روايات وقصص

انهيار حكايات اسما السيد

فتح ابني خرطوم الميه قدام الجيران ! ومراته كانت واقفة بتصور بالموبايل وهي بتضحك… لكن في اللحظة اللي وقعت فيها على ركبتي من قوة الميه، افتكرت بند صغير في الورق اللي هو وقّع عليه من غير ما يهتم يقراه… — طالما ريحتي مقرفاك أوي كده… اغسلني إنت قدام الناس كلها.

 

قلت الجملة لابني وأنا موجوع منه، لكن عمري ما تخيلت إنه فعلًا هيمسك الخرطوم ويفتحه عليّا.

أنا راجل عندي تمانية وستين سنة، قضيت تلاتة وأربعين سنة من عمري شغال في مجزر حكومي.

شغلي ماكانش شغل مكاتب، ولا بدل وكرڤتات، ولا قمصان مكوية.

إيديا كانت ريحتها لحمة، وكلور رخيص، وبرد الفجر، وتعب السنين.

لكن بالإيدين دول ربيت ابني الوحيد.

لما مراتي ماتت، كنت فاكر إن ابني هيبقى سندي وملجأي في آخر العمر.

أنا اللي تعبت علشانه عشان ما يشيلش صناديق تقيلة زيي، وما يرجعش آخر اليوم ضهره مكسور من الشغل.

دخلته الجامعة.

دفعتله مصاريف كورسات.

جبتله بدل وكتب.

وحتى أول عربية ركبها في حياته، أنا اللي دفعت تمنها.

وفعلًا نجح.

اشتغل في منصب كبير في شركة تمويل، واتجوز واحدة شيك جدًا، دايمًا متعطرة وبتبتسم.

من النوع اللي ممكن يقولك: — بعد إذنك.

وفي نفس الوقت تحس إن نظرتها لوحدها بتجرح.

في يوم إجازة، ابني جه بيتي ووشه كله قلق.

قعد في مطبخي، في نفس المكان اللي كان بيقعد فيه وهو صغير، وقال:

— بابا، أنا محتاج مساعدتك… قدامي فرصة مش هتتكرر.

حكالي عن فيلا كبيرة في كومباوند راقي.

جنينة واسعة، سقف عالي، أرضيات رخام، وأمن على البوابات.

وقال إنهم لو دفعوا المقدم خلال أسبوع، البيت هيبقى بتاعهم.

سألته:

— محتاج كام؟

قال الرقم…

وكان مبلغ ضخم جدًا.

وبعدين كمل بسرعة:

— أنا عارف إن معاك مكافأة نهاية الخدمة وتحويشة عمرك وفلوس الأرض اللي بعتها… بس ماتعتبرهاش فلوس راحت. إنت هتيجي تعيش معانا. هيبقى ليك أوضة كبيرة في الدور الأرضي، وعمرك ما هتعيش لوحدك تاني.

ومسك إيديا…

نفس الإيدين المشققة اللي مراته كانت دايمًا بتتجنب حتى تبص لها.

وقال:

— أقسم لك… البيت ده هيبقى بيتك زي ما هو بيتي.

القسم ده ضعفني.

تاني يوم رحت البنك، وسحبت تقريبًا كل الفلوس اللي كنت شايلها لآخر عمري.

وفوق ده كله، الشركة طلبت إني أمضي بصفتي الطرف الأساسي في بعض إجراءات التمويل، لأن إمكانيات ابني لوحده ماكانتش كفاية.

هو طمّني وقال:

— دي مجرد إجراءات يا بابا… ورق روتيني بتاع بنوك.

وأنا…

مضيت.

ماكنتش أعرف وقتها إن الورق ده نفسه هيبقى آخر درع يحميني يوم ما ابني يبطل يشوفني أبوه.

في الأول، البيت كان عامل زي الحلم.

حيطان بيضا، شبابيك ضخمة، مطبخ بيلمع، وجنينة كأنها طالعة من مجلة.

لكن الأوضة الكبيرة اللي ابني وعدني بيها؟

ماشفتهاش.

حطوني في أوضة صغيرة جنب مكان الغسيل والخدمات.

مراته قالتلي بابتسامتها الباردة:

— ماتزعلش… إحنا شايفين إن المكان ده هيوفرلك خصوصية أكتر.

وافقت.

أنا طول عمري كنت بوافق.

كنت بصحى بدري، أكنس الحوش، أسقي الزرع، وأحاول على قد ما أقدر ما أكونش حمل عليهم.

لكن بعد فترة…

بدأت القوانين.

ممنوع أقعد في الصالون لما صحاب مراته ييجوا.

ممنوع أعمل أكل ريحته قوية عشان “الستاير بتمسك فيها الريحة”.

ممنوع أغسل هدومي في غسالتهم، لأنها قالت إن ريحة شغلي القديمة “بتلزق في الغسالة”.

وبعدها طلبت مني آكل في أوضتي…

عشان ما أبهدلش كراسي السفرة.

وفي ليلة، خرجت أشرب ميه، وسمعت مرات ابني بتكلمه في المطبخ.

قالتله:

— أبوك مهما استحمى ريحته مش بتروح. صحابي لما بييجوا مش عايزة يشوفوه ماشي في البيت… شكله بيحرجنا.

وقفت في الطرقة.

ماكنتش مستني منها حاجة.

كنت مستني ابني هو اللي يرد.

لكنه تنهد وقال:

— خلاص… هتكلم معاه بكرة.

تاني يوم جه ومعاه صابونة طبية لونها أزرق، ومدهالي.

— بابا… معلش، استحمى مرتين في اليوم. مراتي بتقول إن الريحة قوية.

استحميت.

مرة واتنين.

فضلت أفرك جلدي لحد ما احمر.

غسلت دراعاتي ورقبتي وإيديا…

لكن محدش يقدر يمسح تلاتة وأربعين سنة من الشغل بالحلال بصابونة اتجابت علشان تهينه.

أسوأ حاجة حصلت لما ابني عمل عزومة كبيرة لناس مهمة من شغله.

مراته قررت إني ماينفعش أفضل جوه البيت.

قالتلي وهي بتديني بطانية:

— الناس اللي جايين مستواهم مختلف… وإنت هترتاح أكتر في أوضة العِدّة اللي في الجنينة.

بصيت ناحية الأوضة.

كانت مخزن صغير.

سماد، ماكينة قديمة، مكانس، جردلين وسرير بيتفتح ويتقفل.

نمت هناك الليلة دي.

وبعدين ليلة تانية.

وبعدين…

بقت ليالي كتير.

لحد صباح شتوي شديد البرد.

كنت بردان لدرجة إن عضمي نفسه كان بيوجعني.

الجاكيت التقيل بتاعي كان لسه في دولاب أوضتي القديمة، فدخلت البيت بهدوء عشان آخده.

كنت فاكر إنهم نايمين.

لكن مرات ابني شافتني.

صرخت كأنها شافت حرامي:

— أنا مش قلتلك ماتدخلش من هنا؟! إنت كده هتخلي ريحة البيت كله وحشة!

ابني نزل من على السلم وهو متعصب.

— بابا! إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده!

بصيتله وقلت:

— أنا داخل أجيب الجاكيت بس يا ابني… الجو ساقعة جدًا في المخزن.

مراته حطت منديل على مناخيرها وقالت:

— الريحة لا تُطاق… طلّعه بره قبل ما البيت كله يمسك فيه الريحة.

ابني مسكني من دراعي.

مسكة قوية.

ماكنتش مسكة ابن لأبوه…

كانت مسكة واحد بيشيل حاجة تقيلة من طريقه.

وقال:

— اطلع بره.

بصيتله وأنا مش مصدق.

— فكر كويس إنت بتعمل إيه.

زقني ناحية الجنينة.

رجلي غرست في الطين.

وبعدين راح ناحية خرطوم الميه…

وفرده.

قلتله وأنا شايف الغضب في عينيه:

— طالما ريحتي مقرفاك أوي… اغسلني إنت قدام الناس كلها.

وفجأة فتح الميه.

الدفعة الساقعة ضربتني في صدري.

نفسي اتقطع.

ووقعت على ركبتي.

الجيران بدأوا يفتحوا الشبابيك ويطلعوا البلكونات يشوفوا إيه اللي بيحصل.

ومراته؟

طلعت الموبايل.

وبدأت تصور وهي بتضحك.

أما ابني فرفع صوته قدام الناس كلها وقال:

— يمكن كده ريحة الزبالة تروح منك!

رفعت عيني وبصيتله.

كنت غرقان ميه.

جسمي بيرتعش.

والطين ماسك في هدومي.

لكن الغريب…

إن في اللحظة دي بالذات، خوفي اختفى.

لأني افتكرت حاجة.

افتكرت الورق اللي مضينا عليه يوم شراء البيت.

وافتكرت البند اللي الموظف أصر وقتها إنه يشرحهولي بالتفصيل…

البند اللي ابني كان مشغول وقتها في موبايله، فمد إيده ووقّع من غير حتى ما يقراه.

وقتها…

مسحت الميه من على وشي.

وبصيت لابني وهو لسه ماسك الخرطوم.

ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده…

ابتسمت.

لأن ابني كان فاكر إنه بيطرد راجل عجوز من بيته.

لكن اللي ماكانش يعرفه…

إن الورق اللي وقّع عليه كان بيقول حاجة تانية خالص.

والبيت اللي كان بيهيني فيه قدام الجيران… ماكانش ملكه بالطريقة اللي هو فاكرها.

شكرًا إنكم كملتوا معايا لحد هنا 🙌📖

الحكاية لسه في بدايتها… والجزء الجاي موجود في التعليقات 👇🔥

ولو مش ظاهر عندك، دوس على «عرض كل التعليقات» 💬✨

سيبوا لايك ❤️ وكومنت 💬 واكتبولي توقعاتكم إيه هو السر، وهرد عليكم في التعليقات 👇

ومتنسوش المتابعة عشان تكملوا باقي القصة ❤️

✍️ الكاتبة: أسما السيد

الفصل الثاني: البند اللي قلب البيت على أصحابه

فضلت راكع في الطين ثواني…

الميه الساقعة بتنزل من شعري على وشي، وهدومي لازقة في جسمي، وركبي مش قادرين يشيلوني.

لكن ابتسامتي ما راحتش.

ابني قفل الخرطوم وبصلي باستغراب.

— إنت بتضحك على إيه؟

مراته كانت لسه ماسكة الموبايل وبتصور.

وقالت وهي بتقهقه:

— سيبه… شكله البرد أثر على دماغه.

بصيت لها.

وبعدين بصيت لابني.

وقلت بهدوء:

— لا يا ابني… أنا بس افتكرت حاجة كنت ناسيها.

اتنرفز أكتر.

— افتكرت إيه؟

حاولت أقف.

إيدي غرست في الطين، لكن جارنا الحاج سامح كان خرج من بيته بعد ما شاف اللي حصل.

قرب مني بسرعة وسندني.

— بالراحة يا عم حسين… إنت كويس؟

هزيت راسي.

ومن الناحية التانية، ست كبيرة من الجيران صرخت:

— حرام عليك يا ابني! ده أبوك!

ابني اتكسف من تجمع الناس، لكن بدل ما يراجع نفسه، صرخ:

— محدش يتدخل! دي مشاكل عائلية!

ضحكت ضحكة صغيرة.

— عائلية؟

وبصيت حواليّا للجيران.

— ما هو إنت اللي اخترت تخليها قدام الناس.

وشه احمر.

مراته نزلت الموبايل للحظة وقالت:

— خلاص بقى… ادخل المخزن وبدّل هدومك بدل المنظر ده.

بصيت لها طويل.

لأول مرة…

ما حسيتش إني ضيف تقيل.

ولا راجل عجوز مستني رضاهم.

قلت:

— المخزن؟

وسكت لحظة.

— أنا مش هدخل المخزن تاني.

ابني قرب مني.

— أمال هتدخل فين؟

رفعت عيني ناحية الفيلا.

— بيتي.

ضحكت مراته بصوت عالي.

— بيتك؟!

وبصت لجوزها.

— هو باباك نسي إن البيت باسمنا ولا إيه؟

ابني نفسه ابتسم بسخرية.

— بابا، لو سمحت بلاش مشاكل. البيت ده أنا اللي شاريه وأنا اللي…

قاطعته:

— إنت دفعت كام من مقدم البيت؟

سكت.

قلت:

— قول قدام الناس.

مراته تدخلت:

— وإيه علاقة ده بالموضوع؟

— له علاقة كبيرة.

بصيت لابني.

— أنا دفعت تقريبًا تحويشة عمري كلها. وإنت ماكانش معاك تكمل التمويل أصلًا.

قال بعصبية:

— بس أنا اللي بسدد الأقساط!

— صحيح.

هزيت راسي.

— وعلشان كده الموظف خلاك تمضي.

ملامحه اتغيرت.

لأول مرة، شفت القلق يدخل عينيه.

— أمضي على إيه؟

ابتسامتي رجعت.

— أهو ده السؤال اللي كان لازم تسأله قبل ما تمضي.

مراته قربت منه.

— هو بيتكلم عن إيه؟

ابني قال بسرعة:

— ولا حاجة. ورق البنك القديم.

قلت:

— لأ… مش ولا حاجة.

وبصيتله في عينه.

— فاكر يوم التوقيع؟ الموظف قالك: “اقرأ البند ده كويس يا أستاذ شريف.”

حرك ابني عينيه كأنه بيحاول يفتكر.

كملت:

— وإنت كنت بترد على مكالمة شغل، ومديت إيدك وقلت: “هات بس أمضي، أنا واثق في أبويا.”

سكت.

الجملة نفسها…

رجعتله.

وشفت ده في عينيه.

قلت:

— وأنا وقتها قريت.

مراته قالت بعصبية:

— قريت إيه؟!

بصيت لها.

— إن الفلوس اللي دفعتها ما اتسجلتش هدية لابني.

ابتسامتها اختفت.

— أمال اتسجلت إيه؟

— مساهمة ملكية.

ابني اتجمد.

قلت:

— والعقد التكميلي اللي وقعنا عليه بيثبت حقي في البيت بنسبة المساهمة، وكمان حقي في الانتفاع والسكن مدى حياتي، وماينفعش يتمنع دخولي أو استخدامي للأجزاء الأساسية من البيت.

فتح بقه…

لكن ماطلعش صوت.

مراته هزت راسها بسرعة.

— مستحيل! البيت باسم شريف!

قلت:

— الاسم لوحده مش كل حاجة يا بنتي.

وبعدين وجهت كلامي لابني:

— والأهم… فاكر البند اللي الموظف فضّل يشرحهولي؟

وشه بدأ يشحب.

— بند إيه؟

قربت منه خطوة.

— البند اللي بيقول إن أي محاولة لمنعي من حقي في السكن، أو طردي، أو التصرف في البيت بما يضر بحقي، تخليني أقدر أطالب بتفعيل حقوقي المالية والقانونية المثبتة في الاتفاق.

مراته صرخت:

— يعني إيه الكلام ده؟!

قلت:

— يعني قبل ما تضحكي وإنتِ بتصوري راجل عنده تمانية وستين سنة وهو بيتغسل بخرطوم في عز البرد… كان المفروض تعرفي هو مين في الورق اللي اشترى البيت ده.

ابني قرب مني وقال بصوت واطي:

— بابا… إنت بتهددني؟

هنا قلبي وجعني.

مش من الميه.

ولا من البرد.

من كلمة “بتهددني”.

قلت:

— أنا هددتك إمتى يا شريف؟

وبصيتله في عينه.

— لما بعت الأرض علشانك؟

— لما سحبت تحويشة عمري؟

— لما قبلت أنام جنب الغسالة؟

— لما نمت في مخزن العِدّة؟

— ولا لما فركت جلدي كل يوم علشان مراتك ما تتضايقش من ريحة أبوك؟

سكت.

حتى الجيران سكتوا.

قلت:

— أنا ما هددتكش يا ابني.

وبصيت للخرطوم اللي في إيده.

— إنت اللي النهارده فهمتني إن أبوّتي ليك انتهت عند أول باب كومباوند.

ورجعت ناحية المخزن.

مراته صرخت:

— رايح فين؟

وقفت.

— أغير هدومي.

ابتسمت بسخرية خفيفة.

— عندي مشوار مهم.

دخلت المخزن.

قفلت الباب.

وأول ما بقيت لوحدي…

جسمي كله بدأ يرتعش.

قعدت على طرف السرير الحديد.

وبصيت لإيديا.

افتكرت شريف وهو عنده ست سنين، لما جاله التهاب شديد وأنا فضلت شايله طول الليل في المستشفى.

افتكرته يوم نتيجة الثانوية لما حضني وقال:

— أنا نجحت علشانك يا بابا.

افتكرته يوم فرحه لما باس راسي قدام الناس.

فين راح الولد ده؟

إمتى بقى شايف أبوه فضيحة؟

نزلت دمعة من عيني.

مسحتها بسرعة.

وقلت لنفسي:

— كفاية.

فتحت شنطة قديمة تحت السرير.

طلعت منها قميص نضيف، بنطلون، وجاكيت احتياطي.

وفي قاع الشنطة…

كان فيه ملف بني.

الملف اللي ما فتحتوش من يوم شراء الفيلا.

مسكته.

وخرجت.

لقيت شريف واقف مستنيني.

مراته وراه.

قال:

— بابا، تعالى نتكلم جوه.

بصيتله.

— دلوقتي بقيت أدخل جوه؟

اتلخبط.

— أنا كنت متعصب.

— والخرطوم؟

— غلطة.

— والمخزن؟

سكت.

— والسنين اللي فاتت؟

ما ردش.

مراته قالت:

— حضرتك بتكبر الموضوع جدًا.

لفيت ناحيتها.

— الموبايل لسه معاكي؟

اتوترت.

— آه… ليه؟

— الفيديو اللي صورتيه ماتمسحيهوش.

شهقت.

شريف قال:

— بابا!

قلت:

— خليه موجود.

وسبتهم ومشيت.

بعد ساعتين…

كنت قاعد قدام مكتب أستاذ عادل، المحامي اللي كان حاضر جزء من إجراءات شراء الفيلا.

فتح الملف.

لبس نضارته.

وقرأ الورق واحدة واحدة.

وبعدين رفع عينه ليا.

— هو عمل فيك كده فعلًا؟

حكيتله كل حاجة.

الأوضة الصغيرة.

الأكل لوحدي.

المخزن.

البرد.

والخرطوم.

سكت فترة.

وبعدين قال:

— فيه شهود؟

— نص الشارع شاف.

— وتصوير؟

ضحكت بمرارة.

— مراته كانت بتصور بنفسها.

رجع بضهره للكرسي.

— كويس.

قلت باستغراب:

— كويس؟

قال:

— قصدي كويس إن فيه إثبات. مش كويس اللي حصل.

وبعدين حط إيده على الورق.

— بص يا عم حسين، حقوقك في الاتفاق واضحة، لكن مش هنعمل حاجة بتهور. كل خطوة لازم تبقى قانونية ومثبتة.

قلت:

— أنا مش عايز أظلمه.

رفع حاجبه.

— بعد كل ده؟

قلت:

— هو ابني.

وبعدين كملت:

— بس مش هسيبه يظلمني.

هز راسه.

— دي جملة مختلفة تمامًا.

وسحب ورقة.

— أول حاجة هنبعت إخطار رسمي يحفظ حقك ويمنع أي محاولة للتصرف في البيت بما يضر بحقوقك لحد ما الموضوع يتحسم.

سألته:

— ولو حاول يبيع؟

ابتسم.

— مش بسهولة زي ما هو متخيل.

في نفس الليلة…

موبايل شريف رن.

كان في المكتب بتاعه في الشركة.

رد.

— ألو؟

الصوت على الناحية التانية قال:

— أستاذ شريف؟ مع حضرتك مكتب الأستاذ عادل منصور للمحاماة. تم إرسال إخطار رسمي بخصوص العقار…

شريف وقف من كرسيه.

— عقار إيه؟

وبعد أقل من عشر دقايق…

مراته كانت بتكلمني.

سبعتاشر مكالمة.

ما رديتش.

وبعدين رسالة:

“إنت عايز تخرب بيت ابنك؟”

بصيت للرسالة.

وما رديتش.

جت رسالة تانية:

“إحنا كنا بنهزر الصبح!”

هنا ضحكت.

الهزار.

كلمة غريبة.

لما الإهانة ماتكونش ليك، بتبقى هزار.

لما تكون إنت اللي واقع في الطين، بتبقى كرامة.

تاني يوم الصبح، رجعت الفيلا.

مش لوحدي.

كان معايا المحامي.

وأحد الموظفين المختصين بتسليم الإخطار.

وأول ما شريف فتح الباب وشافنا…

وشه وقع.

— بابا… إنت بتعمل إيه؟

قلت:

— بدخل بيتي.

مراته ظهرت وراه.

— مش هيدخل!

المحامي قال بهدوء:

— أنصح حضرتك ماتمنعيش دخوله قبل ما تقري المستندات.

قالت:

— أنا مش فاهمة! هو عايز ياخد البيت مننا؟!

بصيت لها.

— أنا ماجتش آخد حاجة مش بتاعتي.

دخلت.

مشيت في الصالة اللي كنت ممنوع أقعد فيها.

عديت جنب السفرة اللي كنت ممنوع آكل عليها.

وقفت قدام السلم.

وبعدين بصيت لشريف.

— الأوضة الكبيرة اللي وعدتني بيها يوم ما أخدت فلوسي… فين؟

سكت.

مراته قالت:

— دي أوضة الضيوف.

قلت:

— من النهارده مش هنام في المخزن.

شريف قال:

— حاضر يا بابا… خلاص.

بصيتله.

— لأ.

اتصدم.

— لأ إيه؟

— أنا مش راجع أعيش معاكم.

سكتوا.

قلت:

— أنا راجع آخد حاجتي.

مراته اتنهدت براحة.

— الحمد لله.

المحامي بص لها.

وقال:

— ماتستعجليش.

اختفت الراحة من وشها.

كمل:

— عم حسين قرر يطالب بحقه المالي في العقار وفق الاتفاق، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

شريف قال:

— يعني إيه؟

قلت:

— يعني أنا عايز فلوس عمري ترجعلي بالطريقة القانونية اللي يحددها الاتفاق والقانون.

— وأنا أجيبلك المبلغ ده منين؟!

نفس السؤال…

اللي سألتهوله يوم ما جه يطلب مني تحويشة عمري.

بصيتله.

وقلت:

— مش عارف يا ابني.

وسكت لحظة.

— أنا لما احتجت مكان أنام فيه، إنت جبتلي مخزن.

— ولما احتجت جاكيت، رميتني في الطين.

— ولما احتجت منك كلمة تحميني بيها من مراتك، جبتلي صابونة.

قرب مني.

وصوته اتهز.

— بابا… أرجوك.

كانت أول مرة من سنين أسمعه يقولها بالطريقة دي.

أرجوك.

لكن الغريب…

إني ما فرحتش.

حسيت بس بحزن.

قلت:

— أنا كنت محتاج الكلمة دي منك قبل الخرطوم.

عدت أيام.

وبدأت الحقيقة تظهر.

شريف كان عايش فوق إمكانياته بكتير.

العربية بالقسط.

أثاث الفيلا بالقسط.

بطاقات ائتمان.

رحلات.

مطاعم.

حفلات.

وصورة اجتماعية لازم تفضل لامعة مهما كان تمنها.

والفيلا؟

كانت أهم جزء من الصورة دي.

لما الإجراءات القانونية بدأت، اضطر هو ومراته يراجعوا حساباتهم.

وفجأة…

بقى فيه كلام عن بيع العربية التانية.

وإلغاء السفرية.

وتقليل المصاريف.

مراته ما استحملتش.

سمعت بعد كده إنها قالتله:

— كل ده بسبب أبوك!

لكنه لأول مرة رد عليها:

— لأ.

سكتت.

قال:

— بسببنا.

كانت أول مرة يعترف.

لكن الاعتراف جه متأخر.

بعد حوالي شهر…

كنت قاعد في شقة صغيرة مأجرها مؤقتًا.

الشقة ماكانتش فيها رخام.

ولا جنينة.

ولا أمن على البوابة.

لكن وأنا قاعد فيها، كنت بشرب الشاي في الصالة.

مش في المخزن.

بعمل الأكل اللي أحبه.

بغسل هدومي وقت ما أحب.

وبفتح الشباك من غير ما حد يقولي:

“الناس هتشوفك.”

خبط الباب.

فتحت.

لقيت شريف.

لوحده.

دقنه طالعة.

وشه مرهق.

وفي إيده كيس صغير.

قلت:

— خير؟

قال:

— ممكن أدخل؟

بعد لحظة…

فتحتله.

دخل وقعد.

فضل ساكت.

وبعدين حط الكيس قدامي.

فتحته.

لقيت جواه الصابونة الزرقا.

بصيتله.

قال:

— لقيتها في الحمام.

ما اتكلمتش.

دموعه لمعت.

— كل ما أبص لها بحس إني عايز أضرب نفسي.

قلت:

— ماتضربش نفسك.

رفع عينه.

قلت:

— افتكر بس.

سكت شوية.

وبعدين قال:

— أنا بقيت شخص وحش يا بابا؟

السؤال وجعني.

قعدت قدامه.

— إنت عملت حاجات وحشة.

— فيه فرق؟

— فيه.

بصلي.

قلت:

— الشخص ممكن يغلط ويرجع. لكن لو فضل يبرر غلطه… ساعتها الغلط بيبقى طبع.

بدأ يعيط.

— سامحني.

غمضت عيني.

كم مرة حلمت بالكلمة دي؟

لكن المسامحة مش زرار.

قلت:

— أنا ممكن أسامحك يومًا ما.

رفع راسه بسرعة.

— بس؟

— بس مش هرجع زي الأول.

نزل عينه.

قلت:

— لأن أبوك اللي كان بيديك كل حاجة من غير حساب… إنت غسلته بخرطوم قدام الناس.

سكت.

وبعدين قلت:

— اللي خرج من الجنينة اليوم ده مش هو نفس الراجل اللي دخلها.

قام شريف.

وقبل ما يمشي قال:

— أنا هصلح اللي عملته.

قلت:

— ماتصلحوش بالكلام.

وبالفعل…

بعد فترة، حصل اتفاق قانوني حفظ حقي المالي كاملًا بالطريقة اللي اتفق عليها المحامون والأطراف، واضطر شريف يعيد ترتيب حياته ومصاريفه علشان ينفذ التزاماته.

ما أخدتش منه أكتر من حقي.

وما طلبتش أرميه في الشارع.

لأن الفرق بيني وبينه…

إني لما قدرت أوجعه، اخترت العدل.

مش الإهانة.

اشتريت شقة متوسطة في حي هادي.

مش فيلا.

لكن أول ليلة نمت فيها هناك…

قمت الفجر.

عملت كوباية شاي.

ووقفت في البلكونة.

بصيت لإيديا.

نفس التشققات.

نفس الخشونة.

وقربت إيدي من وشي.

كانت فيها ريحة صابون…

وشاي…

وذكريات شغل عمر كامل.

ابتسمت.

لأن لأول مرة فهمت إن الريحة اللي ابني كان مكسوف منها…

كانت ريحة اللقمة الحلال اللي ربّته.

بعد شهور، شريف بدأ يزورني.

في الأول مرة كل أسبوعين.

وبعدين كل جمعة.

كان يجيب الفطار ويقعد معايا.

ما رجعناش أب وابنه زي زمان بسرعة.

الثقة لما بتتكسر…

بتتصلح حتة حتة.

أما مراته، فما رجعتش علاقتي بيها زي الأول.

وأنا ما طلبتش ده.

كل اللي طلبته كان الاحترام.

وفي يوم، شريف كان قاعد عندي، وبنته الصغيرة دخلت تجري من البلكونة.

كانت ماسكة إيدي وبتلعب في صوابعي الخشنة.

وفجأة قالت:

— جدو… إيدك خشنة ليه؟

قبل ما أرد…

شريف قال:

— علشان جدك اشتغل بيها عمر كامل عشان يربيني.

بصيتله.

كمل وهو باصص لبنته:

— الإيد دي عمرها ما كانت حاجة نتكسف منها.

وسكت لحظة.

— دي إيد تتباس.

ومسك إيدي…

وباسها.

ما قلتش حاجة.

بس دموعي نزلت.

لأن بعض الاعتذارات…

بتوصل متأخر.

لكن لما تكون حقيقية…

ممكن تداوي جزء من جرح افتكرنا إنه عمره ما هيلتئم.

ومن يومها اتعلمت حاجة واحدة:

اللي يدي أولاده عمره كله، ماينفعش يديهم كرامته كمان.

الفلوس ممكن تتعوض.

والبيوت ممكن تتباع وتتشرى.

لكن كرامة الإنسان لما يسمح لحد يدوس عليها مرة…

ممكن يفضل طول عمره بيحاول يقوم من الطين.

وأنا؟

قومت.

مش علشان البند اللي في العقد كان في صفي…

لكن علشان في اليوم اللي ابني فتح عليّا خرطوم الميه…

أنا أخيرًا قفلت باب الذل.

تمت

الكاتبة: أسما السيد

 ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن الكاتبة أسما السيد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى