روايات وقصص

آسر وجنا بقلم اسما السيد كامله بدون فواصل

المهندسة التي تحدّت الضابط.. وهل تتحول الخلافات إلى قصة حب؟
بقلم الكاتبة: أسما السيد

آسر الجندي ضابط حازم، سريع الغضب، ومتعود إن أوامره تتنفذ من غير نقاش.

أما جنا الراوي فهي مهندسة معمارية قوية الشخصية، وأكثر شيء تكرهه في حياتها هو أن يفرض عليها أحد رأيه.

ولما الظروف تجمعهم في مشروع واحد، تبدأ بينهم سلسلة من المواقف والمناقشات التي لا تخلو من الطرافة والتحدي.

لكن اللي ماكانوش يعرفوه إن المشروع ده مش هيبني فيلا وبس…

ده هيغير حياتهم هما الاتنين.

الفصل الأول: أول مواجهة
بدأت الحكاية الساعة سبعة ونصف صباحًا.

عربية عسكرية وقفت أمام موقع الفيلا، ونزل منها آسر بخطوات سريعة.

دخل الموقع، وبص حوله للحظات، ثم قال بصوت واضح:

— مين المهندس المسؤول هنا؟

العمال سكتوا، والمقاول أشار ناحية آخر الموقع.

كانت جنا واقفة فوق سلم خشبي، ماسكة المخطط وبتراجع قياسات الواجهة.

نزلت نظارتها على عينيها، وبصت للضيف الجديد.

— المهندس المسؤول مهندسة، وواقفة قدامك أهي. خير؟

آسر لف ناحيتها ببطء.

كان واضح إنه مش متعود على الردود المباشرة.

قال:

— أنتِ المسؤولة عن التصميم؟

— أيوه.

— أنا طلبت إن الحيطة دي تتشال.

بصت جنا للحيطة، ثم رجعت بصت له.

— وأنا بقول إنها تفضل مكانها.

سكت.

— نعم؟

— الحيطة مش هتتشال.

آسر قرب خطوة.

— واضح إن محدش بلغك أنا مين.

ابتسمت بهدوء.

— بلغوني. حضرتك صاحب الفيلا، المقدم آسر الجندي.

— كويس. يبقى عارفة إن ده بيتي.

— وعارفة كمان إن ده تصميمي، وأنا المسؤولة عنه هندسيًا.

— وأنا اللي بدفع تكلفة المشروع.

— وأنا اللي هتحمل مسؤولية النتيجة لو اتعمل تعديل من غير دراسة.

ساد الصمت.

المقاول بص للعمال، والعمال بصوا لبعض.

ثم قالت جنا:

— تعالى أشرحلك ليه الحيطة دي مهمة، بدل ما نقضي الصبح كله في نقاش.

نظر لها آسر لحظات.

ثم قال:

— كملي.

فرشت جنا المخطط على الطاولة.

— بعد ما وصل تقرير التربة الجديد، اضطرينا نعيد توزيع الأحمال في الجزء الشرقي. الحيطة دي مرتبطة بالتعديل الإنشائي الجديد.

آسر بص للمخطط باهتمام.

— ولو اتشالت؟

— هنحتاج دعم إضافي، وتكلفة ووقت أكبر.

— وأنا كنت عايز المساحة أوسع.

— المساحة موجودة، بس بالطريقة الآمنة.

سكت قليلًا.

ثم قال:

— تمام. الحيطة تفضل.

جنا رفعت حاجبها.

— بالسرعة دي؟

— لما يكون عندي سبب مقنع، بغير رأيي.

ابتسمت.

— كويس. يبقى فيه أمل.

نظر لها باستغراب.

— أمل في إيه؟

— إننا نخلص المشروع من غير ما نتخانق كل يوم.

لأول مرة ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه.

— متأكدة؟

— لأ.

الفصل الثاني: اتفاق صعب
في اليوم التالي، وصلت جنا للموقع مبكرًا.

لكن حارس البوابة أوقفها.

— آسف يا بشمهندسة، ممنوع الدخول.

— ليه؟

— أوامر.

— أوامر مين؟

تردد قليلًا.

— سيادة المقدم.

دخلت جنا وهي مستعدة للنقاش.

وجدت آسر واقفًا مع المقاول.

قالت:

— صباح الخير. ممكن أعرف سبب منعي من دخول موقعي؟

أشار آسر ناحية السقالة.

— إجراءات السلامة مش كاملة.

نظرت إلى المكان.

وبالفعل، كان هناك عامل يحتاج إلى معدات حماية إضافية، كما أن أحد الكابلات يحتاج إلى تأمين.

تنهدت جنا وقالت:

— الشغل كله يقف.

نظر لها آسر باستغراب.

— كله؟

— أيوه. مفيش شغل يستاهل إن حد يتعرض للخطر.

نفذ العمال التعليمات.

قال آسر:

— كويس.

ردت:

— متفرحش. دي مش أوامرك، دي قواعد الشغل.

ابتسم.

— المهم إن النتيجة واحدة.

وقبل أن يتحرك، أعطاها خوذة جديدة.

— دي ليكي.

بصت للخوذة.

— عندي واحدة.

— اللي معاكي فيها شرخ صغير.

نظرت إليه بدهشة.

— لاحظته؟

— من امبارح.

أخذت الخوذة.

— شكرًا.

— العفو.

مشى آسر، بينما وقفت جنا للحظات تفكر.

لأول مرة اكتشفت أن وراء شخصيته الحازمة، فيه شخص يهتم بالتفاصيل أكثر مما توقعت.

الفصل الثالث: شيء من الماضي
مع مرور الأيام، أصبح آسر يزور الموقع باستمرار.

وفي كل مرة كان بينهم نقاش جديد.

لكن جنا بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا.

هناك غرفة في الدور الأول، في نهاية الممر، لم يسمح آسر لأحد بالاقتراب منها.

سألته:

— الغرفة دي محتاجة تشطيب من نوع معين؟

رد مباشرة:

— لأ. سيبيها زي ما هي.

— ليه؟

— كده أفضل.

لم يعجبها الرد.

لكنها احترمت رغبته.

بعد أيام، جاء شريف، صاحب الشركة التي رشحت جنا للمشروع.

سألته:

— الغرفة دي قصتها إيه؟

تغيرت ملامحه.

— آسر قالك إيه؟

— قال أقفلها.

تنهد شريف.

— يبقى اقفليها.

— بس ليه؟

قبل أن يجيب، جاء صوت آسر من خلفهما:

— شريف.

التفت الاثنان.

قال شريف بسرعة:

— أنا عندي مكالمة مهمة.

وغادر.

نظرت جنا إلى آسر.

— فيه حاجة في الغرفة دي أنت مش عايز تتكلم عنها.

قال بهدوء:

— مش كل حاجة لازم نعرفها.

— صح.

ثم أضافت:

— بس كل واحد بيحاول يهرب من حاجة، بيبان عليه.

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

— متدخليش في حاجات تخصني.

شعرت بالضيق، لكنها اكتفت بـ:

— حاضر.

وغادرت.

ولأول مرة، شعر آسر أنه كان قاسيًا أكثر مما ينبغي.

الفصل الرابع: لحظة خوف
في أحد الأيام، اشتدت الرياح أثناء العمل.

كانت جنا تراجع جزءًا من الواجهة عندما تحركت إحدى قطع السقالة.

آسر، الذي كان موجودًا بالموقع، لاحظ الأمر فورًا.

— جنا! انزلي!

ردت:

— دقيقة واحدة!

— انزلي حالًا!

لكن الرياح اشتدت فجأة.

اهتزت السقالة، وفقدت جنا توازنها للحظات.

أسرع آسر نحوها، وساعدها على النزول بأمان.

بعد أن ابتعدا عن السقالة، قال بانفعال:

— إنتِ كان ممكن تتعرضي للأذى!

— أنا كويسة.

— كان ممكن يحصل لك حاجة!

سكتت.

لأنها لأول مرة ترى الخوف واضحًا في عينيه.

قالت بهدوء:

— أنا بخير.

أخذ نفسًا عميقًا.

— روحي البيت النهارده.

ابتسمت.

— دي أوامر؟

هز رأسه.

— لأ.

ثم قال:

— طلب.

نظرت إليه بدهشة.

كان هذا مختلفًا تمامًا عن آسر الذي تعرفه.

قالت:

— حاضر.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت تنظر إليه بطريقة مختلفة.

الفصل الخامس: الحقيقة
في اليوم التالي، لم تأت جنا إلى الموقع.

ظل آسر يتابع الطريق كل فترة.

لاحظ شريف ذلك وقال له:

— لو قلقان عليها، اتصل بيها.

نظر إليه آسر.

— أنا بس بتابع الشغل.

ضحك شريف.

— طبعًا.

بعد دقائق، اتصل آسر.

— إنتِ كويسة؟

جاء صوت جنا:

— أيوه.

— كتفك عامل إيه؟

— أحسن.

سكت قليلًا.

ثم قال:

— أنا آسف على امبارح.

ابتسمت جنا.

— قبلت الاعتذار.

ثم سألته:

— مين اللي حصل لها حاجة قبل كده؟

ساد الصمت.

قال آسر أخيرًا:

— خطيبتي.

سكتت.

— توفت قبل الفرح بفترة قصيرة.

شعرت جنا بالحزن.

— أنا آسفة.

قال:

— من وقتها وأنا بحاول أعيش من غير ما أتعلق بحد.

سألته:

— ونجحت؟

ضحك ضحكة قصيرة.

— لأ.

الفصل السادس: بداية جديدة
عادت جنا إلى الموقع.

وجدت آسر واقفًا أمام الغرفة المغلقة.

هذه المرة كان الباب مفتوحًا.

دخلت بعد أن استأذنته.

كانت الغرفة فارغة.

قال:

— كانت بتحلم إن الغرفة دي تبقى للأطفال يومًا ما.

سكتت جنا.

— وبعد اللي حصل، مقدرتش أكمل.

قالت له:

— يمكن مش لازم تفضل الغرفة شاهدة على الماضي.

نظر إليها.

— تقصدي إيه؟

— ممكن نخليها مكان لبداية جديدة.

ابتسم للمرة الأولى من قلبه.

— عندك تصميم؟

— طبعًا.

رفعت المخطط.

— بس المرة دي، أنت اللي هتسمع كلامي.

ضحك.

— متعودتيش تتكلمي بهدوء؟

— لأ.

— واضح.

الفصل السابع: الاعتراف
مع مرور الشهور، انتهى بناء الفيلا.

وقفت جنا في الصالة تتأمل المكان.

قالت:

— خلصنا.

رد آسر:

— يعني مش هشوفك كل يوم؟

ابتسمت.

— ارتحت مني؟

— لأ.

سكت قليلًا.

— ودي المشكلة.

اقترب منها.

— أنا طول عمري متعود أواجه أي مشكلة لوحدي. لكن إنتِ مختلفة.

— مختلفة إزاي؟

— أول شخص من سنين خلاني أفكر إني ممكن أبدأ حياة جديدة.

نظرت إليه.

— وآسر الجندي ناوي يعمل إيه؟

ابتسم.

— المرة دي مش هدي أمر.

مد يده إليها.

— هطلب.

سكتت.

— جنا الراوي، تسمحيلي أكمل حياتي معاكي؟

نظرت إلى يده، ثم إلى عينيه.

— عندي شروط.

ضحك.

— كنت متوقع.

— مفيش أوامر.

— هحاول.

— ولما أقول رأيي، تسمعه.

— اتفقنا.

— والحيطة تفضل مكانها.

ضحك.

— الحيطة تفضل مكانها.

وضعت يدها في يده.

— يبقى موافقة.

الفصل الأخير: البيت اللي بدأ بخلاف
بعد فترة، امتلأت الفيلا بالحياة.

وفي الغرفة التي ظلت مغلقة لسنوات، وُضعت ألعاب صغيرة وألوان وكتب.

وقفت جنا عند الباب وقالت:

— مش مصدقة إن المكان ده بقى بالشكل ده.

نظر إليها آسر.

— أنا كمان.

— فاكر أول يوم؟

ضحك.

— فاكر إنك كنتِ مستفزة جدًا.

— وإنت كنت متسلط.

— لسه.

— للأسف.

ضحك الاثنان.

ثم قال آسر:

— بس عارفة إيه؟

— إيه؟

— أحسن حاجة حصلتلي في المشروع ده…

توقفت.

— إيه؟

ابتسم.

— إن المهندسة اللي رفضت أول أوامري، وافقت في الآخر تشاركني البيت كله.

ضحكت جنا.

— وأنت أحسن حاجة حصلتلي؟

— أنا؟

— أيوه.

— رغم إني متسلط؟

— جدًا.

— وعصبي؟

— أحيانًا.

— وبحب الأوامر؟

— كتير.

ابتسمت.

— بس قلبك طيب.

نظر إليها بحب.

— وإنتِ أول واحدة خلتيني أفهم إن الحياة مش لازم تمشي كلها بالأوامر.

وظلت الحيطة مكانها.

الحيطة التي بدأت بسببها أول مواجهة بينهما، أصبحت بعد سنوات شاهدًا على بداية قصة مختلفة تمامًا.

فجنا لم تكن مجرد مهندسة صممت فيلا آسر الجندي…

وآسر لم يكن مجرد صاحب مشروع أعطاها مجموعة من التعليمات.

كانا شخصين مختلفين تمامًا، التقيا بسبب مشروع، واكتشفا أن أجمل العلاقات أحيانًا تبدأ بخلاف بسيط…

وتنتهي ببيت يجمع الاثنين. ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى