روايات وقصص

امي واختي حكايات اسما السيد 3 والاخير

مقبض باب الأوضة اتحرك. وقفت في نص الغرفة، والملف الأزرق في إيدي. الباب اتفتح. دخل أحمد الأول. وأول ما شافني… وقف مكانه. سعاد كانت وراه، وخبطت فيه وهي بتقول: — مالك وقفت ليه؟ وبعدين شافتني. وشها اتمسح منه كل لون. ثواني طويلة محدش فينا نطق. أنا اللي كسرت الصمت. رفعت الورقة اللي في إيدي وقلت:

 

— مش المفروض أكون واقفة وسط البطاطس دلوقتي؟

أحمد بص للملف.

وبعدين بصلي.

— نورهان… إنتِ بتعملي إيه هنا؟

ضحكت.

— في بيتي؟ سؤال غريب شوية.

سعاد دخلت وقفلت الباب وراها.

— بصي يا بنتي، واضح إن فيه سوء تفاهم.

بصيت لها.

— غريبة… من الصبح كان اسمه “الست لازم تساند جوزها”. دلوقتي بقى سوء تفاهم؟

أحمد مد إيده.

— هاتي الملف يا نورهان.

ضميته لصدري.

— ليه؟

— عشان دي أوراق خاصة بيا.

— لأ. فيه أوراق تخص شقتي ونصيبي في أرض أهلي، وفيه توقيع باسمي أنا بقول إني ما عملتوش.

وش أحمد اتغير.

بص لأمه بسرعة.

نظرة واحدة بس.

لكنها كانت كفاية.

قلت:

— حلو. النظرة دي جاوبتني عن سؤال مهم.

أحمد رفع صوته:

— بطلي تمثيل! أنا كنت بعمل ده كله عشاننا.

— عشاننا؟

رفعت إيصال الوحدة السكنية.

— الوحدة دي عشاننا برضه؟

سكت.

قربت الورقة منه.

— طب والاسم اللي جنب اسمك؟

حماتي قالت بسرعة:

— دي شريكة في الاستثمار.

بصيت لها وضحكت.

— ما شاء الله. حضرتك عارفة الورقة كويس أوي.

أحمد لف لها:

— يا أمي اسكتي.

هنا فهمت.

الموضوع مش أحمد لوحده.

قلت:

— اقعدوا.

أحمد بصلي باستغراب.

— إيه؟

— قلت اقعدوا. عشان الكلام اللي جاي مش هيتقال واقفين.

سعاد قالت بعصبية:

— إنتِ ناسية نفسك يا نورهان؟

بصيت لها بثبات.

— بالعكس. أنا لأول مرة من سنين افتكرت نفسي.

أحمد حاول يقرب.

— نورهان، إحنا نقدر نفهم كل حاجة.

— تمام. ابدأ بالدين.

اتجمد.

قلت:

— مكتوب في ورقتك: “بعد البيع: سداد الدين”. دين إيه؟

ما ردش.

— كام يا أحمد؟

فضل ساكت.

صرخت لأول مرة:

— كام؟!

قال بصوت واطي:

— حوالي مليون ومتين.

حسيت رجلي ضعفت.

— مليون ومتين ألف جنيه؟

هز راسه.

— من إيه؟

قعد على طرف السرير.

— دخلت في شغل عربيات مع ناس… وخسرنا.

— من إمتى؟

— حوالي سنتين.

سنتين.

نفس الفترة اللي بدأ فيها يسأل عن حساباتي.

نفس الفترة اللي أخد فيها التوكيل من أبويا.

قلت:

— وإنت قررت تسدد خسارتك من أرض أهلي؟

— كنت هرجع الفلوس.

ضحكت.

ضحكت لدرجة إن دموعي نزلت.

— ترجعها منين؟ من الوحدة الجديدة؟

أحمد رفع راسه بسرعة.

— الوحدة دي استثمار.

— والست اللي اسمها معاك؟

سكت.

سعاد تدخلت:

— البنت دي مالهاش دعوة بحاجة.

الجملة خرجت منها أسرع من تفكيرها.

بصيت لها.

— البنت؟

اتلخبطت.

— أقصد الست.

قربت منها.

— تعرفيها؟

ما ردتش.

بصيت لأحمد.

— مين دي؟

قال:

— واحدة شريكة معايا.

— اسمها إيه بالنسبة لك؟

— نورهان…

— بالنسبة لك إيه؟

صرخ:

— مفيش بيني وبينها حاجة!

لكن صوته كان صوت واحد محاصر.

مش صوت واحد مظلوم.

قلت:

— أنا مش هتهمك بحاجة من غير دليل. اللي يهمني دلوقتي حقي وحق ولادي.

أحمد وقف.

— ولادك؟ دول ولادي أنا كمان.

— عشان كده كان المفروض تفكر فيهم قبل ما تحاول تدخل بيتهم وأرض جدهم في ديونك.

سعاد خبطت بإيدها على الدولاب.

— كفاية بقى! ابني غلط، آه. بس الراجل لما يقع مراته تستره، مش تجيبله محامين!

بصيت لها.

— وأنا لما أقع؟

سكتت.

— لما كنت بدفع مدرسة العيال، والقسط، والعربية، والبيت… مين سترني؟

محدش رد.

— لما ابنك كان بينقل أرقام كروتي، كنتِ عارفة؟

سعاد بصت بعيد.

فهمت الإجابة.

— ولما كان رايح يقابل مشتري للأرض؟

برضه سكتت.

— كنتِ عارفة.

أحمد قال:

— أمي ملهاش دعوة.

قلت:

— يبقى ليه كانت معاك؟

سكت.

وفي اللحظة دي موبايلي رن.

منى.

رديت وحطيت المكالمة على السماعة.

— أيوه يا منى.

قالت:

— نورهان، وصلت البيت؟

— آه. وأحمد هنا.

سكتت ثانية.

ثم قالت:

— تمام. ما توقعيش أي ورقة، وما تسلميش أي أصل من مستنداتك، وبكرة هنكمل الإجراءات القانونية اللازمة لحماية حقوقك. وأي مستند عليه توقيع منسوب ليكي وإنتِ بتنفيه، هيتراجع بالطريق الرسمي.

أحمد بصلي.

— إنتِ فعلًا دخلتي محامية بينا؟

قلت:

— إنت اللي دخلت الورق والفلوس بينا الأول.

منى قالت:

— نورهان، الأفضل ما يحصلش أي نقاش مالي أكتر من كده الليلة.

قفلت معاها.

أحمد فضل واقف قدامي.

وفجأة نبرة صوته اتغيرت.

— طب والعيال؟

أول مرة من الصبح يسأل عنهم.

— عند أهلي.

— هاتيهم ونقعد كلنا.

— لأ.

— يعني إيه لأ؟

— يعني مش هستخدم عمر وملك عشان نغطي على اللي حصل.

سعاد قالت:

— عايزة تطلقي يعني؟

بصيت لها.

— أنا عايزة أحمي نفسي وولادي الأول. وبعدها أي قرار هيتاخد بهدوء ومن خلال الطريق الصح.

أحمد قعد على الكرسي.

لأول مرة شوفته صغير.

مش الراجل اللي كان بيضحك وهو بيقولي:

“إنتِ مع البطاطس وأنا مع البحر.”

قال:

— أنا كنت خايف أقولك على الخسارة.

— فقررت تاخد من ورايا؟

— كنت مضغوط.

— فقررت تقلد توقيعي؟

— ما حصلش بالشكل اللي إنتِ متخيلاه.

— عظيم. يبقى الجهات المختصة هي اللي تحدد حصل إزاي.

رفع عينه ناحيتي.

— هتعملي فيا محضر؟

— أي خطوة هعملها هتبقى بناءً على نصيحة المحامية والقانون. أنا مش ههددك ولا هساومك.

سكت.

قلت:

— الليلة دي إنت وأمك هتمشوا.

— ده بيتي.

— وأنا مش داخلة معاك في خناقة على البيت. بس أنا مش هكمل النقاش ده دلوقتي.

سعاد قربت مني وقالت:

— بعد 14 سنة تعملِي فيه كده؟

رديت:

— بعد 14 سنة، كان المفروض هو يعرف إني مش خزنة بنك.

الأيام اللي بعدها كانت من أصعب أيام حياتي.

مافيش انتقام سريع.

ومافيش ورقة سحرية حلت كل حاجة.

كان فيه محامية.

ومراجعة مستندات.

وكشوف حساب.

ومواعيد.

وأيام بنام فيها ساعتين.

وأيام كنت بصحى فيها وأسأل نفسي:

إزاي عشت مع إنسان 14 سنة وما شوفتش ده كله؟

المفاجأة الأكبر ظهرت لما راجعنا حساب المصاريف المشترك.

التحويلات اللي شفتها ما كانتش مرة أو اتنين.

كانت مبالغ بتخرج على فترات طويلة.

جزء منها راح لتغطية خسائر أحمد.

وجزء اتدفع في حجز الوحدة.

لكن أهم حاجة إن التصرف في أرض أهلي ما كانش اكتمل.

الوسيط لما شك في الأوراق وقف الموضوع.

وأبويا، بعد ما عرف الحقيقة، راجع موقف التوكيل فورًا مع محاميه واتخذ الإجراءات القانونية المناسبة لإلغائه ومنع استخدامه في أي تصرف جديد.

أما الشقة، فالمعاملة اللي كان أحمد بيحاول يعملها ما كانتش اكتملت هي كمان.

وده كان الفارق بين إننا نكتشف الكارثة…

وبين إننا نصحى بعد فوات الأوان.

بعد حوالي شهر، قابلت أحمد في مكتب منى.

كان خاسس.

شكله مرهق.

قعد قدامي وقال:

— ممكن نتكلم لوحدنا؟

قلت:

— اتكلم هنا.

بص لمنى.

وبعدين رجع بصلي.

— أنا غلطت.

ما رديتش.

— الدين خوّفني. وكل ما كنت بخسر أكتر، كنت بحاول أصلح الغلط بغلط أكبر.

قلت:

— ليه ما قلتليش؟

— كنت عارف إنك هترفضي.

الجملة دي لخصت كل حاجة.

قلت:

— بالضبط. كنت عارف إني هرفض، فعشان كده حاولت تاخد القرار مكاني.

سكت.

— دي مش شراكة يا أحمد.

نزل عينه.

بعد لحظات قال:

— والوحدة الجديدة… هتنازل عن الحجز وأحاول أرجع اللي ينفع يرجع من الفلوس.

— دي مسؤوليتك ومحاميك.

— والست اللي اسمها في العقد…

بصيت له.

قال:

— كانت داخلة معايا في الصفقة. ومفيش بيني وبينها علاقة زي ما إنتِ فكرتي.

قلت:

— سواء كلامك صح أو غلط، المشكلة الأساسية عندي ما بقتش ست تانية.

استغرب.

قلت:

— المشكلة إني ما بقيتش أثق فيك.

ودي كانت الحقيقة.

الخيانة مش دايمًا لازم تكون علاقة.

أحيانًا الخيانة إن حد ياخد الأمان اللي سلمتهوله بإيدك…

ويستخدمه ضدك.

بعد شهور، أنا وأحمد انفصلنا رسميًا بعد ما كل واحد فينا أخد استشارته القانونية واتفقنا على الترتيبات الخاصة بالأطفال والحقوق المالية بالطريقة الرسمية.

ما منعتش عمر وملك من أبوهم.

مشاكلنا كانت بيني وبينه.

لكن حطيت حدود واضحة.

فلوسي بقت في حساباتي الخاصة.

مستنداتي في مكان آمن.

وأي حاجة تخص العيال بقت مكتوبة وواضحة.

أما الأرض؟

فضلت زي ما هي.

وفي أول موسم حصاد بعد اللي حصل، نزلت الفيوم مع عمر وملك.

ملك كانت بتجري بين الشكاير وهي بتضحك.

وعمر كان بيحاول يشيل شيكارة أكبر منه عشان يثبت إنه “راجل البيت”.

ضحكت وقلتله:

— سيبها يا عمر، هتقطع ضهرك.

أبويا كان واقف بعيد.

قرب مني وقال:

— سامحيني يا بنتي.

بصيت له.

كان لسه شايل ذنب إنه صدق أحمد.

مسكت إيده.

— خلاص يا بابا. المهم إننا عرفنا قبل ما كل حاجة تضيع.

بص للأرض وقال:

— كنت فاكر لما قولتلك دي أمانك إني بديكي أرض.

سألته:

— أمال؟

ابتسم.

— طلعت الأمان الحقيقي إنك تعرفي حقك وما تسيبيش حد يديره مكانك.

فضلت ساكتة.

وبعدين ضحكت.

افتكرت آخر ليلة قبل سفر أحمد.

وهو واقف قدامي بمنتهى الثقة وبيقولي:

— إنتِ مع البطاطس بتاعتك، وأنا مع البحر.

وقتها الجملة وجعتني.

دلوقتي؟

بقت تضحكني.

لأن الرحلة اللي كان فاكرها بداية راحته…

كانت بداية اكتشافي لكل حاجة.

والمكالمة الواحدة اللي عملتها قبل ما طيارته تقلع ما كانتش انتقام.

كانت أول مرة من سنين أقول فيها:

كفاية.

كفاية إن حد يعتبر مرتبي حق مكتسب.

كفاية إن “الست تساند جوزها” معناها إنها تشيل وهو يقرر.

وكفاية إني أسكت عشان البيت ما يتهدش…

بينما حد تاني بيفك طوبة منه كل يوم من ورايا.

وقفت وسط الأرض، مسكت حبة بطاطس لسه طالعة من التراب، وبصيت لملك وهي بتضحك.

قالتلي:

— ماما، هو إنتِ مبسوطة؟

بصيت حواليّ.

لأول مرة من شهور، الإجابة طلعت من قلبي.

— جدًا.

قالت:

— مع إننا ما رحناش البحر؟

ضحكت وحضنتها.

— يا حبيبتي… مش كل اللي بيروح البحر بيرتاح.

ومش كل اللي بينزل الأرض بيتعب.

أوقات…

الإنسان لازم يحط إيده في التراب…

عشان يطلع منه الحاجة اللي كانت مستخبية.

تمت.

بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري
ممنوع النسخ أو إعادة النشر دون إذن.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى