روايات وقصص

كوافير حريمي حكايات اسما السيد 2

مرّت سنة كاملة. سنة ما رجّعتش العشر سنين اللي ضاعوا… لكنها عملت حاجة يمكن أهم. خلّت كل واحد فينا يتعلم يعيش من جديد. أحمد رجع يقف على رجليه. آثار الحادث كانت لسه موجودة، وبعضها هيفضل معاه طول العمر، لكنه بطل يغطي وشه كل ما يخرج.

 

والأغرب؟

رجع الجيم.

بس مش أحمد القديم.

ما بقاش مهووس بفكرة إنه لازم يكون الأقوى والأجرأ والأسرع.

بقى يدرب شباب أصغر منه، وبدأ يعمل جلسات رياضية مخصوصة لناس مروا بحوادث وإصابات وبيحاولوا يستعيدوا ثقتهم في أجسامهم.

أما أنا…

فشغلي كبر بطريقة ماكنتش أتخيلها.

الاستوديو الصغير بقى مركز متخصص في المكياج التصحيحي والتجميلي، وبقيت بتعامل مع حالات محولة من مراكز علاج وجراحات تجميل.

وفي صباح يوم افتتاح الفرع الجديد…

كنت واقف قدام المراية بظبط ياقة القميص لما دخل أحمد.

صفّر.

— الله! الأستاذ رامز شخصيًا متوتر؟

بصيتله من المراية.

— أنا مش متوتر.

ضحك.

— طبعًا… وإيدي اللي بتترعش دي إيد مين؟

رميت عليه المناديل.

— غور يا أحمد.

ضحك وقرب مني.

كان لابس بدلة.

وآثار الحادث ظاهرة.

من غير أي محاولة لإخفائها.

بصيتله وابتسمت.

— مش هنعمل حاجة بسيطة؟

فهم قصدي.

لمس جانب وشه.

— لأ.

— متأكد؟

— جدًا.

وبص لنفسه في المراية.

— أنا خلاص بطلت أستخبى.

ابتسمت.

— كده تعجبني.

وفجأة دخلت أمي وهي بتزغرط.

— يا ولاد!

ضحكنا.

— يا ماما، الناس بره!

— ما يسمعوا! ابني فاتح مكان قد كده وعايزني أسكت؟

حضنتني.

وبعدين همست:

— ربنا يعوض قلبك يا رامز.

بصيت وراها.

— بابا فين؟

ملامحها اتغيرت لحظة.

— جاي.

استغربت.

أبويا كان من أسبوع بيتكلم عن الافتتاح كأنه حدث أهم من فرحنا.

لكن الضيوف بدأوا يوصلوا…

وهو ماجاش.

نص ساعة.

ساعة.

وأنا كل شوية عيني تروح ناحية الباب.

كرهت نفسي لأني مستنيه.

بعد كل اللي حصل…

لسه جزء صغير جوايا كان عايزه يدخل.

يشوف الناس.

يشوف اللي عملته.

ويقول قدامهم ولو مرة واحدة:

ده ابني.

أحمد لاحظ.

— هييجي.

قلت ببرود مصطنع:

— مش فارقة.

ضحك.

— رامز… إحنا توأم. ماتكدبش عليا.

قبل ما أرد…

الباب اتفتح.

دخل أبويا.

لكن ماكانش لوحده.

كان معاه راجل كبير في السن.

عرفته فورًا.

عم صبري.

صاحب أبويا القديم.

الراجل اللي كان موجود يوم ما عرف إني بشتغل مكياج.

واللي سمعت صوته وقتها بيقول لأبويا:

— الحق ابنك قبل ما يفضحك يا راجل.

اتجمدت ابتسامتي.

أحمد همس:

— هو جابه ليه؟

قلت:

— معرفش.

قرب أبويا.

— مبروك يا رامز.

— الله يبارك فيك.

بصيت لعم صبري.

مد إيده.

— مبروك يا ابني.

صافحته.

— الله يبارك فيك.

لكن الجو اتوتر.

أبويا حس.

قال:

— أنا اللي طلبت منه ييجي.

قطبت حاجبي.

— ليه؟

سكت لحظة.

ثم بص لعم صبري.

— علشان في كلام اتقال من سنين… وأنا عايز أصلحه.

عم صبري اتلخبط.

— يا راجل ما خلاص…

أبويا قاطعه:

— لأ، مش خلاص.

بدأ الناس حوالينا ياخدوا بالهم.

همست:

— بابا، مش وقته.

قال:

— بالعكس… ده وقته.

وبص لعم صبري.

— فاكر لما قلتلي ابني هيفضحني؟

الرجل احمرّ وشه.

— كنا بنتكلم وخلاص.

أبويا قال:

— وأنا سمعت كلامك.

ثم أشار ناحيتي.

— وخسرت ابني عشر سنين.

الصالة سكتت.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

أكمل أبويا:

— بس الحق مش عليك.

بصلي.

— الحق عليا أنا.

ولأول مرة…

أبويا وقف وسط ناس يعرفهم.

ناس كان رأيهم زمان أهم عنده من ابنه.

وقال:

— أنا طردت رامز وهو عنده 18 سنة علشان كنت شايف شغله عيب.

سكت.

ثم لف بعينه في المكان.

— النهارده أنا واقف في المكان اللي بناه لوحده… وبقول قدامكم كلكم إني كنت غلطان.

عيني دمعت.

أمي حطت إيدها على بقها.

أحمد ابتسم.

أما أبويا…

فكمل:

— ابني ما فضحنيش.

صوته اتهز.

— أنا اللي فضحت نفسي يوم ما اخترت كلام الناس بدل ابني.

ماقدرتش أتكلم.

قرب مني.

لكن قبل ما يعمل أي حاجة…

أنا اللي أخدت الخطوة.

وحضنته.

وقف للحظة كأنه مش مصدق.

وبعدين لف دراعه حواليا.

وسمعت شهقته.

— سامحني يا ابني.

غمضت عيني.

— سامحتك يا بابا.

قال بسرعة:

— بجد؟

بعدت عنه.

— سامحتك… بس مش هننسى.

هز راسه.

— مش عايزك تنسى. عايزني أفضل فاكر علشان ما أرجعش أبقى الراجل ده تاني.

افتكرت إن دي نهاية الحكاية.

لكن بعد الافتتاح بحوالي ساعتين…

دخلت موظفة الاستقبال عليا بسرعة.

— أستاذ رامز؟

— نعم؟

— فيه بنت بره بتقول لازم تقابلك.

— عندها حجز؟

— لأ.

— خليها تحجز و…

قاطعتني:

— بتقول إنها تعرفك من زمان.

استغربت.

— اسمها إيه؟

قالت الاسم.

واتجمدت.

سارة.

قمت من مكاني.

خرجت بسرعة.

كانت واقفة في الاستقبال.

كبرت طبعًا.

ملامحها اتغيرت.

لكن عرفتها.

والندبة اللي جنب عينها…

لسه موجودة.

مش مخفية.

قربت مني بابتسامة.

— رامز؟

ضحكت من الصدمة.

— سارة!

حضنتني.

وبعدين بصت للمكان حواليها.

— شوفت أخبار الافتتاح… وقولت لازم أجيلك.

قلت وأنا لسه مش مصدق:

— إنتِ السبب في كل ده، عارفة؟

ضحكت.

— أنا؟

— أول مرة مسكت فرشة بجد كانت علشانك.

ابتسامتها هديت.

— وأنا عمري ما نسيت اليوم ده.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

— بس أنا مش جاية أباركلك بس.

مدت إيدها في شنطتها.

وطلعت ملف.

— أنا شغالة دلوقتي مع مؤسسة بتساعد الأطفال اللي عندهم اختلافات خلقية وآثار حروق وحوادث.

فتحت الملف.

صور أطفال.

قلبي اتقبض.

قالت:

— عندنا أطفال بيرفضوا المدرسة والتصوير وحتى يبصوا لنفسهم في المراية.

رفعت عينيها ليا.

— وإحنا عايزين نعمل برنامج يساعدهم نفسيًا واجتماعيًا… وعايزينك معانا.

بصيت للصور.

طفلة عندها آثار حروق.

ولد عنده وحمة كبيرة.

طفل صغير آثار عملية واضحة في وجهه.

حسيت إن الزمن لف بيا ورجعني لأول لحظة.

لسارة وهي عندها 16 سنة.

وهي بتبص للمراية لأول مرة من غير ما تهرب.

سألت:

— إمتى نبدأ؟

ابتسمت.

— كنت عارفة إنك هتقول كده.

وفجأة سمعت صوت أحمد من ورايا:

— وأنا معاكم.

لفينا.

قال:

— لو فيه أطفال مروا بحوادث ومحتاجين يرجعوا يثقوا في جسمهم وحركتهم… أنا أقدر أساعد.

بصيت لأخويا.

ثم لسارة.

ثم لأبويا اللي كان واقف بعيد بيسمعنا.

ابتسم أبويا وقال:

— وأنا؟

ضحكت.

— إنت إيه؟

— مفيش شغل للعواجيز؟

أمي ضربته في كتفه.

— عواجيز مين يا أخويا؟

ضحكنا كلنا.

قال أبويا:

— أوصلهم… أجيب اللي ناقصهم… أي حاجة.

بصيتله طويلًا.

الراجل اللي طردني يومًا بسبب شنطة فرش…

كان واقف النهارده بيسأل إزاي يساعد أطفال شبه الناس اللي كرست مهنتي علشانهم.

قلت:

— فيه.

ابتسم.

— قول بس.

بعد ثلاثة شهور بدأ البرنامج.

وفي أول يوم…

دخلت علينا طفلة عندها حوالي تسع سنين.

كانت مخبية جانب وشها بشعرها.

أمها قالتلي:

— مش بترضى تتصور.

قعدت قدامها.

قلت:

— وأنا مش هصورك.

بصتلي باستغراب.

— ولا هقولك إن العلامة اللي في وشك مش موجودة.

سكتت.

قربت منها المراية.

لكنها لفت وشها.

ابتسمت.

— براحتك.

وقعدت جنبها.

بعد شوية سألتني:

— إنت بتعمل إيه هنا؟

قلت:

— بساعد الناس يبطلوا يهربوا من المراية.

سألت ببراءة:

— وإنت بتخاف منها؟

السؤال فاجأني.

بصيت للمراية.

وشفت نفسي.

وشفت ورايا أحمد.

وأمي.

وأبويا شايل كراتين أدوات وهو بيتخانق مع العامل لأنه حاططها غلط.

ضحكت.

قلت:

— زمان كنت بخاف من حاجات أصعب من المراية.

— زي إيه؟

بصيت لأبويا.

ثم رجعت لها.

— إني أكون مختلف… وأخسر الناس اللي بحبهم.

قالت:

— وخسرتهم؟

ابتسمت.

— شوية.

— وبعدين؟

مديت لها الفرشة.

— اتعلمنا نرجع لبعض.

أخدت الفرشة من إيدي.

وبعد لحظات…

رفعت عينيها ناحية المراية.

وأنا ساعتها فهمت إن الحكاية ما كانتش أصلًا عن المكياج.

ولا عن أحمد.

ولا حتى عن أبويا.

كانت عن إنسان قضى عشر سنين يحاول يثبت إن اختلافه مش عيب…

ثم اكتشف في النهاية إنه مش محتاج يثبت ده لحد.

وفي اليوم ده…

علّقت عند مدخل المركز جملة واحدة:

«إحنا مش هنا علشان نخفيك… إحنا هنا علشان نساعدك تشوف نفسك.»

وتحتها حطيت صورتين.

صورتي وأنا عندي 18 سنة وشنطة الفرش في إيدي.

وصورة أحمد بعد الحادث…

واقف جنبي، وآثاره ظاهرة، ومبتسم.

لأن أخيرًا…

لا أنا كنت مكسوف من شنطتي.

ولا هو كان مكسوف من ندوبه.

وأبويا؟

كان أول واحد يقف قدام الصورتين ويقول لأي حد يدخل:

— دول ولادي.

وبعدين يضيف وهو رافع راسه بفخر:

— الاتنين.

مرت سنتين.

والحياة اللي كانت متكسرة بينا بدأت تاخد شكل جديد.

مش نفس الشكل القديم…

وأعتقد إن ده كان أحسن.

لأننا ما حاولناش نرجع عيلة ما قبل الخلاف.

إحنا بنينا عيلة جديدة من الناس نفسهم.

المركز اللي بدأناه للأطفال كبرنامج صغير، كبر أسرع مما توقعنا.

سارة كانت مسؤولة عن التواصل مع الأسر.

أحمد اهتم بالجانب الرياضي وإعادة الثقة بالحركة بعد الإصابات.

وأنا كنت مسؤول عن الجانب التجميلي.

لكن أهم شرط حطيته من أول يوم كان واضح:

— إحنا مش بنقول لأي طفل إن فيه حاجة في وشه محتاجة تتصلح.

سارة ابتسمت:

— عارفة.

قلت:

— لو طفل عايز يتعلم إزاي يخفي أثر معين، هنساعده. ولو عايز يسيبه زي ما هو، هنساعده يحب صورته زي ما هي.

أحمد ضحك:

— يعني الفكرة مش المكياج؟

بصيتله.

— عمرك ما فهمتني يا أحمد.

ضحك.

— عشر سنين بعيد عنك… اديني فرصة.

أما أبويا…

فتح لنفسه وظيفة في المركز من غير ما حد يعينه.

كل يوم الساعة تسعة إلا ربع تلاقيه واقف.

مرة بيصلح كرسي.

مرة جايب عصير للأطفال.

مرة بيتخانق مع شركة التوصيل.

ومرة واقف عند الاستقبال بيقول بكل ثقة:

— أنا والد الأستاذ رامز والأستاذ أحمد.

وفي كل مرة كنت أسمعه يقولها…

جزء صغير جوايا كان بيتعالج.

مش لأنني كنت محتاج اعترافه علشان أعرف قيمتي.

أنا عرفت قيمتي يوم خرجت من بيته وأنا عندي 18 سنة وماكانش معايا غير هدومي وشنطة فرش.

لكن لأن الطفل اللي كان جوايا…

كان محتاج يسمع أبوه ولو مرة بيقوله:

أنا فخور بيك.

وفي يوم…

قالها.

من غير مناسبة.

كنا لوحدنا في المركز بعد ما الناس مشيت.

كنت بقفل الخزنة لما لقيته واقف عند الباب.

— رامز؟

— نعم؟

— أنا فخور بيك.

وقفت.

بصيتله.

قال:

— مش بالمكان.

وأشار حواليه.

— ولا بالفلوس ولا الشهرة.

سكت لحظة.

— فخور إنك بعد اللي عملته فيك… ما بقيتش قاسي.

الجملة دي وجعتني أكتر من الاعتذار نفسه.

قلت:

— كنت ممكن أبقى.

— عارف.

— وفي أيام كنت عايز أبقى.

هز راسه.

— وبرضه ما بقيتش.

قرب مني.

— أنا علمتك بالغلط إزاي الأب ممكن يكسر ابنه… وإنت اخترت تتعلم حاجة تانية.

سألته:

— إيه؟

ابتسم.

— إزاي الإنسان ما يكسرش غيره.

المرة دي…

أنا اللي حضنته.

أما أحمد…

فالحياة ادته فرصة تانية.

مش إنه يرجع بوشه القديم.

لكن إنه يرجع لنفسه.

علاقته بنهى ما رجعتش زي الأول، واتفقوا إن أهم حاجة بينهم تفضل ليان بعيدة عن مشاكل الكبار.

وكان ملتزم بده.

وفي يوم دخل عليا المركز وهو شايل ليان على كتفه.

قالت:

— عمو رامز!

— قلب عمو رامز.

نزلت من على كتفه وجريت عليا.

كانت ماسكة ورقة.

— رسمتكم!

فتحتها.

أربعة أشخاص.

أنا.

أحمد.

جدي.

وتيتا.

الغريب إنها رسمتني وأحمد شبه بعض جدًا.

ضحكت.

— مين فينا أنا؟

بصت للرسمة.

وبعدين لينا.

اتلخبطت.

أحمد انفجر ضحك.

— أهو رجعنا زي زمان!

ليان أشارت لواحد.

— ده عمو رامز.

سألتها:

— عرفتي إزاي؟

قالت بكل بساطة:

— ماسك فرشة.

سكتنا ثانية.

ثم ضحكنا.

أبويا كان واقف بعيد.

سمعها.

ابتسم.

ولا اتكسف.

ولا حاول يغير الموضوع.

بالعكس…

قال:

— ما هو عمو رامز بتاعنا أشطر واحد يمسكها.

بصيتله.

لاحظ نظرتي.

فغمزلي.

لكن آخر اختبار حقيقي لعلاقتنا جه في عيد ميلادي أنا وأحمد الثلاثين.

أمي أصرت نحتفل في البيت.

نفس البيت.

ونفس السفرة.

ونفس المكان تقريبًا اللي وقف فيه أبويا من 12 سنة وقال:

— يا ترمي شنطة المكياج… يا تخرج من بيتي.

دخلت وأنا شايل شنطتي.

أمي قالت:

— إنت جاي عيد ميلادك شايل الشغل ليه؟

قلت:

— عندي حالة بكرة بدري، فقولت أبات هنا وأطلع من عندكم.

سكتت.

أنا نفسي اتفاجئت من الجملة.

أبات هنا.

أنا.

في البيت.

أبويا خرج من المطبخ.

بص للشنطة.

للحظة…

رجعت 18 سنة.

نفس الممر.

نفس الأب.

نفس الشنطة.

لكن أبويا قرب.

مد إيده.

قلبي اتقبض غصب عني.

مسك الشنطة.

وقال:

— هاتها أحطها في أوضتك.

بصيتله.

— أوضتي؟

استغرب.

— أمال أوضة مين؟

ضحكت.

— افتكرتك حولتها مخزن.

قال:

— أمك حاولت.

سمعنا صوتها من المطبخ:

— كداب!

ضحكنا.

أبويا قال:

— ماقدرتش أغير فيها حاجة.

طلعنا فوق.

فتح الباب.

دخلت.

كل حاجة تقريبًا كانت زي ما هي.

المكتب القديم.

الدولاب.

حتى علامة صغيرة كنت عاملها بالقلم على الحيطة.

لكن فوق المكتب…

كان فيه صندوق.

قربت.

فتحته.

وتجمدت.

جواه أدوات المكياج القديمة.

بعضها باظ طبعًا.

لكنها كانت هناك.

الشنطة الأولى.

اللي افتكرت إن أبويا رماها بعد ما خرجت.

لمستها.

وسألته:

— دي لسه موجودة؟

وقف عند الباب.

— أمك خدتها قبل ما أرميها.

ابتسم.

— وخبتها.

دخلت أمي.

— كنت عارفة إنك هترجع يوم.

بصيتلها.

— بعد عشر سنين؟

قالت:

— حتى لو بعد خمسين.

حضنتها.

قال أبويا:

— وأنا كنت متأكد إنك مش هترجع.

بصيتله.

ابتسم بحزن.

— علشان كده كنت أغبى واحد في البيت.

أحمد ظهر من وراه.

— دي مافيهاش خلاف.

أبويا ضربه بخفة على كتفه.

— اتلم يا واد.

وضحكنا.

ضحكنا في نفس المكان اللي بكينا فيه من 12 سنة.

بالليل…

بعد ما أمي نامت وأحمد مشي يوصل ليان…

لقيت أبويا قاعد في البلكونة.

قعدت جنبه.

فضلنا ساكتين.

وبعدين قال:

— فاكر آخر حاجة قولتهالك يوم مشيت؟

كنت فاكر.

طبعًا فاكر.

— قلتلي لما أعيش في العالم الحقيقي هتعلم أبقى راجل.

غمض عينه للحظة.

— نفسي أمسحها من دماغك.

قلت:

— ماتقدرش.

هز راسه.

— عارف.

سكتنا.

ثم قلت:

— بس ممكن نحط جنبها كلام جديد.

بصلي.

قلت:

— قول حاجة أحسن.

ضحك وسط دموعه.

— دلوقتي؟

— دلوقتي.

فكر.

وبعدين قال:

— أنا اللي اتعلمت منك يعني إيه راجل.

ماقدرتش أمنع ابتسامتي.

قلت:

— أحسن شوية.

ضحك.

— شوية بس؟

— ماتطمعش.

ضحكنا.

وبعدين سألته:

— يوم ما جيتلي بعد عشر سنين… كنت متأكد إني هرجع؟

قال فورًا:

— لأ.

— أمال جيت ليه؟

بص قدامه.

— لأن أحمد كان محتاجك.

سكت لحظة.

— ولأن أنا كمان كنت محتاج ابني.

بلعت الغصة.

قال:

— بس كنت جبان أقولها.

تاني يوم صحيت بدري.

لبست.

أخدت شنطتي.

وقبل ما أخرج…

وقفت عند نفس الباب.

نفس الباب اللي خرجت منه وأنا عندي 18 سنة.

لكن المرة دي…

أمي ناولتني سندوتشات بالعافية.

أحمد كان واقف يشرب قهوة.

وأبويا ناداني:

— رامز!

لفيت.

— نعم؟

قال:

— هتيجي الجمعة؟

ابتسمت.

زمان قال:

اخرج من بيتي.

النهارده بيسأل:

هترجع إمتى؟

قلت:

— جاي.

أمي قالت:

— هعملك الأكل اللي بتحبه.

أحمد اعترض:

— طب وأنا؟

قالت:

— إنت كل حاجة بتحبها يا ابني.

نزلت السلم وأنا بضحك.

وقبل ما أقفل الباب سمعت أبويا بيقول لأمي:

— نوال!

— نعم؟

— رامز نسي العلبة الصغيرة.

قلت من تحت:

— سامعك يا بابا!

نزل جري وهو شايلها.

ناولني إياها.

وبص للشنطة اللي على كتفي.

ابتسم.

وقال:

— خلي بالك منها.

قلت:

— من الشنطة؟

هز راسه.

— من الموهبة اللي جواها.

بصيتله للحظات.

وبعدين مشيت.

وأنا في الطريق للمركز، افتكرت رامز اللي كان عنده 18 سنة.

الولد اللي خرج من البيت وهو فاكر إن أبوه اختار صورته قدام الناس بدل ابنه.

لو قدرت أرجعله للحظة…

ماكنتش هقوله إن كل حاجة هتبقى سهلة.

لأنها ماكنتش.

ماكنتش هقوله إن أبوه هيندم بسرعة.

لأنه احتاج عشر سنين.

وماكنتش هقوله إن الجرح هيختفي.

لأنه ما اختفاش.

كنت هقوله حاجة واحدة:

ماترمِيش الشنطة.

كمل.

اتعلم.

اشتغل.

وابنِ حياتك.

مش علشان تثبت لأبوك إنه غلط.

ولا علشان تنتقم من أخوك اللي سكت.

ولا علشان الناس تعترف بيك.

اعمل ده لأن الحاجة اللي بتخلي إنسان يبص لنفسه في المراية بثقة…

عمرها ما كانت عيب.

وأحيانًا…

الحاجة اللي أهلك فاكرينها سبب فضيحتهم…

تبقى يومًا سبب فخرهم الأكبر.

أنا رامز.

وده أحمد أخويا التوأم.

أحمد احتاج حادثة علشان يتعلم إن شكله مش هو قيمته.

وأبويا احتاج عشر سنين علشان يتعلم إن ابنه مش لازم يكون نسخة من توقعاته.

أما أنا…

فاحتجت كل السنين دي علشان أفهم إن التسامح مش معناه إن اللي حصل كان مقبول.

التسامح معناه إنني رفضت أسيب أسوأ يوم في حياتي يتحكم في باقي أيامي.

خرجت من البيت في الثامنة عشرة وأنا شايل شنطة صغيرة…

ورجعت بعد اثني عشر عامًا وأنا شايل نفس الحلم.

الفرق الوحيد؟

إن المرة الأولى…

أبويا كان واقف ورايا وبيقولي:

— اخرج.

أما المرة الأخيرة…

فكان واقف عند الباب وبيقولي:

— ماتتأخرش علينا يا ابني.

تمت

 الكاتبة: أسما السيد

 جميع الحقوق محفوظة للكاتبة أسما السيد. ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى