الاختيار الخطأ حكايات اسما السيد 5

الفصل الخامس والأخير — الجواز اللي بدأ بترتيب وانتهى بحقيقة
فضلت ماسكة الموبايل ومش قادرة أتكلم.
جوزي كرر:
— أمي هي اللي بعتتني المكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة.
غمضت عيني.
رجعت بذاكرتي 8 سنين لورا.
اليوم اللي قابلته فيه.
كنت خارجة من اجتماع شغل، لكن وقتها ماكنتش بظهر بصفتي الحقيقية في الشركة إلا في اجتماعات محدودة.
دخلت مكان هادي قريب من المكتب.
وهو كان هناك.
وقع منه ملف.
ساعدته يجمع الورق.
اتكلمنا.
وبعدين قابلنا بعض تاني.
وبعد شهور، اتقدملي.
طول السنين دي كنت بحكي قصة تعارفنا وأنا بضحك:
“أحلى صدفة حصلتلي.”
دلوقتي…
الصدفة نفسها بقت محل شك.
قلت:
— يعني إنت كنت عارف أنا مين قبل ما تقابلني؟
صرخ:
— والله لأ!
سكت.
لأول مرة من بداية الأزمة حسيت إن خوفه حقيقي.
قال:
— أمي قالتلي وقتها إن فيه مكان كويس ممكن أقابل فيه ناس تفيدني في شغلي. ما قالتليش إنك هتكوني هناك.
قلت:
— وبعد ما قابلتني؟
— لما حكيتلها عنك، شجعتني أكلمك.
— وإنت ما سألتش ليه؟
— كنت فاكرها مبسوطة إني قابلت بنت مناسبة.
ضحكت بمرارة.
— مناسبة جدًا.
قفلت المكالمة.
ما بقيتش عايزة أسمع كلام.
عايزة دليل.
بصيت للمحامي السابق اللي قاعد قدامي.
قلت:
— هل حماتي كانت تعرف اليوم والمكان اللي هكون موجودة فيه؟
سكت.
قلت:
— جاوب.
قال:
— أيوه.
قلبي وقع.
— عرفت منين؟
— مني.
المحامي اللي معايا اتحرك في كرسيه.
أما أنا ففضلت ثابتة.
قلت:
— يعني إنت اللي قلتلها؟
— أيوه.
— ليه؟
مسح وشه بإيده.
— وقتها هي تواصلت معايا وقالت إن ابنها بيدور على فرصة شغل، وسألتني عن مناسبات ممكن يحضرها ويقابل فيها رجال أعمال.
قلت:
— وإنت قلتلها أنا هكون فين.
— للأسف.
— وهي بعتت ابنها.
— أيوه.
سألته:
— وهل جوزي كان عارف إن ده مرتب؟
قال:
— على حد علمي… لأ.
سكت.
دي كانت نقطة مهمة.
غضبي من جوزي ما يدينيش الحق أحمله حاجة ماعنديش دليل إنه عملها.
لكن أمه؟
الصورة بقت أوضح.
هي عرفت إني بنت الراجل اللي طردها من شركته من سنين.
عرفت إني وريثة جزء كبير من ممتلكاته.
عرفت مكاني.
وبعتت ابنها.
يمكن في البداية علشان فرصة.
يمكن علشان حاجة أكبر.
لكن اللي حصل بعد كده ماكانش صدفة.
قلت للمحامي:
— ومحاولات الوصول لممتلكاتي بعد الجواز؟
نزل عينه.
— كانت منها.
— وتزوير التوقيعات؟
قال:
— أنا شاركت فيه.
المحامي بتاعي قال فورًا:
— خلي بالك من كلامك. ده اعتراف.
رد:
— عارف.
قلت:
— ليه بتعترف دلوقتي؟
طلع ملف تاني.
— لأنها قررت ترميني لوحدي.
— يعني إيه؟
— لما عرفت إنكم اكتشفتوا محاولة نقل البيت، كلمتني وقالتلي لو اتفتح تحقيق هتقول إني تصرفت من نفسي.
ضحك بمرارة.
— وأنا غلطت، بس مش هشيل كل حاجة لوحدي.
قلت:
— يبقى كل اللي عندك يتسلم رسميًا.
هز راسه.
— موافق.
خرجت من الاجتماع وأنا حاسة إن جوازي كله بيتعاد قدامي بصورة مختلفة.
لكن لسه كان فيه مواجهة أخيرة.
حماتي.
ما رحتش لها لوحدي.
ولا دخلت خناقة.
كل حاجة بقت ماشية رسمي.
لكن هي اللي جاتلي.
تاني يوم، دخلت مكتبي بعد ما طلبت تقابلني.
لأول مرة من 7 سنين…
دخلت وهي عارفة بالظبط أنا مين.
ما قالتليش “يا موظفة”.
ما بصتش لهدومي باستخفاف.
قعدت قدامي وقالت:
— عايزة تدمري ابني؟
قلت:
— ابنك دمر جوازه بنفسه.
قالت:
— هو غلط لما اتجوز عليكي، بس إنتِ خبيتي عنه حقيقتك.
قلت:
— وإنتِ عرفتي حقيقتي من زمان وخبيتي عنه برضه.
سكتت.
قلت:
— ليه؟
قالت:
— كنت خايفة.
— من إيه؟
— إنه لما يعرف إنك أغنى منه بالشكل ده يحس إنه أقل منك.
بصيتلها.
— غريبة. أصل حضرتك قضيتِ 7 سنين تحاولي تخليني أنا اللي أحس إني أقل منه.
ما ردتش.
قلت:
— ليه بعتيله مكاني يوم ما اتقابلنا؟
قالت:
— كنت عايزاه يعرف ناس كويسة.
— وإنتِ كنتِ عارفة إني هكون هناك.
سكتت.
قلت:
— وليه بعد وفاة أبويا بدأتي تدفعي للمحامي؟
قالت:
— كنت بأمّن مستقبل ابني.
قلت:
— للمرة الأخيرة… سرقة ممتلكات غيرك مش تأمين مستقبل.
اتعصبت:
— أبوكي ظلمني زمان!
هنا فهمت.
أول مرة تقولها بصراحة.
قلت:
— أهو ده السبب الحقيقي؟
سكتت.
— كل ده كان من أبويا؟
قالت:
— أبوكي من شغلي وخلاني أبدأ من الصفر!
قلت:
— ليه ؟
ما ردتش.
طلعت نسخة من الملف القديم.
— علشان حاولتي تستخدمي مستندات مالية مش من حقك.
وشها اتغير.
قلت:
— يعني حتى القصة اللي حكيتيها لنفسك سنين علشان تبرري اللي عملتيه… ناقصة نص الحقيقة.
قامت من مكانها.
— أنا مش هسمحلك تاخدي ابني مني.
قلت بهدوء:
— أنا مش عايزة ابنك.
الجملة وقفتها.
قلت:
— هو اختار.
— تقصدي إيه؟
— اختار يكذب.
اختار يدخل زوجة تانية البيت ويقف على الباب يديني 40 ألف جنيه ويقولي أختفي.
اختار يستفيد من محاولة نقل ملك مش بتاعه.
واختار يسكت سنين وإنتِ بتهينيني بسبب الخلفة وهو عارف إن عنده مشكلة محتاجة متابعة.
قربت الملف مني.
— دي اختياراته. مش اختياراتك إنتِ.
خرجت من عندي.
وبعدها بدأت الإجراءات.
كل المستندات المزورة اتقدمت للجهات المختصة عن طريق المحامين.
تمت مراجعة التحويلات.
والمحامي السابق قدم ما عنده من أوراق ومراسلات.
والبيت فضل مملوك للشركة؛ محاولة نقل الملكية أصلًا ما كانتش اكتملت.
العربية رجعت للشركة.
والكروت الإضافية اتقفلت.
مش انتقام.
دي أصول شركة، وماكانش من حق أي شخص يستخدمها بعد انتهاء الصفة اللي كان بياخدها من خلالها.
أما نادين…
فخرجت من البيت.
والحقيقة اللي ظهرت بعد كده أكدت إن جوزي اتسرع في بناء حياة كاملة على كلامها من غير ما يتأكد.
هي اعترفت إن حملها من شخص آخر كانت مرتبطة به قبل زواجها من جوزي، وإنها أخفت عنه الحقيقة خوفًا من أن يتركها.
وده ما خلانيش أشمت فيه.
لأن الطفل اللي لسه ما اتولدش مالوش ذنب في أي حاجة.
لكن جوزي اتعلم بأقسى طريقة إن الكذب اللي شارك فيه رجعله في النهاية.
بعد أسابيع، طلب يقابلني.
وافقت في وجود محامينا علشان ننهي الإجراءات بينا بهدوء.
دخل.
كان مختلف.
مفيش القميص الغالي.
مفيش العربية الفخمة.
مفيش النظرة اللي وقف بيها قدام البيت ليلة رجوعي.
قعد وقال:
— أنا خسرت كل حاجة.
قلت:
— لأ.
بصلي.
— إنت خسرت حاجات ما كانتش ملكك من البداية.
سكت.
قال:
— أنا كنت غبي.
ما رديتش.
قال:
— لما عرفت إنها حامل، حسيت إني أخيرًا هبقى أب. وأمي فضلت تقولي إن دي فرصتي.
قلت:
— وكان لازم علشان تبدأ حياة جديدة ترميني برا البيت؟
نزل عينه.
— لأ.
— وتديني 40 ألف جنيه؟
— لأ.
— وتقول إني مش عيلة حقيقية؟
دموعه لمعت.
— لأ.
قلت:
— يبقى ما تحاولش تلوم أمك ولا نادين على قرار إنت أخدته برجلك.
سكت فترة.
وبعدين قال:
— فيه فرصة نرجع؟
بصيتله.
الراجل ده كان جوزي 7 سنين.
أكيد كان فيه أيام حلوة.
أكيد حبيته.
لكن الحب مش ممحاة.
ما يمسحش الإهانة.
ولا .
ولا .
ولا الاستفادة من تزوير توقيعي.
قلت:
— لأ.
بدأ يعيط.
— بسهولة كده؟
قلت:
— بسهولة؟
ضحكت بحزن.
— أنا وصلت من سفر لقيت كالون بيتي متغير، ومراتك الجديدة جوه، وأمك بتقولي اختفي، وإنت مديلي ظرف فيه 40 ألف جنيه تمن 7 سنين من عمري.
قربت منه الظرف.
كنت محتفظة بيه.
حطيته قدامه.
— خدهم.
بص للظرف.
قلت:
— أنا مش عايزة تعويض عن جوازي.
— مريم…
— إحنا هننهي كل حاجة بالطريقة الشرعية والقانونية، وكل واحد ياخد حقه من غير ظلم.
قمت.
وقبل ما أمشي قال:
— إنتِ ليه ما قولتيليش من البداية إنتِ مين؟
وقفت.
فكرت.
وبعدين قلت:
— يمكن دي كانت غلطتي.
بصلي.
قلت:
— كنت فاكرة إني لما أخبي الفلوس هعرف إذا كنت بتحبني أنا ولا بتحب ثروتي.
سكت لحظة.
— لكن اكتشفت إن الاختبار الحقيقي ماكانش لما ما تعرفش إن عندي فلوس.
قربت من الباب.
— الاختبار الحقيقي كان لما افتكرت إني ما عنديش حاجة… وشوفت إنت عاملتني إزاي.
ومشيت.
مرت شهور.
رجعت أركز في شغلي.
غيرنا إجراءات الوصول للمعلومات الحساسة بالكامل.
بقينا نستخدم موافقات متعددة على أي تصرف في الأصول الكبيرة.
واتراجع كل توكيل وتوقيع قديم.
أما البيت…
ما رجعتش أعيش فيه.
رغم إنه كان تحت سيطرة شركتي.
كل ركن فيه كان بيفكرني بحاجة انتهت.
فاتخذت قرارًا بالتصرف فيه بالطريقة المناسبة للشركة، وبدأت حياتي في مكان جديد.
وفي أول ليلة هناك، كنت واقفة عند الباب.
طلعت المفتاح.
دخلته في الكالون.
فتح.
وقفت ثواني وأنا ماسكة المقبض.
الغريب إن صوت فتح الباب خلاني أفتكر الليلة اللي بدأت منها الحكاية.
المطر.
الشنطة.
الكالون المتغير.
وضحكة حماتي من ورا الباب:
“ابني اختار واحدة تانية.”
وقتها افتكرت إنهم طردوني من حياتي.
لكن الحقيقة؟
هما بس فتحوا لي الباب علشان أشوف حياة كاملة كنت عايشة فيها وأنا مغمضة عيني عن حاجات كتير.
دخلت.
قفلت الباب ورايا.
وحطيت المفتاح على الترابيزة.
ولأول مرة من وقت طويل…
ماكانش فيه حد مستنيني يحدد قيمتي على أساس خلفت ولا لأ.
ولا على أساس معايا كام.
ولا بنت مين.
كنت أنا وبس.
وده كان كفاية.
تمت.
✍️ الكاتبة أسما السيد




