روايات وقصص

ما خفي كان اعظم حكايات اسما السيد 2

فضلت واقفة في طرقة البيت، والموبايل في إيدي، وأنا بقرأ نفس السطر للمرة الرابعة. نصيبها في بيت أبويا وأمي. رجعت أبص على العقد. المبلغ كان ضخم. أكبر بكتير من أي مبلغ ممكن أختي تحتاجه. وفي أسفل كل صفحة تقريبًا…

 

توقيعها.

دخلت أوضتها بهدوء.

كانت قاعدة على السرير، ضامة رجليها لصدرها رغم بطنها اللي بدأ يكبر.

أول ما شافت وشي، فهمت.

قالت:

— بعتلك العقد؟

قفلت الباب.

— إنتِ عارفة؟

هزت راسها.

قعدت جنبها.

— أخدتي قرض بالمبلغ ده ليه؟

دموعها بدأت تنزل.

— أنا ما أخدتش حاجة.

— لكن توقيعك موجود.

— هو اللي خلاني أمضي.

— إزاي؟

مسحت دموعها.

— من حوالي ست شهور جابلي ورق وقال إنه خاص بتأسيس شركة جديدة وإنه محتاج توقيعي لأننا متجوزين.

سكتت.

— أنا ما قريتش.

حطت إيديها على وشها.

— كنت بثق فيه.

قلت:

— والبيت؟

— معرفتش غير بعدها.

— ولما عرفتي؟

بصتلي.

— كانت أول مرة أحاول أسيبه.

فهمت فجأة.

الشنطة اللي خبتها عند صاحبتها.

محاولة الهروب.

العنف اللي زاد.

كل ده حصل بعد ما اكتشفت العقد.

سألتها:

— هو هددك بالبيت؟

— قال لو مشيت، البنك هياخده من بابا وماما.

بدأت تبكي.

— وقال إن بابا ممكن يدخل في قضايا بسببي.

مسكت إيديها.

— بصيلي.

رفعت عينيها.

— إنتِ مش مسؤولة عن اللي هو عمله.

— بس أنا مضيت.

— والتوقيع لو تم بالخداع أو تحت ضغط، ده شيء لازم يتراجع قانونيًا. إحنا مش هنفترض إن كلامه عن العقد والبيت صحيح لمجرد إنه قاله.

همست:

— ولو كان صحيح؟

— ساعتها نتعامل مع المشكلة.

مسكت إيدها أكتر.

— البيت يتعوض.

بصتلي بصدمة.

قلت:

— الفلوس تتعوض. العربية تتباع. أي حاجة مادية تتعوض.

حطيت إيدي على بطنها.

— إنتِ والبيبي لأ.

بدأت تعيط.

وبعد لحظة…

رمت نفسها في حضني.

الصبح، اتحركنا بهدوء.

ما رحناش له.

وما اتصلناش بيه علشان نهدده.

الأولوية كانت إن أختي تبقى في مكان آمن، وإنها تتلقى رعاية طبية بسبب الحمل والكدمات، وإن كل خطوة بعدها تتم بمساعدة مختصين.

أبويا كان عايز يروحله بنفسه.

قال:

— أنا مش قادر أقعد وهو عامل فيها كده!

لكن أختي مسكت إيده.

— لو بتحبني… متروحش.

وقف.

بص لها طويلًا.

وبعدين حضنها.

— حاضر.

كانت دي أول مرة من بداية الأزمة أشوفها تطلب حاجة بصوت واضح…

ويتم احترام طلبها.

بعد الفحص الطبي، خرجت أختي وهي ماسكة صورة صغيرة.

صورة البيبي.

فضلت باصة لها.

سألتها:

— كويس؟

ابتسمت وسط دموعها.

— الحمد لله.

حضنتها.

لكن كان قدامنا مشوار طويل.

بمساعدة قانونية متخصصة، بدأنا نفهم الأوراق بدل ما نعتمد على تهديداته.

والمفاجأة الأولى ظهرت بسرعة.

القرض كان حقيقيًا…

لكن القصة اللي حكاها لأختي ماكانتش كاملة.

الأوراق فيها تناقضات.

وتحويلات المبلغ ما راحتش لحسابها أصلًا.

كانت الأموال اتنقلت لحساب شركة مرتبطة بشغل جوزها.

والأخطر…

إن فيه مستندات إضافية ماكنتش أختي فاكرة إنها وقعتها أصلًا.

قلت للمحامي:

— يعني ممكن يكون خد توقيعها على ورق مختلف؟

رد:

— ما نستبقش النتيجة. لكن فيه حاجات تستحق التحقيق.

لأول مرة…

الخوف بدأ يتحول لحاجة تانية.

دليل.

أما التسجيل اللي عملته عند حمام السباحة…

فكنت متوقعة يكون فيه مجرد كلام سخيف منه.

لكن لما سمعناه بهدوء، اكتشفنا حاجة.

بعد ما دخلت البيت مع أمي، الموبايل فضل بيسجل على الترابيزة.

سمعنا أصوات الناس.

ضحك.

كوبايات.

وبعدين صوت جوز أختي وهو بيتكلم مع واحد من أصحابه.

الصوت كان منخفض.

لكن واضح.

قال صاحبه:

— مراتك شكلها مش مبسوطة.

ضحك جوزها.

— هتتظبط لما نرجع.

وبعدين قال جملة خلت أختي تقفل عينيها:

— هي عارفة كويس إن لو فتحت بقها، أهلها هما اللي هيدفعوا.

سكتنا.

التسجيل ماكانش كل القضية.

لكنه كان قطعة جديدة من الصورة.

وأختي…

لأول مرة…

سمعت تهديده بصوت مسجل بدل ما يكون مجرد ذكرى تحاول تقنع نفسها إنها فهمتها غلط.

قالت:

— طول الوقت كان بيقولي إني بتخيل.

بصيتلها.

— دلوقتي مش محتاجة تقنعي حد بحاجة لوحدك.

مرت أيام.

هو اتصل عشرات المرات.

مرة يعتذر.

مرة يبكي.

مرة يقول إنه بيحبها.

مرة يتهمني إني خربت بيته.

مرة يطلب يكلمها “خمس دقايق بس”.

وبعدين رجعت التهديدات.

“هتندمي.”

“أهلك مش هيقدروا يساعدوكي.”

“إنتِ من غيري ولا حاجة.”

احتفظنا بكل حاجة.

لكن أكتر رسالة أثرت في أختي كانت مختلفة.

كتب:

“أنا مسامحك. ارجعي البيت ونبدأ من جديد.”

قرتها.

وسكتت.

سألتها:

— إنتِ كويسة؟

قالت:

— عارفة الغريب إيه؟

— إيه؟

رفعت الموبايل.

— إنه لسه مقتنع إن أنا اللي محتاجة مسامحته.

وبعدين…

مسحت الرسالة من على الشاشة، بعد ما احتفظنا بنسخة منها.

وقالت:

— مش راجعة.

كانت جملة بسيطة.

لكن بالنسبة لها…

كانت ثورة كاملة.

بعد أسابيع، بدأت الإجراءات القانونية تأخذ مسارها.

التحقيق في المستندات كشف مشاكل جدية في طريقة إعدادها واستخدامها، وبدأت الجهات المختصة تراجع التحويلات والتوقيعات والتهديدات والرسائل.

ماكانش فيه مشهد سينمائي اتحلت فيه الدنيا في خمس دقايق.

ولا بطل ظهر وأنقذنا.

كان فيه محامين.

مواعيد.

أوراق.

خوف.

ليالي أختي تصحى فيها مفزوعة.

وأيام تقول فيها:

— يمكن أرجعله وخلاص.

وفي كل مرة كنت أقول:

— القرار قرارك. بس قبل ما تقرري، افتكري السبب اللي خلاكي تطلبي مني أخرجك.

وبالتدريج…

بدأت ترجع.

مش له.

لنفسها.

رجعت تضحك.

رجعت تمسك موبايلها من غير ما تخاف مين هيشوفه.

رجعت تختار هدومها.

رجعت تتصل بصاحباتها.

وبدأت تخطط إنها ترجع لشغلها بعد الولادة لما تكون جاهزة.

أشياء بسيطة جدًا.

لكنها بالنسبة لواحدة عاشت فترة طويلة وهي بتستأذن علشان تتنفس…

كانت حرية.

أما جوزها…

فأكتر حاجة جننته إن أختي بطلت ترد.

لأن النوع ده من الناس ممكن يستحمل الغضب.

يستحمل الشتيمة.

حتى المواجهة.

لكن أصعب حاجة عليه…

إن الشخص اللي كان بيتحكم فيه يبطل يدور في مداره.

وفي يوم، وصلنا خبر إن التحقيق في التعاملات المالية اتوسع.

ظهر إن الشركة اللي اتحولت لها أموال القرض كانت جزءًا من مشاكل مالية أكبر.

شركاء.

ديون.

وعقود مش سليمة.

وقتها فهمنا إن أختي ماكانتش زوجة بالنسبة له وبس.

كانت اسمًا ممكن يستخدمه.

توقيعًا.

ضمانًا.

وشخصًا عارف إنه يقدر يخوفه لحد ما يسكت.

لكنها ما سكتتش.

مش المرة دي.

بعد شهور، كنا قاعدين كلنا في المستشفى.

أمي بتلف في الطرقة.

أبويا بيقول كل خمس دقايق:

— حد يطمني!

وأنا بضحك رغم توتري.

لحد ما سمعنا صوت بكاء صغير.

بعد شوية دخلت عند أختي.

كانت مرهقة.

شعرها ملزق في جبينها.

وشها شاحب.

لكن عينيها…

ماكنتش شفتها بالشكل ده من سنين.

كانوا هاديين.

حطوا البيبي في حضنها.

فضلت باصة له وكأن العالم كله اختفى.

قربت منها.

همست:

— حاسة بإيه؟

بصتلي.

قالت:

— خايفة.

ابتسمت.

— طبيعي.

هزت راسها.

— بس المرة دي الخوف مختلف.

— إزاي؟

بصت لطفلها.

— زمان كنت بخاف فأعمل اللي هو عايزه.

سكتت.

— دلوقتي بخاف… وبرضه بعمل الصح.

دموعي نزلت.

قلت:

— دي اسمها شجاعة.

ابتسمت.

القضية أخدت وقتها.

وفي النهاية، انتهى زواجهم رسميًا.

أما الملفات المالية وما ارتبط بها من مخالفات، فسارت في طريقها القانوني بعيدًا عن حياتها الجديدة.

ما صحيناش في يوم لقينا كل المشاكل اختفت.

لكن أهم مشكلة انتهت:

هو مبقاش يملك حياتها.

بعد حوالي سنة، كنا في بيت أبويا وأمي.

نفس العيلة تقريبًا.

نفس الجنينة.

نفس حمام السباحة.

لكن المرة دي ماكانش فيه تمثيل إن كل حاجة مثالية.

كان فيه طفل بيضحك.

أمي بتجري وراه.

أبويا بيزعق إن محدش يقرب من الشواية.

وأختي…

كانت قاعدة على طرف حمام السباحة.

لابسة فستان صيفي بسيط.

رجلها باينة.

من غير فوطة.

من غير محاولة تخبي نفسها.

الكدمات اختفت من زمان.

لكن أنا كنت عارفة إن فيه آثار مش بتختفي بنفس السرعة.

قعدت جنبها.

قلت:

— فاكرة اليوم ده؟

ضحكت.

— عمري ما هنساه.

— أنا كمان.

بصت للمية.

وبعدين قالت:

— تعرفي أكتر حاجة فاكرها؟

— إيه؟

— لما الهوا رفع الفوطة.

ضحكت بمرارة.

— وأنا كنت مرعوبة إنك تشوفي.

بصتلي.

— دلوقتي بفكر… الحمد لله إنك شفتي.

سكتنا.

ثم قالت:

— بس فيه حاجة أهم.

— إيه؟

— إنك ماجبرتنّيش أخرج.

استغربت.

كملت:

— إنتِ سألتي وأنا اللي قلت أيوه.

مسكت إيدي.

— كنت محتاجة حد يساعدني… مش حد ياخد قرار مكاني.

حضنتها.

والطفل بدأ يضحك وهو بيرش المية بإيده.

أمي صرخت:

— هتغرقونا!

وضحكنا كلنا.

نفس الصوت القديم.

نفس لمة العيلة.

لكن المرة دي…

ماكنش فيه حد بيضحك علشان يغطي على خوف حد تاني.

بصيت لأختي وهي بترفع ابنها في حضنها.

وافتكرت الفوطة البيضا.

الكدمات.

ابتسامته وهو بيبصلي كأنه بيتحداني:

“شفتي… هتعملي إيه؟”

بعد سنة كاملة…

عرفت الإجابة.

أنا ما أنقذتش أختي.

هي اللي أنقذت نفسها.

أنا بس صدقتها لما قالت إنها خايفة…

ووقفت جنبها لحد ما قدرت تقول:

“كفاية.”

وأحيانًا، الشخص اللي بيتعرض للأذى مش محتاج حد يسأله:

“ليه ما مشيتش من زمان؟”

قد ما محتاج يسمع:

“لما تكوني جاهزة تمشي… مش هتمشي لوحدك.”

تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى