روايات وقصص

دخلت بيت بنتي حكايات اسما السيد 3

فضلت باصة لبنتي وأنا مش مستوعبة الجملة.

— كان متجوز قبلك؟

هزت راسها.

— أيوه.

— وإحنا ماكناش نعرف؟

— محدش قالنا.

سألتها:

— وإنتِ عرفتي إمتى؟

— من شهرين تقريبًا.

حسيت إن في حاجة مش راكبة.

— شهرين؟ يعني عرفتي من شهرين وسكتي؟

نزلت عينيها.

— كنت خايفة.

— منه؟

هزت راسها.

قلت:

— والست دي اسمها إيه؟

بنتي فتحت المحادثة.

— هالة.

قريت أول رسالة.

وبعدين التانية.

وبعدين الثالثة.

هالة ما بدأتش كلامها باتهامات.

بدأته باعتذار.

قالت إنها عارفة إن رسالتها ممكن تتفهم غلط، وإنها فكرت كتير قبل ما تتواصل مع بنتي.

لكنها شافت صورة ليهم بالصدفة على حساب واحدة من قرايب العيلة.

ولما شافت بنتي لابسة بلوزة بكم طويل في عز الصيف…

شكّت.

الجملة دي وقفتني.

حتى هي فهمت معنى الأكمام الطويلة.

وأنا أمها ما فهمتش.

بنتي لاحظت سكوتي وقالت:

— ماما، ماتلوميش نفسك.

قلت:

— مش وقته.

وكملت قراءة الرسائل.

هالة كتبت:

“أنا مش عايزة منك حاجة. ولا عايزة أرجعله. أنا متجوزة دلوقتي وعندي حياتي. لكن لو بدأ يمنعك من أهلك وصحابك، أو يخليكي تحسي إن كل مشكلة غلطتك، خدي بالك.”

وبعدها رسالة تانية:

“أنا فضلت سنة كاملة مقتنعة إني السبب.”

بصيت لبنتي.

كانت بتعيط في صمت.

قلت:

— كلمتيها؟

— في الأول لأ.

— ليه؟

ضحكت بمرارة.

— لأني واجهته.

غمضت عيني لحظة.

— وقلتي له إن هالة كلمتك؟

— أيوه.

— عمل إيه؟

قالت:

— ضحك.

— ضحك؟

— وقال إنها مجنونة وإنها كانت بتطارده بعد الطلاق.

نفس الحكاية القديمة.

الطرف التاني دايمًا هو المجنون.

وهو دايمًا الضحية.

سألتها:

— صدقتيه؟

قالت:

— كنت عايزة أصدقه.

الجملة دي كانت أصعب من “صدقتيه”.

لأنها شرحت كل حاجة.

بنتي ما كانتش غبية.

هي بس كانت متعلقة بفكرة إن جوازها ممكن يتصلح.

قالت:

— بعدها هالة بعتتلي صورة تقرير طبي قديم.

— التقرير اللي وريتيهولي؟

— أيوه.

— وإيه اللي حصل لها؟

بنتي أخدت نفس طويل.

— قالت إن آخر خناقة بينهم انتهت بإصابة خلت أهلها ياخدوها من البيت، وبعدها بدأت إجراءات الانفصال.

سألتها:

— وأمه كانت عارفة؟

بنتي ما ردتش فورًا.

وهنا حسيت إن فيه مصيبة تانية.

قلت:

— أمه كانت عارفة؟

قالت:

— هالة بتقول إنها كانت موجودة.

قمت من مكاني.

مش عارفة ليه قمت.

يمكن جسمي ما استحملش أفضل قاعدة.

افتكرت حماتها وهي بتضحك على السفرة:

“ابني اضطر يعلمها تسمع الكلام.”

ما كانتش بتقولها لأول مرة.

كانت بتكرر منطق عاشته قبل كده.

قلت:

— يعني أمه شافت اللي حصل لمراته الأولى، وبعد كده وقفت قدامي النهارده تبرر اللي حصل لك؟

بنتي قالت:

— هالة قالت إن حماته كانت دايمًا تقول لها: “الست الشاطرة تعرف تحتوي جوزها.”

حطيت إيدي على صدري.

وفجأة فهمت حاجة.

سألت بنتي:

— لما اتقدملك… قالك إيه عن ماضيه؟

— قال إنه كان خاطب قبل كده والخطوبة ماكملتش.

— بس؟

— بس.

— وأمه؟

— قالت نفس الكلام.

يعني ماكانش مجرد سر خباه هو.

كان فيه ناس حواليه ساعدوه يخبيه.

سألتها:

— معاكي رقم هالة؟

— أيوه.

— ممكن نكلمها؟

بنتي اترددت.

قلت:

— مش من غير موافقتك.

سكتت شوية.

وبعدين قالت:

— أنا عايزة أكلمها.

اتصلنا.

رن الموبايل مرتين.

وبعدين رد صوت ست:

— ألو؟

بنتي قالت:

— هالة؟

سكت الطرف التاني ثانيتين.

— أيوه.

— أنا ندى.

صوت هالة اتغير فورًا.

— إنتِ كويسة؟

بنتي بصتلي.

السؤال وحده خلا دموعها تنزل.

قالت:

— أنا عند ماما.

هالة أخدت نفس كأنها ارتاحت.

— الحمد لله.

بنتي قالت:

— ماما معايا… ومحتاجة تسألك شوية حاجات لو تسمحي.

هالة وافقت.

أخدت الموبايل.

قلت:

— أنا أم ندى.

قالت:

— أهلًا بحضرتك.

قلت:

— أنا مش هسألك عن حاجة مش حابة تحكيها. لكن لازم أعرف: هل اللي حكيتيه لبنتي حقيقي؟

ردت من غير تردد:

— كله.

سألتها:

— وأمه كانت عارفة؟

سكتت.

وبعدين قالت:

— مش بس كانت عارفة.

حسيت قلبي وقع.

— يعني إيه؟

قالت:

— في آخر فترة من جوازنا، كنت كل ما أحاول أكلم أهلي، هي اللي تقنعني أستحمل.

سألتها:

— ليه؟

— كانت تقول إن ابنها عصبي بس قلبه طيب.

نفس الجملة اللي بتتقال علشان كل حاجة تعدي.

كملت هالة:

— ولما حصلت الإصابة الأخيرة… هي اللي طلبت مني أقول في المستشفى إني اتخبطت لوحدي.

بصيت لبنتي.

كانت سامعة.

وشها اتغير.

قلت:

— وإنتِ قلتي كده؟

قالت هالة بصوت مكسور:

— في الأول أيوه.

— ليه؟

— كنت مرعوبة.

ما سألتهاش أكتر.

قالت:

— بعدين أهلي عرفوا الحقيقة، وساعدوني أخرج.

سألتها:

— ليه ما اتكلمتيش وقت ما عرفتِ إنه هيتجوز بنتي؟

قالت:

— ماكنتش أعرف.

وبعدين أضافت:

— أنا قطعت علاقتي بالعيلة كلها بعد الطلاق. ماعرفتش إنه اتجوز غير من شهرين تقريبًا.

قلت:

— وإيه اللي خلاكي تكلمي ندى؟

سكتت لحظة.

وقالت:

— صورتها.

— صورتها؟

— كان فيه صورة في مناسبة عائلية. كل الناس لابسين صيفي… وهي الوحيدة لابسة أكمام طويلة.

بنتي حطت إيدها على وشها.

هالة قالت:

— أنا كنت بعمل نفس الحاجة.

سكتنا كلنا.

وبعدين هالة قالت:

— فيه حاجة تانية.

قلت:

— إيه؟

— بعد ما بعت لندى، هو كلمني.

بنتي رفعت راسها بسرعة.

— كلمك؟!

هالة سمعت صوتها.

قالت:

— أيوه.

بنتي قالت:

— إنتِ ما قلتيليش!

— لأني خفت أزود خوفك.

سألتها:

— قالك إيه؟

هالة ردت:

— طلب مني أبعد عنكم.

— طلب؟

ضحكت ضحكة قصيرة.

— في الأول طلب.

— وبعدين؟

— هدد.

بنتي مسكت إيدي.

قلت:

— معاكي دليل؟

هالة قالت:

— عندي الرسائل.

سألتها:

— ما مسحتيهاش؟

— لأ.

— احتفظي بيها.

قالت:

— محتفظة بكل حاجة من زمان.

وسكتت لحظة.

ثم قالت:

— وحتى عندي نسخة من مستندات قديمة من وقت انفصالنا.

حسام كان قال لنا قبل ما يمشي إن أي حاجة قديمة أو جديدة ممكن تكون مهمة لازم ما نعبثش بيها ونسيب تقييمها للمختصين.

قلت لهالة:

— لو ندى قررت تكمل في الإجراءات، هل مستعدة تتكلمي لو طُلب منك رسميًا؟

سكتت فترة طويلة.

وبعدين قالت:

— زمان كنت بخاف أقول اسمه.

نفس عميق.

— دلوقتي لأ.

بعد ما قفلنا، بنتي فضلت ساكتة.

قلت:

— ندى.

رفعت عينيها.

— إنتِ مش مطالبة تقرري كل حياتك الليلة.

قالت:

— أنا عارفة أنا عايزة إيه.

— إيه؟

مسحت دموعها.

— مش هرجعله.

قلت:

— متأكدة؟

— أول مرة أبقى متأكدة.

حضنتها.

لكن وسط الحضن، موبايلها القديم رن.

رقم غريب.

بنتي بصت للشاشة.

— مين؟

— معرفش.

المكالمة انتهت.

وبعد ثواني وصلت رسالة.

فتحتها.

وشها شحب.

— إيه؟

مدتلي الموبايل.

الرسالة كانت:

“خلي أمك والمحامي ينفعوكي. إنتِ عارفة كويس إيه اللي هيحصل لو الموضوع كبر.”

قلت:

— ده رقمه؟

— لأ.

— ممكن يكون هو؟

— غالبًا.

ما رديناش.

احتفظنا بالرسالة زي ما هي.

وبعتنا صورة منها لحسام.

بعد أقل من دقيقة، الموبايل رن تاني.

المرة دي بنتي قالت:

— مش هرد.

لكن المتصل ساب رسالة صوتية.

بصتلي.

شغلناها.

الصوت كان لجوزها.

قال:

— ندى… أنا مش عايز مشاكل. ارجعي البيت وخلينا نقفل الموضوع بينا. إنتِ مراتي وأنا عارف مصلحتك أكتر من أي حد.

وبعدين سكت ثانيتين.

وصوته اتغير:

— وبلاش تسمعي كلام هالة. هي عملت نفس الغلطة قبلك… وشوفي جوازها مني انتهى إزاي.

انتهت الرسالة.

بنتي بصتلي.

وقالت:

— سمعتي؟

قلت:

— سمعت.

لأول مرة، ما شفتش الخوف في وشها.

شفت قرار.

قالت:

— أنا مش همسح حاجة تاني.

اليوم اللي بعده، بدأنا نرتب كل اللي معاها بالتواريخ، من غير تعديل أو حذف، علشان تعرضه على المحامي والجهات المختصة.

صور الإصابات.

التقارير.

الرسائل.

التسجيلات.

ورسالة هالة.

ومع كل تاريخ كانت ندى تحكيلي جزء جديد.

مرة منعها تخرج.

مرة أخد مفاتيحها.

مرة كسر موبايلها.

ومرة خلّاها تعتذر لأمه قدام العيلة لأنها رفضت تقوم تخدم الضيوف وهي تعبانة.

وكل مرة كنت أسأل نفسي:

أنا كنت فين؟

لكن في نص الكلام ندى مسكت إيدي.

وقالت:

— ماما، فيه حاجة لازم أقولها.

— قولي.

— أنا حاولت أسيبه قبل كده.

— إمتى؟

— من حوالي ست شهور.

اتصدمت.

— وروحتي فين؟

قالت:

— ما خرجتش من البيت.

— ليه؟

نزلت عينيها.

— لأنه وقفني بحاجة.

— إيه هي؟

بنتي قامت وراحت لشنطتها.

طلعت منها ظرف بني صغير.

حطته قدامي.

— ده اللي كان بيخليني أخاف أمشي.

فتحت الظرف.

كان فيه أوراق.

بصيت لها وأنا مش فاهمة.

— إيه دي؟

قالت:

— أوراق مالية باسمي.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

— يعني إيه؟

قالت:

— اكتشفت إنه استخدم بياناتي وتوقيعات على معاملات أنا ماكنتش فاهمة حقيقتها وقتها.

اتجمدت.

— وإنتِ متأكدة؟

— علشان كده كنت خايفة. كل ما أقول همشي، يقولي: “امشي… ولما المشاكل تيجي باسمك، خلي أمك تنقذك.”

قلت:

— حسام شاف الورق ده؟

هزت راسها.

— لأ. ماقدرتش أقوله قدامهم.

مسكت الظرف.

— يبقى يشوفه.

وفي نفس اللحظة رن جرس الباب.

بنتي اتجمدت.

بصتلي.

— هو؟

قمت بهدوء وبصيت من العين السحرية.

كان حسام.

فتحتله.

دخل وهو شايل ملف.

وقال:

— كويس إنكم موجودين. فيه تطور لازم تعرفوه.

بنتي سألته:

— إيه؟

حط الملف على الترابيزة.

— بدأت أراجع المعلومات اللي ادتهالي ندى عن المستندات والموضوع القديم.

سكت لحظة.

ثم قال:

— وفي حاجة مش طبيعية.

بصيت له.

— إيه؟

فتح الملف.

وأشار لاسم بنتي في واحدة من الأوراق.

وقال:

— لو المستندات دي ثبت إنها اتعملت أو اتوقعت من غير علمها الحقيقي، فإحنا مش بنتكلم بس عن اعتداءات أسرية.

بنتي قالت:

— أمال عن إيه؟

رفع حسام عينه لينا.

— ممكن نكون قدام موضوع مالي أكبر بكتير.

وسحب ورقة تانية.

— والأغرب… إن اسم ندى مش الاسم الوحيد الموجود في الأوراق اللي لازم تتراجع.

قلت:

— مين كمان؟

حسام سكت لحظة.

ثم قال:

— هالة.

بنتي شهقت.

وأنا حسيت إن كل اللي عرفناه لحد اللحظة دي كان مجرد أول طبقة.

لأن لو اللي بنشك فيه طلع حقيقي…

فهو ماكانش بيكرر نفس أسلوب السيطرة مع زوجاته وبس.

كان ممكن يكون بيكرر حاجة أخطر.

حاجة بدأت قبل ما بنتي تدخل حياته بسنين.

يتبع — الفصل الخامس والأخير: اليوم اللي فقد فيه السيطرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى