روايات وقصص

ابن الملياردير حكايات اسما السيد

قبلت شغلانة علشان ترعى ابن ملياردير بيعتمد على كرسي متحرك… لكن من أول يوم، أهانها بطريقة ما توقعتهاش. أول يوم دخلت فيه البنت قصر العيلة، ما لحقتش تقعد على سفرة الأكل، إلا والابن الأصغر في البيت ضاحك وقال: — يا ماما… هو إحنا من إمتى بنسمح للخنازير تدخل تاكل معانا على السفرة؟

 

حست إن الشوكة تقّلت بين صوابعها.

طول سنين كانت بتسمع تعليقات شبه دي.

في المدرسة كانوا بيتريقوا على جسمها، وطريقة مشيها، وهدومها، وحتى الكرسي اللي كانت بتقعد عليه.

لكنها دلوقتي ما بقتش طفلة في المدرسة.

كان عندها عشرين سنة…

وكانت محتاجة الشغل ده.

أمها كانت عايشة لوحدها، بتنضف بيوت الناس وتبيع أكل علشان تعرف تصرف على نفسها.

وعلشان كده البنت وافقت تسافر وتشتغل كمقدمة رعاية، خصوصًا إن المرتب كان أضعاف أي مبلغ ممكن تكسبه في بلدها.

أم الشاب بصت لابنها الصغير بصرامة:

— اعتذر لها فورًا.

هز كتفه وقال:

— يا ماما، دي كانت هزار.

رفعت البنت عينيها وبصتله بثبات:

— يبقى محتاج تتعلم إزاي تهزر… لأن الهزار المفروض يضحّك.

ابتسامته اختفت فورًا.

أما والده، فحاول يخبي ابتسامة إعجاب صغيرة ظهرت على وشه.

لكن في الليلة نفسها، اكتشفت البنت إن الولد الصغير مش هيكون أكبر مشكلة تواجهها في البيت ده.

لأن السبب الحقيقي اللي اتعينت عشانه…

كان عايش منعزل في الدور التاني.

شاب عنده تسعة وعشرين سنة.

قبل الحادث، كان بيدير جزء من شركات عيلته، بيجري كل صباح، وبيسافر باستمرار.

لكن من سبع شهور، وفي ليلة عاصفة، عربية فقدت السيطرة واصطدمت بعربيته.

نجا من الحادث…

لكن رجليه اتأثروا بشدة.

الدكاترة أكدوا إن فيه فرصة للتحسن وإن الأمل موجود.

لكنه هو…

بطل يصدقهم.

قفل على نفسه أوضته.

قفل الستاير.

رفض العلاج الطبيعي.

وخلال أقل من شهرين، خلّى أربع أشخاص اتعينوا لرعايته يسيبوا الشغل.

تاني يوم الصبح، أمه أخدت البنت علشان تعرفها عليه.

الأوضة كانت غرقانة في الضلمة.

قالت الأم:

— دي المسؤولة الجديدة عن رعايتك.

الشاب حتى ما رفعش عينه.

قال ببرود:

— واحدة جديدة؟

— إنت محتاج حد يساعدك.

رد بعصبية:

— أنا محتاج تسيبوني في حالي.

خرجت أمه وعينيها مليانة دموع.

لكن البنت فضلت واقفة مكانها.

قالت بهدوء:

— بما إننا هنقضي وقت طويل مع بعض، أحب أعرفك بنفسي.

رد من غير ما يبصلها:

— سمعت اسمك بره.

ابتسمت:

— ممتاز… وفرنا على نفسنا التعارف مرتين.

لأول مرة رفع عينه وبصلها.

— إنتِ دايمًا بتتكلمي كتير كده؟

ردت فورًا:

— لما ألاقي حد بيتعب نفسه أوي علشان يبقى رخم… آه.

الدهشة ظهرت على وشه.

راحت ناحية الستاير علشان تفتحها.

صرخ:

— ماتلمسيهاش!

لفت له:

— الأوضة هنا عاملة زي القبر.

قال بحدة:

— دي أوضتي.

ردت:

— وأنا الشخص اللي هيقضي ساعات طويلة هنا كل يوم… فمحتاجة أتأكد إن الشمس لسه موجودة بره.

أشار ناحية الباب وقال:

— هاتيلي عصير برتقال.

نزلت.

وبعد خمس دقايق رجعت بالكوباية.

— اتفضل.

مسك الكوباية بإيده.

صوابعه كانت شغالة كويس جدًا.

وهي لاحظت ده.

علشان كده عرفت إن اللي حصل بعدها…

كان مقصود.

فتح إيده فجأة.

الكوباية وقعت على الأرض واتكسرت.

بصلها بابتسامة مستفزة وقال:

— معلش… وقعت مني. نضفيها.

أخدت نفس عميق.

ونزلت على ركبتها تجمع قطع الإزاز.

لكن قطعة صغيرة جرحت صباعها.

ظهر الدم فورًا.

الشاب بص للجرح وقال بسخرية:

— أمي جايبة واحدة تعتني بيا… وهي حتى مش عارفة تجمع إزاز من غير ما تجرح نفسها.

وقفت البنت ببطء.

بصتله في عينه وقالت:

— عارف إيه مشكلتك الحقيقية؟

قطب حواجبه.

— نعم؟

قالت:

— مش رجليك.

وشه اتغير فورًا.

— اخرجي من أوضتي.

لكنها كملت:

— مشكلتك إنك مشغول أوي بالشفقة على نفسك، لدرجة إنك بقيت محتاج توجع كل اللي حواليك… علشان ماتحسش إنك الوحيد اللي بيتوجع.

صرخ:

— بره!

هزت راسها.

— حاضر.

مشت ناحية الباب.

لكن قبل ما تخرج، وقفت ولفتله:

— بس أنا راجعة بكرة.

بصلها بعدم تصديق.

— إنتِ مش هتكملي أسبوع هنا.

ابتسمت وقالت:

— ناس كتير قالولي الكلام ده قبل كده.

وقفلت الباب وراها.

خلال الأيام اللي بعدها، خناقاتهم ماوقفتش.

هي تجيبله الأكل…

ياكل منه معلقتين ويسيب الباقي.

هي تصر.

هو يطردها.

تخرج…

وبعدين ترجع تاني كأن مفيش حاجة حصلت.

لحد ما في صباح، قال لها فجأة:

— إنتِ مش فاهمة يعني إيه تصحي من النوم وتكتشفي إن الجسم اللي كنتِ عايشة بيه طول عمرك… مبقاش بيستجيب ليكي.

المرة دي ما ردتش بسرعة.

سكتت شوية، وبعدين قعدت قدامه.

— يمكن فعلًا ما أفهمش إحساسك بالظبط.

قال بمرارة:

— يبقى بطلي تقوليلي أعيش إزاي.

بصتله للحظات، وبعدين قالت:

— لكني فاهمة كويس جدًا يعني إيه كل الناس تبص لجسمك… وتقرر إنت مين قبل حتى ما تعرفك.

سكت.

وبصلها طويلًا.

ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت…

ماكانش فيه سخرية في عينيه.

كان فيه شيء تاني.

شيء هيكون بداية لتغيير حياة الاتنين…

اقرأ باقي القصة كاملة من الرابط في التعليقات 👇”الحكاية لم تنتهِ بعد…”

📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.

✍️ الكاتبة أسما السيد @أبرز المعجبينفضل باصصلها ثواني طويلة.

ولأول مرة، ماكانش شايف البنت اللي أمه جابتها علشان تساعده.

كان شايف إنسانة واقفة قدامه، عارفة كويس يعني إيه الناس تحكم عليك من جسمك قبل ما تعرفك.

سألها فجأة:

— كانوا بيقولولك إيه؟

رفعت حاجبها.

— مين؟

— الناس اللي بتقولي إنهم كانوا بيحكموا عليكي.

ضحكت ضحكة صغيرة مالهاش علاقة بالفرحة.

— تحب القائمة كاملة ولا النسخة المختصرة؟

ما ردش.

قالت:

— تخينة… بطيئة… شكلها يضحك… ومرة واحد قالي إني لو دخلت مصعد لوحدي هيقف.

ملامحه اتغيرت.

لكنها كملت:

— وفي المدرسة كانوا بيتخانقوا مين يقعد جنبي، مش علشان عايزين يقعدوا… علشان محدش كان عايز.

سأل:

— وإنتِ كنتِ بتعملي إيه؟

— أرجع البيت وأعيط.

اتفاجئ من صراحتها.

— وبعدين؟

— أصحى تاني يوم وأروح.

سكتت لحظة.

— لحد ما فهمت إن لو كل كلمة من حد غريب هتحدد أنا شايفة نفسي إزاي… يبقى أنا سلمتهم حياتي بإيدي.

بصلها.

ثم قال:

— الموضوع مختلف.

— طبعًا مختلف.

— إنتِ تقدري تمشي.

الجملة خرجت منه بوجع حقيقي.

بص لرجليه.

— وأنا لأ.

هي ما قالتش “هتبقى كويس”.

ولا قالت “لازم تكون إيجابي”.

ولا أي جملة محفوظة.

قالت:

— عندك حق.

رفع عينه لها باستغراب.

— إيه؟

— عندك حق تزعل.

سكت.

— ومن حقك تغضب، وتكره اللي حصلك، وحتى تصحى يوم مش طايق حد.

قربت الكرسي وقعدت قدامه.

— بس مش من حقك تستخدم وجعك علشان تجرح غيرك.

وشه اتشد.

عرف إنها بتتكلم عن كوباية العصير.

قال بهدوء:

— أنا آسف على إيدك.

بصت لصباعها.

— أول اعتذار منك؟

— ماتتعوديش.

ابتسمت.

— متأخر جدًا… سجلته تاريخيًا.

غصب عنه…

ضحك.

ضحكة قصيرة جدًا.

لكنها كانت أول ضحكة تطلع منه من شهور.

ومن عند الباب، كانت أمه واقفة من غير ما حد ياخد باله.

سمعت ضحكة ابنها.

وحطت إيدها على بقها وهي بتحاول تمنع نفسها من العياط.

—

تاني يوم، دخلت عليه الساعة تسعة.

فتحت الستاير.

المرة دي ما صرخش.

غمض عينه من الشمس وقال:

— إنتِ مصممة تبوظيلي حياتي؟

— دي الوظيفة اللي بقبض عليها.

حطت الإفطار قدامه.

— كل.

— مش جعان.

— جميل.

سحبت الترابيزة.

— يبقى العلاج الطبيعي.

لف لها بسرعة.

— قلتلك مش هعمل علاج طبيعي.

— وأنا ما قلتش إننا هنعمل جلسة.

— أمال؟

راحت ناحية الدولاب.

طلعت تيشيرت رياضي.

ورمتهوله.

— هننزل الجنينة.

ضحك بسخرية.

— واضح إنك نسيتي تفصيلة صغيرة.

وأشار لرجليه.

هي ردت فورًا:

— وواضح إنك نسيت إن الكرسي فيه عجلات.

ملامحه اتغيرت.

— أنا مش هنزل.

— ليه؟

— مش عايز حد يشوفني.

الجملة دي وقفتها.

— مين؟

— العمال… الأمن… أي حد.

— يشوفوك إيه؟

صرخ:

— كده!

وسكتت الأوضة.

بصلها بعصبية.

— آخر مرة الناس شافتني فيها كنت داخل العربية على رجلي.

صوته بدأ يضعف.

— كنت الشخص اللي كل الناس بتستناه يدخل الاجتماع.

بص للكرسي.

— دلوقتي أول حاجة هيشوفوها هي ده.

هي قربت منه.

— لأ.

— لأ إيه؟

— أول حاجة هيشوفوها هي إنت.

ضحك بمرارة.

— إنتِ ساذجة.

قالت:

— وأنا كنت فاكرة إن كل الناس لما تبصلي شايفة وزني.

أشارت لنفسها.

— يمكن بعضهم فعلًا كان بيشوفه. بس اكتشفت إن المشكلة الأكبر إني أنا اللي كنت شايفاه قبل أي حاجة تانية.

سكت.

مدت إيدها ناحية باب الأوضة.

— خمس دقايق.

— لأ.

— تلاتة.

— لأ.

— دقيقة واحدة.

بصلها.

— وإنتِ هتسكتي؟

— مستحيل، بس نعتبرها محاولة.

بعد عشر دقايق…

كان لأول مرة من سبع شهور خارج أوضته.

—

أمه شافته من آخر الممر.

وقفت مكانها.

كانت هتجري عليه، لكن البنت أشارت لها من بعيد:

ماتعمليش حاجة.

ففهمت.

كملت طريقها كأنها ما شافتش حاجة.

وصل للجنينة.

الشمس ضربت وشه.

غمض عينيه.

أخد نفس طويل.

كان فيه صوت عصافير.

ريحة شجر.

عربية ماشية بعيد.

حياة.

حياة كاملة كانت مستمرة وهو قافل على نفسه الستاير.

قال:

— دقيقة خلصت.

ردت:

— فعلًا.

— يبقى نرجع.

— حاضر.

لفت الكرسي.

لكنه قال:

— استني.

وقفت.

— إيه؟

سكت شوية.

— خمس دقايق كمان.

ابتسمت من غير ما يشوفها.

— براحتك.

—

الأيام بدأت تتغير.

مش بسرعة.

ومش بطريقة سحرية.

كان فيه أيام يرجع فيها عصبي.

وأيام يرفض الأكل.

وأيام يزعق فيها في العلاج الطبيعي ويقفل الباب.

لكن كان فيه فرق واحد.

بقى بيرجع يحاول.

المعالج الطبيعي رجع.

في أول جلسة، قدر يحرك رجله حركة بسيطة جدًا.

أي حد كان ممكن يعتبرها حاجة تافهة.

لكن بالنسبة له…

كانت العالم كله.

بص للمعالج.

— أنا حركتها؟

قال المعالج:

— أيوه.

لف فورًا ناحية الباب.

كانت هي واقفة.

عينيها لمعت.

لكنه قال بسرعة:

— إوعي تعيطي.

مسحت دمعة نزلت منها.

— مين قال إني بعيط؟ دي حساسية.

— في شهر ديسمبر؟

— حساسية شتوية.

ضحك.

ومع الوقت…

بقوا أصحاب.

وبعدين حصل شيء محدش فيهم كان مستعد يعترف بيه.

بقى يستنى صوت خطواتها الصبح.

وهي بقت تعرف من نبرة “صباح الخير” بتاعته إذا كان يومه كويس ولا لأ.

لو اتأخرت عشر دقايق يسأل:

— كانت فين؟

وأمه تبتسم:

— مين؟

— الممرضة.

— اسمها مش “الممرضة”.

فيتنرفز:

— عارف اسمها.

أمه كانت شايفة.

لكنها سكتت.

لحد يوم كل حاجة اتغيرت.

—

كان فيه حفل كبير في القصر بمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيس الشركة.

رجال أعمال.

صحفيين.

شخصيات معروفة.

هو رفض ينزل.

قال لها:

— مستحيل.

— ليه؟

— قولنا الموضوع ده.

— لأ، إنت قولته من شهرين.

— وإيه اللي اتغير؟

بصتله.

— إنت.

سكت.

كانت لابسة فستان بسيط، طويل وأنيق.

ولما رفع عينه وشافها، فضل ساكت لحظة زيادة عن الطبيعي.

لاحظت.

— إيه؟

— ولا حاجة.

— بتبص كده ليه؟

— كنتِ بتقولي حاجة عن الحفل.

ابتسمت.

— آه… انزل.

— لأ.

قربت منه.

— كل الناس تحت فاكرة إنك اختفيت.

— خليهم.

— وأنا شايفة إنك رجعت.

بصلها.

مدت إيدها.

— تيجي؟

بص لإيدها.

وبعدين حط إيده فيها.

— عشر دقايق.

قالت:

— اتفقنا.

نزلوا.

أول ما دخل القاعة…

الكلام قل للحظة.

هو لاحظ.

إيده شدت على الكرسي.

همس:

— قولتلك.

هي قربت منه وقالت:

— بص قدامك.

دخل أبوه عليه.

حضنه.

— وحشتني يا ابني.

أمه كانت بتعيط.

أخوه الصغير قرب.

نفس الولد اللي أهانها أول يوم.

قال له:

— شكلك أحسن.

وبعدين بص لها.

اتردد.

— ممكن أقولك حاجة؟

قالت:

— قول.

نزل عينه.

— أنا آسف على اللي قلته أول يوم.

هي ابتسمت.

— الاعتذار مقبول.

قال:

— كنت قليل الأدب.

ردت:

— دي حقيقة، مش اعتذار.

ضحكوا.

لكن من وسط القاعة، واحدة من الضيوف قربت.

بصت للبنت.

ثم قالت لصاحبتها بصوت مسموع:

— دي الممرضة الجديدة؟

التانية ردت:

— تقريبًا.

الأولى بصت لجسمها وضحكت:

— اختيار غريب شوية.

سمعت.

وسكتت.

لكن هو…

لأ.

رفع صوته:

— حضرتك.

الست لفت.

قال:

— عندك مشكلة مع اللي واقفة جنبي؟

اتحرجت.

— أنا؟ أبدًا.

— كويس.

سكت لحظة.

ثم قال قدام الموجودين:

— لأنها السبب إني واقف وسطكم النهارده بدل ما أكون قافل على نفسي باب أوضتي.

القاعة سكتت.

هي بصتله.

كمل:

— ولما أغلب الناس كانت بتبصلي وتشوف كرسي… هي الوحيدة اللي فضلت تبصلي وتشوفني أنا.

عينيها دمعت.

هو ابتسم لها.

— فلو اختيار عيلتي غريب…

بصلها.

— أتمنى يفضلوا يعملوا اختيارات غريبة طول العمر.

—

بعد الحفل، كانوا في الجنينة.

قالت:

— شكرًا.

— على إيه؟

— اللي عملته جوه.

رد:

— أنا ما عملتش حاجة.

— عملت.

سكت.

ثم قال:

— أنا بس قلت الحقيقة.

وبعدين بص لها.

— ممكن أسألك؟

— اسأل.

— لو في يوم مشيت تاني…

وقفت.

— هتعملي إيه؟

ضحكت.

— إيه السؤال الغريب ده؟

— جاوبي.

فكرت.

— هفرحلك.

ملامحه اتغيرت.

— بس؟

— وهنكد عليك طبعًا، لأنك هتبقى مستحملني على رجليّ.

ضحك.

لكن بعدها بشهر…

حصل اللي ماكانش متوقعه.

وقف.

مش لوحده بالكامل.

كان ماسك المتوازي في غرفة العلاج.

المعالج جنبه.

وهي واقفة على بعد مترين.

قالت:

— متبصليش.

— أبص فين؟

— قدامك.

— لو وقعت؟

قالت:

— هتقوم تاني.

أخد نفس.

حرك رجل.

ثم التانية.

خطوة.

خطوة صغيرة جدًا.

أمه كانت واقفة ورا الزجاج بتعيط.

أبوه حاضنها.

لكنه ماكانش شايف حد.

كان شايفها هي.

خطوة تانية.

رجله ضعفت.

وقع على ركبته.

هي جريت.

لكنه رفع إيده.

— لأ.

وقفت.

حط إيده على المتوازي.

وحاول.

لحد ما وقف تاني.

بص لها وهو بياخد نفسه.

— قولتي إيه أول يوم؟

ابتسمت وسط دموعها.

— قلتلك مشكلتك مش رجليك.

ضحك.

— كنتِ مستفزة جدًا.

— كنت؟

ضحك أكتر.

—

مرت شهور.

بدأ يمشي بعكازين لمسافات قصيرة.

والكرسي فضل جزء من حياته لفترة، خصوصًا في الأيام الصعبة.

لكن الشيء الأهم…

إنه بطل يعتبر الكرسي نهايته.

وفي صباح، طلب منها تقابله في الجنينة.

راحت.

كان واقف مستند على عكاز.

قالت:

— إنت مجنون؟ اقعد.

— أول مرة قابلتك قولتي إنك مش هتخافي مني.

— ودلوقتي خايفة تقع على دماغك.

ابتسم.

— أنا طلبتك علشان حاجة تانية.

مد إيده.

كان ماسك ظرف.

— إيه ده؟

— عقد.

فتحت.

كان عرض وظيفة.

لكن مش كمقدمة رعاية.

منصب في المؤسسة الخيرية التابعة للعيلة، ضمن برنامج لدعم وتأهيل الأشخاص اللي تعرضوا لحوادث وإصابات غيرت حياتهم.

بصتله بذهول.

— ليه أنا؟

قال:

— لأنك أول واحدة علمتيني إن المساعدة مش إنك تعمل الحاجة بدل حد.

قرب خطوة ببطء.

— المساعدة إنك تفكره إنه لسه قادر يعملها بنفسه.

سكتت.

ثم قالت:

— موافقة.

ابتسم.

— كويس.

لكنها لاحظت حاجة.

— إنت لسه مخبي إيدك ورا ضهرك ليه؟

اتوتر لأول مرة.

— ولا حاجة.

— وريني.

— لأ.

— وريني.

ضحك.

طلع علبة صغيرة.

هي اتجمدت.

— إنت بتعمل إيه؟

قال:

— حاجة كنت فاكر إني عمري ما هعملها.

فتح العلبة.

خاتم.

دموعها نزلت.

قال:

— أنا مش بطلب منك تتجوزيني لأنك ساعدتيني أمشي.

هز رأسه.

— ولا لأنك أنقذتيني.

بصلها في عينيها.

— أنا بطلب منك لأنك أول إنسانة شافت أسوأ نسخة مني… ورفضت تسيبني أعيش فيها.

هي ضحكت وسط دموعها.

— دي أسوأ طريقة رومانسية سمعتها.

قال:

— يعني لأ؟

مدت إيدها.

— يعني لسه رخم.

ابتسم.

— بس؟

قالت:

— بس موافقة.

—

بعد سنة…

كانت واقفة في نفس البيت اللي دخلته أول مرة وهي محتاجة مرتب يساعد أمها.

لكن المرة دي…

أمها كانت قاعدة في الصف الأول، لابسة فستان جديد وبتعيط من الفرحة.

وأمه قاعدة جنبها ماسكة إيدها.

أما أخوه الصغير، فكان واقف بعيد وقال:

— على فكرة، أنا أول واحد عرف إنكم هتتجوزوا.

بصتله.

— إنت أول واحد شتمني أصلًا.

احمر وشه.

فضحك الجميع.

أما هو…

فمشى ناحيتها خطوات قصيرة.

ببطء.

من غير كرسي.

لكن بعكاز واحد.

ولما وصل لها، همست:

— كان ممكن تستخدم الكرسي بدل العند ده كله.

قال:

— وأضيّع فرصة أستفزك يوم فرحنا؟

ضحكت.

ومدت إيدها له.

مسكها.

الغريب إن الناس افتكرت إنها دخلت حياته علشان تعلمه يمشي من جديد.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

هي علمته إن قيمته ما اختفتش يوم قعد على الكرسي.

وهو، من غير ما يقصد…

أكد لها إن كل كلمة قاسية سمعتها عن جسمها طول حياتها ماكانتش تعريفًا لها.

كانت مجرد أصوات ناس ما عرفوهاش.

هو ما احتاجش حد ينقذه من الكرسي.

وهي ما احتاجتش حد ينقذها من شكلها.

الاتنين كانوا محتاجين شخص يبصلهم…

ويشوف الإنسان قبل الجسد.

النهاية

أحيانًا أقسى شخص تقابله مش بيكون شرير…

ممكن يكون موجوع وقرر، بالغلط، إن أسهل طريقة يتحمل بيها وجعه هي إنه يوزعه على اللي حواليه.

لكن الوجع يفسر القسوة…

ولا يبررها.

والإنسان الحقيقي مش اللي عمره ما يقع.

الإنسان الحقيقي هو اللي لما يلاقي إيد ممدودة له…

يتعلم في النهاية يقوم، ويكون هو كمان إيد ممدودة لغيره.

 الكاتبة أسما السيد

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى