روايات وقصص

حلمي بسيط حكايات اسما السيد 3

جرينا ناحية الغرفة التانية. أنا قدامهم، وورايا الأمن ومديرة المستشفى، والست الكبيرة ماشية وهي بتقول: — يا رب استر… يا رب استر. مريم مكانتش تقدر تجري بعد الولادة، ففضلت في أوضتها وليان في حضنها، ومعاها ممرضة وأحد أفراد الأمن. وصلنا الغرفة. الباب مفتوح. السرير فاضي. سرير الطفلة الصغير… فاضي.

 

دخلت مديرة المستشفى وهي بتصرخ:

— مين سمح بخروج المريضة؟!

الممرضة الموجودة في الممر قالت:

— محدش! هي لسه مسجلة عندنا!

الأمن بدأ يتحرك فورًا.

واحد راح للمداخل.

واحد لغرفة المراقبة.

والمديرة طلبت إيقاف أي خروج من بوابات المستشفى لحين مراجعة الوضع وفق الإجراءات الرسمية.

أما أنا…

فكنت واقف مكاني.

في رأسي سؤال واحد:

لو ليان اللي مع مريم هي الطفلة التانية… يبقى بنتي فين؟

مسكت الست من دراعها.

— بنتك راحت فين؟

شهقت:

— معرفش والله!

— جوزها؟

— كان هنا من شوية.

— معاه عربية؟

— أيوه.

جريت ناحية غرفة الكاميرات.

بدأنا نراجع التسجيلات.

الساعة 11:41.

ظهر راجل خارج من المصعد.

قالت الست:

— ده جوز بنتي.

بعده بدقيقتين…

ظهرت بنتها على كرسي متحرك.

ممرضة بتزقها.

لكن مفيش طفل.

قلت:

— البنت فين؟

محدش رد.

رجعنا التسجيل.

عند 11:37، ظهرت الممرضة اللي بنشك فيها.

كانت خارجة من جناح الأطفال.

وفي إيدها حقيبة كبيرة.

لكنها ماكنتش شايلة رضيعة.

مديرة المستشفى قالت:

— مستحيل تكون الطفلة جوه الشنطة.

قلبي وقف.

لكن موظف الأمن أشار للشاشة.

— استنوا.

كبّر الصورة.

الممرضة كانت شايلة الشنطة بإيد…

وبالإيد التانية سرير أطفال متنقل مغطى بغطاء المستشفى.

تحركت بيه ناحية مصعد الخدمة.

قلت:

— تابعوها.

كاميرا الدور الأرضي أظهرتها خارجة من مصعد الخدمة.

وبعدها…

التسجيل انقطع عند زاوية معينة.

الأمن قال:

— فيه مخرج موظفين هناك.

مديرة المستشفى شهقت:

— لكنها محتاجة بطاقة خروج.

قال الموظف:

— هي موظفة.

سألت:

— والكاميرا الخارجية؟

فتحها.

ظهر باب الخدمة.

الساعة 11:44.

خرجت الممرضة.

وبجانبها…

كانت أم الطفلة التانية.

الاتنين ركبوا عربية.

لكن الطفلة؟

كانت مع الممرضة.

لفيتها ببطانية كبيرة على صدرها.

الست الكبيرة بدأت تصرخ:

— دي حفيدتي!

أما أنا…

فمكنتش عارف دي حفيدتها…

ولا بنتي.

طلعت موبايلي.

قلت:

— بلغوا الشرطة.

موظف الأمن قال:

— الإدارة بدأت الإبلاغ بالفعل.

بصيت للشاشة مرة أخيرة.

العربية اختفت.

وفي اللحظة دي اتصلت بيا مريم.

رديت.

— أحمد… تعال بسرعة.

صوتها كان غريب.

— حصل إيه؟

— ليان…

قلبي وقع.

— مالها؟!

قالت:

— الدكتورة كشفت عليها.

— وبعدين؟

مريم بدأت تعيط.

— لقت العلامة التانية.

— علامة إيه؟

قالت:

— العلامة اللي كنت بدور عليها من ساعة ما اتولدت.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

— أحمد… البنت اللي في حضني ممكن تكون بنتنا فعلًا.رجعت لمريم.

دخلت الغرفة.

كانت قاعدة على السرير.

ليان نايمة في حضنها.

الدكتورة واقفة جنبها.

قلت:

— إيه العلامة؟

مريم أشارت لمنطقة صغيرة خلف أذن الطفلة.

— هنا.

كانت علامة صغيرة جدًا، بالكاد تتشاف.

قالت:

— أنا كنت بدور عليها في المكان الغلط.

بصيتلها.

— يعني دي بنتنا؟

الدكتورة تدخلت:

— لسه مينفعش نقول كده.

مريم ضمت ليان.

— بس العلامة موجودة.

— والعلامة مش تحليل نسب.

سكتنا.

الدكتورة قالت:

— لازم تحليل موثوق للأبوين والطفلة. ويفضل كمان الطفلة التانية لما ترجع.

قلت:

— لما ترجع…

الكلمة نفسها كانت مرعبة.

لأن فيه طفلة رضيعة خرجت من المستشفى بطريقة غير طبيعية.

بغض النظر بنت مين…

لازم ترجع.

قلت لمريم:

— الشرطة بتدور عليهم.

مريم بصتلي.

— متقولش “بنتنا” وإنت بتتكلم عن الطفلة التانية.

استغربت.

قالت:

— لحد ما التحاليل تظهر، الطفلتين لازم نتعامل معاهم كإنهم أطفال محتاجين حماية. مش حاجات إحنا وهما بنتخانق عليها.

بصيتلها.

كانت لسه والدة من ساعات.

ومتألمة.

وخايفة على بنتها.

لكن وسط كل ده…

كانت أهدى مني.

قلت:

— عندك حق.

—

بعد حوالي ساعتين، جالنا خبر.

العربية اتحددت.

واتلاقوا.

الممرضة.

أم الطفلة.

والرضيعة.

الطفلة كانت بخير.

اتنقلت لمستشفى تحت إشراف رسمي للفحص.

أما الممرضة، فبدأ التحقيق معاها.

وفي البداية…

أنكرت كل شيء.

قالت إنها كانت بتساعد قريبتها تخرج من المستشفى لأنها كانت مرعوبة.

لكن الكاميرات قالت حاجة تانية.

وسجلات النظام قالت حاجة أخطر.

حد دخل على ملف ليان بعد الولادة بسبع دقائق.

وعدل رقمًا.

وبعدها اتعدل تاني.

اسم المستخدم؟

الممرضة نفسها.

لكن المفاجأة كانت لما واجهوها.

قالت:

— أنا مبدلتش الأطفال.

المحقق سألها:

— أمال عدلتي البيانات ليه؟

بدأت تعيط.

— علشان كنت ناوية أعملها.

— تعملي إيه؟

— أبدلهم.

الأوضة سكتت.

— وبعدين؟

قالت:

— مقدرتش.

وهنا بدأت الحكاية الحقيقية.

كانت خطتها من البداية تبديل الأساور بعد الولادة.

لكن أثناء العطل والفوضى، لما قربت من سريري الطفلتين…

خافت.

وقفت قدامهم.

بنتين رضيعتين.

ملهمش ذنب.

قالت إنها حاولت.

لكن إيديها اترعشت.

وفي الآخر رجعت كل طفلة مكانها.

المشكلة؟

إن والدة زوج أختها شافتها.

وشافت الأساور في إيديها.

ومن هنا افتكرت إن التبديل حصل فعلًا.

لكن ليه هربوا؟

لأن الأم التانية لما سمعت إن الإدارة بدأت تحقق، صدقت إن طفلتها ممكن تكون بنتنا.

وخافت.

خافت إننا ناخدها منها.

وخافت من الفضيحة.

فهربت.

تصرف كارثي…

لكنه ماكانش دليل إن الأطفال اتبدلوا.

الحقيقة الوحيدة اللي هتحسم كل شيء…

كانت التحاليل.

وبعد يوم كامل من الانتظار…

دخلت الدكتورة ومعاها ظرف.

مريم مسكت إيدي.

قالت:

— قولي بسرعة.

الدكتورة فتحت النتيجة.

وبصت لنا.

ثم ابتسمت.

— ليان بنتكم.

مريم شهقت.

ضمتها لصدرها.

وأنا حسيت رجلي مش شايلاني.

قعدت.

وبكيت.

لأول مرة من ساعة الولادة…

بكيت من غير خوف.

لكن مريم رفعت رأسها فجأة.

— والطفلة التانية؟

الدكتورة ابتسمت.

— التحليل أكد إنها بنت والديها هي كمان.

مريم غمضت عينيها.

وقالت:

— الحمد لله.

طفلتان.

أمّان.

ولا واحدة منهم ضاعت.

لكن لسه كان فيه سؤال:

ليه مريم قالت من أول ثانية إن ليان مش بنتها؟

والإجابة…

كانت أغرب مما توقعت.بعد ما رجعنا البيت، سألت مريم:

— إنتِ فعلًا كنتِ متأكدة إنها مش بنتنا؟

كانت قاعدة على الكنبة وليان نايمة على صدرها.

بصتلي.

— لأ.

— أمال ليه قلتيها؟

سكتت شوية.

— علشان خوفت.

— من إيه؟

مسحت على شعر ليان الناعم.

— إني أكون حبيتها قبل ما تتولد أكتر من اللازم.

استغربت.

قالت:

— أنا قضيت سنين بحلم ببنت. عملت في دماغي صورة كاملة ليها قبل حتى ما تيجي.

ابتسمت بحزن.

— تخيلت شكلها، شعرها، عينيها، حتى شخصيتها.

سكتت.

— ولما الممرضة حطتها في حضني… اكتشفت إنها مش البنت اللي في خيالي.

قلت:

— طبيعي.

— دلوقتي عارفة.

وبصت لليان.

— لكن وقتها، وأنا مرهقة وبعد الولادة، شفت إن العلامة اللي كنت مستنياها مش في المكان اللي توقعت… وبعدين شفت الست بتبص لها بالخضة دي…

هزت راسها.

— عقلي ربط كل حاجة ببعض.

قلت:

— لكنك كنتِ حاسة إنها بنتك.

ابتسمت.

— من أول ما حضنتها.

قربت منها.

قالت:

— وده اللي علمني حاجة.

— إيه؟

رفعت ليان شوية وبصت لوشها.

— أنا طول عمري كنت بحلم “ببنت”.

ثم قبلت جبينها.

— لكن دي مش حلمي.

بصيتلها باستغراب.

ابتسمت.

— دي ليان.

— وفي فرق؟

قالت:

— فرق كبير.

— إزاي؟

— الحلم أنا اللي كنت برسمه على مزاجي. إنما ليان إنسانة كاملة لوحدها. مش جاية تحققلي صورة رسمتها من عشر سنين.

بصت ناحية باب الأوضة.

أولادنا الخمسة كانوا واقفين ورا بعض بيتخانقوا مين يدخل يشوف أخته الأول.

ضحكت.

— وزي ما ولادي الخمسة عمرهم ما كانوا خمس محاولات فاشلة علشان أوصل لبنت.

وقفت.

فتحت الباب.

وقالت:

— دول خمس نعم لوحدهم… وليان السادسة.

دخلوا كلهم.

واحد عايز يشيلها.

واحد بيقول صوتها عالي.

والصغير سأل بمنتهى الجدية:

— هي إمتى هتعرف تلعب كورة؟

مريم ضحكت.

وأنا وقفت أتفرج على البيت.

ست أطفال.

الدوشة مضاعفة.

النوم تقريبًا انتهى.

ومصاريف كنت بحاول ما أفكرش فيها.

لكن وسط كل ده…

مريم كانت مبتسمة.

مش لأنها أخيرًا “كسبت بنت”.

لكن لأنها فهمت إن ربنا رزقها بستة أطفال مختلفين…

كل واحد فيهم يستحق يتحب لشخصه.

أما الممرضة، فتحولت الواقعة للتحقيق واتخذت المستشفى الإجراءات القانونية والمهنية اللازمة بسبب العبث بالسجلات ومحاولة التلاعب وخروج رضيعة بالمخالفة للإجراءات.

والأسرة التانية؟

بعد فترة، وصلتنا رسالة من جدة الطفلة.

كان مكتوب فيها:

“سامحونا على الخوف اللي دخلناه بيتكم. حفيدتي بخير، وبنتكم بخير، وأتمنى يكبروا من غير ما يعرفوا إن الكبار كادوا يحولوا أول يوم في حياتهم إلى كارثة.”

مريم قرت الرسالة.

وطوتها.

وقالت:

— عندها حق.

وبعدين بصت لليان.

— أول يوم خلاص خلص.

قلت:

— والجاي؟

ابتسمت.

— الجاي بتاعها هي.

وفي الليلة دي…

صحيت الساعة تلاتة الفجر على صوت ليان بتعيط.

فتحت عيني.

لقيت مريم واقفة عند سريرها.

قلت بنعاس:

— أغيرلها؟

قالت:

— غيرلها.

— وإنتِ؟

ضحكت.

— أنا حققت حلمي. مش معنى كده إني هاخد الوردية الليلية لوحدي.

ضحكت وأنا بقوم.

وخلال ثواني، صحى واحد من إخواتها.

وبعده التاني.

ثم الثالث.

بصيت لمريم.

— إنتِ كنتِ عايزة بنت ليه بالظبط؟

ضحكت وهي بتحاول تسكت ليان.

— والله نسيت.

وبين صوت ضحكنا وعياط الأطفال…

بصيت لعيلتي.

وفهمت إن أجمل حاجة حصلت في الحكاية كلها…

إننا اكتشفنا الحقيقة قبل ما خوف الكبار يغير حياة طفلتين للأبد.

أما ليان؟

كبرت وسط خمس إخوات شايفين إنهم حراسها الشخصيين.

ومريم فعلًا سرحتلها شعرها لما كبر.

واشتروا هدوم سوا.

وعاشوا تفاصيل كتير من اللي كانت بتحلم بيها.

لكن مريم ما حاولتش يوم تخلي ليان نسخة منها.

لأنها تعلمت الدرس من أول يوم:

الأطفال مش بييجوا الدنيا علشان يحققوا أحلامنا.

إحنا اللي بندخل حياتهم…

علشان نساعدهم يحققوا أحلامهم هما.

تمت

إهداء من الكاتبة أسما السيد

لكل أم انتظرت ولدًا أو بنتًا، ثم اكتشفت أن أجمل هدية ليست أن يأتي الطفل بالشكل الذي رسمته في خيالها…

بل أن يأتي سالمًا، ويكبر أمام عينيها، ويكون نفسه.

وإلى كل طفل:

أنت لست محاولة لتحقيق حلم قديم، ولا تعويضًا عن شيء ناقص.

أنت حكاية كاملة تستحق أن تُحب كما أنت.

 الكاتبة: أسما السيد

 ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن من الكاتبة أسما السيد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى