روايات وقصص

أسرار الغسل بقلم اسما السيد 3 والاخير

رجعوا من البيت القديم وهما شايلين العلبة المعدنية والموبايل والورق، لكن محدش فيهم كان بيتكلم.

الجملة اللي قالتها المغسلة العجوز كانت لسه بترن في ودانهم:

— من ساعة ما فتحتوا البيت… ولا نملة واحدة ظهرت على الجسد.

أول ما وصلوا، أخو المتوفاة دخل بسرعة وقال:

— محدش يقرب منها. إحنا لازم نبلغ الجهات المختصة.

العجوز هزت راسها وقالت:

— ده الصح. إحنا مش أطباء، ومش من حقنا نفسر جرح ولا سبب وفاة. اللي لقيناه يتسلم زي ما هو.

بنت المتوفاة كانت واقفة عند الباب، وعينيها حمرا من العياط.

قربت من عمتها، لكن العجوز مسكت إيدها برفق:

— استني يا بنتي.

— عايزة أبوسها بس.

— استني لحد ما الناس المختصة تشوفها.

البنت بصت للجسد وقالت بصوت مكسور:

— يعني عمتي كانت بتطلب مساعدتنا وإحنا فاكرينها بتخرف؟

محدش عرف يرد.

بعد وقت قصير، تم إبلاغ الجهات المختصة، واتوقف تجهيز الدفن مؤقتًا لحين فحص سبب الوفاة والجرح الصغير الموجود خلف الأذن.

وأثناء انتظارهم، أخو المتوفاة افتكر الموبايل القديم.

قال:

— الفيديو اللي شوفناه مش الوحيد.

فتحوا المجلد مرة تانية.

كان فيه سبعة تسجيلات.

ستة منهم كانوا قصيرين.

أما السابع…

فكان مدته 11 دقيقة.

وتاريخه كان قبل الوفاة بيوم واحد.

ضغط الأب تشغيل.

ظهرت المتوفاة قاعدة على طرف سريرها.

المرة دي ماكانش تسجيل كاميرا مراقبة.

هي اللي كانت مصورة نفسها.

وشها كان مرهق، وعينيها غائرة، لكن كلامها كان واضح.

قالت:

— لو حد شاف الفيديو ده، يبقى غالبًا أنا ماقدرتش أحكي بنفسي.

أخوها حط إيده على بقه.

وصوتها كمل:

— أنا عارفة مين بيدخل البيت.

الجميع قرب من الشاشة.

قالت:

— وعارفة إنه بيحاول يخليني أبان قدامكم إني بقيت بنسى وبتهيألي حاجات.

ثم سكتت لحظة ومسحت دمعة من عينها.

— كل مرة كنت أتكلم، كان يقول لكم: “كبرت… ومحتاجة متابعة.”

بنت أخوها همست:

— الدكتور…

لكن التسجيل كمل:

— بس الدكتور مش لوحده.

الكل اتجمد.

المتوفاة بصت مباشرة للكاميرا وقالت:

— في حد من العيلة بيساعده.

أخوها رفع عينه عن الشاشة.

بص حواليه.

بنت أخوه قالت:

— كمّل الفيديو.

ظهر صوت حركة خارج غرفة المتوفاة في التسجيل.

هي نفسها سمعت الصوت.

وشها اتغير.

بصت ناحية الباب.

وبعدين رجعت بسرعة للموبايل وقالت:

— جه.

صوت خطوات بدأ يقرب.

المتوفاة خفضت صوتها:

— لو حصل لي حاجة، دوروا على الورق اللي تحت الدولاب. وما تثقوش في أي حد يقول لكم يخلص الدفن بسرعة.

ثم مدت إيدها عشان توقف التسجيل…

لكن قبل ما تضغط الزر، باب الأوضة اتفتح.

الكاميرا فضلت شغالة.

دخل شخص.

الصورة ما جابتش وشه.

ظهر جزء من هدومه بس.

وصوت رجل قال:

— لسه صاحيه؟

المتوفاة ردت:

— مستنياك.

الرجل سكت.

وبعدين قال:

— مستنياني ليه؟

ردت:

— عشان أقولك إني عرفت كل حاجة.

ثواني صمت.

ثم ضحك الرجل.

ضحكة قصيرة وباردة.

وقال:

— عرفتي إيه يا حاجة؟

ردت:

— عرفت ليه كل شهر ورقة من أملاكي بتختفي.

أخو المتوفاة وقف فجأة.

— أملاك؟!

الفيديو كمل.

قال الرجل:

— محدش هيسرقك.

صرخت المتوفاة:

— كداب! أنا شوفت التوكيلات!

وهنا اتسمع صوت شخص تاني داخل الأوضة.

المتوفاة شهقت.

وقالت جملة خلت كل اللي بيسمعوا التسجيل يتجمدوا:

— إنت كمان؟!

صوت الشخص الثاني كان أخفض.

— وطي صوتك.

قالت:

— أنا ربيتك بإيدي!

أخو المتوفاة بص لبنته.

والبنت بصت له.

في التسجيل، المتوفاة بدأت تعيط:

— بعد ما أبوك مات وأنا اللي صرفت عليك… وفي الآخر تعمل فيا كده؟

وفجأة حصلت حركة قوية.

الموبايل وقع.

الصورة بقت ناحية الأرض.

بقوا شايفين رجلين الأشخاص بس.

واحد لابس حذاء أسود.

والتاني…

لابس شبشب بيتي بني.

المتوفاة قالت وهي بتنهج:

— سيبوني!

ثم اتوقف التسجيل فجأة.

المكان كله سكت.

قال أخوها:

— مين الشخص التاني؟

محدش رد.

لكن المغسلة العجوز كانت واقفة في آخر الغرفة، وعينيها على بنت أخو المتوفاة.

قالت لها:

— إنتِ قلتي إنك آخر مرة دخلتي بيت عمتك كانت من أسبوع، صح؟

البنت هزت راسها.

— أيوه.

العجوز أشارت إلى رجليها.

— طب الشبشب ده بتاع مين؟

الكل بص لتحت.

البنت كانت لابسة شبشب بني.

نفس الشكل تقريبًا اللي ظهر في التسجيل.

شهقت وقالت:

— لأ… لأ والله! ده شبشب عادي، منه آلاف!

أبوها قرب منها.

— كنتِ عند عمتك الليلة دي؟

— لأ!

— بصيلي وقولي الحقيقة.

— والله ما كنت هناك!

وفجأة افتكرت حاجة.

فتحت شنطتها بعصبية، وطلعت الكيس القماش اللي لقوه فيها.

— يمكن اللي حط ده في شنطتي هو نفسه اللي عايز يلبسني الموضوع!

العجوز قالت:

— ممكن.

الأب بص لها باستغراب:

— يعني إنتِ مش شاكة فيها؟

قالت:

— أنا مش باتهم حد. التسجيل والورق يتسلموا للجهات المختصة، وهما اللي يحددوا الحقيقة.

ثم أشارت للكيس.

— بس في حاجة أهم.

— إيه؟

قالت:

— الكيس ده ماكانش في شنطتها من البداية.

البنت اتجمدت.

— إزاي عرفتي؟

العجوز ردت:

— لأن أول ما دخلتي غرفة الغُسل، شنطتك كانت مقفولة ومعلقة على كتفك.

— أمال؟

العجوز بصت ناحية الباب.

— إنتِ سبتيها بره حوالي عشر دقايق لما دخلتي تشوفي عمتك.

البنت افتكرت.

وفعلًا…

كانت حطت الشنطة على كرسي في الممر.

قال أبوها:

— مين كان موجود بره وقتها؟

سكت الجميع.

واحدة من الستات قالت:

— ناس كتير.

العجوز سألت:

— والدكتور؟

ردت المرأة:

— كان موجود.

البنت شهقت.

لكن العجوز قالت:

— برضه ده مش دليل. محدش يلمس الكيس، ويتسلم زي ما هو.

بعد ساعات، بدأت الحقيقة تظهر من الورق الموجود داخل العلبة.

كانت هناك صور لتوكيلات وعقود نقل ملكية لأرض وبيت وحساب مالي.

وكلها تحمل توقيع المتوفاة.

لكن بجانبها كانت محتفظة بأوراق قديمة عليها توقيعها الحقيقي.

والفرق كان واضحًا حتى لغير المتخصص.

أما المفاجأة الأكبر فكانت اسم المستفيد من أغلب الأوراق.

لم يكن الطبيب.

كان اسم شخص من العائلة.

شخص كانت المتوفاة تعتبره أقرب الناس إليها.

ابن أخيها.

الشاب اللي عاش عندها سنين بعد وفاة والده.

الشاب نفسه اللي قال في الصباح:

— أنا اللي لقيتها ميتة.

لكن المشكلة إن الشاب اختفى.

تليفونه اتقفل.

وبيته كان فاضي.

وهنا بدأت الصورة تتجمع.

لكن لسه كان فيه سؤال واحد:

إيه علاقة الدكتور؟

وليه كان بيدخل البيت ليلًا؟

والأهم…

إيه سر الجرح الصغير خلف أذنها؟

بعد الفحص الطبي، ظهرت معلومة غيرت اتجاه الحكاية كلها.

الجرح لم يكن دليلًا على شيء خارق.

وكان لا بد من فحوص متخصصة لمعرفة سببه بدقة.

لكن الطبيب المختص لاحظ حاجة أهم.

سبب الوفاة نفسه لم يكن محسومًا كما قيل للأسرة في البداية.

وده معناه إن شهادة “الموت الطبيعي” اللي اتقالت لهم بسرعة…

كانت محتاجة مراجعة كاملة.

وفي نفس الليلة، أخو المتوفاة كان بيراجع الموبايل للمرة العاشرة.

وفجأة لاحظ ملفًا صوتيًا صغيرًا.

مدته 19 ثانية فقط.

تاريخه نفس صباح الوفاة.

ضغط تشغيل.

في البداية، مفيش غير صوت نفس المتوفاة.

وبعدين همست:

— لو بتسمعوا ده… يبقى هما رجعوا.

صوت باب اتفتح.

ثم صوت الدكتور:

— فين الورق؟

ورد عليه صوت الشاب:

— مش لاقيه.

الدكتور قال بعصبية:

— يبقى هي خبته.

ثانيتين صمت.

وبعدين جاء صوت ثالث.

صوت امرأة.

قالت:

— خلّصوا بسرعة قبل ما أخوها يوصل.

أخو المتوفاة وقف.

رجّع التسجيل.

سمع الصوت مرة.

واتنين.

وتلاتة.

ثم بص ناحية باب البيت بصدمة.

لأنه عرف الصوت.

وصاحبته لم تكن بعيدة.

كانت المرأة نفسها التي اتصلت به صباحًا وقالت له:

— تعالى بسرعة…

أختك ماتت.

إيد أخو المتوفاة بردت وهي ماسكة الموبايل.

شغّل التسجيل للمرة الرابعة.

الصوت كان واضح:

— خلّصوا بسرعة قبل ما أخوها يوصل.

غمّض عينيه.

هو عارف الصوت ده كويس.

صوت مرات أخوه المتوفى… أم الشاب اللي عاش عند أخته سنين وكانت بتعتبره زي ابنها.

هي نفسها اللي اتصلت بيه الصبح وقالت:

— تعالى بسرعة… أختك ماتت.

بنتها بصت له وقالت:

— بابا… إنت عرفت مين؟

رد بصوت مخنوق:

— عرفت.

لكنه ما راحش يواجهها.

ولا اتصل بيها.

ولا حتى قال لباقي العيلة.

جمع الموبايل والأوراق والتسجيلات، وسلم كل حاجة للجهات المختصة.

ومن هنا بدأت الحقيقة تتكشف واحدة واحدة.

الشاب ماكانش مختفي بسبب الحزن.

كان هرب.

وبعد البحث عنه تم الوصول إليه، ومع التحقيقات ومراجعة التسجيلات والأوراق، بدأت روايته تتغير أكتر من مرة.

في الأول قال:

— عمتي كانت بتنسى… وهي اللي وقعت الأوراق.

لكن لما اتعرضت عليه التسجيلات، سكت.

ولما اتسأل عن دخوله البيت بالليل، قال:

— كنت بطمن عليها.

لكن السؤال كان بسيط:

ليه تدخل من غير ما تعرف؟

وليه تفتح المكان اللي كانت مخبية فيه أوراقها؟

أما الدكتور، فأنكر في البداية أي علاقة بالأمر غير إنه كان بيتابع حالتها.

لكن مراجعة الاتصالات كشفت وجود تواصل متكرر بينه وبين الشاب.

ومع استمرار التحقيق، اتضح إن المتوفاة كانت تمتلك بيتها القديم، وقطعة أرض، ومبلغًا ادخرته مع زوجها على مدار سنين.

وبعد وفاة زوجها، بدأت تعتمد على ابن أخيها في بعض الإجراءات.

في البداية كان بيساعدها فعلًا.

لكن مع الوقت، عرف تفاصيل ممتلكاتها وحساباتها.

وهنا بدأ الطمع.

كانت الخطة، بحسب ما كشفته التحقيقات، إنهم يقنعوا العيلة تدريجيًا إن الست الكبيرة بدأت تفقد ذاكرتها.

حاجات تتنقل من مكانها.

أوراق تختفي.

مواعيد تتغير.

وبعدين لما تشتكي، يتقال:

— معلش… السن له حكمه.

والدكتور كان وجوده بيدي للكلام شكلًا مقنعًا قدام الأسرة.

لكنهم ارتكبوا غلطة واحدة.

ماكانوش يعرفوا إنها ركبت كاميرا.

المتوفاة بدأت تشك في نفسها فعلًا.

لحد الليلة اللي صحيت فيها وشافت شخصًا خارج من أوضتها.

من بعدها ركبت الكاميرا الصغيرة.

وشافت كل حاجة.

وعرفت إن ابن أخيها اللي ربته ووقفت جنبه هو واحد من الناس اللي بيخونوها.

أما أمه، فكانت عارفة إن ابنها بيحاول يستولي على الممتلكات، وبدل ما توقفه، ساعدته لأنها كانت مقتنعة إن المال “من حق ابنها في الآخر”.

لكن المتوفاة لما اكتشفت التوكيلات والعقود، قررت تواجههم.

وكانت دي بداية النهاية.

أما التفاصيل الطبية الدقيقة لوفاتها، فتم التعامل معها عن طريق الجهات المختصة، ولم تعد المسألة “وفاة طبيعية” كما قيل للعائلة في الساعات الأولى.

والجرح الصغير خلف أذنها كان واحدًا من الأمور اللي احتاجت للفحص بدل التخمين.

لكن فضل السؤال اللي حيّر الجميع:

والنمل؟

ليه ظهر بالشكل المرعب ده أثناء الغُسل؟

وليه اختفى بعدها؟

بعد انتهاء الإجراءات، رجعت المغسلة العجوز.

كانت الستات لسه مرعوبات.

واحدة منهم قالت:

— يعني النمل كان علامة عشان نكتشف اللي حصل؟

العجوز بصتلها وقالت:

— ما تقوليش حاجة إحنا ما نعرفهاش.

— أمال تفسيره إيه؟

قالت العجوز:

— أنا من أول لحظة قلت لكم ما نحكمش على الميتة. الناس أول ما شافت النمل قالت غضب وعقاب وحاجات تخوف… مع إن محدش فينا يعرف الغيب.

ثم أشارت للجسد وقالت:

— وبعد الفحص عرفوا إن النمل ماكانش بيخرج من جوه جسمها زي ما إحنا تخيلنا من الخوف.

الكل بص لها.

قالت:

— كان داخل بين شعرها وهدومها القديمة، ووصل للجسد من المكان اللي كانت نايمة فيه قبل نقلها.

واحدة قالت:

— يعني جاي من البيت؟

— أيوه.

وبعد تفتيش غرفة النوم، اتضح إن فيه مستعمرة نمل كبيرة في جزء خشبي قديم قريب من السرير، ومسارها كان ممتدًا ناحية الدولاب.

نفس الدولاب اللي خبّت تحته العلبة.

لكن كان فيه سبب تاني خلّى النمل يتجمع عليها بكثافة.

قبل وفاتها بفترة، كانت المتوفاة تستخدم دهانًا منزليًا حلو الرائحة على جلدها بسبب جفاف شديد، وكانت آثاره موجودة في ملابسها وفراشها.

ومع وجود مصدر للنمل في الغرفة، التصق عدد كبير منه بالملابس والشعر، وظهر أثناء الغُسل على دفعات.

كل مرة المية تتحرك…

النمل المستخبي بين الشعر وثنيات الملابس القديمة يظهر.

فبان للناس كأنه خارج من الجلد نفسه.

ولما اتنضف الجسد بالكامل واتغير المكان…

اختفى.

واحدة من الستات قالت:

— يعني كل الرعب اللي عشناه كان له تفسير؟

العجوز ابتسمت بحزن:

— معظم الرعب بيكبر لما الإنسان يحط تفسير قبل ما يعرف الحقيقة.

سكتت شوية.

وبعدين قالت:

— لكن لو عايزة تقولي إن النمل كان سبب إنكم تنتبهوا إن فيه حاجة غلط… فده اللي حصل فعلًا. لولاه، يمكن كنتم استعجلتم الدفن وما حدش سأل.

بعد انتهاء الإجراءات والسماح بالدفن، رجعوا يجهزوها للمرة الأخيرة.

المرة دي…

ما ظهرش نمل.

ولا نملة واحدة.

المغسلة العجوز غسلتها بهدوء.

وبنت أخوها كانت واقفة عند رأسها بتعيط.

قالت:

— سامحيني يا عمتي.

العجوز سألتها:

— بتطلبي السماح على إيه؟

ردت:

— كانت بتكلمني كتير وتقول إن في حد بيدخل بيتها… وأنا كنت بقول لها: يمكن حلمتي يا عمتي.

وبكت أكتر.

— كان المفروض أصدقها.

العجوز قالت:

— كان المفروض تسمعيها. ودي حاجة نتعلم منها… خصوصًا مع الكبير في السن. مش كل شكوى معناها إنه بيتخيل.

بعد الدفن بأيام، اتفتح البيت القديم مرة تانية.

المرة دي دخل أخوها وبنته فقط.

كانوا عايزين يجمعوا حاجاتها.

وأثناء ترتيب الدولاب، البنت لقت ظرف صغير واقع خلف درج خشبي.

مكتوب عليه اسم أبوها.

أخدته له.

فتح الظرف.

كان فيه جواب بخط أخته:

“يا أخويا…

لو الورقة دي وصلت لك، فأنا غالبًا ما لحقتش أحكيلك بنفسي.

أنا عارفة إنك هتزعل لأني ما قلتلكش من الأول.

بس أنا كنت مستنية أتأكد.

مش عايزاك تزعل على فلوس ولا أرض.

الفلوس تتعوض.

أنا زعلانة على الولد اللي ربيته كأنه ابني، ولما كبر افتكر إن حبي ليه ضعف.

لو جرالي حاجة، ما تظلمش حد، وما تتهمش حد من غير دليل.

خلي القانون ياخد مجراه.

وأهم حاجة…

ما تخليش الناس تقول إن اللي حصل لي عقاب من ربنا بسبب النمل ولا غيره.

ربنا وحده يعلم السرائر.

أنا كنت بخاف من كلمة الناس أكتر من .

ولو لي عندك خاطر…

ادفني جنب جوزي.”

وقف أخوها يقرأ آخر سطر وهو بيعيط.

أما بنته فلاحظت حاجة صغيرة في أسفل الورقة.

جملة مكتوبة بخط أضعف:

“ولو قدرتوا تبيعوا الأرض، طلعوا جزءًا منها للخير… يمكن حاجة كويسة تفضل بعدي.”

وبعد شهور، انتهت القضية بإدانة من ثبتت مسؤوليته وفق الأدلة والتحقيقات، وبطلان الأوراق المزورة، ورجوع الممتلكات للتركة الشرعية.

وأخوها نفذ وصيتها.

اتباع جزء من الأرض، وخصص جزء من المال لمساعدة كبار السن اللي عايشين لوحدهم.

أما البيت القديم…

ففضل مقفول فترة طويلة.

لحد ما قرروا يفتحوه وينضفوه.

وفي آخر يوم، كانت بنت أخوها واقفة في غرفة النوم.

الدولاب اتشال.

السرير اتشال.

والأرض اتنضفت.

بصت للمكان اللي كانت العلبة مدفونة تحته.

كان فاضي.

وقبل ما تمشي، لاحظت نملة صغيرة ماشية جنب الحيطة.

وقفت تبصلها.

زمان كانت هتصرخ.

لكن المرة دي ابتسمت وسط دموعها وقالت:

— خلاص يا عمتي… عرفنا الحقيقة.

خرجت وقفلت الباب.

والحكاية اللي بدأت بنمل ظهر أثناء غُسل امرأة ميتة…

ماكانتش حكاية عن نمل.

كانت حكاية عن ست فضلت شهور تقول:

“في حاجة غلط.”

وكل اللي حواليها كانوا بيردوا:

“إنتِ كبرتي وبتتهيألك.”

لحد ما …

وساعتها بس بدأوا يسمعوها.

النهاية.

بقلم الكاتبة أسما السيد — حكايات أسما السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى