حكايات اسما السيد 1

— ماما… إنتِ اسمك لوسيا.
الست ما ردتش.
كانت بتبص للصورة اللي جوه القلادة كأنها بتحاول تدخل جواها.
قربت منها أكتر.
— بصي كويس… دي إنتِ.
رفعت عينيها ليا.
— وإنتِ؟
السؤال وجعني بطريقة عمري ما توقعتها.
بلعت ريقي بالعافية.
— أنا بنتك.
وشها اتهز.
— بنتي؟
— أيوه… أنا سلمى.
كررت الاسم بهدوء شديد:
— سلمى…
وبعدين فجأة حطت إيديها على راسها.
— آه!
مسكتها قبل ما تقع.
— ماما! مالك؟!
بدأ نفسها يعلى.
— في… في باب.
— باب إيه؟
— حديد… كان فيه باب حديد.
عينيها اتقفلت وهي بتحاول تفتكر.
— ودخان… صوت تكسير… وراجل بيزعق.
مسكت إيدها.
— مين الراجل؟
فتحت عينيها فجأة.
التوتر اللي شوفته فيهم خلاني أسكت.
— معرفش.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت جوزي من ورايا:
— كفاية يا سلمى.
لفيت بسرعة.
كان واقف عند باب الحمام.
حاتم.
جوزي اللي عشت معاه خمستاشر سنة.
لكن لأول مرة…
حسيت إني ببص لراجل معرفوش.
خرجت للممر وقفلت باب الحمام ورايا.
— إنت كنت عارف؟
حاتم سكت.
قربت منه.
— سألتك سؤال.
— سلمى…
— إنت كنت عارف إن الست دي أمي؟!
بص ناحية الباب.
— وطي صوتك.
ضحكت من العصبية.
— أوطي صوتي؟! أمي اللي بدور عليها من عشرين سنة دخلتها بيتي وإنت واقف بكل برود، وطلبت مني أحممها بنفسي… وعايزني أوطي صوتي؟!
شدني بعيد عن الباب.
— علشان حالتها النفسية مش مستحملة.
سحبت إيدي منه.
— من إمتى وإنت عارف؟
سكت ثواني.
وبعدين قال:
— من حوالي 3 أسابيع.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
— تلات أسابيع؟!
— مكنتش متأكد.
— عشان كده رحت المطعم الخيري؟
ما ردش.
وقتها فهمت.
— إنت مروحتش هناك بالصدفة.
— لأ.
— والست دي مكنتش مجرد واحدة قابلتها وإنت بتوزع أكل.
— لأ.
رجعت خطوة وأنا ببصله.
— إنت كنت بتدور عليها.
هز راسه ببطء.
— أيوه.
سكت الممر كله.
حتى صوت المياه اللي جاي من الحمام حسيت إنه اختفى.
— ليه؟
حاتم أخد نفس طويل.
— من شهر تقريبًا، كنت بمراجع ورق قديم يخص قطعة أرض شركتنا اشترتها علشان مشروع جديد.
— وإيه علاقة ده بأمي؟
— الأرض كان عليها مبنى مهجور.
قلبي بدأ يدق أسرع.
— كمل.
— وإحنا بنجهز أوراق الترميم، المهندس لقى صندوق معدني مدفون تحت أرضية أوضة قديمة.
— صندوق إيه؟
حاتم بصلي مباشرة.
— جواه ملفات.
— ملفات بتاعة مين؟
— أبوكي.
اتجمدت.
أبويا غاب عن حياتي من 12 سنة.
طول عمري كنت فاكرة إنه أكتر واحد اتعذب بعد اختفاء أمي.
فاكرة لياليه وهو قاعد قدام صورتها.
فاكرة إنه كل سنة في ذكرى اختفائها كان بيسأل لو ظهر أي خبر جديد.
قلت بصوت ضعيف:
— بابا؟
حاتم كمل:
— كان فيه صور… إيصالات تحويلات… وتقارير طبية.
— تقارير إيه؟
— باسم والدتك.
حطيت إيدي على الحيطة علشان أسند نفسي.
— مش فاهمة.
— وأنا كمان مكنتش فاهم. لحد ما لقيت ورقة عليها صورة قديمة لوالدتك ووصف لعلامة مميزة في جسمها.
بصيت ناحية باب الحمام.
الهلال.
— العلامة؟
— أيوه.
حاتم قرب مني.
— وتحت الصورة كان مكتوب اسم مكان.
— إيه المكان؟
— مركز علاجي خاص كان موجود على أطراف المدينة واتقفل من 18 سنة.
بدأت أحس بالبرد.
— أمي اختفت من عشرين سنة.
— عارف.
— يعني بعد اختفائها بسنتين كانت…
مقدرتش أكمل.
حاتم قال:
— كانت عايشة.
حطيت إيدي على بوقي.
عشرين سنة وأنا فاكرة إن أمي راحت للأبد.
لكن أبويا…
كان ممكن يكون عارف إنها عايشة.
قلت:
— وإنت وصلت لها إزاي؟
— دورت في سجلات المركز. أغلبها اختفى بعد ما اتقفل، لكن قدرت أوصل لممرضة قديمة كانت شغالة هناك.
— قالتلك إيه؟
حاتم بصلي بنظرة خلتني أخاف من الإجابة.
— قالت إن ست بالمواصفات دي دخلت المركز باسم مستعار بعد اختفائها بحوالي أسبوع.
— مين دخلها؟
— راجل قال إنه جوزها.
ركبي ضعفت.
— أبويا؟
— الوصف كان مطابق له.
رجعت لورا.
— لأ.
— سلمى…
— لأ! أبويا فضل سنين يقولي إن أمي خرجت ومارجعتش!
حاتم سكت.
وأنا بدأت أفتكر.
كنت عندي 10 سنين.
ليلة اختفاء أمي.
كنت نايمة، وصحيت على صوت خناق.
صوت أمي.
وصوت أبويا.
كنت نسيت التفاصيل…
أو يمكن أقنعت نفسي إني نسيتها.
لكن دلوقتي…
صوتها رجع جوا دماغي.
**— البنت لازم تعرف الحقيقة!**
وبعدين صوت أبويا:
**— لو فتحتي الموضوع ده، هتندمي.**
نفسي اتقطع.
حاتم لاحظ تغير وشي.
— افتكرتي حاجة؟
بصيتله.
— آخر ليلة… كانوا بيتكلموا بعصبية.
وفجأة…
باب الحمام اتفتح.
أمي كانت واقفة وراه، لابسة روب أبيض.
وشها شاحب جدًا.
— أنا فاكرة الصوت.
جرينا عليها.
— صوت مين؟
بصتلي.
لكنها ما ردتش عليا.
كانت بتبص لحاتم.
— الراجل اللي خدني للمكان ده…
قربت منها.
— كان أبويا؟
هزت راسها ببطء.
وبعدين قالت جملة غيّرت كل الصورة اللي كنت عايشة بيها طول عمري:
— جوزي مكنش لوحده.
سألتها:
— كان معاه مين؟
حطت إيدها على رقبتها.
وبدأت تدور كأنها بتدور على حاجة.
— كان عندي سلسلة.
— سلسلة إيه؟
— فيها مفتاح صغير.
حاتم اتجمد.
لاحظت.
لفيتله فورًا.
— إنت عارف السلسلة؟
ما ردش.
— حاتم!
مد إيده جوه جيب الجاكيت.
وطلع كيس صغير.
جواه…
سلسلة فضة قديمة.
ومتعلق فيها مفتاح صغير أسود.
أمي أول ما شافته شهقت.
— ده هو!
خدت الكيس من إيده.
— كان مع الملفات؟
— أيوه.
— والمفتاح ده بيفتح إيه؟
حاتم قال:
— معرفش.
لكن أمي بدأت تبكي.
— أنا عارفة.
قربت منها.
— إيه؟
مسكت وشي بين إيديها لأول مرة.
وبصت في عيني.
— صندوق كنت مخبياه قبل ما ياخدوني.
— فيه إيه؟
مسكت وشي أكتر.
— دليل يثبت إن الراجل اللي رباكي طول السنين دي…
وسكتت.
— ماله بابا؟
دموعها نزلت.
— مكانش أبوكي الحقيقي.
حسيت إن قلبي وقف.
لكن قبل ما أنطق…
حاتم قال بهدوء:
— وعلشان كده يا سلمى… لازم نلاقي الصندوق قبل أي حد تاني.
بصيتله.
— أي حد مين؟ أبويا مش موجود.
حاتم هز راسه.
— المشكلة مش في أبوكي.
وسكت لحظة.
— المشكلة في الشخص التاني اللي ساعده يخفي والدتك.
— مين؟
حاتم بص ناحية باب البيت.
وفي نفس اللحظة…
جرس الباب رن.
مرة.
مرتين.
وبعدين سمعنا الخدامة بتفتح.
وصوت راجل كبير جاي من الصالة:
— مساء الخير… حاتم موجود؟
جسمي كله اتخشب.
كنت أعرف الصوت ده كويس.
أمي أول ما سمعته…
شهقت ورجعت لورا وهي بتصرخ:
— هو!
مسكتها بسرعة.
— مين؟!
أشارت بإصبع مرتعش ناحية الصالة.
— الراجل التاني!
بصيت لحاتم.
وشه اتغير.
لأن الراجل اللي كان واقف في بيتنا…
مكانش غريب.
كان **عمي فؤاد**.
أخو أبويا.
والراجل اللي بعد اختفاء أمي…
هو نفسه اللي رباني مع أبويا، وكان بيقولي طول عمري:
**— اعتبريني أبوكي التاني يا بنتي.**
**نهاية الفصل الثاني**




