ملجأ حيوانات حكايات اسما السيد

رحت ملجأ للحيوانات على أطراف طنطا، وأنا حاطط قاعدة واحدة: هتبنى كلب كبير في السن، وهاخد واحد بس.
كنت خلاص اخترت شاكي، لكن أول ما ركبوا له السلسلة، كلب تاني اسمه سالم بدأ يئن ورا القفص، كأنه بيتساب للمرة التانية.
شاكي رفض يمشي، وفضل واقف قدام القفص، ولا أي حاجة قدرت تحركه.
وقتها هدى، موظفة الملجأ، بصتلي وقالت:
— قبل ما تاخد شاكي… لازم تعرف حكاية الاتنين دول الأول.
بصيت للصورة القديمة اللي هدى كانت مديهالي.
راجل كبير في السن، قاعد قدام بيت ريفي بسيط.
شاكي على يمينه، وسالم على شماله.
والكلبين لابسين منديلين حمرا شبه بعض.
رفعت عيني لهدى.
— يعني كانوا عايشين مع بعض فعلًا؟
هزت راسها.
— حوالي تسع سنين.
بصيت لسالم، اللي كان لازق في شاكي كأنه مش عايز يبعد عنه.
— والراجل ده مين؟
— اسمه عم فؤاد.
— فين دلوقتي؟
هدى سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— رحل من حوالي سبع شهور.
رجعت أبص للصورة.
عم فؤاد كان حاطط إيده على راس شاكي، وسالم قاعد عند رجله.
واضح إنهم ماكانوش مجرد كلاب عنده.
دول كانوا عيلته.
سألت:
— وعشان كده انتهوا هنا؟
هدى أخدت نفس طويل.
— القصة أصعب من كده.
قربت منها.
— يعني إيه؟
قالت:
— الست اللي كلمتنا امبارح كانت جارته. قالت إن عم فؤاد كان عايش لوحده بعد وفاة مراته، وماكانش عنده أولاد قريبين منه. شاكي وسالم كانوا معاه من وهما صغيرين.
بصيت لسالم.
— وهو فقد نظره إمتى؟
— من حوالي تلات سنين.
— وشاكي بدأ يساعده وقتها؟
هدى ابتسمت.
— من قبل ما سالم يفقد نظره تمامًا.
سكتت لحظة وكملت:
— لما نظر سالم بدأ يضعف، بقى يخبط في الحاجات ويخاف يمشي لوحده. عم فؤاد لاحظ إن شاكي بدأ يمشي جنبه طول الوقت.
— من نفسه؟
— أيوه. محدش دربه.
بصيت لشاكي.
كان نايم بهدوء، لكن ودنه متوجهة ناحية سالم.
هدى قالت:
— كان يوصله لطبق الأكل، وللميه، وللباب. وحتى لما كانوا يخرجوا، سالم كان يمشي لازق في جسمه.
حسيت بحاجة تقيلة في صدري.
— وبعد ما عم فؤاد رحل؟
ملامح هدى اتغيرت.
واللي قالته كان الأصعب.
— سالم فضل تلات أيام كاملة جنب صاحبه، لحد ما الجيران اكتشفوا إن في حاجة مش طبيعية.
حسيت إن الكلام وقف في زوري.
— تلات أيام؟!
هزت راسها.
— الجيران كانوا فاكرين إن عم فؤاد عند قرايبه. محدش شك في حاجة، لحد ما واحدة منهم لاحظت إن باب البيت مقفول بقاله أيام، وإن شاكي واقف عند الشباك وبيصدر صوت غريب.
سألتها بسرعة:
— طب وشاكي؟
هدى بصت ناحية الكلبين.
— كان بيعمل حاجة محدش صدقها في الأول.
— إيه؟
قالت:
— كان بياخد الأكل اللي عم فؤاد سايبه في طبقه، ويحطه قدام سالم.
سكت.
هدى كملت:
— سالم ماكانش فاهم ليه صاحبه مش بيرد عليه، ولا ليه البيت ساكت. كان كل شوية يقوم يدور عليه، يخبط في الكراسي والحيطان، ويرجع يقعد جنبه.
بصيت لسالم.
كان واقف دلوقتي، راسه ميلة ناحية شاكي.
كأن مجرد سماع صوته مطمنه.
هدى مسحت دمعة من عينها وقالت:
— ولما الناس دخلت البيت عشان تاخد عم فؤاد، حصلت مشكلة.
— مشكلة إيه؟
— سالم انهار من الخوف.
— يعني إيه؟
— أول ما حس إن الناس بتحاول تنقل صاحبه، بدأ يجري وراهم وهو مش شايف. خبط في الباب، وفضل يدور على الصوت.
بلعت ريقي.
— وشاكي؟
هدى ابتسمت بحزن.
— شاكي ماجريش وراهم.
استغربت.
— أمال عمل إيه؟
— رجع لسالم.
بصيتلها.
قالت:
— سالم كان مرعوب ومش عارف يتحرك، فشاكي وقف جنبه.
الجملة دخلت قلبي.
كأن شاكي في اللحظة دي اختار:
اللي راح خلاص مش هقدر أرجعه… لكن اللي لسه معايا محتاجني.
سألتها:
— طب ليه جم الملجأ بعد سبع شهور؟ كانوا فين الفترة دي؟
هنا هدى سكتت.
ملامحها اتغيرت.
وقالت:
— هنا بقى الجزء اللي أنا كنت عايزاك تعرفه قبل ما تاخد شاكي.
قربت منها أكتر.
— قولي.
قالت:
— بعد رحيل عم فؤاد، واحد من قرايبه أخد البيت، لكنه رفض يحتفظ بالكلبين.
— سابهم في الشارع؟
— لأ. جار عم فؤاد، راجل اسمه عم صبري، أخدهم عنده مؤقتًا.
تنفست براحة بسيطة.
لكن هدى كملت:
— المشكلة إن عم صبري نفسه رجل كبير ومحتاج رعاية. فضل مصمم يحتفظ بيهم شهور، لحد ما دخل مركز رعاية الأسبوع اللي فات.
— فعشان كده جابوهم هنا؟
— أيوه.
بصيت ناحية شاكي وسالم.
— طب وإيه السر؟
هدى قربت من القفص.
— السر إن دي مش أول مرة حد يحاول يفصلهم.
سكت.
— يعني إيه؟
قالت:
— من شهرين، أسرة شافت شاكي وحبته جدًا. قالوا ياخدوه، لكن سالم لأ… لأنه كبير في السن ومحتاج متابعة.
بدأت أفهم.
— خدوا شاكي؟
— حاولوا.
هدى فتحت موبايلها وورتني فيديو.
شاكي مربوط بسلسلة، وراجل بيحاول يدخله العربية.
شاكي واقف مكانه.
الراجل يشده…
شاكي يرجع لورا.
وبعدين فجأة، صوت سالم جه من بعيد.
شاكي بدأ يحاول يرجع ناحية الصوت.
فضل واقف مكانه لحد ما الأسرة رجعته.
هدى قفلت الفيديو.
— الأسرة رجعته.
بصيت لشاكي.
وفجأة فهمت ليه من شوية، أول ما سالم أنَّ ورا القفص، شاكي وقف قدامه.
المشهد ده حصل قبل كده.
هو عارف معنى إن حد ياخده بعيد عن سالم.
سألت:
— يعني شاكي مش بيرفض التبني؟
هدى هزت راسها.
— شاكي بيرفض يتبنى لوحده.
وقفت ساكت.
بصيت للكلب اللي كنت جاي آخده.
وبعدين بصيت لسالم، اللي ماكانش أصلًا ضمن خطتي.
أنا كنت جاي بقاعدة واضحة جدًا:
كلب واحد.
شقتي صغيرة نسبيًا.
ومصاريف كلبين كبار مش قليلة.
واحد منهم محتاج متابعة مستمرة.
عقلي كان بيقولي:
“إنت جيت تساعد واحد… مش لازم تحل كل حاجة.”
قربت من شاكي.
— يلا يا صاحبي.
وقف.
شاكي رفع راسه.
مديت إيدي بالسلسلة.
قام فعلًا.
مشى خطوتين ناحيتي.
سالم سمع صوت السلسلة.
رفع راسه بسرعة.
وبدأ يئن.
شاكي وقف.
لف ناحية سالم.
وبعدين رجعله.
حط جسمه جنبه.
وسالم حط راسه على كتفه.
هدى ماقالتش كلمة.
ولا أنا.
فضلت واقف أبص عليهم.
وبعد شوية سألت:
— سالم محتاج متابعة إيه؟
هدى رفعت عيني بسرعة.
— عنده مشاكل بسيطة في المفاصل، وفقدان النظر. لكن حالته مستقرة بالنسبة لسنه.
— والأكل؟
— الاتنين تقريبًا نفس النظام.
— بيتخانقوا؟
ضحكت لأول مرة.
— بالعكس. لو سالم صحي وملاقاش شاكي جنبه، بيبدأ يدور عليه فورًا.
بصيتلها وقلت:
— عندكم سلسلة تانية؟
هدى فضلت باصة لي كأنها مش مستوعبة.
— تقصد إيه؟
قلت:
— أنا جيت آخد كلب واحد…
وبصيت لشاكي.
— بس الظاهر إن الكلب اللي اخترته…
وبصيت لسالم.
— جاي معاه صاحبه.
هدى حطت إيدها على بقها.
وعينيها دمعت.
فتحت القفص.
دخلت لسالم بهدوء وركبتله السلسلة.
الغريب إن سالم كان متوتر.
رجله بتترعش.
لحد ما شاكي قرب منه ولمس كتفه بأنفه.
فجأة سالم هدي.
خرجوا الاتنين.
ولما وصلنا للعربية، فتحت الباب الخلفي.
شاكي طلع الأول.
وبعدين وقف عند الباب.
سالم حاول يطلع، لكنه خبط برجله في طرف العربية.
قبل ما ألحق أساعده…
شاكي نزل تاني.
وقف جنبه.
سالم لمس جسمه بأنفه.
وبعدها طلع وراه خطوة خطوة.
ركبوا.
قفلت الباب.
هدى وقفت عند الشباك وقالتلي:
— استنى… فيه حاجة لازم تاخدها معاهم.
دخلت الملجأ ورجعت بعد دقيقتين.
كان في إيدها كيس صغير.
فتحته.
طلعت منه منديلين حمرا.
نفس اللي في الصورة.
قالت:
— دول كانوا معاهم لما وصلوا.
مسكتهم منها.
ربطت واحد حوالين رقبة شاكي.
والتاني حوالين رقبة سالم.
بصيت في مراية العربية.
ولثانية…
الصورة القديمة رجعت قدامي.
بس مكان عم فؤاد كان فاضي.
شغلت العربية.
وأول ما اتحركت، سالم بدأ يئن.
شاكي قرب منه فورًا.
سالم حط راسه عليه.
وسكت.
وصلنا البيت بعد حوالي نص ساعة.
فتحت الباب.
شاكي نزل.
وبعدين استنى سالم زي عادته.
دخلوا الشقة سوا.
سالم وقف عند الباب متردد.
مكان جديد.
ريحة جديدة.
أصوات جديدة.
كان خايف ياخد أول خطوة.
لكن شاكي دخل قدامه شوية.
رجع.
لمس أنفه بأنف سالم.
وبدأ يمشي ببطء.
وسالم وراه.
الصالة.
المطبخ.
طبق الميه.
مكان النوم.
شاكي كان بيوريه البيت.
بالظبط زي ما هدى قالت إنه كان بيعمل من سنين.
بالليل فرشت لهم مكانين جنب بعض.
ضحكت على نفسي وقلت:
— أهو كل واحد له مكانه.
صحيت الساعة تلاتة الفجر.
لقيت المكانين فاضيين.
قلقت وقمت أدور عليهم.
لقيتهم في الصالة.
سالم نايم.
وشاكي نايم جنبه.
راسه قريب منه.
وقفت أبص عليهم فترة طويلة.
وفهمت حاجة.
أنا كنت فاكر إني النهارده تبنيت كلبين.
لكن الحقيقة؟
أنا بس وافقت إني مافرقش عيلة فضلت متمسكة ببعض بعد ما فقدت الشخص اللي كان بيجمعهم.
وبعد أسبوعين، هدى بعتتلي رسالة:
“عاملين إيه؟”
صورتهم وبعتلها.
شاكي وسالم كانوا نايمين جنب بعض تحت الشمس، والمنديلين الحمرا حوالين رقبتهم.
ردت هدى بصورة قديمة لعم فؤاد معاهم.
وكتبت:
“أعتقد لو كان شايفهم دلوقتي… كان هيبقى مطمن.”
بصيت للصورتين جنب بعض.
القديمة…
والجديدة.
وقلت في سري:
— اطمن يا عم فؤاد…
هما لسه مع بعض.
وبعدها حصل شيء صغير خلاني أتأكد إني أخدت القرار الصح.
كنت داخل البيت شايل أكياس الأكل، واتكعبلت ووقعت مني المفاتيح على الأرض.
سالم اتخض من الصوت وبدأ يدور حوالين نفسه.
قبل حتى ما أناديه…
شاكي قام من مكانه.
مشى ناحيته.
وقف ملاصق لجسمه.
سالم هدي فورًا.
وبعدين الاتنين جم ناحيتي.
ضحكت وأنا بفتح لهم دراعاتي وقلت:
— خلاص يا جماعة… فهمت.
أنا اللي اتبنيت المرة دي.
ومن يومها، القاعدة الوحيدة اللي دخلت بيها الملجأ اختفت.
كنت رايح أتبنى كلب كبير في السن…
وهاخد واحد بس.
رجعت البيت باثنين.
لكن لأول مرة في حياتي…
حسيت إن مخالفة القاعدة كانت أحسن قرار أخدته. ❤️🐾




