيت؟
هز راسه.
— هو ما طلعش قدامي.
الضابط سأله:
— قابلته فين بالضبط؟
— في العربية.
— إمتى؟
— حوالي اتنين إلا ربع.
— وقعدتوا قد إيه؟
— يمكن نص ساعة.
قلت:
— وليلى شافته فوق.
الضابط قال:
— يبقى فيه وقت دخل فيه البيت قبل أو بعد المقابلة.
كريم انفعل:
— أنا ما دخلتوش!
الضابط رد بهدوء:
— لسه محدش قال إنك دخلته.
ثم بص لليلى.
— والراجل كان ماسك حاجة؟
قالت:
— شنطة سودا.
كريم بص للضابط.
— خالد كان معاه شنطة لما قابلته.
سألته:
— إيه كان فيها؟
سكت.
— كريم!
قال:
— ملفات.
— ملفات إيه؟
— أوراق تثبت إن أمي كدبت عليا طول عمري.
— بس؟
هز راسه.
لكن عينه قالت عكس كده.
قربت منه.
— لسه بتكدب.
قال بانفعال:
— مش وقته يا سلمى.
ضحكت بسخرية.
— ولادي ماتوا! إمتى الوقت المناسب في رأيك؟
الضابط قال:
— الأستاذ كريم لازم ييجي معانا.
كريم اتصدم.
— أنا؟
— للاستجواب.
— أنا ما عملتش حاجة.
— يبقى هتجاوب ونخلص.
قبل ما يمشوا، قرب مني.
— سلمى، صدقيني أنا ما أذيتش ولادي.
بصيتله.
— لكنك كذبت عليا.
ما عرفش يرد.
اتاخد كريم.
وفضلت أنا وليلى في البيت.
لأول مرة كنت خايفة من كل ركن فيه.
بصيت على باب أوضة التوأم.
ما دخلتهاش من يوم وفاتهم.
لكن كلام ليلى خلاني أحس إن فيه حاجة جواها مستنياني.
مسكت إيد بنتي.
— تعالي نقعد عند خالتك الليلة.
لكنها ما اتحركتش.
كانت باصة للطرقة.
— ماما؟
— نعم؟
— آدم كان بيعيط قبل ما ينام.
اتجمدت.
— إمتى؟
— الليلة دي.
— وإنتِ عرفتي منين؟
— كنت صاحية.
قعدت قدامها.
— ليه ما قلتيليش؟
بدأت عينيها تدمع.
— تيته قالتلي لو حكيت، هيودوني بعيد عنك.
حضنتها.
— محدش هياخدك مني.
قالت وهي بتعيط:
— أنا خايفة.
— من تيته؟
هزت راسها.
ثم همست:
— من بابا.
اتسمرت.
— ليه؟
ليلى ما ردتش.
بس مدت إيدها في جيب فستانها وطلعت حاجة صغيرة.
مفتاح.
حطته في إيدي.
— بابا وقع ده يومها.
بصيت للمفتاح.
كان صغير وقديم.
— وقع فين؟
— جنب سرير آدم.
قلبي بدأ يدق.
دخلت أوضة التوأم.
كل حاجة مكانها.
السريرين.
الألعاب.
الهدوم الصغيرة.
مشيت ناحية المكان اللي أشارت عليه ليلى.
ماكانش فيه قفل.
لكن تحت السرير، لقيت لوح خشب مختلف عن باقي الأرضية.
حاولت أرفعه.
ما اتحركش.
وبعدين شفت فتحة مفتاح صغيرة.
دخلت المفتاح.
لف.
وسمعت “تك”.
رفعت اللوح.
كان تحته صندوق معدني صغير.
إيدي كانت بتترعش وأنا بطلعه.
فتحته.
جواه فلاشة.
موبايل قديم.
وظرف مكتوب عليه بخط كريم:
“لو حصل حاجة للولاد، سلمى لازم تعرف الحقيقة.”
قعدت على الأرض.
مش قادرة أتنفس.
فتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة.
بدأت أقرأ.
“سلمى…
لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا فشلت أحميكم.
أمي مش الخطر الوحيد.
وخالد مش الشخص اللي لازم تخافي منه.
الحقيقة إن التوأم اتولدوا وهم شايلين دليل على سر قديم… سر لو اتكشف، ناس كتير هتدخل السجن.
وأنا كنت جزء منه.”
إيدي وقفت.
كملت.
“أنا عارف إنك عمرك ما هتسامحيني لما تعرفي.
لكن قبل ما تحكمي عليّا… افتحي الفيديو الموجود على الفلاشة.
وشوفي مين دخل أوضة ولادنا الساعة 2:43 ليلة موتهم.”
بصيت للفلاشة.
جسمي كله كان بيرتعش.
وصلتها باللاب توب.
ظهر ملف واحد.
ضغطت عليه.
الكاميرا كانت من جهاز مراقبة صغير متثبت في أوضة التوأم.
الوقت ظاهر في الركن:
2:43 صباحًا.
الباب اتفتح.
دخل شخص.
في الأول ظهر ضهره بس.
وقف عند سرير آدم.
مد إيده ناحية الببرونة.
وبعدين لف ناحية الكاميرا.
حطيت إيدي على بوقي.
لأن الشخص اللي ظهر في الصورة…
ماكنش نوال.
وماكنش خالد.
وكان مستحيل يكون كريم.
الست اللي دخلت أوضة ولادي…
كانت واحدة أعرفها كويس جدًا.
واحدة حضرت العزاء.
حضنتني.
وبكت معايا.
وقالتلي:
— أنا جنبك مهما حصل.
همست وأنا مش مصدقة:
— إنتِ؟!
وفي نفس اللحظة…
سمعت باب البيت بيتفتح.
خطوات دخلت.
وبعدين صوت ست من ورايا قال:
— كان لازم تسمعي كلام كريم… وما تفتحيش الفلاشة يا سلمى.
لفيت ببطء.
واللاب توب لسه شغال.
وكانت هي واقفة عند باب الأوضة.
وفي إيدها…
نفس الشنطة السودا اللي ليلى قالت إنها شافتها ليلة موت التوأم.
يتبع…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




