روايات وقصص

وثيقة تأمين حكايات اسما السيد 2

سلمى فضلت واقفة مكانها.

— أمك؟

كريم هز راسه.

— من 3 سنين الشركة كانت بتمر بأكبر توسع ليها… وإنتِ كنتِ مسافرة كتير.

سلمى افتكرت الفترة دي.

دبي.

السعودية.

الأردن.

كانت بتنام ساعات قليلة علشان تبني الشركة.

وكريم كان دايمًا يقول لها:

— سيبي البيت والشركة عليا.

دلوقتي فهمت ليه.

قال كريم:

— بدأت بمبالغ صغيرة.

— كام؟

سكت.

سلمى صرخت:

— كام يا كريم؟!

— حوالي 400 ألف في الأول.

— وبعدين؟

— زادوا.

— لكام؟

كريم ما ردش.

سلمى قربت منه.

— كام؟!

قال بصوت مبحوح:

— تقريبًا 11 مليون جنيه.

سلمى مسكت طرف الكرسي.

11 مليون.

فلوس كانت فاكرة إنها راحت بسبب تلاعب موظفة.

— ونادين؟

— اكتشفت.

— فلبستوها السرقة.

كريم هز راسه ببطء.

— أمي قالت إن دي الطريقة الوحيدة.

سلمى قفلت عينيها.

نادين ما هربتش لأنها حرامية.

هربت لأنها كانت خايفة.

— والطفل؟

كريم سكت طويلًا.

— بعد ما نادين اكتشفت السرقة، حاولت أقنعها تسكت… واتقربنا من بعض.

سلمى بصتله باشمئزاز.

— يعني خنتني مع الست اللي كنت بتسرق شركتي وبتلفق لها تهمة؟

— سلمى…

— والولد ابنك؟

— أيوه.

سلمى أخدت نفس طويل.

ثم قالت:

— اخرج.

— اسمعيني.

— اخرج من بيتي.

— أنا جوزك!

— مؤقتًا.

الجملة وجعته.

لكنها ما اهتمتش.

كريم خرج.

وسلمى فضلت لوحدها لحد الفجر.

ما عيطتش.

فتحت اللابتوب.

دخلت على أرشيف الشركة.

وبدأت تراجع كل حاجة حصلت من 3 سنين.

وفي الساعة 5:43 صباحًا…

لقيت حاجة.

تحويل بنكي.

2 مليون و700 ألف جنيه.

إلى حساب شركة اسمها:

NF للاستشارات.

سلمى بحثت عن بيانات الشركة.

المالكة؟

نادين فؤاد.

لكن فيه حاجة أغرب.

الشركة لسه شغالة.

ولسه بيتم تحويل مبالغ ليها كل شهر.

آخر تحويل…

كان من أسبوع واحد بس.

سلمى مسكت موبايلها واتصلت بالمحامي.

— أستاذ ماجد؟

— أيوه يا مدام سلمى؟

— محتاجة منك حاجة سرية جدًا.

— تحت أمرك.

— عايزاك تعرفلي كل حاجة عن شركة NF للاستشارات… وبالذات نادين فؤاد.

سكت لحظة.

ثم قال:

— نادين فؤاد؟

— تعرفها؟

— مدام سلمى…

صوته اتغير.

— نادين حاولت تتواصل معاكي من سنتين.

سلمى اتجمدت.

— إيه؟

— بعتتلك جواب مسجل.

— أنا ما وصلنيش حاجة.

— مستحيل. عندي صورة من إيصال الاستلام.

— مين استلمه؟

صوت أوراق اتحرك.

ثم سكت ماجد.

— أستاذ ماجد؟

قال:

— التوقيع باسم…

وتوقف.

— باسم مين؟

— كريم المنشاوي.

سلمى غمضت عينيها.

كريم ما اكتفاش إنه يخونها.

كان بيعزلها عن الحقيقة سنة وراء سنة.

قال المحامي:

— وفي حاجة تانية.

— قول.

— نادين كتبت على الظرف: “خاص جدًا — يفتح بواسطة سلمى فقط.”

— ومحتواه؟

— معرفش.

سلمى قالت:

— هاتها لي.

وبعد ساعتين…

كان ماجد قدامها.

ومعاه نسخة إلكترونية محفوظة من الخطاب.

سلمى فتحته.

وقرأت أول سطر.

وتجمدت.

“مدام سلمى… أنا عارفة إنك فاكراني سرقتك، لكن لو وصلك الخطاب ده، لازم تعرفي إن جوزك وحماتك مش بيسرقوا شركتك بس.”

سلمى كملت القراءة.

وفي آخر الصفحة…

كان فيه رقم حساب بنكي.

وتحته جملة:

“دوري على اسم صاحب الحساب الحقيقي… وساعتها هتعرفي ليه كريم اتجوزك من البداية.”

يتبع…

سلمى ما نامتش.

طلبت من المحامي يتتبع الحساب بالطريق القانوني، وفي نفس الوقت سلّمت كل المستندات للجهات المختصة.

والنتيجة كانت أقسى من كل توقعاتها.

الحساب مرتبط بشركة قديمة أسسها والد سلمى قبل وفاته.

لكن الشخص اللي كان بيحاول يسيطر على جزء من أصولها طوال السنين الماضية…

كان كريم.

سلمى واجهته بحضور محاميها.

حطت المستندات قدامه.

— اتجوزتني ليه؟

كريم بص للأرض.

— كنت بحبك.

— سألتك اتجوزتني ليه؟

سكت.

سلمى قالت:

— قبل جوازنا بشهور، أبويا كان داخل شراكة مع خالك… وبعد وفاة أبويا، خالك خسر القضية اللي كان بيطالب فيها بجزء من الشركة.

كريم رفع عينه.

عرف إن كل حاجة اتكشفت.

— أمك قربتك مني بعدها.

— سلمى…

— صح؟

قال بصوت ضعيف:

— في الأول… أيوه.

كانت الإجابة كفاية.

عشر سنين.

كل ذكرى جميلة بقت محتاجة تتراجع من جديد.

لكن المفاجأة الأخيرة كانت نادين نفسها.

بعد إجراءات قانونية طويلة، ظهرت نادين وقدمت ما عندها من مستندات ورسائل قديمة.

وكان معاها طفل صغير.

سلمى أول ما شافته، قلبها وجعها.

مش لأنه ابن كريم.

لكن لأنه طفل مالوش ذنب في أي حاجة.

نادين قالت وهي بتبكي:

— أنا غلطت لما دخلت في مع جوزك… ومفيش مبرر لده. بس أنا ما سرقتكيش.

سلمى ردت:

— عارفة.

نادين بصتلها بصدمة.

سلمى حطت نسخة من المستندات قدامها.

— وهقول الحقيقة في التحقيق.

نادين بدأت تبكي.

— بعد اللي عملته فيكي؟

سلمى قالت:

— الحقيقة مش هدية بديهالك… دي حقك.

ومرت الشهور.

قضية محاولة قتل دولت أخدت مسارها القانوني، واتضافت لها الأدلة المتعلقة بالاختلاس والتزوير.

وكريم واجه اتهامات مرتبطة بالاستيلاء على أموال الشركة والتزوير وإخفاء مستندات، بينما بدأت سلمى إجراءات الطلاق.

أما نادين، فتمت مراجعة الاتهات القديمة ضدها على ضوء الأدلة الجديدة.

وفي يوم توقيع

كريم وقف قدام سلمى.

كان شكله مختلف.

قال:

— عشر سنين… مش هيفرق معاكي منهم يوم واحد؟

سلمى بصتله بهدوء.

— بالعكس.

— يعني إيه؟

— هيفرقوا جدًا.

ابتسم بأمل.

لكنها كملت:

— علشان علموني إن الشخص ممكن يعيش جنبك سنين… وإنتِ ما تعرفيش هو بيحبك، ولا بيحب الحياة اللي بتوفريها له.

كريم سكت.

سلمى وقعت.

وقامت.

بعد سنة…

كانت واقفة في افتتاح فرع جديد لشركتها.

وراءها لافتة كبيرة باسم والدها.

وقدامها عشرات الموظفين.

شركة كانت على وشك تتسرق منها…

بقت أقوى.

وهي نفسها اتغيرت.

مش لأنها بطلت تثق في الناس.

لكن لأنها بطلت تخلط بين الحب والتضحية بلا حدود.

وفي نهاية الحفل، المحامي ماجد قرب منها بابتسامة.

— على فكرة… وثيقة التأمين الجديدة خلصت.

سلمى ضحكت.

— والمستفيد؟

— زي ما طلبتي.

كانت خصصت جزءًا كبيرًا منها لصندوق خيري لدعم تعليم الأطفال المحتاجين.

بصت من الشباك للمدينة.

وفكرت في الليلة اللي بدأت بتعبان تحت مخدتها.

كانت دولت فاكرة إن 25 مليون جنيه هي أغلى حاجة تملكها سلمى.

لكنها كانت غلطانة.

أغلى حاجة كانت حياتها نفسها.

ولأول مرة من سنين…

سلمى اختارت تعيشها لنفسها.

تمت

إهداء:

لكل واحدة فضلت تدي وتسامح لحد ما نسيت نفسها…

الطيبة مش معناها إنك تقبلي الخيانة.

والعِشرة مش معناها إنك تكملي في الأذى.

وأحيانًا النجاة مش إنك ترجعي كل حاجة زي الأول…

النجاة إنك تعرفي إمتى تقفلي الباب، وتمشي من غير ما تبصي وراكي.

✍️ الكاتبة أسما السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى