روايات وقصص

دخلت بيت بنتي حكايات اسما السيد 2

خرجت بنتي من البيت وهي ماسكة في إيدي كأنها خايفة حد يشدها ويرجعها تاني.

وأنا؟

أنا كنت ماشية جنبها وجوايا نار.

لكن الغريب إني ماكنتش عايزة أصرخ.

كنت عايزة أعرف.

أعرف أنا إزاي كنت بكلم بنتي كل يوم تقريبًا، ومع ذلك ما فهمتش إنها كانت بتستغيث بيا من غير ما تقول كلمة واحدة.

قبل ما نمشي، واحد من الموجودين سأل بنتي بهدوء:

— حضرتك محتاجة رعاية طبية؟

هزت راسها.

— أنا روحت المستشفى امبارح.

المحامي حسام سألها:

— معاكي التقرير؟

بصت ناحية جوزها.

هو كان واقف عند باب الصالة، وشه متغير تمامًا.

من نص ساعة كان بيتكلم بمنتهى الثقة عن إنه “صاحب الكلمة”.

دلوقتي ماكانش قادر يبص في عين حد.

قال بعصبية:

— مفيش تقرير ولا حاجة، دي وقعت وأنا اللي خدتها المستشفى.

بنتي قالت:

— التقرير في أوضتي.

حماتها جريت بالكلام:

— يا بنتي كفاية فضايح! الناس هتقول علينا إيه؟

بنتي بصتلها.

ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت، شفت في عينيها حاجة غير الخوف.

غضب.

قالت:

— وأنا لما كنت بتضرب… الناس كانت هتقول إيه؟

حماتها سكتت.

جوزها صرخ:

— أنا ما ضربتكيش!

بنتي ضحكت.

ضحكة صغيرة موجوعة.

وقالت:

— أمال نسيت يوم المطبخ؟

وشه اتغير.

أنا قربت منها:

— إيه اللي حصل يوم المطبخ؟

بصتلي وسكتت.

حسام قال:

— مش لازم تحكي كل حاجة هنا. الأهم دلوقتي إنك تبقي في مكان آمن، وتحتفظي بأي تقارير أو رسائل أو صور موجودة عندك.

هزت راسها.

دخلت  تجيب حاجتها.

كنت همشي وراها، لكنها وقفت وقالت:

— ماما… استنيني هنا.

فهمت إنها محتاجة تعمل الخطوة دي بنفسها.

بعد حوالي عشر دقايق خرجت بشنطة صغيرة.

جوزها أول ما شافها قال:

— إنتِ واخدة هدومك ورايحة فين؟

قالت بصوت ضعيف:

— عند ماما.

ضحك بسخرية.

— وهتفضلي هناك قد إيه؟

سكتت.

قال:

— يوم؟ يومين؟ وبعدها هترجعي تعتذري.

بنتي بصتله.

وبعدين قالت:

— مش عارفة هرجع أصلًا ولا لأ.

الجملة نزلت عليه زي الصفعة.

قرب منها خطوة.

لكن وجود الناس حواليه وقفه.

رفع صباعه وقال:

— إنتِ اللي بتخربي بيتك بإيدك.

هنا أنا اتكلمت:

— البيت اللي فيه خوف مش بيت.

حماته قالت بعصبية:

— وإنتِ مالك أصلًا؟ دي حياتهم!

بصيت لها وقلت:

— وأنا كنت مصدقة الكلام ده شهور. كل مرة بنتي تبعد، أقول حياتها. كل مرة تبطل تزورني، أقول جوزها وليه حق عليها. كل مرة ألاقيها متغيرة، أقول يمكن مسؤوليات الجواز.

وقربت من بنتي.

— لكن لما “الحياة الخاصة” تتحول لخوف وإهانة وأذى… السكوت مش حكمة.

خرجنا.

وفي العربية، بنتي ما قالتش كلمة.

ولا أنا سألت.

فضلت سايقة لحد ما وصلنا البيت.

أول ما دخلت، حطيت شنطتها في أوضتها القديمة.

الأوضة كانت تقريبًا زي ما سابتها.

نفس المكتبة.

نفس الستارة.

حتى صورة تخرجها كانت لسه فوق المكتب.

وقفت قدام الصورة وقت طويل.

وبعدين قالت:

— كنت شكلّي مختلفة.

قلت:

— كنتي مبسوطة.

هزت راسها.

وقعدت على طرف السرير.

عملتلها شاي.

ولما رجعت، لقيتها بتبص في موبايلها.

قلت:

— موبايلك معاكي؟

قالت:

— ده القديم. كنت مخبياه.

قعدت جنبها.

— ليه مخبياه؟

بصتلي.

— علشان موبايلي الأساسي كان بيراجعه كل يوم.

سكتُّ.

قالت:

— الرسائل، المكالمات، حتى الصور.

— من إمتى؟

— تقريبًا من أول سنة جواز.

حسيت قلبي بيتعصر.

— وليه ما قلتيليش؟

ابتدت تفرك صوابعها.

— في الأول ماكانش بالشكل ده.

وسكتت شوية.

ثم قالت:

— أول مرة زعقلي، اعتذر بعدها وجابلي هدية.

— وبعدين؟

— أول مرة مسكني من دراعي جامد… قالي إني استفزيته.

نزلت عيني على الحمالة.

قالت:

— وبعدها بقى كل مرة تحصل حاجة، ألاقي سبب ألوم نفسي بيه.

صوتها اتكسر.

— مرة أقول ماكانش لازم أرد. مرة أقول يمكن فعلًا صحابي بيأثروا عليا. مرة أقول يمكن الشغل كان عامل مشاكل بينا.

سألتها:

— علشان كده سبتي شغلك؟

هزت راسها.

— هو كان بيتصل بيا عشر مرات وأنا في الشغل. ولو اتأخرت ربع ساعة، يقلبها مشكلة.

— والعربية؟

— باعها علشان أبقى محتاجاه في أي مشوار.

هنا فهمت.

ماكانش بيبعد عنها الناس وبس.

كان بيشيل من حواليها كل باب ممكن تهرب منه.

قلت:

— وصاحباتك؟

قالت:

— كان بيتخانق معايا كل ما أكلمهم… لحد ما بطلت.

مسكت إيدها.

— وأنا؟

بصتلي ودموعها نزلت.

— إنتِ كنتي أصعب واحدة.

اتخضيت.

— أنا؟

— لأنه كان عارف إنك لو عرفتي الحقيقة… مش هتسكتِي.

الجملة وجعتني.

قلت:

— طب ليه الأكمام الطويلة؟

بنتي اتجمدت.

وبعدين بصت لدراعها السليم.

مدت إيدها ناحية كم البلوزة.

وشمرته ببطء.

أنا ما نسيتش اللحظة دي طول عمري.

كان فيه آثار قديمة متفرقة.

مش  واحدة.

آثار في مراحل مختلفة.

بعضها شبه اختفى.

وبعضها كان أوضح.

حطيت إيدي على بقي.

— يا بنتي…

قالت بسرعة:

— ماما، بالله عليكي ما تعيطيش.

لكن دموعي نزلت غصب عني.

قلت:

— ده كله حصل وإنتِ بتقوليلي إنك كويسة؟

ابتسمت ابتسامة موجوعة.

— كنت بخاف لو قلتلك تيجي.

— وكان نفسي أجي!

— عارفة.

— أمال ليه؟

قالت:

— لأنه كان بيقولي لو أهلي دخلوا بينا… هيخلي حياتي أصعب.

سألتها:

— كان بيهددك؟

سكتت.

وده كان أسوأ من أي إجابة.

قلت:

— كان بيهددك بإيه؟

هزت راسها.

— مش دلوقتي.

احترمت سكوتها.

بعدها بساعتين، روحنا نطمن على دراعها ونوثق حالتها طبيًا، وبعد ما رجعنا كانت مرهقة جدًا.

عملتلها أكل خفيف.

أكلت كام لقمة.

وبعدين نامت في .

وأنا فضلت قاعدة في الصالة.

الساعة كانت قربت على عشرة بالليل لما موبايلي رن.

رقم جوزها.

ما رديتش.

رن تاني.

وبعدين تالت.

وبعدها بدأت الرسائل.

“خليها ترجع.”

“إنتِ بتخربي بيت بنتك.”

“الموضوع خرج عن حجمه.”

وبعد دقائق، نبرة الرسائل اتغيرت.

“أنا آسف.”

“كنت متعصب.”

“أنا بحبها.”

“خليها تكلمني خمس دقايق بس.”

قريت الرسائل وأنا ساكتة.

وفجأة بنتي كانت واقفة ورايا.

ما سمعتش خطواتها.

شافت اسمه على الشاشة.

وشها اصفر.

قالت:

— ما ترديش.

قفلت الشاشة فورًا.

— مش هرد.

لكنها فضلت واقفة.

قلت:

— إنتِ خايفة من إيه؟

قالت:

— إنه ييجي هنا.

— لو جه، مش هتفتحي له.

هزت راسها.

لكن الخوف ما راحش.

رجعت .

وبعد حوالي نص ساعة سمعت صوتها بتناديني:

— ماما؟

دخلت عليها.

كانت قاعدة على الأرض جنب الدولاب القديم.

وقدامها الموبايل اللي كانت مخبياه.

قالت:

— فاكرة لما سألتيني كان بيهددني بإيه؟

قعدت قدامها.

— أيوه.

قالت:

— أنا كنت بصوره ساعات.

— بتصوري إيه؟

— بعد كل مرة كان يأذيني فيها… كنت بصور العلامات.

بصيت للموبايل.

قالت:

— وفي تسجيلات صوت.

قلبي دق بسرعة.

— تسجيلات لإيه؟

سكتت.

وبعدين فتحت ملف مخفي.

صور.

تواريخ.

رسائل.

وتسجيلات صوتية.

كل حاجة كانت محفوظة.

قلت:

— إنتِ كنتي بتجهزي لكل ده؟

قالت:

— كنت بخاف أمسحهم… وبخاف أخليهم على موبايلي الأساسي.

وبعدين وصلت لتسجيل معين.

إيدها بدأت ترتعش.

قلت:

— إيه التسجيل ده؟

قالت:

— ده من حوالي شهرين.

— حصل فيه إيه؟

بصتلي.

— اليوم اللي قررت فيه إني هسيبه.

شغلت التسجيل.

في الأول كان صوت دوشة.

وبعدين سمعت صوت جوزها وهو بيزعق.

ماقدرتش أميز كل الكلام.

لكن جملة واحدة وصلتني بوضوح.

صوته كان بيقول:

— لو خرجتي من الباب ده وروحتي لأمك… هخليكي تندمي على اليوم اللي فكرتي فيه تسيبي البيت.

بنتي أوقفت التسجيل بسرعة.

قلت:

— كمليه.

قالت:

— ماما…

— كمليه يا بنتي.

هزت راسها.

— الباقي مش أهم حاجة.

— أمال إيه أهم حاجة؟

مسكت الموبايل بإيديها الاتنين.

وقالت:

— لأن بعد التسجيل ده بأسبوع… اكتشفت إن الموضوع مش أنا لوحدي.

بصيت لها بعدم فهم.

— يعني إيه؟

قالت:

— لقيت واحدة بعتالي رسالة.

— مين؟

— واحدة ما أعرفهاش.

فتحت  القديمة.

الرسالة كانت قصيرة جدًا:

“أنا آسفة إني بكلمك بالطريقة دي، بس لازم تعرفي حاجة عن جوزك قبل ما يحصل لك اللي حصل لغيرك.”

بصيت لبنتي.

— مين الست دي؟

قالت:

— في الأول افتكرتها واحدة عايزة تخرب بيتي.

— وبعدين؟

دموعها نزلت.

وقالت:

— طلعت مراته السابقة.

— مراته السابقة؟!

هزت راسها.

— وأنا أصلًا… ماكنتش أعرف إنه اتجوز قبلي.

سكتُّ وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك تحتي.

لكن بنتي قربت الموبايل مني وقالت:

— والمصيبة مش إنه خبّى الجواز يا ماما.

— أمال إيه؟

فتحت رسالة تانية من الست.

وكان فيها صورة لتقرير قديم.

قالت بنتي:

— هي قالت إن جوازهم انتهى بعد أقل من سنة.

— ليه؟

بنتي بصتلي.

وقالت الجملة اللي خلتني أفهم إن اللي حصل يوم الجمعة ماكانش  منفردة أبدًا:

— لأنها هي كمان دخلت المستشفى بسببه.

يتبع — الفصل الرابع: الزوجة اللي محدش قالنا عنها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى