رجعت بنتي حكايات اسما السيد

رجعت بنتي من عند جدتها، وأول ما دخلت البيت سألتني: — ماما، ليه تيتة بتقول إننا هننقل نعيش في بيت تاني من غيرك؟ بصيت لها باستغراب وقلت: — تقصدي إيه يا حبيبتي؟ إحنا مش هننقل في أي مكان. قطبت حاجبيها وقالت: — بس تيتة قالت إن بابا وأنا هيبقى لينا أوض هناك. كان جوزي قاعد على ترابيزة المطبخ. وأول ما بنتي قالت الجملة دي، رفع عينه بسرعة.
وفي حاجة في ملامح وشه خلت ابتسامتي تختفي فورًا.
بصيت له وقلت:
— في إيه؟
هز راسه وقال:
— دي عندها سبع سنين، أكيد فهمت كلام ماما غلط.
قلت بحدة:
— فهمت غلط الجزء اللي بيقول إنكم هتنقلوا من غيري؟
ما ردش.
بدل كده، مسك تليفونه واتصل بأمه.
كنت سامعة صوتها أول ما ردت.
قال لها:
— إنتِ ليه قلتي للبنت إننا هننقل؟
سكتت لحظات.
وبعدين قالت:
— أنا بس بجهزها للموضوع.
جوزي وقف من مكانه وقال بعصبية:
— بتجهزيها لإيه بالظبط؟
أمه سكتت.
وبعدين سمعتها بتقول:
— مراتك مش لازم تعرف كل حاجة دلوقتي.
وقفلت المكالمة.
فضلت باصة لجوزي في صمت.
وبعدين قلت:
— ممكن أعرف إيه بالظبط اللي مراتك مش لازم تعرفه؟
قال بسرعة:
— مفيش حاجة. أمي بتحب تعمل دراما وخلاص.
بس أنا ما صدقتوش.
بعد كام يوم، شفته واقف بعيد بيتكلم في التليفون بصوت واطي.
استنيت لحد ما قفل، وسألته:
— كنت بتكلم والدتك؟
رد من غير ما يبصلي:
— لأ… ده شغل.
لكن طريقته وهو بيقولها خلتني أقلق أكتر.
يمكن كان مجرد إحساس…
بس أول ما خرج من الأوضة، فتحت حساب التوفير بتاعنا.
وأول ما شفت الرصيد، حسيت معدتي بتتقلب.
مبلغ ضخم من الفلوس اللي بقالنا سنين بنحوشها اختفى.
راجعت التحويلات مرتين، وأنا بحاول أقنع نفسي إني أكيد فاهمة غلط.
بس ماكانش فيه أي غلط.
آلاف اتسحبت واتحولت من حسابنا، وجوزي ما قالليش كلمة واحدة.
وفجأة، شاشة تليفونه نورت فوق رخامة المطبخ.
ظهرت رسالة من سمسار العقارات:
«كل حاجة جاهزة. ناقص بس التوقيع الأخير.»
ساعتها بدأت الصورة تتجمع قدامي.
لما جوزي نزل تاني، كنت مستنياه.
قلت له:
— إنت خدت من فلوسنا اللي محوشينها علشان تشتري بيت لوالدتك؟
سكت لحظة وقال:
— كنت هقولك.
ضحكت بمرارة.
— إمتى؟ بعد ما البيت يبقى باسمها خلاص؟
قال:
— كنت هقولك قبل ما كل حاجة تخلص. وأمي كانت عارفة إني ناوي أقولك. وهي وعدتني إنها ما تتدخلش.
بصيت له وقلت:
— طب ليه بتقول لبنتنا إنها كمان هتنقل تعيش هناك؟
اتغيرت ملامحه.
— إيه؟
قلت:
— إنت سمعت بنتك. والدتك قالت لها إنك إنت وهي هيبقى ليكم أوض في البيت.
فضل باصصلي.
ولأول مرة من بداية الكلام…
ماكانش شكله مذنب.
كان فعلًا مستغرب.
وقال:
— أنا عمري ما قلت لأمي إننا هنروح نعيش معاها.
اتجمدت مكاني.
يعني مهما كان اللي حماتي بتخطط له في البيت ده…
واضح إن جوزي نفسه ماكانش عارف عنه حاجة.
وفجأة افتكرت رسالة سمسار العقارات.
البيت لسه ما بقاش بتاعها رسمي.
ولسه ناقص التوقيع الأخير.
وساعتها…
عرفت بالظبط أنا هتعامل مع حماتي إزاي.سيبوا لايك ❤️ وكومنت 💬 واكتبولي توقعاتكم إيه هو السر، وهرد عليكم في التعليقات 👇
ومتنسوش المتابعة عشان تكملوا باقي القصة ❤️
✍️ حكايات الكاتبة: أسما السيد
🚫 ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن. للكاتبة أسما السيد.
بصيت لجوزي وقلت بهدوء غريب:
— السمسار اسمه إيه؟
رمش باستغراب.
— ليه؟
— علشان طالما دي فلوسنا إحنا الاتنين، وطالما البيت لسه ما اتنقلش رسمي… يبقى من حقي أعرف كل تفصيلة.
اتردد لحظة، وبعدها قال:
— اسمه هشام.
مد إيده ياخد تليفونه، لكني سبقته.
قلت:
— لأ… أنا اللي هكلمه.
وش جوزي اتشد.
— إنتِ ناوية تعملي إيه؟
بصيت له مباشرة.
— لسه مش عارفة. بس في حاجة واحدة متأكدة منها… والدتك بتخطط لحاجة أكبر بكتير من مجرد بيت.
اتصلت بالسمسار.
أول ما رد قلت له:
— مساء الخير يا أستاذ هشام، أنا زوجة أحمد… بخصوص البيت اللي حضرتك مخلص إجراءاته معاه.
سكت ثانية وقال:
— أهلًا يا فندم… أيوه طبعًا، إحنا تقريبًا خلصنا كل حاجة.
قلت:
— تقريبًا؟
— ناقص توقيع المالك النهائي على عقد التنازل، وبعدها التسجيل.
سألته:
— والبيت هيبقى باسم مين؟
سكت.
السؤال كان بسيط، لكن سكوته خلاني أعرف إن فيه حاجة مش طبيعية.
قلت له:
— أستاذ هشام؟
رد بتردد:
— أستاذ أحمد قال إن العقار باسم والدته.
بصيت لجوزي.
قلت:
— تمام، وده أنا عارفاه. بس حضرتك قلت “المالك النهائي”. في حد تاني داخل في الموضوع؟
سمعت صوت ورق بيتقلب عنده.
وبعدين قال:
— بصراحة يا مدام… أنا كنت فاكر إن حضرتك عارفة.
قلبي دق بسرعة.
— أعرف إيه؟
قال:
— والدته طلبت تعديل في العقد من يومين.
جوزي قرب مني بسرعة.
قلت:
— تعديل إيه؟
السمسار قال:
— إنها تكون صاحبة حق الانتفاع طول حياتها، وبعدها الملكية تنتقل… لحفيدتها.
جوزي قال بصوت عالي:
— إيه؟!
السمسار اتلخبط.
— أستاذ أحمد؟
خدت التليفون بعيد عنه وقلت:
— حضرتك متأكد إن المقصود بنتنا؟
قال:
— أيوه يا فندم. الاسم وتاريخ الميلاد موجودين في الورق.
قفلت المكالمة.
فضلنا أنا وجوزي باصين لبعض.
هو كان مصدوم.
وأنا كنت بحاول أفهم.
قلت:
— والدتك أخدت فلوسنا علشان تشتري بيت باسمها، وبعد موتها يبقى لبنتنا؟
قال بسرعة:
— أنا ما وافقتش على الكلام ده. أنا أصلًا ما أعرفش حاجة عنه.
قلت:
— طب ليه تعمل كده؟
هز راسه بعصبية.
— معرفش.
قعد على الكرسي وحط إيده على راسه.
وبعدين قال:
— أنا كنت ناوي أجيب البيت لأمي علشان شقتها قديمة، وهي طول الوقت بتشتكي إن السلم تعبها. كنت فاكر إني بعمل حاجة كويسة.
قلت ببرود:
— من فلوسنا من غير ما تقولي.
رفع عينه ناحيتي.
— أنا غلطت.
— غلطت؟ أنت سحبت مبلغ إحنا الاتنين بنحوشه من سنين.
قال:
— عارف.
— وحولت الفلوس من غير إذني.
— عارف.
— وخبيت عليا.
نزل عينه.
— عارف.
قلت:
— يبقى ما تطلبش مني أتعامل مع الموضوع كأنه مجرد سوء تفاهم بينك وبين والدتك.
سكت.
بعدها قلت:
— بكرة هنروح للسمسار.
رفع راسه.
— ليه؟
— هنوقف البيع.
اتوتر.
— أمي هتقلب الدنيا.
قلت:
— ما تقلبها.
تاني يوم، ما قلتش لحماتي حاجة.
ولا جوزي كلمها.
رحنا مكتب السمسار حوالي الضهر.
أستاذ هشام كان واضح عليه التوتر من أول ما دخلنا.
حط قدامنا نسخة من العقد وقال:
— أنا بصراحة كنت مستغرب التعديل، بس بما إن المبلغ اتحول…
قاطعته:
— المبلغ اتحول كله؟
قال:
— لأ. فيه عربون ومقدم كبير، والباقي عند التوقيع.
قلت:
— لو وقفنا دلوقتي، نخسر قد إيه؟
ذكر رقم.
كان مبلغ مش قليل.
جوزي تنهد.
لكن بالنسبة لي، خسارة جزء من الفلوس أهون من إننا ندخل في حاجة مش فاهمينها.
قلت:
— وقف الصفقة.
جوزي بصلي.
— استني.
قلت:
— في إيه؟
قلب العقد قدامه، وقعد يقرأ.
وفجأة وقف عند صفحة.
قال:
— مين اللي ماضي هنا؟
السمسار قرب.
— والدتك.
جوزي رفع الورقة.
— ده مش توقيع أمي.
قربت منه.
كان فيه توقيع فعلاً باسم حماتي.
لكن أحمد فضل باصص له وقال:
— أنا عارف توقيع أمي من وأنا صغير… ده مش توقيعها.
السمسار بدأ يتوتر أكتر.
— بس هي اللي بعتت الأوراق.
قلت:
— بعتها إزاي؟
— مع مندوب.
— ومين المندوب؟
فتح الكمبيوتر.
— واحد اسمه سامح.
جوزي اتجمد.
بصيت له.
— تعرفه؟
وشه اتغير.
قال بصوت واطي:
— سامح ده ابن خالتي.
سكت ثواني، وبعدها قال:
— وهو أقرب واحد لأمي.
بدأت أحس إن كل حاجة بتتعقد.
اتصل أحمد بأمه فورًا.
ردت بعد كام رنة.
قال لها:
— ماما، إنتِ بعتي سامح للسمسار؟
سكتت.
قال:
— جاوبيني.
ردت ببرود:
— آه.
— وإنتِ اللي طلبتي تحطي البيت بعد عمرك باسم بنتي؟
قالت:
— وأنا حرة.
صرخ:
— بفلوسي؟!
قالت بسرعة:
— فلوسك إيه؟ إنت ابني. واللي معاك بتاعك وبتاع عيلتك.
قلت من مكاني بصوت واضح:
— وأنا مراته، والفلوس دي جزء منها بتاعي.
حماتي سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— ما أنا عارفة إنك قاعدة جنبه.
قلت:
— كويس. يبقى قوليلي ليه بتقولي لبنتي إنها هتعيش معاكي من غيري.
ضحكت ضحكة صغيرة.
وقالت:
— علشان أنا كنت متأكدة إن اليوم ده جاي.
قلت:
— يوم إيه؟
قالت:
— اليوم اللي ابني أخيرًا يفوق.
أحمد قال:
— يفوق من إيه يا ماما؟
ردت:
— منك.
قلبي اتقبض.
قلت:
— مني أنا؟
قالت:
— أيوه منك.
أحمد ضرب بإيده على المكتب.
— بطلي الكلام ده.
لكنها كملت:
— طول عمرك مش شايف. أنا من زمان عارفة إن الجوازة دي مش هتكمل.
قلت:
— وإيه علاقة البيت؟
قالت بمنتهى الهدوء:
— البيت ده علشان أحمد وبنته يبقى عندهم مكان يرجعوا له لما يسيبوكي.
اتجمدت مكاني.
جوزي قال:
— ماما إنتِ اتجننتي؟
ردت:
— لأ يا حبيبي. أنا الوحيدة اللي بفكر.
قال:
— محدش هيسيب حد.
قالت:
— إنت فاكر كده دلوقتي.
وبعدين قالت جملة خلت الدم ينشف في عروقي:
— بس لما تعرف مراتك مخبية عنك إيه من سبع سنين… إنت بنفسك اللي هتطلب منها تمشي.
جوزي وقف من مكانه.
— هي مخبية عني إيه؟
حماتي سكتت.
قلت:
— كملي.
قالت:
— مش بالتليفون.
وقفلت.
فضل المكتب كله ساكت.
السمسار بص لنا ومش عارف يقول إيه.
أما جوزي…
فكان واقف باصصلي بنظرة بدأت تتغير.
قلت له:
— إنت مصدقها؟
هز راسه.
— لأ.
بس صوته ماكانش ثابت.
قلت:
— لو عندك سؤال، اسأله دلوقتي.
قال:
— أنا مش فاهم هي تقصد إيه.
قلت:
— ولا أنا.
خرجنا من المكتب.
وفي العربية، فضل ساكت طول الطريق.
ولما وصلنا البيت، بنتنا كانت قاعدة بترسم في الصالة.
أول ما شافت أبوها قالت:
— بابا، تيتة قالت إن عندها مفاجأة ليا في البيت الجديد.
بص لها أحمد.
— مفاجأة إيه؟
قالت ببراءة:
— أوضة ماما القديمة.
بصيت أنا وأحمد لبعض.
قلت:
— ماما القديمة مين؟
بنتي هزت كتفها.
— معرفش… تيتة قالت لما نروح هناك هتوريني صورها.
أحمد قرب منها وقعد قدامها.
— قالتلك إيه تاني؟
فكرت شوية.
— قالت إن بابا كان عنده عيلة قبلنا.
وش أحمد ابيض.
أنا نفسي ما فهمتش.
قلت:
— بابا كان عنده عيلة قبلنا؟
بنتي قالت:
— أيوه… وقالتلي ما أقولش لماما علشان هتزعل.
جوزي وقف فجأة.
طلع تليفونه.
وبدأ يدور في الأرقام بعصبية.
قلت:
— بتكلم مين؟
قال:
— سامح.
رد ابن خالته.
أحمد ما سلمش حتى.
قال:
— إنت عارف إيه عن البيت؟
سامح سكت.
— بيت إيه؟
— بلاش استعباط. البيت اللي أمي بتشتريه بفلوسي.
سامح قال:
— أحمد، الموضوع مش زي ما إنت فاكر.
— يبقى فهمني.
سامح تنهد.
وبعدين قال:
— مش أنا اللي المفروض أقولك.
صرخ أحمد:
— تقوللي إيه؟!
سامح سكت.
أحمد قال:
— أمي قالت إن مراتي مخبية عني حاجة من سبع سنين. وبنتي بتقول إن أنا كان عندي عيلة قبلهم. إيه اللي بيحصل؟
سامح قال بصوت واطي:
— اسأل أمك عن نجلاء.
أحمد اتجمد.
قلت:
— مين نجلاء؟
لكن جوزي ما ردش.
وشه كان كأنه شاف شبح.
سامح قال:
— لو أمك بدأت تفتح الموضوع… يبقى خلاص قررت تطلع كل حاجة.
جوزي قال:
— نجلاء مين يا سامح؟
سامح رد:
— إنت عارف هي مين.
وقفل.
بصيت لجوزي.
قلت:
— مين نجلاء؟
قال بسرعة:
— معرفش.
لكن المرة دي…
كنت متأكدة إنه بيكدب.
قربت منه.
— أحمد، مين نجلاء؟
فضل ساكت.
وبعدين قعد على الكنبة ببطء.
حط إيده على وشه.
وقال:
— قبل ما أتجوزك… كان فيه بنت.
سألته:
— خطيبتك؟
هز راسه.
— لأ.
— مراتك؟
ما ردش.
قلبي بدأ يدق بعنف.
قلت:
— أحمد… إنت كنت متجوز قبلّي؟
رفع عينه ليا.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن سر حماتي ماكانش عني أنا أصلًا.
كان عنه هو.
وقال:
— أنا كنت فاكر إنها ماتت.
يتبع…
بصيت له وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك من تحتي.
— إنت كنت فاكر إنها ماتت؟
أحمد ما ردش فورًا.
بنتنا كانت لسه واقفة في الصالة، فبص لها بسرعة وقال:
— حبيبتي، روحي أوضتك شوية.
قالت:
— ليه؟
قلت لها بهدوء:
— علشان أنا وبابا عندنا كلام للكبار.
دخلت أوضتها، وأنا فضلت واقفة مكاني.
قلت:
— اتكلم.
أحمد خد نفس طويل.
— قبل ما أعرفك بحوالي عشر سنين، كنت مرتبط بنجلاء.
قلت:
— مرتبط يعني إيه؟
— كنا متفقين على الجواز.
— وأهلك كانوا عارفين؟
هز راسه.
— أمي كانت أكتر واحدة عارفة.
سألته:
— وبعدين؟
بص للأرض.
— نجلاء كانت من عيلة ظروفها بسيطة، وأمي كانت شايفة إنها مش مناسبة لينا. عملت مشاكل كتير، بس أنا وقتها تمسكت بنجلاء.
قلت:
— واتجوزتها؟
سكت.
قلت بصوت أعلى:
— أحمد، اتجوزتها؟
قال:
— كتبنا كتاب عرفي.
اتجمدت.
— عرفي؟
— كان غلط. وأنا عارف إنه غلط. كنت صغير ومتهور، وافتكرت إني بكده بحمي علاقتنا.
حسيت بغضب شديد.
— وبعدين؟
قال:
— نجلاء حملت.
الكلمة نزلت عليا زي حجر.
فضلت باصة له.
— عندك ابن؟
هز راسه بسرعة.
— مش عارف.
— يعني إيه مش عارف؟
قال:
— لما أمي عرفت بالحمل حصلت مشكلة كبيرة. قالتلي إن نجلاء بتضحك عليا، وإن الحمل مش مني. أنا ما صدقتهاش في الأول.
قلت:
— وبعدين؟
— اتخانقنا كلنا. وبعدها بكام يوم نجلاء اختفت.
— اختفت إزاي؟
— أمي قالتلي إنها سافرت عند قرايبها. وبعدها بشهرين جالي خبر إنها ماتت في حادثة طريق.
بصيت له غير مصدقة.
— وإنت صدقت؟
قال:
— أمي جابتلي صورة ورقة وفاة.
ضحكت بمرارة.
— وطبعًا ما فكرتش تدور بنفسك.
قال:
— دورت. بس وقتها ماكنتش عارف أصلًا هي راحت فين. وأهلها كانوا نقلوا من بيتهم.
قلت:
— وبعدها؟
— بعدها سافرت شغل بره فترة، ولما رجعت… عشت حياتي. وبعد سنين قابلتك.
قعدت على الكرسي.
كل حاجة بقت مرعبة.
قلت:
— طيب لو نجلاء ماتت، ليه أمك بتفتح الموضوع دلوقتي؟
أحمد قال:
— معرفش.
قلت:
— لا. في حاجة ناقصة.
مسكت تليفوني.
— هنروح لها.
قال:
— دلوقتي؟
— آه دلوقتي.
وصلنا بيت حماتي بعد حوالي نص ساعة.
فتحت لنا الباب، وكانت هادية بشكل استفزني.
قالت:
— كنت عارفة إنكم هتيجوا.
دخلت من غير سلام.
قلت:
— فين الصور؟
بصتلي.
— صور إيه؟
— الصور اللي قولتي لبنتي عليها.
جوزي قال:
— ومين نجلاء؟
حماتي بصتله لحظات طويلة.
وبعدين قالت:
— أخيرًا افتكرتها.
أحمد قال:
— إنتِ قولتيلي إنها ماتت.
ردت:
— كان لازم.
أنا صرخت:
— لازم إيه؟!
بصتلي ببرود.
— علشان ابني كان هيضيع عمره معاها.
أحمد قرب منها.
— هي عايشة؟
حماتي ما ردتش.
أحمد مسك طرف الترابيزة بعنف.
— بسألك نجلاء عايشة؟
قالت:
— آه.
اتسمر مكانه.
حتى أنا حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
قال:
— والطفل؟
حماتي قالت:
— بنت.
أحمد شهق.
— عندي بنت؟
قالت:
— عندك بنت عمرها ستاشر سنة.
سند إيده على الحيطة.
أنا فضلت باصة لحماتي.
قلت:
— وإنتِ كنتي عارفة طول السنين دي؟
— أيوه.
— ومخبية عليه؟
— أيوه.
جوزي صرخ:
— ليه؟!
قالت:
— علشان نجلاء كانت هتسحبك من مستقبلك. وأنا اتفقت معاها إنها تختفي.
أحمد بص لها بذهول.
— اتفقتي معاها؟
قالت:
— ادتلها فلوس.
سألها:
— وهي وافقت؟
ابتسمت بسخرية.
— ماكانش عندها اختيار كبير.
قلت:
— يعني ضغطتي عليها.
ما ردتش.
أحمد قال:
— طيب وإيه علاقة البيت؟
هنا حماتي سكتت.
وأنا قربت منها.
— أيوه. دي أهم نقطة.
بصتلي.
— البيت كان لنجلاء وبنتها.
اتجمدنا إحنا الاتنين.
أحمد قال:
— إيه؟
قالت:
— نجلاء رجعت من كام شهر.
قلت:
— رجعت فين؟
— مصر.
أحمد قال:
— وقابلتيها؟
— آه.
— من غير ما تقوليلي؟
— طبعًا.
أحمد صرخ:
— طبعًا؟!
قالت:
— جت تطلب حق بنتها.
قلت:
— حقها في إيه؟
حماتي قالت:
— في أبوها.
أحمد سكت.
أنا فهمت فجأة.
قلت:
— عشان كده كنتي عايزة تشتري البيت.
حماتي بصتلي.
— كنت عايزة أحل الموضوع بعيد عنكم.
قلت:
— بفلوسنا؟
— أحمد هو أبو البنت.
قلت:
— يبقى أحمد يدفع لها من فلوسه لو ثبت إنها بنته. مش تاخدي مدخراتنا إحنا الاتنين في السر.
قالت:
— أنا كنت بحاول أحمي بيته.
ضحكت.
— تحمي بيته بإني أنا أخرج منه؟
ما ردتش.
أحمد قال:
— وليه قولتي لبنتي إنها هتعيش هناك؟
حماتي قالت بمنتهى الهدوء:
— علشان البيت كان المفروض يجمعكم.
قال:
— يجمع مين؟
— إنت وبنتك الكبيرة وبنتك الصغيرة.
بصيت لها.
— وأنا؟
قالت:
— إنتِ كنتي هتطلبي الطلاق أول ما تعرفي.
قلت:
— فقررّتي تختصري الطريق.
قالت:
— كنت متوقعة ده.
رديت:
— لأ. إنتِ كنتي بتخططي له.
سكتت.
وقتها اتفتح باب أوضة جانبية.
وخرجت ست.
كان عمرها تقريبًا أواخر التلاتينات.
ملامحها هادية، لكن وشها كان باين عليه تعب سنين.
أحمد اتجمد.
قال بصوت شبه همس:
— نجلاء؟
الست وقفت مكانها.
وبصت له.
— أيوه.
فضلوا باصين لبعض.
أنا ما اتحركتش.
أحمد قال:
— إنتِ عايشة.
قالت:
— زي ما إنت شايف.
قرب خطوة.
— ليه ما رجعتيليش؟
ضحكت ضحكة موجوعة.
— أرجعلك إزاي؟ أمك قالتلي إنك أنكرت البنت.
أحمد بص لأمه.
— إيه؟
نجلاء كملت:
— قالتلي إنك قولتلها إن الحمل مش منك، وإنك مش عايز تشوفني تاني.
أحمد قال بسرعة:
— أنا ما قلتش ده.
نجلاء بصت له.
— وأنا اكتشفت ده متأخر جدًا.
سألتها:
— إمتى؟
قالت:
— من سنة تقريبًا.
قلت:
— إزاي؟
— قابلت سامح بالصدفة. هو اللي فهمني إن أحمد طول عمره فاكرني مت.
أحمد قال:
— طب ليه ما كلمتينيش؟
نجلاء ردت:
— لأن بعد ستاشر سنة، حياتك بقت مختلفة. عرفت إنك متجوز وعندك بنت. وماكنتش عايزة أدخل أكسر بيت.
بصيت لحماتي.
— بس هي كانت عايزة.
نجلاء قالت:
— أنا ما طلبتش بيت.
حماتي قالت بسرعة:
— إنتِ قولتي إن البنت ليها حق.
نجلاء ردت:
— قولت حقها تعرف أبوها لو هي عايزة. وما طلبتش منك جنيه.
أحمد بص لأمه.
حماتي بدأت تتوتر.
— أنا كنت بحاول أضمن مستقبلها.
قلت:
— مستقبلها ولا مستقبلك إنتِ؟
سكتت.
المرة دي، نجلاء نفسها بصتلها باستغراب.
قلت:
— البيت كان باسمك إنتِ الأول، وبعدها بنت أحمد الكبيرة. يعني حضرتك تفضلي صاحبة حق الانتفاع طول عمرك.
حماتي قالت:
— ده طبيعي.
قلت:
— لأ. الطبيعي إن لو الهدف البنت، البيت يبقى للبنت. مش حضرتك تستفيدي منه طول حياتك.
أحمد بدأ يفهم.
قال:
— إنتِ كنتي هتسكّني مين في البيت؟
حماتي ما ردتش.
قلت:
— جاوبي.
قالت:
— أنا كنت هعيش فيه.
أحمد ضحك بصدمة.
— يعني القصة كلها علشان تشتري لنفسك بيت بفلوسي، وتستخدمي موضوع نجلاء علشان تبرريه؟
قالت بسرعة:
— لأ!
قلت:
— طيب ليه كنتي بتجهزي بنتنا إنها تعيش معاكي؟
حماتي سكتت.
أحمد قال:
— قولي.
قالت بعصبية:
— لأنك كنت هتطلقها في الآخر!
شارت ناحيتي.
أنا قلت:
— على أساس إيه؟
قالت:
— على أساس إن الراجل لما يعرف إن عنده بنت كبيرة ضاعت منه، هيفهم إن حياته كلها اتسرقت منه!
أحمد قرب منها وقال:
— واللي سرق حياتي مين؟
سكتت.
قال:
— نجلاء؟ ولا مراتي؟
ما ردتش.
صرخ:
— إنتِ!
حماتي بدأت تعيط.
— أنا عملت ده علشانك!
قال:
— كذبتي عليا ستاشر سنة.
— علشان مصلحتك.
— حرمتيني من بنتي.
— كنت صغير!
— وحرمتِ بنتي من أبوها!
نجلاء قالت بصوت هادي:
— أحمد.
لف لها.
قالت:
— البنت مش عايزة تشوفك دلوقتي.
الجملة وجعته.
قال:
— ليه؟
— لأنها تعرف إنك أبوها، لكن طول عمرها متخيلة إنك رفضتها.
قال:
— بس أنا ما رفضتهاش.
نجلاء قالت:
— أنا عارفة. بس هي لسه ما تعرفش كل الحقيقة.
أحمد قعد على الكرسي.
كان أول مرة أشوفه بالشكل ده.
مكسور فعلًا.
بعد شوية، بصلي.
وقال:
— أنا عارف إن اللي عملته في موضوع الفلوس غلط.
ما رديتش.
قال:
— وعارف إنك لو طلبتي تبعدي، يبقى من حقك.
قلت:
— أنا مش هقرر أي حاجة دلوقتي.
حماتي قالت بسرعة:
— شوفت؟ أنا قلتلك إنها هتسيبك.
بصيت لها.
— حضرتك آخر شخص يتكلم عن ترك البيوت.
سكتت.
قلت:
— لأن اللي حصل النهارده وضح إن المشكلة الأكبر مش وجود نجلاء ولا بنتها.
وبصيت لجوزي.
— المشكلة إنك بتاخد قرارات كبيرة من ورايا لما والدتك تطلب.
نزل عينه.
قلت:
— ودي حاجة لو ما اتغيرتش، الجواز ده فعلًا مش هيكمل.
أحمد هز راسه.
— فاهم.
تاني يوم، رحنا مكتب السمسار.
أحمد أوقف الصفقة بالكامل.
خسر جزء من العربون.
لكن باقي المبلغ رجع للحساب.
وأول حاجة عملها، فصل حساباته الشخصية عن حساب التوفير المشترك، واتفقنا إن أي مبلغ كبير ما يطلعش منه إلا بموافقتنا إحنا الاتنين.
بعدها، كلم محامي.
مش علشان يهاجم نجلاء.
ولا علشان يحرمها من حاجة.
علشان يتأكد من وضع البنت قانونيًا، ويبدأ الموضوع بالطريقة الصح.
طلب تحليل نسب.
ونجلاء وافقت.
بعد أسبوعين، النتيجة طلعت.
البنت بنته.
أحمد قعد ماسك الورقة حوالي عشر دقايق من غير ما يتكلم.
وبعدين بكى.
مش لأنه اكتشف إن عنده بنت.
لكن لأنه اكتشف إن ستاشر سنة من عمرها اتسرقوا منه ومن البنت في نفس الوقت.
اسمها كان ليلى.
أول مقابلة بينهم ما كانتش مؤثرة زي الأفلام.
ما جرتش عليه.
ما حضنتوش.
وما قالتش “بابا”.
قعدت قدامه في كافيه هادي، وقالت:
— أنا جيت علشان أسمع.
أحمد قال لها كل حاجة.
من غير ما يدافع عن نفسه.
قال لها إنه غلط لما صدق ورقة من غير ما يدور أكتر.
وقال إنه لو يقدر يرجع الزمن كان رجع.
ليلى سألته:
— كنت هتختارني لو عرفت؟
أحمد رد:
— إنتِ ماكنتيش اختيار. إنتِ بنتي.
سكتت.
وبعدين قالت:
— أنا مش جاهزة أناديك بابا.
قال:
— براحتك.
— ومش عايزة حياتي تتقلب.
— مش هضغط عليكي.
— وماما مش هتتأذى.
— عمرها ما هتتأذى مني.
وقتها لأول مرة، ليلى هزت راسها.
كانت بداية صغيرة.
بس كانت بداية.
أما حماتي…
فأحمد قطع معاها أي تعامل مالي تمامًا.
قال لها بوضوح:
— أنا ابنك، بس مش حساب بنكي.
وقال لها كمان:
— وبنتي الصغيرة مش هتقعد معاكي لوحدها تاني لحد ما أفهم إنك هتحترمي حدودنا.
اتعصبت.
بكت.
اتهمتني إني بعدت ابنها عنها.
لكن المرة دي، أحمد هو اللي رد.
قال:
— مراتي ما بعدتنيش. إنتِ اللي خليتيني أعيد حساب كل حاجة بينا.
مرت شهور.
علاقتي بأحمد ما رجعتش زي الأول بسرعة.
الثقة لما بتتكسر، ما بتتصلحش باعتذار واحد.
كان لازم أفعال.
كان بيوريني كل حركة مالية.
أي قرار يخص البيت نتكلم فيه سوا.
وبدأ يحط حدود حقيقية مع والدته.
ونجلاء ما دخلتش حياتنا كخصم.
على العكس.
مع الوقت، بقينا بنتعامل بهدوء واحترام.
أما ليلى…
فبدأت تقرب من أختها الصغيرة.
وبنتنا كانت أكتر واحدة مبسوطة.
في أول مرة ليلى زارتنا، بنتي أخدتها من إيدها وقالت:
— أنا عندي أوضة كبيرة، ممكن نقعد فيها سوا.
ليلى ضحكت.
وقالت:
— ماشي.
وقفت أنا عند باب الأوضة، وبصيت لأحمد.
قال بصوت واطي:
— أمي كانت عايزة تستخدم بيت علشان تفرقنا.
قلت:
— والنتيجة؟
بص للبنتين.
— البيت الحقيقي طلع هنا.
ابتسمت.
لكن قلت له:
— ما تنساش، إحنا لسه بنبني الثقة من أول وجديد.
قال:
— عارف.
بعد سنة تقريبًا، كنا كلنا قاعدين على سفرة واحدة.
أنا وأحمد.
بنتنا الصغيرة.
ليلى.
ونجلاء.
مش كعيلة مثالية.
ولا كأن حاجة ما حصلتش.
لكن كناس قررت إن أخطاء الماضي ما تتحكمش في بقية العمر.
حماتي ما كانتش موجودة.
وعلاقتها بأحمد بقت محدودة جدًا.
بعد ما رفضت تعتذر لنجلاء في البداية، وبعد شهور طويلة، بعتت لها رسالة واحدة:
“أنا ظلمتك.”
نجلاء ما ردتش.
وكان من حقها.
أما أنا…
فاتعلمت حاجة مهمة.
أحيانًا السر اللي بتحاول عيلة تدفنه سنين، ما بيدمرش البيت لما يظهر.
اللي بيدمر البيت فعلًا…
هو الكذب اللي الناس مستعدة تعمله علشان يفضل السر مدفون.
والبيت اللي كانت حماتي عايزة تشتريه علشان “تجهز أحمد وبناته للحياة من غيري”…
ما اتشرى أصلًا.
لكن الغريب إن كشف خطتها هو اللي خلّى أحمد لأول مرة يفهم إن الحفاظ على أسرته مش معناه يسمع كلام أمه في كل حاجة.
معناه يعرف إمتى يقول لها:
كفاية.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




