روايات وقصص

طفلي حكايات اسما السيد 2

بعد ساعات، كان الأب جالسًا أمام شاشة كبيرة في مكتبه. إلى جواره محاميه. والطبيبة. والمربية. أما الأم  فبقيت في المستشفى بعد بدء الإجراءات الرسمية. رجعوا بالتسجيلات إلى الليلة التي تكلمت عنها المربية. الساعة الثالثة وثمانٍ وخمسين دقيقة. ظهرت المربية خارجة من غرفة الطفل. نزلت السلم.

 

بعد دقيقة…

ظهر الممر فارغًا.

ثم عند الرابعة ودقيقتين…

خرجت الأم من غرفة نومها.

كانت ترتدي ملابس النوم.

مشت ناحية غرفة الطفل.

دخلت.

مرت دقيقة.

اتنين.

تلاتة.

ثم خرجت.

قال الأب:

— مفيش حاجة.

الطبيبة لم ترد.

قالت:

— رجع التسجيل.

رجعوه.

شاهدته مرة ثانية.

ثم قالت:

— بطّئه.

بطّأ المحامي الفيديو.

ظهرت الأم وهي خارجة من غرفة الطفل.

لكن هذه المرة، لاحظ الأب شيئًا.

قرب وجهه من الشاشة.

— استنى.

أوقف الصورة.

يد زوجته كانت مقفولة.

وكأنها تخفي شيئًا صغيرًا داخل كفها.

قالت الطبيبة:

— كمل.

بعد ثواني، رفعت الأم يدها ناحية جيب ملابسها.

وضعت شيئًا بداخله.

ثم عادت لغرفتها.

المربية بدأت تبكي.

— أنا رجعت بعدها بدقيقتين.

شغلوا التسجيل.

وبالفعل…

ظهرت المربية.

دخلت غرفة الطفل.

وبعد أقل من نصف ساعة، خرجت وهي تحمل الرضيع وتصرخ في اتجاه السلم.

الأب غطى فمه.

— دي الليلة اللي وديناه فيها المستشفى.

المربية هزت رأسها.

— أيوه.

الأب وقف.

— أنا عايز أروح لها.

المحامي قال:

— استنى.

— دي مراتي!

ردت الطبيبة:

— وده بالضبط سبب إن حضرتك لازم تهدى.

لف الأب ناحيتها.

— لو هي اللي…

قاطعت نفسها قبل أن تكمل.

الطبيبة قالت:

— التسجيل يثبت إنها دخلت الأوضة. لكنه لوحده ما يثبتش إيه اللي حصل جوا. والتحليل الأولي للكوب برضه مش كفاية لوحده.

الأب ضرب المكتب بقبضته.

— أمال نعمل إيه؟!

قالت الطبيبة:

— نخلي الأدلة تتكلم.

وفي اللحظة دي…

دخل أحد العاملين في المنزل.

كان ماسك كيسًا صغيرًا.

— حضرتك طلبت إن محدش يرمي حاجة من أوضة الطفل.

الأب قال:

— أيوه.

الرجل مد الكيس.

— الخدامة كانت لاقية ده من كام يوم تحت الكرسي وكانت هترميه، بس نسيته في درج التنظيف.

فتحت الطبيبة الكيس بحذر.

في داخله…

كان هناك غلاف صغير فارغ لدواء.

المربية شهقت.

أما الأب، فلم يتحرك.

قال بصوت مخنوق:

— الدوا ده…

بصتله الطبيبة.

— تعرفه؟

هز رأسه ببطء.

— أيوه.

— بتاع مين؟

جلس الأب.

ووضع يديه على رأسه.

ثم قال:

— مراتي.

سألته الطبيبة:

— كانت بتاخده ليه؟

رفع رأسه.

وفي عينيه ظهر نوع جديد من الرعب.

— المفروض إنها بطلت تاخده من أكتر من سنة.

— ليه؟

تردد.

ثم قال:

— لأنها كانت بتتعالج بعد ولادة ابننا الأول.

المربية اتجمدت.

— ابنكم الأول؟

الأب أغمض عينيه.

والطبيبة فهمت فورًا أن هناك قصة أخرى لم يخبرها بها أحد.

قالت:

— الطفل ده مش أول طفل ليكم؟

فتح الأب عينيه.

— لأ.

وسكت لحظة.

— كان عندنا بنت قبله.

— فين البنت؟

لم يجب.

لكن دموعه نزلت.

وقال بصوت بالكاد خرج:

— ماتت وهي عندها أربعة شهور.

وهنا…

شعرت الطبيبة أن القضية لم تبدأ منذ ستة أشهر.

ربما بدأت قبل ذلك بسنوات.

الفصل الرابع: الطفلة الأولى

ساد الصمت.

المربية هي أول واحدة اتكلمت:

— ماتت إزاي؟

الأب مسح وشه بإيده.

— قالوا وقتها توقف مفاجئ في التنفس.

الطبيبة سألته:

— كان فيه أعراض قبلها؟

— كانت بتخس.

رفعت الطبيبة عينيها فورًا.

— زي ابنك؟

الأب اتجمد.

— تقريبًا.

— قيء؟ خمول؟ ضعف زيادة الوزن؟

— أيوه.

المربية حطت إيدها على بوقها.

أما الأب فبدأ يهز راسه كأنه بيرفض الفكرة قبل حتى ما تتقال.

— لأ… لأ، مستحيل.

الطبيبة قالت بهدوء:

— أنا ما قلتش حاجة.

صرخ:

— بس أنا عارف إنتِ بتفكري في إيه!

وقف وبدأ يمشي في المكتب.

— مراتي انهارت بعد موت البنت. دخلت في حالة نفسية سيئة جدًا. كانت بتلوم نفسها على كل حاجة.

الطبيبة سألت:

— كانت هي اللي بتعتني بالبنت أغلب الوقت؟

سكت.

— أيوه.

— وكانت بتتحسن لما تدخل مستشفى؟

الأب وقف مكانه.

بص لها.

ولم يرد.

وده كان كفاية.

قالت:

— محتاجين ملف بنتكم القديمة.

— الملف من مستشفى تانية.

— هاته.

وفي اليوم نفسه، بدأت مراجعة كل شيء.

تقارير البنت.

أوزانها.

زيارات الطوارئ.

الفحوصات.

ولفت نظر الطبيبة نمط مرعب.

كل مرة تدخل الطفلة المستشفى، تتحسن.

كل مرة ترجع البيت، تتدهور.

مرة بعد مرة.

حتى ليلة وفاتها.

لكن وقتها، محدش شاف النمط.

كل طبيب شاف جزء.

كل زيارة اتعاملت كحادثة منفصلة.

ولأن الأسرة كانت ثرية، كانوا بينقلوا الطفلة بين مستشفيات وأطباء مختلفين.

محدش جمع الصورة كلها.

إلا الآن.

بعد يومين، ظهرت النتائج التأكيدية للكوب.

المادة الدوائية كانت من نفس نوع الدواء الذي كان موصوفًا للأم سابقًا.

لكن ده برضه ماكانش كفاية وحده.

كان لازم يثبتوا هل الطفل نفسه تعرض لها.

اتعملت تحاليل مناسبة تحت إشراف طبي وقانوني.

والنتيجة أكدت وجود آثار متوافقة مع التعرض للمادة في جسم الطفل.

الأب انهار.

قعد على كرسي الممر، ضهره للحائط.

— ليه؟

الطبيبة لم تجاوب.

لأن “ليه” دي مش سؤال طبي.

دي كانت محتاجة اعتراف.

والاعتراف جه أسرع مما توقعوا.

الفصل الخامس: الأم تتكلم

لما واجهوها بالنتائج، أنكرت.

قالت إن المربية بتلفق لها.

قالت إن الدواء ممكن يكون وقع في الكوب بالغلط.

قالت إن حد بيحاول يدمر جوازها.

قالت أي حاجة…

إلا الحقيقة.

لكن لما ذكروا بنتها الأولى، انهار شيء جواها.

وقعدت ساكتة لمدة طويلة.

ثم قالت:

— أنا ماكنتش عايزة أموتهم.

الأب رفع راسه ببطء.

كأن الجملة ضربته في صدره.

قال:

— “أموتهم”؟

هي بدأت تعيط.

— كنت عايزاهم يتعبوا بس.

المربية شهقت.

الأب قرب منها:

— بنتنا؟

بصت للأرض.

— كنت بخاف لما تكون كويسة.

— يعني إيه؟

— لما كانت كويسة… محدش كان بيحتاجني.

الأوضة كلها سكتت.

قالت:

— لما كانت تتعب، الكل كان حواليا. الدكاترة يتصلوا بيا. إنت تسيب الشغل وتيجي. أهلي يجوا. الناس تسأل عني.

الأب كان بيبصلها كأنه مش عارفها.

— كنتِ بتأذي بنتنا علشان آخد بالي منك؟

صرخت:

— مكنتش عايزة أقتلها!

الطبيبة تدخلت:

— بس كنتِ بتديها حاجة تخليها تتعب؟

غطت وشها.

وبكت.

وبعدين هزت راسها.

مرة واحدة.

اعتراف صغير…

لكن كفايته تدمر بيت كامل.

الأب رجع خطوة.

— والبنت ماتت بسببك؟

قالت بسرعة:

— أنا معرفتش إن الجرعة هتعمل كده! كنت فاكرة إنها هترجع وتدخل المستشفى زي كل مرة!

الأب شهق وكأنه اتخنق.

ضرب كفه على الحيطة.

— بنتي…

وقعد على الأرض.

لأول مرة، المربية سابت الطفل مع الممرضة، وقربت من الأب.

لكن هو مد إيده يمنعها.

— سيبيني.

كان بيبكي بصوت مكتوم.

مش بكاء راجل فقد بنت من سنين.

بكاء راجل اكتشف للتو إن القصة اللي عاش بيها كلها كذبة.

الأم كملت اعترافها.

بعد موت الطفلة الأولى، بطلت فترة طويلة.

خافت.

انهارت.

دخلت علاج.

وبعدها حملت من جديد.

لما ولد الطفل، أقسمت لنفسها إنها مش هتعمل حاجة.

لكن بعد شهور، الأب رجع لانشغاله.

الشركات.

السفر.

الاجتماعات.

وهي بدأت تحس إنها “اختفت” من حياة الناس.

الطفل كان بصحة جيدة.

ينام.

يأكل.

يزيد وزنه.

ومحدش يسألها باستمرار:

“هو عامل إيه؟”

“إنتِ مستحملة؟”

“محتاجين حاجة؟”

فبدأت من جديد.

في الأول بكميات صغيرة جدًا.

مجرد خمول.

مرة قيء.

مرة فقدان شهية.

ولما كل مرة تروح المستشفى والناس تلف حواليها…

زادت.

لكن المرة دي، الطفل بدأ ينهار فعليًا.

والمربية بدأت تشك.

علشان كده اتصلت بالطبيبة.

الفصل السادس: المربية التي لم يصدقها أحد

بعد الاعتراف، الأب طلب يقابل المربية.

قال لها:

— إنتِ كنتِ عارفة؟

هزت راسها.

— لأ. كنت حاسة بس إن حاجة غلط.

— ليه ماقولتيليش؟

بصتله بحزن.

— قولتلك.

اتجمد.

— إمتى؟

— من شهر.

افتكر.

المربية كانت فعلًا دخلت مكتبه مرة وقالت له:

“أنا مش مطمنة على طريقة تعب الطفل.”

وقتها رد عليها:

“إنتِ مربية، مش دكتورة.”

نزل عينه.

قالت:

— ولما قولتلك إن تعبه بيزيد بعد بعض الرضعات، اتعصبت عليا.

سكت.

— وبعدها المدام قالتلي لو فضلت أتكلم هتمشيني.

الأب قال:

— وأنا صدقتها.

— أيوه.

صمت.

ثم قال:

— أنا آسف.

ردت:

— الاعتذار الحقيقي للطفل، مش ليا.

الجملة وجعته.

لكنها كانت الحقيقة.

الطبيبة رجعت المستشفى بعد أيام.

الطفل كان بدأ يزيد وزن.

ببطء.

لكن بوضوح.

لون وجهه بدأ يرجع.

عيناه بقوا أنشط.

والأب كان لأول مرة موجود طوال اليوم.

يتعلم يحضر الرضعة.

يغير الحفاضة.

يسجل الوقت والكمية.

الطبيبة شافته وهو ماسك زجاجة الحليب.

قالت:

— كويس.

ابتسم ابتسامة مكسورة.

— كنت فاكر إن الفلوس كفاية.

— في حاجات الفلوس بتسهلها.

سكتت.

— بس الحضور ملوش بديل.

هز راسه.

— عارف.

بص للطفل.

— اتعلمتها متأخر.

قالت الطبيبة:

— المهم تتعلمها قبل ما يبقى متأخر جدًا.

الفصل السابع: القضية

تحولت المسألة إلى قضية رسمية.

التقارير الطبية القديمة اتفتحت من جديد.

وفاة الطفلة الأولى اتراجعت.

والاعترافات والتسجيلات والتحاليل دخلت في الملف.

أما الأم، فتم إبعادها عن الطفل تمامًا، وخضعت لتقييم وعلاج نفسي تحت إشراف مختصين إلى جانب المسار القانوني.

الطبيبة رفضت تظهر في الإعلام.

رغم إن الصحف بدأت تتكلم عن “قضية الطفل الثري”.

صحفي اتصل بها وقال:

— حضرتك أنقذتي حياته.

ردت:

— المربية هي اللي أنقذته.

— إزاي؟

— لأنها شافت حاجة غلط، ومقررتش تسكت.

لكن الصحفي سأله:

— والكوباية؟

ضحكت الطبيبة بخفة.

— الكوباية كانت بتتكلم من الأول. إحنا بس لازم نبطل ندور على الإجابات المعقدة قبل ما نبص للحاجات البسيطة.

الفصل الأخير: بعد سنة

بعد سنة، كانت الطبيبة ماشية في ممر المستشفى لما سمعت صوت حد بينادي:

— يا دكتورة!

لفت.

المربية كانت واقفة.

وفي إيدها طفل صغير.

لكن المرة دي…

ماكانش نفس الطفل الهزيل اللي شافته أول مرة.

كان ممتلئ الوجه.

شعره بدأ يكتر.

عينيه لامعة.

وبيضحك.

قربت الطبيبة.

— ما شاء الله.

المربية ابتسمت.

— بقى بيمشي ماسك في الترابيزة.

الأب كان وراها.

شكله اتغير هو كمان.

أهدى.

أقل استعراضًا.

قال:

— أنا جيت أشكرك.

ردت:

— اشكر اللي اتصل بيا.

بص للمربية.

— بشكرها كل يوم.

ثم قال للطبيبة:

— وبشكر الكوباية.

ضحكت.

لكن الضحكة اختفت لما الأب كمل:

— فيه حاجة حبيت أقولها.

— إيه؟

— عملت مؤسسة صغيرة باسم بنتي.

سكت.

— لدعم المستشفيات في اكتشاف حالات إساءة معاملة الأطفال الطبية اللي بتتكرر من غير تفسير واضح.

الطبيبة بصتله.

— خليها تساعد من غير ما تحول وجع بنتك لدعاية.

قال فورًا:

— ده الشرط الأول.

ابتسمت.

وبصت للطفل.

مد إيده الصغيرة ناحيتها.

شالته.

كان تقيل.

تقيل بطريقة جميلة.

الوزن اللي المفروض طفل في سنه يكون عليه.

ضحك وهو بيشد في سماعتها.

قالت المربية:

— فاكرها.

الطبيبة ردت:

— أكيد لأ.

لكنها كانت مبتسمة.

يمكن الطفل مايفتكرش.

يمكن عمره ما يعرف شكل الغرفة اللي كان بيموت فيها واحدة واحدة.

ولا الكوب اللي كان على الطاولة.

ولا النظرة اللي فضحت أمه.

وده كان أفضل شيء.

لأن بعض القصص لازم الكبار يفتكروها…

علشان الأطفال يقدروا ينسوها.

وقبل ما تمشي، الأب قال:

— دكتورة؟

لفت.

— نعم؟

قال:

— اليوم اللي قولتي فيه إن حد في البيت بيقتله واحدة واحدة… كنتِ متأكدة؟

هزت راسها.

— لأ.

استغرب.

قالت:

— كنت متأكدة من حاجة واحدة بس.

— إيه؟

بصت ناحية الطفل.

— إن جسده كان بيحكي قصة مختلفة عن القصة اللي كل الناس حواليه بيقولوها.

وسابتهم ومشيت.

ومن يومها، كل ما كانت تدخل بيت فيه طفل مريض، أو غرفة فيها أم تبكي، أو ملف مليان تحاليل سليمة لكن الطفل نفسه مش سليم…

كانت تفتكر الكوب.

وتفتكر إن أخطر الأسرار أحيانًا…

مش بتكون مخفية في خزنة.

ولا في تقرير سري.

ولا في جهاز معقد.

أحيانًا…

بتفضل قدام الجميع.

في كوب منسي بجوار سرير طفل.

تمت

إهداء من الكاتبة أسما السيد

إلى كل شخص لاحظ شيئًا غير طبيعي ولم يسمح لأحد أن يقنعه بأنه يتخيل…

وإلى كل من يعمل مع الأطفال ويعرف أن الطفل قد لا يستطيع أن يحكي ما يحدث له، لكن جسده أحيانًا يصرخ بالحقيقة.

وإلى كل أم وأب: الحب ليس مجرد دموع وخوف وكلمات، بل حماية ومسؤولية وحضور.

وفي النهاية…

لا تتجاهلوا التفاصيل الصغيرة، فقد تكون أحيانًا هي الشيء الوحيد الذي يقف بين طفل وبين الخطر.

 الكاتبة: أسما السيد

ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن من الكاتبة أسما السيد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى