روايات وقصص

حقيبة سفر حكايات اسما السيد 3

الفصل الرابع — الست اللي حذرتني قبل جوازي بصيت لمحمود وأنا حاسة إن كل كلمة جديدة بتسحب الأرض من تحت رجلي. قلت: — قابلتها فين؟ محمود ما ردش فورًا. حماتي نادية قفلت التسجيل وقالت: — اسمها هالة هالة… فضلت أكرره جوايا. وفجأة… افتكرت. رجعت بذاكرتي لتسع سنين فاتوا. قبل جوازي من كريم بحوالي شهر. كنت خارجة من الشركة اللي كنت بشتغل فيها وقتها… ولقيت ست واقفة مستنياني قدام الباب. كانت لابسة طرحة رمادي…

 

وشها …

وفي إيدها ظرف بني.

أول ما شافتني قالت:

— إنتِ سارة؟

قلت:

— أيوه.

قربت مني وقالت:

— أنا محتاجة أتكلم معاكي عن كريم.

وقتها…

أنا اتعصبت.

صدقت جوزي المستقبلي.

فاكرة هالة وهي بتحاول تديني الظرف.

وفاكرة نفسي وأنا برفض آخده.

قلت لها وقتها:

— لو سمحتي ابعدي عني… وإلا هكلم الأمن.

بصت لي بحزن.

مش بغضب.

وقالت جملة فضلت في ذاكرتي سنين:

— أنا مش جاية أخرب بيتك يا سارة… أنا جاية أمنعك تدخلي بيت عليه.

وسبتها ومشيت.

بعد أسبوع…

كريم قال لي إنها سافرت.

وبعد شهر…

اتجوزنا.

رجعت للحاضر وأنا حاطة إيدي على بوقي.

— هي؟

نادية هزت راسها.

— هي.

همست:

— وكريم قال لي إنها موظفة حرامية.

محمود ضحك بمرارة.

— طبيعي.

بصيت لنادية:

— كانت مراته؟

— أيوه.

— وإزاي كان هيتجوزني وهي مراته؟

ردت نادية:

— كانوا منفصلين، وبعدها حصل الطلاق رسميًا قبل عقد قرانكم بفترة قصيرة.

سألتها بسرعة:

— والولد؟

وش نادية اتغير.

— اسمه آدم.

— عنده كام سنة دلوقتي؟

— أربعة عشر سنة.

قلبي اتقبض.

ولد عمره أربعة عشر سنة…

عاش كل السنين دي…

وأنا معرفش حتى إنه موجود.

قلت:

— فين آدم؟

سكتوا.

بصيت لمحمود.

— فين الولد؟

قال:

— مع خالته.

— وكريم؟

— كان بيبعت له مصاريف.

ضحكت بعدم تصديق.

— كريم؟!

الراجل اللي كان بيحاسبني على مصاريف البيت…

كان بيصرف على ابن مخبيه عني؟

نادية قالت:

— المصيبة مش في آدم يا سارة.

بصيت لها.

— أمال في إيه؟

قالت:

— في سبب اختفاء هالة.

سكت المكتب كله.

قلت:

— حضرتك قلتي إنها اختفت.

— لأنها خافت.

— من كريم؟

نادية ما جاوبتش مباشرة.

فتحت الملف…

وطلعت مجموعة أوراق.

— هالة اكتشفت إن كريم كان بيستخدم الشركة في معاملات مالية غير قانونية، ولما إنها تبلغ عنه… بدأ يضغط عليها.

قلت:

— ضغط إزاي؟

— تهديدات… ومحاولات ياخد منها آدم… وتشويه سمعتها.

محمود أضاف:

— وفي الآخر هربت.

بصيت له.

— وإنت عرفت كل ده إمتى؟

— من شهرين.

ضحكت.

— شهرين كاملين وإنت ساكت؟

— كنت بجمع الأدلة.

— برضه؟

قربت منه.

— كل واحد فيكم بيقول كنت بجمع أدلة!

وضربت بإيدي على الملف.

— وأنا؟!

صوتي اتهز.

— أنا كنت إيه في حياتكم؟ آخر واحدة من حقها تعرف؟!

نادية قالت:

— أنا غلطت.

لفيت لها.

— غلطتي؟

دموعها لمعت.

— أنا كنت عارفة إن كريم كان متجوز قبلِك.

— وسكتي.

— أيوه.

— كنتِ عارفة إن عنده ابن؟

— أيوه.

حسيت بغضب بيطلع من جوه صدري.

— وسكتي تسع سنين؟!

قالت:

— كريم أقنعني إن هالة خرجت من حياته وإنه هيقولك في الوقت المناسب.

ضحكت بسخرية.

— الوقت المناسب؟ بعد ما يسرقني ويهرب؟

نادية نزلت عينيها.

— أنا بدفع تمن سكوتي دلوقتي.

رديت:

— لأ.

بصت لي.

— أنا اللي دفعته.

سكتت.

وأنا أخدت نفس طويل.

ماعدتش عايزة أعيط.

كنت عايزة أفهم.

قلت:

— دلوقتي عايزة الحقيقة كاملة.

بصيت لمحمود.

— من غير أسرار.

وبصيت لنادية.

— ومن غير جملة “كنا بنحميكي”.

قعدت على الكرسي.

— الفلوس راحت فين؟

محمود فتح اللابتوب.

لف الشاشة ناحيتي.

— جزء منها اتحول لحساب أمانات قانوني مؤقت لحد ما نثبت مصدره وملكيته.

أستاذ شريف قرب من الشاشة.

راجع البيانات.

وبعد دقيقة قال:

— الحساب موجود فعلًا… والتحويل ظاهر.

بصيت لمحمود.

لأول مرة من ساعة…

حسيت إني ممكن أكون ظلمته في جزء من شكي.

لكن لسه فيه سؤال.

— ليه عملت ده من غير إذني؟

قال:

— لأن كريم كان بيراقبك.

اتجمدت.

— بيراقبني إزاي؟

— موبايلك.

طلعت موبايلي غصب عني.

قال:

— كان عنده وصول لحساباتك السحابية… وكان عارف جزء من تحركاتك.

بصيت لأستاذ شريف.

— حتى مكالماتي؟

قال محمود:

— مش كلها.

سكت.

— لكن كان عارف إنك قابلتي محامي.

هنا…

افتكرت كلام كريم في المطار:

“عندك تسجيلات للجزء اللي أنا سمحت لك تسمعيه.”

قلت:

— يعني كان عارف إني اكتشفته؟

— كان شاكك.

— وعشان كده استعجل السفر؟

— بالضبط.

سألت:

— وياسمين؟

نادية قالت:

— كانت بتلعب على الناحيتين.

— يعني؟

— كريم فاكر إنها بتحبه.

ابتسمت نادية بسخرية.

— وهي كانت مستنية الفلوس تدخل حساب الشركة باسمها عشان تختفي لوحدها.

قلت:

— طب ومحمود؟

محمود رد:

— ياسمين جاتلي لما عرفت إني بدأت أدور ورا كريم.

— ليه؟

— عرضت عليا صفقة.

— إيه هي؟

— تديني مستندات تدين كريم… وأنا أسيبها تاخد جزء من الفلوس.

رفعت حاجبي.

— وإنت وافقت؟

قال:

— ظاهريًا.

— وده اللي كريم فهمه؟

— أيوه.

الصورة بدأت تكتمل.

كل واحد كان بيخدع التاني.

كريم بيخدعني.

ياسمين بتخدع كريم.

محمود بيخدع ياسمين.

وأنا…

كنت في نص دايرة كلها كذب.

قلت:

— وهالة فين دلوقتي؟

نادية سكتت.

— عايزة أشوفها.

قالت:

— مش سهل.

— ليه؟

— لأنها مش عايزة ترجع لأي حاجة تخص كريم.

— أنا مش كريم.

— عارفة.

قربت منها.

— هي قالت اسمي في التسجيل.

نادية بصت لي.

— أيوه.

— يبقى كانت عايزة تقولي حاجة.

سكتت نادية.

قلت:

— اتصلي بيها.

— سارة…

— اتصلي بيها.

أخرجت موبايلها.

فتحت رقم.

وضغطت اتصال.

ثانية…

اتنين…

خمسة…

مفيش رد.

جربت مرة تانية.

برضه مفيش.

محمود قال:

— ممكن تكون في الشغل.

نادية هزت راسها.

— هي عارفة إن كريم اتوقف في المطار.

بصيت لها.

— عرفتيها؟

— كلمتها الصبح.

— وقالت إيه؟

نادية اترددت.

— قالت إنها خايفة على آدم.

قلبي اتقبض.

— ليه؟

وقبل ما تجاوب…

موبايلها رن.

كلنا بصينا للشاشة.

اسم هالة.

نادية ردت بسرعة:

— هالة؟

صمت.

ملامحها اتغيرت.

— إنتِ فين؟

صمت تاني.

— اهدي… قوليلي إيه اللي حصل؟

وقفت من مكانها فجأة.

— إيه؟!

أنا كمان وقفت.

— في إيه؟

نادية رفعت إيدها تسكتني.

قالت في الموبايل:

— طب آدم فين دلوقتي؟

الصوت اللي جاي من السماعة كان عالي كفاية إني أسمع بكاء ست.

وبعدين…

نادية قفلت المكالمة.

وشها كان أبيض.

قلت:

— حصل إيه؟

قالت:

— آدم اختفى.

شهقت.

— اختفى إزاي؟

— خرج الصبح من المدرسة الصيفية… ومارجعش.

محمود قال بسرعة:

— يمكن راح عند صحابه.

نادية هزت راسها.

— لأ.

— عرفتي منين؟

مدت لي موبايلها.

— لأن هالة وصلها ده.

كانت صورة رسالة.

رقم مجهول.

وجملة واحدة:

“لو عايزة ابنك يرجع بأمان… خلي سارة تسلم الفلاشة.”

إيدي بدأت تترعش.

— الفلاشة؟

أستاذ شريف قال:

— محدش يعرف إن الفلاشة معاكي غيرنا وكريم.

بصيت لمحمود.

وبعدين لنادية.

قلت:

— وياسمين.

محمود هز راسه.

— ممكن.

لكن فجأة افتكرت حاجة.

حاجة صغيرة جدًا.

وقت ما كنت واقفة في المطار…

ياسمين حاولت تمشي.

ولما كريم صرخ عليها…

كانت ماسكة موبايلها.

وبتكتب بسرعة.

قلت:

— لازم نعرف ياسمين راحت فين.

أستاذ شريف قال:

— غالبًا لسه موجودة للتحقيق.

لكن موبايل محمود رن.

رد.

— ألو؟

سمع ثواني.

وبعدين بص لنا.

— إزاي يعني خرجت؟

قلبي دق أسرع.

— مين؟

قفل المكالمة.

— ياسمين.

قلت:

— خرجت من المطار؟

— أيوه.

— إمتى؟

— من حوالي نص ساعة.

سألت:

— وراحت فين؟

محمود هز راسه.

— محدش يعرف.

وفي اللحظة دي…

موبايلي أنا رن.

رقم مجهول.

كلنا سكتنا.

أستاذ شريف قال:

— مترديش.

لكن رسالة وصلت.

فتحتها.

صورة.

آدم.

ولد مراهق…

قاعد على كرسي في مكان مش واضح.

كان شكله خايف…

لكن الحمد لله باين إنه سليم.

تحت الصورة رسالة:

“معاكي ساعتين.”

وبعدها رسالة تانية:

“الفلاشة مقابل الولد.”

وبعدين الثالثة…

هي اللي خلت الدم يتجمد في عروقي:

“ومتفكريش تروحي للشرطة…

لأن الشخص اللي واقف جنبك دلوقتي…

هو اللي قالنا إن الفلاشة معاكي.”

رفعت عيني ببطء.

في المكتب كان واقف حواليّا تلاتة.

أستاذ شريف.

محمود.

ونادية.

واحد منهم…

كان لسه .

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى