بعد خمس دقائق حكايات اسما السيد 1

بعد خمس دقايق بس من توقيع ، جوزي السابق قال لي:خدي البنات معاكي. أنا دلوقتي هخلف ولد، وعايز أبدأ عيلة بجد.
ماجادلتوش… خدت بناتي ومشيت بيهم بره البلد.
— خدي البنات معاكي. أنا دلوقتي هخلف الولد اللي كان نفسي فيه بلا قرف…
دي كانت أول جملة قالها جوزي السابق، بعد خمس دقايق بس من توقيعنا على ورق … قدام المأذون والمحامي الخاص بيه..
بصيت للساعة اللي في مكتب المحامي…10:21 الصبح.
بعد 12 سنة كنت فيها مراته، من اللحظة دي رجعت تاني لوحدي سنجل يعني..بس برقبتي حمل تقيل
كنت فاكرة إني هرتعش… هعيط… أو حتى لما أبص للراجل اللي بنيت معاه بيت وعيلة، أحس إن حاجة جوايا اتكسرت.
بس ولا حاجة من ده حصل…حسيت بحاجة واحدة بس…
بالراحة.
كان قاعد قدامي، مركز في موبايله، كأنه لسه مخلص اجتماع شغل عادي. حتى القلم كان لسه في إيده، وفجأة اتصل بحد.
— أيوه يا حبيبتي، خلاص كل حاجة خلصت. هخرج من عند المحامي وأجيلك على طول. ميعاد الدكتور لسه الساعة 11؟
مكنتش محتاجة أسأل هو بيكلم مين.
طبعًا كانت هي…اللي اتجوزها عليه بحجة ان مش عارفه اجيبله الولد #سندس
ابتسم ابتسامة أنا شخصيًا بقالـي سنين مشوفتهاش على وشه.
— قولي لابني إن باباه جاي له.
قفل المكالمة وبصلي أخيرًا.
— أكيد عرفتي… إنها مراتي وحامل في ولد…
وبعدين قال وهو مبسوط بشكل غريب:
— أهلي فرحانين أوي. أخيرًا هيبقى عندنا حد يشيل اسم العيلة… انا ضيعت معاكي وقت كتير للأسف.. تحسوه مخبول وهو بيتكلم.. الرجاله اتهطلت .. دا انا اسما اللي بفكر وانا بكتب لكم ..المهم نكملها..
حسيت بحاجة أسوأ من الغيرة.
حسيت إني زعلانة على بناتي.
سارة عندها 9 سنين، ونور عندها 5 سنين.
فاكرة يوم ما سارة اتولدت؟حماتي شالتها بين إيديها وقالت: ما شاء الله عليها… يا رب المرة الجاية يطلع ولد.
والكل ضحك…وأنا كمان ضحكت معاهم.
ولما نور اتولدت، أخته قالت وهي قاعدة وسط العيلة:
— يا عيني على أخويا… هيفضل طول عمره وحيد . المره الجايه ركزي عاوزين ولد يشيل اسم العيله ياام ساره….وبرضه الكل ضحك.
بس مع الوقت فهمت إن في هزار بيكون وراه كلام حقيقي مستخبي…
ومن ساعة ما دخلت الست دي حياتنا وقدرت تخليه يتجوزها أعلنت إنها حامل في ولد، عيلة جوزي اتقلبت تمامًا…
حماتي بقت تبعت لها حد يخدمها، حمايا فتح حساب استثمار مخصوص لـ«الوريث الصغير»…وأخته بقت تروح معاها تشتري هدوم البيبي…وفي نفس الوقت…
جوزي بدأ يقضي وقت أقل وأقل مع سارة ونور.. لحد ما نسيهم تماما
وفي ليلة، كانت نور قاعدة بتلون في المطبخ، وفجأة سألتني:
— ماما، هو ليه بابا بيبتسم لما يبص في موبايله، بس لما إحنا بنكلمه بيبقى دايمًا تعبان…وزهقان علينا
اتسمرت مكاني.
مكنتش عارفة أقول لها إيه: الكبار ساعات بيعملوا حاجات صعب تتفهم يا حبيبتي.
نزلت القلم من إيدها وبصتلي” الحاجات اللي بابا بيعملها دي بتخليكي زعلانة؟
بصيت لها: شوية.
وفجأة بنتي الصغيرة مسكت إيدي…متزعليش احنا معاكي يا ماما
جوزي نفسه كان بقاله شهور مش بيعمل كده…كاني هوا بالنسبه له..
في صباح يوم الطلاق، خلصنا كل الإجراءات عند المحامي، وهو أثبتلي للمرة الأخيرة إني كنت أخدت القرار الصح.
— الشقة هتفضل معايا… والعربية كمان…
— ماشي.
بصلي باستغراب، واضح إنه كان مستني إني أجادله.
وبعدين قال: وبما إن إنتِ اللي طلبتي الحضانة الأساسية للبنات، يبقى إنتِ اللي هتتكفلي بيهم. وأنا هشوفهم لما الشغل يسمح…
حتى المحامي رفع عينه من الورق وبصله.
— دول بناتك يا أستاذ… مش مواعيد تقدر تحشرها بين اجتماعاتك.
هز كتفه بمنتهى البرود.
— أنا ببدأ حياة جديدة وكل حاجة هتتغير.
أخته، اللي كانت قاعدة معاه، ابتسمت وقالت:
— يمكن ده الأحسن يا حبيبتي. أخيرًا هيقدر يكون العيلة اللي كان نفسه فيها.
لفيت لها ببطء: هو اخوكي كان عنده عيلة أصلًا.
سكتوا كلهم.
جوزي قلب عينه بضيق وقال: كفاية دراما بقى.
دخلت إيدي في شنطتي وطلعت مفاتيح الشقة والعربية.
وحطيتهم قدامه على الترابيزة: خدهم.
وشه اتغير فورًا…كان واضح إنه فاكر نفسه كسب.
قمت، ظبطت شنطتي، واتجهت ناحية الباب.
وقبل ما أخرج، وقفت وبصيت له.
— بس افتكر حاجة واحدة.
— إيه؟
— إنك تكون ماسك مفاتيح حاجة… مش معناه إنها ملكك.
الابتسامة اختفت من على وشه.
— إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
ماردتش….خرجت من المكتب..وكانت مستنياني عربية سودا بسواق…وخلال أقل من أربع ساعات…
كنت أنا وبناتي في طريقنا للسفر بره البلد…لكن اللي جوزي السابق مكانش يعرفه لسه…ان انا انتقامي جاي في السكه.. دي متتقفلش كدا.. دي تتقفل زي ما انا عاوزه..
العربية السودا كانت بتشق الطريق وأنا قاعدة في الكنبة الخلفية، وسارة ونور جنبي.
نور نامت بعد أقل من نص ساعة، راسها على رجلي وإيدها الصغيرة ماسكة طرف الجاكيت بتاعي.
أما سارة…
فكانت ساكتة.
ساكتة زيادة عن الطبيعي.
فضلت باصة من الشباك فترة طويلة، وبعدين سألتني:
— ماما… إحنا رايحين فين؟
مسحت على شعر نور وقلت:
— المطار.
لفتلي بسرعة.
— هنسافر؟!
— أيوه.
— فين؟
ابتسمت لأول مرة من الصبح.
— مكان كان المفروض نروحه من زمان.
سارة سكتت ثواني، وبعدين سألت السؤال اللي كنت مستنياه:
— وبابا؟
بصيت لها.
أنا ممكن أكره أبوها كزوج…
ممكن أكون فقدت أي احترام لراجل قرر إن قيمة عيلته مرتبطة بطفل ولد…
لكن عمر ما كان مسموح لوجعي إني أحطه فوق كتف بنت عندها تسع سنين.
فقلت بهدوء:
— بابا اختار يبدأ حياة تانية… وإحنا كمان هنبدأ حياتنا.
— هو عارف إننا مسافرين؟
— هيعرف.
بصت قدامها تاني.
وبعد لحظة قالت:
— هو مش هيزعل؟
السؤال وجعني.
لأن الطبيعي إن البنت تخاف من زعل أبوها لما تسافر…
مش تتمنى إنه يزعل علشان تتأكد إنها فارقة معاه.
قربتها مني.
— إنتِ ونور مش محتاجين حد يزعل علشان يعرف قيمتكم.
سارة بصتلي، وأنا كملت:
— قيمتكم مش محتاجة إثبات من حد.
هزت راسها وحطتها على كتفي.
أما أنا…
فطلعت موبايلي.
كان عندي 17 مكالمة فائتة.
كلها تقريبًا من جوزي السابق.
ابتسمت.
واضح إنه بدأ يفهم جملتي الأخيرة.
«إنك تكون ماسك مفاتيح حاجة… مش معناه إنها ملكك.»
فتحت الرسائل.
أول رسالة:
— إنتِ عملتي إيه؟
التانية:
— ردي فورًا.
التالتة:
— المحامي بيقول كلام غريب عن الشقة.
الرابعة:
— العربية مش باسمي ليه؟!
وبعدين مكالمة.
بصيت للشاشة ثواني…
وردّيت.
صوته في ودني:
— إنتِ فين؟!
— صباح الخير.
— متستهبليش! إنتِ عملتي إيه في الشقة والعربية؟
— ولا حاجة.
— يعني إيه ولا حاجة؟ المحامي بيقول إن الشقة مش ملكي!
بصيت من شباك العربية.
— لأنها فعلًا مش ملكك.
سكت.
ثانيتين…
ثلاثة…
وبعدين:
— إنتِ بتقولي إيه؟
— الشقة اللي إنت قاعد فيها كانت ملك بابا.
— ما أنا عارف!
— لأ… إنت عارف نص الحقيقة بس.
صوته هدي فجأة.
— حقيقة إيه؟
ابتسمت.
— بابا قبل ما يموت نقل ملكيتها ليا رسميًا، وأنا عمري ما نقلتها باسمك.
— بس أنا صرفت عليها!
— صرفت على تشطيب بيت كنت عايش فيه مع مراتك وبناتك.
— والعربية؟
— شركتي.
— شركة إيه؟!
وهنا…
سكت أنا المرة دي.
لأن دي كانت أول مرة أعرف إنه فعلًا مايعرفش.
بعد جوازنا بثلاث سنين، بدأت مشروع صغير جدًا مع صديقة قديمة ليا.
هو وقتها ضحك وقال:
— العبي شوية في البيزنس لحد ما تحملي في ولد وتبطلي الكلام ده.
فماحكيتلوش بعدها أي تفاصيل.
المشروع الصغير بقى شركة.
والشركة دخلت شراكة مع مستثمرين بره مصر.
والعربية اللي كان فاكر إنها «عربيته»…
كانت أصلًا مسجلة ضمن أصول الشركة ومخصصة لاستخدامي.
سأل بعصبية:
— شركة إيه يا سندس؟!
قلت بهدوء:
— الشركة اللي كانت بتدفع جزء كبير من مصاريف البيت وإنت فاكر إن مرتبك العظيم هو اللي شايلنا.
— إنتِ بتكدبي.
— خلي محاميك يراجع الورق.
وقبل ما أقفل، قال بسرعة:
— استني! والبنات فين؟
لأول مرة…
سأل.
بعد الشقة.
بعد العربية.
بعد الفلوس.
افتكر بناته.
بصيت على سارة.
كانت سامعة.
فقلت:
— معايا.
— هاتيهم البيت.
— بيت مين؟
— بيتهم!
ضحكت ضحكة صغيرة.
— من ساعة قلت «خدي البنات معاكي، أنا هبدأ عيلة بجد»… مبقاش من حقك تستخدم كلمة بيتهم بالسهولة دي.
— أنا أبوهم!
— خليك فاكر الجملة دي كويس.
وقفلت.
سارة كانت باصة لي.
— بابا عايزنا؟
حطيت الموبايل بعيد.
— بابا محتاج وقت يفهم هو خسر إيه.
قالت ببراءة:
— وإحنا هنستناه؟
قبلت راسها.
— لأ يا حبيبتي.
وبصيت قدامي ناحية الطريق.
— المرة دي… هو اللي لو عايز يلحقنا، يجري.
وصلنا المطار.
وكان فيه شخص مستنيني عند بوابة السفر.
راجل في أوائل الستينات، ببدلة رمادية وملف أسود تحت إيده.
أول ما شافني ابتسم.
— حمد لله على السلامة يا أستاذة سندس.
سلمت عليه.
— كل حاجة جاهزة يا أستاذ فؤاد؟
ناولني الملف.
— الحسابات اتحولت، وعقد البيت الجديد اتسجل، والمدارس أكدوا قبول البنتين.
سارة فتحت عينيها.
— مدارس؟!
ضحكت.
— مفاجأة.
الأستاذ فؤاد بصلي وقال:
— وفي حاجة تانية.
— إيه؟
ملامحه اتغيرت.
— طليقك لسه ميعرفش إن مجلس الإدارة هيجتمع بكرة.
سكت لحظة.
— وإن العقد الأكبر في شركته… مملوك للشركة التابعة ليكي.
رفعت عيني له.
— متقولوش.
ابتسم.
— كنت عارف إنك هتقولي كده.
— عايزاه يدخل الاجتماع بنفس الثقة اللي خرج بيها من مكتب المحامي.
— وبعدها؟
بصيت ناحية بوابة السفر.
— بعدها يعرف إن الراجل اللي قال إنه ضيع معايا 12 سنة…
كان طول الـ12 سنة دول بيبني نجاحه فوق أرض أنا صاحبتها.
لكن وأنا باخد الملف منه، موبايلي رن.
رقم حماتي.
رفضت المكالمة.
رن تاني.
رفضت.
وبعدين وصلت رسالة صوتية.
فتحتها.
وصوتها خرج غاضب:
— سندس! إنتِ عملتي إيه؟ ابني بيقول إنك واخدة البنات ومسافرة! إنتِ عايزة تحرمينا منهم علشان تنتقمي؟ وبعدين موضوع الشقة ده إيه؟!
قفلت التسجيل قبل ما يخلص.
نور كانت صحيت.
قالت:
— دي تيتة؟
— أيوه.
— زعلانة؟
— جدًا.
نور فكرت شوية وقالت بمنتهى البراءة:
— لما بابا كان مش بييجي يشوفنا… هي مكانتش زعلانة كده.
اتجمدت.
حتى الأستاذ فؤاد بص للأرض.
لأن طفلة عندها خمس سنين قالت في جملة واحدة كل اللي أنا كنت محتاجة صفحات علشان أقوله.
مسكت إيد بنتي.
— يلا.
عدينا بوابة السفر.
وأنا ماشية، بصيت للمرة الأخيرة ناحية صالة المطار ورايا.
مكنتش بهرب.
ومكنتش بسرق بناته.
كل ترتيبات السفر والإقامة والمدارس كانت معمولة قانونيًا من فترة، والمحامي بتاعي راجع كل خطوة.
أنا بس كنت بنفذ الخطة اللي أجلتها شهور…
لأني كنت مستنية أعرف:
هل ممكن الراجل ده يفوق؟
هل ممكن يفتكر إن عنده بنتين؟
هل ممكن يفهم إن «الولد» مش ترقية من البنات؟
لكنه جاوبني بنفسه.
بعد خمس دقايق من الطلاق.
خدي البنات معاكي.
فخدتهم.
أما انتقامي؟
ماكنش إني أحرمه منهم.
لأن البنات مش سلاح.
انتقامي الحقيقي كان أبسط…
إني أبطل أحميه من نتائج اختياراته.
تاني يوم الصبح…
الساعة كانت 9:03.
دخل جوزي السابق مقر شركته وهو لابس بدلته الجديدة.
مراته الجديدة كانت باعتاله صورة السونار قبل الاجتماع بدقايق، فدخل مبتسم.
فتح باب قاعة الاجتماعات.
وكان متوقع يلاقي مديرين الشركة ومستثمرين عاديين.
لكنه وقف مكانه.
لأن على رأس الترابيزة…
كان فيه كرسي فاضي.
وقدامه لوحة صغيرة مكتوب عليها اسم شركة واحدة.
اسم الشركة اللي كان بقاله سبع سنين بيعتمد على عقودها علشان شركته تفضل واقفة.
بص للمدير المالي.
— ممثل الشركة فين؟
المدير المالي بلع ريقه.
— داخل أونلاين.
الشاشة الكبيرة اشتغلت.
ظهر الأستاذ فؤاد.
وطليقي اتنفس بضيق.
— أستاذ فؤاد؟ حضرتك ممثلهم؟
فؤاد ابتسم.
— لأ.
— أمال مين؟
ضغط زر.
الصورة اتغيرت.
وفي اللحظة دي…
ظهر وشي على الشاشة.
كنت قاعدة في مكتبي الجديد، وفي الخلفية شباك كبير بيطل على مدينة عمره ما تخيل إني ممكن أعيش فيها من غيره.
وشه ابيض.
— سندس؟!
ابتسمت.
— صباح الخير.
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟
حطيت الملف قدامي.
— حضرت اجتماع شركتي.
سكتت القاعة كلها.
قال بصوت شبه هامس:
— شركتك؟
قلت:
— أيوه.
وقربت من الكاميرا.
— فاكر لما قلتلي إمبارح إنك ضيعت معايا 12 سنة؟
ملامحه اتشدت.
قلت:
— النهارده بس هتعرف مين فينا كان شايل التاني طول السنين دي.
لكن قبل ما أكمل…
باب قاعة الاجتماعات اتفتح فجأة.
دخلت أخته وهي مرعوبة، ماسكة موبايلها.
وقالت:
— لازم تيجي المستشفى حالًا!
قام مفزوع.
— حصل إيه؟!
بصتله، وشها شاحب.
— مراتك عند الدكتور…
وسكتت.
— مالها؟!
قالت الجملة اللي خلت القاعة كلها تتجمد:
— الدكتور بيقول إن فيه حاجة غلط في الحمل…
وإن موضوع «الولد» اللي العيلة كلها احتفلت بيه…
مش زي ما إنتوا فاكرين.
يتبع…




